صحف و دوريات
الدين والأخلاق/ أنور مغيث
2018/03/14
0
156
69
العدد :

د. ـأنور مغيث

الأهرام

13/3/2018

الدين والأخلاق

سقراط المعروف بالأسئلة المربكة يسأل شخصاً يحاوره: الفضائل التى تقول إن الآلهة أمرتنا بها، هل هى فضائل لأنها أمرتنا بها، أم أن الآلهة أمرتنا بها لأنها فضائل أصلاً؟ السؤال بصيغة أخرى: هل الدين هو الذى يحدد لنا ماهو الخير وما هو الشر، أم أن الدين هو فقط يحثنا على فعل الخير المعروف مسبقاً؟ الأمر إذن يتعلق بالعلاقة بين الدين والأخلاق. ومن المعروف أن الأديان الكبرى مثل المسيحية والإسلام حديثة العهد نسبياً، والأخلاق لازمة لكل حياة جماعية مشتركة. وقد عاش البشر في مجتمعات قبل الأديان بآلاف السنين، فالأخلاق إذن سابقة على الأديان.

وسبب وجود الأخلاق هو ميل الإنسان إلى العيش المشترك، فلو كان الفرد يعيش وحيداً لما كانت هناك ضرورة للتمييز بين خير وشر، ولكن ما إن يدخل الإنسان فى العلاقة مع آخر يصبح من الضرورى معرفة الفارق بين الخير والشر. ولكيلا تتحول الحياة المشتركة إلى غابة يلتهم القوى فيها الضعيف فإنها تحتاج إلى تنظيم يضمن السلام الاجتماعي. وهذا التنظيم للحياة الأخلاقية عماده أمران: القانون والأخلاق. أفعال مثل القتل، السرقة، تتحول إلى جرائم يعاقب عليها القانون باستخدام القوة، ومن هنا تكون القوانين ملزمة بإرادة الدولة التى هى فوق إرادة الفرد. ولكن القوانين وحدها ليست كافية لضمان استمرار العيش المشترك بصورة مسالمة. فسلوكيات مثل قول الصدق أو مساعدة الضعفاء أو إيثار الآخرين ضرورية للحياة المشتركة ولكن لا يمكن فرضها بقوانين ملزمة. متروكة لضمير الفرد والتزامه النابع من داخله، وهذا هو دور الأخلاق

أتت الأديان لتأكيد حث الناس على عمل هذه الفضائل وتقوية التزام الأفراد بفعل الخير. ومن هنا تبدو العلاقة بين الدين والأخلاق هى علاقة تكامل. ولكن لا يعني ذلك أن هناك تطابقاً كاملاً بينهما فهناك مظاهر للاختلاف. فمثلاً الفيلسوف الألمانى كانط يُعّرف الفعل الأخلاقى بأنه فعل منزه عن الغرض، أى لا ينبغى أن ينتظر الإنسان من ورائه مكافأة أو ثواباً. إذا كان الأمر كذلك، فما القول فى الأديان التى تربط فعل الخير بمكافأة يحصل عليها الناس بعد الموت؟ ألا يعنى ذلك أن فعلهم هذا أصبح غير أخلاقى لأنه أرتبط بغرض يسعون إليه؟

فلاسفة تنويريون كبار مثل جون لوك وفولتير يرون أنه لا ضير في ذلك طالما أن الغاية واحدة. ويعتقدون أن الدين ضرورى لإقامة حياة أخلاقية فى المجتمع، والوعد والوعيد ضروريان لإلزام الناس بفعل الخير. وفلاسفة آخرون رأوا أن الاختلاف أعمق من ذلك؟ فكل من الدين والأخلاق يعملان وفق منطقين متباينين؛ فالأخلاق تنطلق من الضمير، فى حين أن الدين ينطلق من تنفيذ الأوامر التى جاءت بها النصوص المقدسة والتي يحدد لنا فحواها المتخصصون في ذلك وهم رجال الدين.

فنحن نلاحظ فيما حولنا مجتمعات تخلو من الأديان السماوية، وأخرى تختفى منها مظاهر التدين، وربما ينكر الكثير من أبنائها البعث والحساب فى الآخرة، ورغم ذلك تسود فيها القيم الأخلاقية العليا مثل النزاهة والصدق فى القول وإتقان العمل. ونجد مجتمعات أخرى تكثر فيها مظاهر التدين الشكلى التى تتعايش مع رذائل مثل الرشوة والفساد والكذب والغش في الامتحانات. نحن نعرف تماماً أن هذه السلوكيات، مهما اتخذت من مظاهر، هي ذنوب يأباها الدين وتخالف مقصده.

ولكن ربما يأتى الانحراف من ميل بعض رجال الدين إلى تفسير النصوص بصيغة ترتبط بمصالحهم. فيحكى برتراند رسل أنه حينما كان الطلاق محرماً فى المجتمعات المسيحية كان رجال الدين دائماً يجدون مخرجاً إذا كان من يطلب الطلاق ثرياً أو من أصحاب النفوذ، أماإذا كان فقيراً فإنهم يتشددون فى التفسير ويغلقون فى وجهه كل باب للحل. هذه الممارسات المخالفة لروح الدين التي يمارسها بعض رجاله تنتشر فى المجتمعات في فترات تاريخية معينة، لدرجة أن الفيلسوف ديدرو جعل العلاقة بين الدين والأخلاق علاقة تناقض، فهو يرى أنه حينما يزدهر الدين تتوارى الأخلاق والعكس صحيح. ربما كان هذا الموقف المتطرف من قبل ديدرو راجع للفترة التى أساء فيها رجال الكنيسة فى أوروبا استخدام الدين وحولوه إلى وسيلة للتربح من سذاجة الفقراء. ولكن اليوم كثير من الفلاسفة المعاصرين يرون فى التزام الناس بالفضائل، دون حتى أن يقدموا لالتزامهم هذا تبريراً دينياً ، نجاحا كبيرا للدين لأنه استطاع أن يحول الالتزام بالفضيلة من تنفيذ لأوامر خارجية إلى أن يصبح جزءا من طبيعة الإنسان، أو بتعبير آخر تحول فعل الخير إلى طبيعة ثانية يصعب على الإنسان أن يفعل فعلاً مخالفاً له. هذا الالتزام الحميم بالأخلاق دلالة على مدى ما حققه الدين من ترسيخ للفضائل في ضمائر البشر.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق