صحف و دوريات
الانتخابات العراقية فى بيئة متغيرة/ نيفين مسعد
2018/02/11
0
100
69
العدد :

نيفين مسعد

الأهرام

10/2/2018

الانتخابات العراقية فى بيئة متغيرة

بشكل عام تتميز البيئة التى تجرى فيها الانتخابات ــ فى أى دولة بما فى ذلك الدول الديمقراطية المستقرة ــ بالتغيير فيما بين انتخابات وأخري، وهو تغيير قد ينبع من اختلاف خريطة القوى السياسية فى الداخل بصعود تيار اليمين أو اليسار أو الوسط، كما قد ينبع هذا التغيير من انعكاسات التطورات الخارجية على الداخل. ولا يشذ العراق عن هذه القاعدة العامة لكن بحكم الظروف التى مر بها العراق من عام 2003 وحتى الآن فإن التغيير فى بيئاته الانتخابية تميز بأنه عميق ومتسارع بشكل لافت. فهناك فارق جذرى بين انتخابات 2005 التى جرت بعد عامين اثنين من الاحتلال الأمريكى وفى ظل حكومة انتقالية، وانتخابات 2010 التى تمت بعد أن أخذت تتبلور ملامح النظام السياسي، وانتخابات 2014 التى أُنجزت بعد الانسحاب الأمريكى فى عام 2011، وانتخابات 2018 التى من المنتظر إجراؤها فى مايو المقبل، بعد أن تم القضاء بشكل شبه نهائى على خطر تنظيم داعش وإحباط محاولة انفصال كردستان. واكبت وتواكب كل هذه الانتخابات أزمات سياسية من نوع الاختلاف على قانون الانتخابات، ثم على نتائج تلك الانتخابات وتوزيع المقاعد بين كتلتى العراقية ودولة القانون فى 2010، أو انسحاب أعضاء المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فى 2014 بسبب ما قالت إنه تدخل سياسى فى عملها، أو الاعتراض (أساسا من تيار الصدر) على تشكيل هذه المفوضية ومطالبة السنة فى 2018 بتأجيل الانتخابات بسبب ظروف المحافظات التى دارت فيها الحرب على داعش. و شكّل العنف ملمح فى كل هذه البيئات الانتخابية كجزء من ملامح المشهد العراقى العام، وارتبط هذا العنف جزئيا بحالة عدم الاستقرار فى الجوار السورى المباشر مع السيولة تفى حركة الجماعات المسلحة عبر الحدود.

ولو توقفنا أمام الانتخابات البرلمانية المنتظرة بعد شهرين لأمكن لنا أن نلاحظ تعَمُق التصدع فى الدعائم الأساسية التى قامت عليها العملية السياسية منذ 2005 أى الكتل الثلاث الشيعية والكردية والسنية. فإذا بدأنا بالمُكون الشيعي-كما يشار إليه - نجد أن تيار عمار الحكيم خرج من المجلس الأعلى الإسلامى وشكل تيار الحكمة الوطنى وهذا تطور بالغ الأهمية بحكم الدور الذى لعبه آل الحكيم فى تأسيس المجلس الأعلي، وتفاعل الانقسام داخل حزب الدعوة ما بين جناحّى نورى المالكى وحيدر العبادى و يدخل كل منهما الانتخابات بائتلاف منفصل وذلك تحت اسمّى ائتلاف دولة القانون وتحالف النصر على التوالي. كما يدخل التيار الصدرى الانتخابات بائتلافه الخاص الذى أطلق عليه اسم «سائرون للإصلاح ». وهكذا فإن الائتلاف العراقى الموحد الذى كوّنه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة والتيار الصدري، والذى دخل الانتخابات كجسد واحد وحصد نحو 46% من مقاعد البرلمان، هذا الائتلاف تبخر وتوزع على ثلاثة ائتلافات كبيرة وعدد آخر من الائتلافات الأصغر.. يُذكَر أنه كانت ثمة محاولة لانضواء تيار الحكمة تحت مظلة تحالف النصر الذى يرأسه العبادى إلا أنها تعثرت بسبب الاختلاف على توزيع الأدوار داخل الائتلاف.

ولو انتقلنا إلى المُكون السني، نجد أنه يخوض بدوره الانتخابات عبر عدة تكتلات، فحزب سليم الجبوري، التجمع المدنى للإصلاح مثلا ينضوى تحت ائتلاف الوطنية الذى يتزعمه إياد علاوي، وحزب للعراق متحدون لأسامة النجيفى يدخل فى ائتلاف القرار العراقي، وحزب وحدة أبناء العراق لسعدون الدليمى يشترك فى ائتلاف صلاح الدين هويتنا لشعلان الكريم .ومع أن التشرذم السنى ليس ظاهرة جديدة إلا أنه تأكد فى 2018 فإضافة إلى الائتلافات السابقة توجد عدة ائتلافات مناطقية أى ترتبط باسم المحافظات السنية، وقد ذكرت ائتلاف صلاح الدين لكن إلى جانبه يوجد أيضا ائتلاف الأنبار هويتنا وائتلاف نينوى هويتنا وتحالف بغداد وتحالف ديالى التحدي.. وعلى جانب الأكراد نجد أيضا عدة ائتلافات تمثلهم أبرزها قائمة السلام الكردستانية وتضم الحزبين الكرديين الكبيرين مع الحزب الشيوعى ويرأسها خالد شوكاني، وائتلاف القوى الكردية فى كركوك ويضم حركة التغيير والجماعة الإسلامية والتحالف من أجل الديمقراطية والعدالة ويرأسه يوسف محمد .

وفى تقييم هذا التشرذم يمكن القول: إنه يؤدى إلى تفتيت الأصوات الانتخابية بشدة فمن المتعذر على أى من هذه القوائم الانتخابية أن يقترب من تحقيق الأغلبية،  وهذا يعنى أن الحكومة التى ستنبثق عن هذه الانتخابات ستكون بالضرورة ائتلافية بين العديد من القوى السياسية، وبالتالى فإنه يتطلب حنكة كبيرة فى تشكيل الحكومة بحكم تباينات المواقف. وكمثال فإن من القوائم الانتخابية القوية قائمة تحالف الفتح برئاسة هادى العامري، وهذه القائمة تتشكل من الأجنحة السياسية لقوات الحشد الشعبى من أمثال منظمة بدر والجهاد والبناء وحزب الله العراق... إلخ، وهى تظهر لأول مرة كقوة انتخابية منافسة لأن تشكيل الحشد نفسه ارتبط بمواجهة داعش .وتتمتع هذه القائمة بدعم من إيران لأسباب مفهومة بعد أن احترقت ورقة المالكي، لكن على المستوى الداخلى فإن ثمة جدلا كبيرا حول دور الحشد عموما وفى المجال السياسى خصوصا، ويكفى هنا التذكير بموقف التيار الصدرى من الحشد بالتوازى مع الفتور فى علاقته بإيران وانفتاحه على المملكة العربية السعودية. ومن المفارقات الطريفة أن يتحالف الصدر فى الانتخابات القادمة مع الحزب الشيوعى العراقى ويجده أقرب إليه من أطراف سياسية أخري. نعم يكسر هذا التحالف من حدة الاصطفاف الطائفى على الساحة العراقية لكنه يبدو محفوفا بأسباب التحلل أيضا .

إن مستقبل العراق القريب مملوء بالمفاجآت، فلا أحد بقادر على استشرافه فى ظل فوضى القوى السياسية التى تزدحم بها الساحة الانتخابية، لكن فى كل الأحوال فإنها مرحلة المخاض التى لابد من اجتيازها مع انتقال العراق من الحرب الضروس على داعش إلى الإعمار السياسى والمادى فيما بعد داعش.


 

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق