ملف العدد
كيف نفهم ازدياد دور الأفراد فى النظم الديمقراطية؟
2018/03/28
بقلم أ. د. على الدين هلال
0
261
70
العدد :

تثير العلاقة بين الأفراد والمؤسسات،من جهة، والأفراد والسياق من جهة أخرى، جدلاً واسعاً فى التحليل السياسى، سواء على مستوى النظرية السياسية، أو السياسة المقارنة. فهل الأفراد يتخذون قراراتهم ويتبنون تفضيلاتهم كاستجابة، أو تحت تأثير الاعتبارات المؤسسية والسياقية?، أم أنهم يتمتعون بالاستقلال عنها، ويستطيعون تغيير السياق وإعادة بناء المؤسسات، وفقاً لأفكارهم وتصوراتهم؟ وأصبح أحد الأسئلة الرئيسية فى الدراسات المعنية بدور القيادة: هل ترتبط أنماط القيادة السياسية بأشكال متنوعة من النظم السياسية؟ وبعبارة أخرى، ما هى طبيعة العلاقة بين نظم القيادة السياسية وشكل النظام السياسى ودينامياته وأبنيته؟ هل يمكن القول إن جانباً كبيراً من الاختلاف بين نظام سياسى وآخر مرده إلى التباين بين نمط القيادة الحاكمة؟ أم أن نمط القيادة يمثل متغيراً تابعاً لطبيعة النظام السياسى وبيئته الاجتماعية – الاقتصادية؟1

تهدف هذه الورقة إلى عرض بعض الجوانب النظرية المتعلقة بظاهرة ازدياد دور الأشخاص (القيادات) فى العملية السياسية فى النظم الديمقراطية الليبرالية، والتى أثارت جدلاً واسعاً حول أسبابها ودلالاتها وتأثيراتها فى مستقبل الديمقراطية فى العالم. وقد استخدم الباحثون عدداً من التعبيرات باللغة الإنجليزية للدلالة على هذا التطور، مثل إسباغ الطابع الشخصى على الحياة السياسية ThePersonalizationofPoliticalLife،  والطابع الرئاسى للسياسة PresidentialPolitics، أو Presidentialismوالبرلمانية الرئاسية PresidentialParliamentiarism،  إضافة إلى التعبير الأقدم عهداً، والذى عادة ما يستخدم للإشارة إلى النظم السلطوية، وهو الطابع الشخصى للسياسة PersonalPolitics، أو شخصنة السلطة PersonificationofAuthority. وقد كان من شأن ذلك، دعم الاتجاه إلى سيادة نفوذ السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية، وأن السياسة أصبحت تنتسب للرؤساء والقادة أكثر من انتسابها للأحزاب والبرامج. 

أولاً ــ من الأبطال إلى المؤسسات:

الحقيقة، أن دور الفرد القائد فى الحياة السياسية هو قديم قدم السياسة ذاتها، فمن الإسكندر المقدونى والملك – الفيلسوف فى عهد الإغريق، إلى القيادات التاريخية فى منتصف القرن العشرين، مثل روزفلت، وتشرشل، وديجول، وماوتسى تونج، وزعماء حركات التحرر الوطنى، كجمال عبد الناصر، وكوامى نكروما، وأحمد سيكوتورى فى أفريقيا وجواهر لال نهرو، وأحمد سوكارنو فى آسيا, لم يتوقف دور القيادات فى توجيه دفة التاريخ وقيادة الدول والمجتمعات إلى آفاق جديدة. أضف إلى ذلك بالطبع، دور القيادات غير السياسية، كالمصلحين الاجتماعيين والفلاسفة والمبدعين.

وقد قاد هذا الاعتقاد توماس كارلايل المفكر الأسكتلندى، الذى عاش ما بين 1795 - 1881، إلى اعتبار أن التاريخ هو من صنع الأبطال، وأن تاريخ ما أنجزه البشر هو فى جوهره تاريخ عظماء الرجال، فقد كانوا المبدعين، والمبتكرين، والمكتشفين، ومثَّلوا القدوة للآخرين. وفى كتابه الصادر عام 1841 بعنوان «عن الأبطال: عبادة البطل، والبطولة فى التاريخ» قدم نماذج متنوعة من الأبطال، شملت الأنبياء، والمحاربين، والأدباء والشعراء، والسياسيين، والذى يجمع بينهم من وجهة نظره أنهم قادوا مجتمعاتهم نحو حياة أفضل وأكثر عدلاً، وارتقوا بجموع العامة التى ما كان يمكن لها أن تفعل ذلك بدون القدوة والقيادة. وأكد كارلايل أن البطولة هى نعمة من عند الله، وأن الأبطال هم أكثر الناس إيماناً، وهم الأرواح والعقول الأكثر طهارة وتميزاً وذكاءً، وترتب على هذا الاعتقاد إعطاء وزن أكبر لدور «القائد» فى التحليل السياسى2.

هذا التصور المثالى الذى ظهر فى القرن التاسع عشر لدور القادة فى التاريخ، تعرض لانتقادات حادة فى القرن العشرين، خاصة بعد بروز الدور غير الإنسانى وغير الأخلاقى للقادة فى ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، والاتحاد السوفيتى فى عهد ستالين، والجرائم الوحشية التى ارتكبتها هذه النظم فى حق شعوبها وشعوب دول أخرى. وانتُقدت هذه الفكرة على أنها معادية للديمقراطية، وأنها تقدم المسوغ للطغيان والاستبداد، وترتب على ذلك أن الحديث عن القادة توارى فى العلوم الاجتماعية فى الفترة التى تلت الحرب العالمية الثانية لمصلحة التركيز على دور التنظيمات والمؤسسات.

 شهدت المرحلة التى تلت الحرب العالمية الثانية مراجعة لهذا الدور، وذلك بعد هزيمة الديكتاتوريات الفاشية فى ألمانيا وإيطاليا واليابان، وانكشاف مدى الدمار الأخلاقى، واحتقار الطبيعة البشرية التى ظهرت فى ممارسات زعماء هذه الدول، وأدى انتصار الديمقراطية إلى زيادة الاهتمام بدور الأحزاب والمجالس التشريعية والانتخابات، وذلك على حساب دور الأشخاص، وسادت فكرة أن الأفراد هم إفراز اجتماعى وأنهم يعبرون عن الثقافة والسياق اللذين نشأوا  فى إطارهما، وتراجعت تدريجياً دراسات «القيادة السياسية» لمصلحة النظم والمؤسسات.

وتأكد هذا الاتجاه فى حقبتى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، مع ذيوع تحليل الأنساق والاتجاه الوظيفى – البنائى، وما ارتبط بهما من مفاهيم. وقد ترتب على ذلك تراجع الاهتمام بدور الفرد والتركيز على المؤسسات بحسبانها علامة نضج النظم السياسية، وأحد العناصر الرئيسية للانتقال إلى الديمقراطية، وازداد الاهتمام بمؤشرات المؤسسية Institutionalization، والتى من أشهرها تلك التى قدمها الأستاذ صمويل هنتنجتون، والعلاقة الإيجابية بين المؤسسات والديمقراطية والحكم الصالح3. وعلى مستوى الأفراد، أصبح الاهتمام بالنخبة، وليس الأشخاص فحسب. وتم إعادة تعريف مفهوم القيادة على أنه عملية تشمل القائد والنخبة والموقف، أو القائد والأتباع والموقف والمهمة، أو القائد والجماعة السياسية والفاعلية4.

وفى الفترة التى تلت الحرب العالمية الثانية، كانت الإشارات القادمة من الواقع السياسى مختلطة، وأبرزت الفارق بين النظم البرلمانية ونظيرتها الرئاسية. ففى المملكة المتحدة صوت الناخبون بعد الحرب لمصلحة حزب العمال الذى قدم برنامجاً اجتماعياً واقتصادياً لإعادة البناء، وسقط الزعيم التاريخى ونستون تشرشل الذى قاد بلاده إلى النصر. أما فى الولايات المتحدة فقد صوت الأمريكيون لمصلحة المرشح دوايت أيزنهاور، وهو الجنرال الذى قاد جنود الحلفاء إلى النصر. ولكن هذه الإشارات المختلفة سرعان ما توارت لمصلحة ازدياد دور السمات الشخصية للسياسيين على حساب برامج الأحزاب التى يمثلونها فى الأنظمة الرئاسية والبرلمانية على حد سواء.

وازداد الإدراك بأن الأنساق والمؤسسات لا تعمل من تلقاء ذاتها، وأن القوانين والقواعد التى تحكمها لا تطبق نفسها بنفسها، وأن هذه التنظيمات والمؤسسات يديرها أشخاص ذوات ثقافة وتوجهات وتفضيلات متنوعة، وأنها تؤثر فى فهمهم للقانون والقواعد وطريقة تطبيقهم لها.

ثانياً ــ ازدياد دور الأفراد فى الحياة السياسية:

فى النصف الثانى من القرن العشرين، ازداد دور الزعماء الأفراد كعامل مؤثر فى الحملات الانتخابية، وفى التأثير على السلوك التصويتى للناخبين. تعد الولايات المتحدة هى الدولة الرائدة فى هذا التطور ضمن دول الديمقراطية الراسخة، وسجل الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذى غطى الانتخابات الرئاسية عام 1952، أن أحد عناصر الحملة تضمنت قيام المرشح الجمهورى بالانتقال من ولاية إلى ولاية فى قطار اصطحب فيه عدداً كبيراً من المراسلين الأمريكيين والأجانب كان «هيكل» أحدهم، وأنه لاحظ أن أيزنهاور كان يضع بعض المساحيق لإخفاء تجاعيد وجهه، ولكى يبدو أكثر شباباً وحيوية.

ومن ناحية أخرى،كان للسمات الشخصية للمرشح الديمقراطى جون كيندى وزوجته جاكلين دور مهم فى فوزه بانتخابات الرئاسة فى عام 1962، وكان أول كاثوليكى يصل إلى مقعد الرئاسة. أما فى النظام البرلمانى، فقد كانت الانتخابات البرلمانية فى كندا عام 1968 التى اكتسحها زعيم الحزب الليبرالى بيير إليوت ترودو مناسبة لاهتمام الباحثين بدور الأفراد فى هذه النظم، وشاهدت استخدام ترودو لأساليب مبتكرة للاقتراب من الشباب، حيث كنت وقتئذ طالباً بجامعة ماكجيل، وأذكر أن الصحافة الكندية والأمريكية وصفت ما حدث  بتعبير «الترودومانيا»5. وعلى مدى السنوات التالية ازداد دور الأفراد فى الانتخابات الأوروبية، وهو ما  سماه البعض «أمركة السياسة الأوروبية».

من المهم فى هذا الصدد توضيح الفارق بين ازدياد دور الزعماء فى الحياة السياسية وازدياد دور السلطة التنفيذية فى النظم الديمقراطية من ناحية، والاستبداد أو السلطوية السياسية من ناحية أخرى. ففى الحالة الأولى، يزداد دور الأفراد ودور سماتهم الشخصية، فى إطار الدستور والقواعد المعمول بها فى النظم الديمقراطية، وفى سياق المؤسسات التى يمارسون فيها أدوارهم كالأحزاب، وهو ما دفع أحد الباحثين إلى استخدام تعبير الشخصنة المؤسسية InstitutionalPersonalization6. أما فى الثانية، فإنه يتم التماهى بين الزعيم والنظام والدولة، وتصبح مخالفته فى الرأى تهديداً للنظام وخيانة للدولة، وهو المعنى السلبى لدور الأفراد فى الحياة السياسية، والذى لم تتناوله هذه الورقة.   

وقد ساهم عدد من العوامل فى إيجاد البيئة المواتية لهذا التطور، وهى7:

الصورة هى البطل.. دور التلفاز :

أدى استخدام التلفاز فى الحملات الانتخابية والترويج السياسى للمرشحين إلى أن تصبح «الصورة» هى البطل، و«الشخص» هو النجم ومركز الاهتمام، وانتشرت بحوث التسويق السياسى ومراكز الاستشارات التى تقدم النصائح وتقترح خطط الترويج السياسى للمرشحين فى الحملات الانتخابية8. كان الرئيس ديجول أول من استخدم التلفاز بكثافة فى فرنسا لمخاطبة المواطنين بشكل مباشر.

ووصلت دراسة قامت بتحليل الحملات الانتخابية فى ألمانيا، وبريطانيا، وأمريكا، إلى اتسامها بتركيز أدوات الإعلام على السمات الشخصية للمرشحين MediaPersonalization9، وأنها تنافست فيما بينها فى هذا الشأن، وازداد يقين السياسيين بأن الظهور الجيد على الشاشة هو الطريق للفوز بالانتخابات، وأنه مورد سياسى لا يقدر بثمن، وأن أهمية الاجتماعات الحزبية واللقاءات الشعبية قد تغيرت، فلم تعد ذات أهمية فى حد ذاتها، ولكن بحسبانها مناسبة تركز الكاميرات فيها على المرشح وجاذبيته الشخصية، ومدى تجاوب المواطنين معه، وقدرته على التواصل معهم والاستماع إليهم، والإجابة على ما يطرحونه من أسئلة، وضبط انفعالاته عند استماعه لانتقادات حادة لشخصه10.ويختلف دور التلفاز فى الحملات الانتخابية بين دولة وأخرى، وفقاً للقواعد المنظمة لاستخدام التلفاز فيها، وملكية القنوات التليفزيونية.

الفردية وتجنب الالتزام التنظيمى: تأثير أدوات التواصل الاجتماعى:

أدى اكتساح ثورة الاتصالات والمعلومات لكل أرجاء العالم وما ارتبط بها من ظهور أدوات الميديا الجديدة والتواصل الاجتماعى إلى ازدياد شعور الأفراد بذواتهم، وإلى تركيز حواراتهم ومناقشاتهم فى العالم الافتراضى بحكم ما يوفره لهم من حرية وإتاحة دائمة، وعدم اضطرارهم إلى الانخراط فى تنظيمات حزبية أو نقابات. ومارس قطاع واسع من مستخدمى الميديا الجديدة، خاصة الشباب حرياته واستقلاله ورغبته فى التعبير عن رأيه بعيداً عن ضغوط تنظيمية أو التزامات حزبية لم يكن له دور فى تكوينها.   

وارتبط بالفردية والنزوع إلى التخلص من الالتزامات والضغوط التنظيمية شعور متزايد بعدم اليقين فى عالم معقد وملتبس فى مواجهة تحديات جمة تواجه مستقبل الأجيال الأصغر سناً، وهو ما جعلهم لا يبحثون فقط عن الأفكار، التى تستجيب للأسئلة التى تراودهم، ولكن الأهم عن «الشخص» الذى يثقون به ويقدر على تنفيذها. وأدى ذلك إلى ازدياد دور الكاريزما والسمات الشخصية للمرشحين فى كسب ثقة الناخبين، خاصة لدى «الشريحة المتأرجحة»، والتى لم تحسم تفضيلها الانتخابى والتى عادة ما تكون أكبر الشرائح عدداً عند بداية الحملات الانتخابية.   

تراجع الأحزاب كأدوات للتعبئة السياسية:

يتفق الباحثون على أن الأحزاب فى دول الديمقراطية الراسخة تواجه أزمة عميقة تتعلق بدورها وهويتها وتؤثر فى علاقتها بأعضائها وجمهور الناخبين، وترجع هذه الأزمة إلى مصادر عدة منها؛ ازدياد التشابه بين الأحزاب الكبيرة فى البرامج والسياسات وتراجع الاختلافات بينها، وعدم تبنيها للقضايا والأفكار الجديدة المثارة فى المجتمع، والجمود التنظيمى لها، وسيطرة أقلية من السياسيين والمحترفين على إدارة شئونها، وتراجع الثقة فى نزاهة السياسيين ومدى تعبيرهم عن الصالح العام11. وكان من بين النتائج التى أسفرت عنها هذه الأزمة هو تراجع الاهتمام بالبرامج، وذلك لصالح الأشخاص الذين يرشحهم الحزب وقدراتهم على التواصل الشخصى والسياسى مع الناخبين12

والخلاصة، أنه كان من شأن هذه التطورات الثلاثة أن أصبح «المرشحون الأشخاص» هم بؤرة الاهتمام وبوصلة الحركة السياسية، ودفع ذلك المرشحين إلى توظيف أدوات الميديا على اختلاف أشكالها، بما يحقق لهم الاتصال الشخصى مع الناخبين، واستخدام أساليب الإثارة ودغدغة العواطف والمشاعر، من خلال أساليب خطابية وبلاغية، وأيضاً، من خلال حركات المرشح وسكناته التى تنقل الميديا أدق تفاصيلها إلى ملايين الناخبين. أصبحت المشاهدة والفُرجة على المرشح الرئاسى بنفس قدر أهمية معرفة أفكاره، وربما تزيد، وأصبحت قدرة السياسى على تعبئة الموارد النفسية والرمزية والتخيلية، والكلمات أو الشعارات الموحية من العوامل المهمة فى كسب ثقة الناخبين.   

ظهر ذلك فى الحملات الانتخابية التى أصبحت تدور أساساً فى النظم الرئاسية والبرلمانية حول «أشخاص»، وليس حول «أحزاب». ومن أمثلة ذلك، أن حملة أوباما الأولى فى عام 2008 ركزت على تقديم صورته باعتباره الشخص المخلص، الملهم والذى ينظر إليه الأمريكيون على أنه طوق النجاة من الوضع المتردى الذى أوجدته إدارة الرئيس بوش، واستخدمت عدداً من البوسترات المعبرة عن هذه المعانى على موقع الحملة، كان أحدها يظهر أوباما. وهو يشخص ببصره إلى السماء مرتدياً قميصاً أبيض، وكانت نظرته تعطى الانطباع بالشخص الواثق من نفسه والمؤمن بالتغيير، وبقدرته على تحقيقه، وكانت عبارته الأثيرة «نعم نحن نستطيع»13.  وحرصت الحملة على استخدام أدوات الإعلام الجديد التى عززت رأس المال الاجتماعى الافتراضى له، ودعمت ثقة المواطنين فيه. 

فى السياق نفسه، ركزت حملة دونالد ترامب فى انتخابات 2016 على صورة الرجل العصامى الناجح الذى غاص فى أعماق الحياة الأمريكية وعرف دروبها وأسرارها، وكيفية النجاح فيها، وأن الشخص الذى استطاع أن يعقد أفضل الصفقات ويحقق أرباحاً هائلة منها، قادر على اتخاذ القرارات الجريئة التى تحقق الانتعاشة للاقتصاد الأمريكى وللفئات المهمشة فيه.

يدل على ذلك ما حدث فى الولايات المتحدة وفرنسا فى عامى 2016 - 2017. ففى الولايات المتحدة وصل إلى سدة الرئاسة دونالد ترامب الذى لم يتول أى منصب تنفيذى أو تشريعى فى حياته، ولم يكن له تاريخ سياسى يذكر، ومع ذلك فقد استطاع هزيمة منافسته، هيلارى كلينتون، صاحبة التاريخ السياسى والحزبى الكبير، وكان فوزه حدثاً جللاً فى تاريخ الانتخابات الأمريكية14. وتكرر المشهد نفسه فى فرنسا، فقد استطاع إيمانويل ماكرون الذى أسس حزباً سياسياً جديداً باسم «حركة إلى الأمام» أن يحصل على الأصوات التى أوصلته إلى قصر الإليزيه وأن يفوز حزبه بأغلبية أعضاء الجمعية الوطنية.

هناك إذاً «تصاعد مستمر» لدور القادة فى النظم الديمقراطية الراسخة، ولحقها تطور مماثل فى نظم الديمقراطيات الجديدة أو الناشئة. وعلى سبيل المثال، فقد برز دور الأفراد فى النظم الديمقراطية التى نشأت على أنقاض النظم الشيوعية فى دول شرق أوروبا، وأرجع الباحثون ذلك لضعف ثقة الناخبين بالمؤسسات السياسية. ويمكن فهم كثير من تطورات النظم الأفريقية والآسيوية فى الدول التى شهدت عملية الانتقال إلى الديمقراطية فى ضوء هذه الملاحظة، ودعم هذا الدور للقادة فى تعميق توجه أو اتجاه ازدياد دور السلطة التنفيذية فى المجال التشريعى، وأصبحت أغلب القوانين التى تصدرها المجالس النيابية من إعداد الهيئات التنفيذية. ويرجع هذا التطور إلى تعقد القضايا والموضوعات التى تتطلب تدخلاً تشريعياً، وارتباطها بجوانب فنية، أو تكنولوجية، أو رقمية شديدة التعقيد، مما جعل السلطة التنفيذية هى الفاعل الرئيسى فى اقتراح مشروعات القوانين.

لقد ازداد دور العوامل الشخصية فى السياسة، ليس فقط على مستوى السياسيين الذين ركزوا على سماتهم الشخصية وقدراتهم ومهاراتهم اللغوية والخطابية، وإنما أيضاً على مستوى الناخبين الذين ازداد اهتمامهم بصورة المرشح، وما يتركه من آثار وانطباعات لدى المشاهدين لشاشات التلفاز. 

من الصعب علمياً الحكم على ما إذا كان هذا التطور إيجابيًا أو سلبيًا فى عمومه،. فعلى الجانب الإيجابى، تحققت الصلة المباشرة بين الرئيس/ رئيس الوزراء وجمهور المواطنين، بما وفر لهم الشعور بالمشاركة والتواصل. وعلى الجانب السلبى، تمكن بعض هؤلاء القادة من استثارة المشاعر والانفعالات، ومكنتهم سماتهم الشخصية من ممارسة صلاحيات ربما تتجاوز ما خوله لهم الدستور والقانون. وكان من أخطر النتائج استفادة قادة أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية فى أوروبا، ونجاحهم فى مخاطبة مشاعر الخوف والقلق لدى البسطاء، والأمثلة على ذلك من فرنسا، وألمانيا، وهولندا، عديدة.

فإذا كان ذلك هو الحال فى دول وشعوب مارست الديمقراطية لعقود طويلة، فما بالك فى دول حديثة العهد بقواعد النظام الديمقراطى وتقاليده وحدوده.

الهوامش:

1ـــ
 د. جلال معوض، «القيادة السياسية كأحد مداخل تحليل النظم السياسية»، فى: اتجاهات حديثة فى علم السياسة (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، 1987)، ص 175.

2ـــ 
سار فى هذا الاتجاه فى الفكر المصرى الأستاذ عباس محمود العقاد، الذى رأى أن التاريخ لا يمكن أن يسير بغير الفرد العظيم، فالزعماء يرسمون التاريخ فى حيواتهم، ويؤثرون فيه بعد مماتهم. 

3ـــ 
د. بهاء الدين مكاوى، العلاقة بين المؤسسية والحكم الصالح: دراسة نظرية، مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية - المغرب (عدد 12، 2016)، ص ص 125-138.

4ـــ  د. جلال معوض، مرجع سابق، ص 176.

5ـــ 
من المفارقات التاريخية أنه بعد مرور نحو نصف قرن استطاع نجله جوستين ترودو أن يحقق انتصاراً مماثلاً، ويتولى منصب رئيس الوزراء.

6ـــ 
MeitalBalmas, GideonRahat, TamirSheaferandShaulRShenhav, «TwoRoutestoPersonalizedPolitics: CentralizedandDecentralizedPersonalization», PartyPolitics, Vol20, No1, P38.

7ـــ - انظر فى هذا الشأن، البحوث التالية:

-MaxKaase, «IsTherePersonalizationinPolitics? CandidatesandVotingBehaviorinGermany», InternationalPoliticalScienceReview, Vol15, No3, pp. 211- 230.

-PeterVanAelst, TamirSheaferandJamesStanyer, «ThePersonalizationofMediatedPoliticalCommunication: AReviewofConcepts»,  Journalism, Vol13, No2, pp. 204 -220.

8ـــ 
انظر: سامى عبد العزيز، التسويق السياسى والاجتماعى (القاهرة: دار نهضة مصر للنشر، 2012)؛ وكذلك، محمد سعد أبو عامود، التسويق السياسى والحملات الانتخابية (الإسكندرية: دار منشأة المعارف، 2008).

9ـــ  ChristinaHoltz-BachaAnaInesLangerandSusanneMerkle, «ThePersonalizationofPoliticsinComparativePerspective: CampaignCoverageinGermanyandtheUnitedKingdom», EuropeanJournalofCommunication, Vol29, No2, pp. 153 -170.

10ـــ  على حجازى إبراهيم، الحملات الانتخابية وفن مخاطبة الجمهور (عمان: دار المعتز للنشر والتوزيع، 2018).

11ـــ 
وفاء على على داود، عوامل بناء الثقة السياسية فى الأحزاب فى نظم الديمقراطيات الناشئة، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2015، ص ص 85-120.

12ـــ 
JorgenHermansson, ThePersonalizationofPartyPolitics: TheVotersPerspective. Availableat:

https://www.uio.no/english/research/interfaculty-research-areas/democracy/news-and-events/events/seminars/2011/papers-roma-2011/Roma-Hermansson.pdf

13ـــ - انظر: أحمد الشورى أبو زيد، الإعلام الجديد وإدارة الحملات الانتخابية: دراسة حالة الحملة الانتخابية الرئاسية للرئيس الأمريكى باراك 2008،  رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2013.

14ـــ - نضال فواز العبود، الانتخابات الرئاسية الأمريكية: الأبعاد التاريخية والسياسية والدستورية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2017).

عن الكاتب : أستاذ العلوم السياسية – جامعة القاهرة
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق