الافتتاحية
تفكيك الأفكار والكيانات!
2017/12/29
بقلم د. هناء عبيد
0
348
69
العدد :

يشتبك هذا العدد من مجلة الديمقراطية مع أكثر من قضية ذات طابع يتسم بتحدى الواقع ومحاولة تغييره فكرا أو ممارسة. فمن ناحية، تتناول دراسة العدد وملفه، قضية الانفصال والنزعات الاستقلالية التى عادت إلى سطح الأحداث بقوة فى إعلانين فاشلين للاستقلال، أحدهما فى كردستان العراق، والآخر فى كاتالونيا بإسبانيا، فى إشارة  إلى أنه لا توجد منطقة فى العالم بمنأى عن هذه الظاهرة. وكان من الواضح من ردة الفعل فى الحالتين المذكورتين، أن الدولة الوطنية والمجتمع الدولى غير مرحبين وغير مستعدين لفتح المجال أمام حالات انفصالية جديدة، مع ما يترتب عليها من هزات، وتغيرات سياسية واقتصادية، وإرباكا على ساحات لا تتحمل المزيد من السيولة.

على هذه الخلفية، تتناول الإسهامات البحثية المتنوعة فى هذا العدد مجموعة العوامل المؤدية إلى تأجيج النزعات الانفصالية، سواء الاقتصادى منها، أو ما يخص سياسات الهوية، وما يتعلق بالمظالم والمرارات التاريخية، أو ما يتصل بطمع النخب الانفصالية. كما تفرِّق التحليلات بين العوامل الداخلية المؤججة للصراع والحراك الانفصالى، مقابل العوامل الخارجية كمتغير شبه حاسم فى نجاح واستدامة الحركات الانفصالية.

كذلك تميز التحليلات بين التجارب التى يتم فيها تحدى سلطة الدولة الأم، ومحاولة الفكاك من الوحدة القسرية معها، من خلال توظيف العنف، وفى الأغلب هى الحالات التى تتسم فيها سلطة الدولة بالضعف، أو تنتمى للبلدان الأقل نموا من ناحية، والحالات التى يتم فيها السعى للاستقلال، من خلال الإجراءات القانونية والسلمية، وهو النمط الغالب فى حالة الحركات الانفصالية فى الدول الديمقراطية من ناحية أخرى.

وفى هذا السياق، تتناول المقالات نماذج تطبيقية فى منطقتنا العربية، وأفريقيا، وأوروبا، كما تتناول بعض النماذج السياسية والمؤسسية الناجحة فى إدارة التعدد، وقطع الطريق أمام تحوله إلى حراك انفصالى، من خلال دراسة نموذج الفيدرالية المرنة فى الهند، وكيف تفاعل هذا «المخيال المؤسسى» مع حالة بالغة التعقيد من الاختلاف والتنوع الثقافى والعرقى بين سكان الهند وأقاليمها.

ومن ناحية أخرى، ثمة موضوع آخر شغل اهتمام الدوائر الأكاديمية والفكرية والسياسية يتناوله هذا العدد، من خلال قسم خاص، هو مئوية الثورة الروسية، والتى حازت اهتماما كبيرا، وفتحت المجال أمام العديد من المراجعات، وإعادة القراءة، وتفكيك الثوابت حول تلك الثورة التى كان لها بالغ الأثر على أحداث القرن العشرين، وعلى ترتيبات ونظم  السياسة، والاقتصاد، والحكم فى الكثير من بلدان العالم حتى سقوط الاتحاد السوفيتى.

وقد فتح الباب أمام هذه القراءة المتجددة أزمة نموذج نهاية التاريخ الذى تم التبشير به قبل ما يقرب من ثلاثة عقود، فضلا عن الصعود الروسى الجديد، الذى أسهم فى إعادة الاهتمام بتقديم قراءة للحدث التاريخى الكبير وما ترتب عليه. وفى هذا السياق، تقدم مقالات هذا القسم قراءة تاريخية لمسئولية البلاشفة عن الحرب الأهلية الروسية التى أعقبت ثورة أكتوبر، كما تقدم رؤية لإرث الثورة الروسية فى مجال الفكر،  والقانون الدستورى.

فيما يعالج قسم قضايا ديمقراطية مسألة النسوية، من خلال تجلياتها أو موجة حراكها اللافتة على مواقع التواصل الاجتماعى، التى برزت فى شكل خطاب للبوح بحالات العنف، والانتهاك الجسدى للمرأة فى المجال العام، من خلال هاشتاج «MeToo» أو «أنا أيضا»، والذى تفاعل مع حركة عالمية مماثلة. هذا الحراك الذى يهز المألوف، ويسعى إلى إعادة ترسيخ حقوق المرأة فى المجال العام، ولا يقتصر على العالم الافتراضى، إنما يعد تجليه الأخير امتدادا لحراكات سابقة، وعلى مستويات مختلفة تشمل حراكات تحررية  تسعى إلى قراءة دينية أكثر تحررا أو عصرنة، وتمكينا للمرأة، كما توضح مقالات هذا القسم.

ويركز قسم قضايا مصرية على قضية مثارة منذ فترة، ومرتبطة بمسألة القوة الناعمة المصرية فى علاقاتها بالسياسات العامة، مثل التعليم،  والسياسة الثقافية، وطبيعة وتطورات الحضور المصرى كحاضنة ثقافية مؤثرة، خاصةً من خلال مجالات التعليم، والإنتاج الأدبى والسينمائى. أيضا، تتناول مقالات القسم بالتحليل التعداد السكانى المصرى الأخير، الصادر عام 2017، بما فيه من دلالات ومؤشرات، فضلا عن مناقشة قانون الحرمان من الجنسية، وما يثيره من تناقضات حقوقية ودستورية.

وأخيرا، يتناول قسم تقارير وانتخابات عددا من التطورات السياسية ذات الأهمية، مثل تداعيات اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتحديات المصالحة الفلسطينية، والساحة اليمنية، بعد قتل على عبد الله صالح، والأزمة السياسية اللبنانية، ومستجدات الملف السورى، فضلا عن متابعة تحليلية للانتخابات المحلية الجزائرية، إلى جانب التطورات السياسية فى زيمبابوى، ثم الانتخابات البرلمانية فى اليابان.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق