صحف و دوريات
تظاهرات إيران كشفت غياب النموذج الاقتصادي لتيار الإسلام السياسي/ د.مصطفى اللباد
2018/01/11
0
157
69
العدد :

تظاهرات إيران كشفت غياب النموذج الاقتصادي لتيار الإسلام السياسي

د.مصطفى اللباد

القبس

10/1/2018

دخلت التظاهرات الجارية في إيران أسبوعها الثاني تاركة شروخاً واضحة في مشروعية النظام الإيراني، على الرغم من عدم قدرتها الواضحة على إسقاط النظام. عمت التظاهرات الأرياف والمدن الإيرانية احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات وبعض السلع الأساسية، وسكب الكشف عن موازنة العام الفارسي الجديد انحيازات الحكومة الإيرانية ضد الطبقات الشعبية الزيت على النار فزاد الغضب اشتعالاً.

انطلقت التظاهرات من مدينة مشهد ذات الرمزية الكبيرة في إيران –مرقد الإمام الرضا ثامن الأئمة لدى المسلمين الشيعة – لتطول مدن ومناطق العمق الفارسي كما مناطق الأحواز العربية ومناطق الأكراد ومناطق الأذربيجانيين لأول مرة في تاريخ جمهورية إيران الإسلامية، الذي يقترب من عامه التاسع والثلاثين. لا ننسى في هذا السياق أن شركات عدة لتوظيف الأموال والتي تحوي مدخرات الإيرانيين من الطبقات الشعبية كانت قد أعلنت إفلاسها، مما أضاع مدخرات هؤلاء الناس. الجانب الآخر من الصورة يُظهر أن مدينة مشهد هي معقل آية الله المتشدد علم الهدى وصهره ابراهيم رئيسي – المرشح الخاسر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة – وأن التظاهرات خرجت بشعار «الموت لروحاني» استغلالاً منهما للحالة الاقتصادية الصعبة، إلا أنها خرجت عن السيطرة لتطول أعلى رأس في النظام الإيراني، أي مرشد الثورة وليس روحاني فقط.

وحدت الحالة الاقتصادية الصعبة وفساد المؤسسات ملايين الإيرانيين على اختلاف عرقياتهم وأصولهم المناطقية انطلاقاً من مدينة مشهد، على الرغم من غياب قيادة موحدة لهذه التظاهرات خلافاً لتظاهرات الحركة الخضراء عام 2009 التي قادها الإصلاحيان مير حسين موسوي ومهدي كروبي. لا يقتصر الفارق بين تظاهرات عام 2017 عن تظاهرات عام 2009 في عامل القيادة فقط، إذ إن تظاهرات عام ٢٠١٧ انتشرت في مناطق إيرانية كثيرة على العكس من تظاهرات ٢٠٠٩ التي كانت منتشرة في المدن الكبرى فقط، على الرغم من قلة عدد المتظاهرين عام ٢٠١٧ مقارنة بعام ٢٠٠٩. وفي حين كانت الطبقة الوسطى هي الرديف الأساسي لـ«الحركة الخضراء» عام ٢٠٠٩، يظهر بجلاء أن الشرائح الاجتماعية ما دون ذلك هي محرك التظاهرات الحالية ما يكسبها طابعاً شعبياً أكثر. التظاهرات الحالية مطلبية وتظاهرات «الحركة الخضراء» سياسية ضد تزوير الانتخابات الرئاسية، وذلك ينال من تسييس التظاهرات لكنه يجعلها أكثر جذرية في مطالبها الاقتصادية.

تتبنى حكومة روحاني السياسات النيوليبرالية التي ظهرت وطأتها على ملايين الإيرانيين، في تناقض فاقع وفاجع بين المنازلات السياسية التي تخوضها إيران مع أميركا والغرب من جهة وبين التبني الكامل للأجندة النيوليبرالية في الاقتصاد، وما يعنيه ذلك من محاكاة للنموذج الاقتصادي في الغرب من جهة أخرى. صحيح أن الروشتة النيوليبرالية مطبقة في جميع دول المنطقة وليس إيران فقط، إلا أن الخطاب السياسي المرتفع النبرة الذي تتبناه إيران حيال الولايات المتحدة الأميركية يتصادم مع الانحيازات الاقتصادية – الاجتماعية للحكومة الإيرانية. والحال أن غياب النموذج الاقتصادي الخاص عن التجربة الإيرانية لا ينطبق على جمهورية إيران الإسلامية فقط، بل على «حزب العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا أيضاً، ذلك الذي يعترف دون قيد أو شرط بالتراتبية المعلومة للنظام الاقتصادي العالمي الراهن وينخرط فيها وفقاً لقواعدها وشروطها بالرغم من خطابية أردوغان في مواجهة الغرب. وأظهرت تجربة جماعة الإخوان المسلمين في حكم السودان ذلك أيضاً لكن على نحو أكثر فداحة، أما تجربتهم القصيرة في مصر فأظهرت غياباً كاملاً لأي نموذج اقتصادي خاص. ورأينا عندهم خلطا شنيعاً بين التجارة والتنمية الاقتصادية، ومن يرد التأكد من ذلك فليراجع تصريحات الرجل القوي في الجماعة خيرت الشاطر في مناسبات وسياقات مختلفة.

وحين نمد خيط التحليل على استقامته يتبين بوضوح أن الاسلام السياسي يستطيع الحشد على خلفية قضايا الهوية، أو رفع شعارات سياسية جذابة أو ركوب موجات احتجاج، لكنه يخفق دوماً في اجتراح نموذج اقتصادي خاص سواء أكان ذلك الإسلام السياسي سنياً أم شيعياً!

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق