قضايا مصرية
من ينتخب الرئيس؟ الديموجرافيا السياسية وتفكيك «أساطير» المشاركة
2018/03/28
بقلم أكرم ألفى
0
998
70
العدد :

من ينتخب رئيس مصر فى انتخابات 2018؟

سؤال إجابته بسيطة، وهى أن من ينتخب رئيس مصر هذا العام نحو 59 مليون ناخب مصرى، وهو عدد المصريين الذين بلغوا 18 عاماً فما فوق فى أول مارس 2018 فى آخر تجديد لقاعدة بيانات الناخبين وفقا للرقم القومى.

إن الحديث عن الهيئة الناخبة فى مصر، أى من يحق لهم التصويت والمشاركة فى الانتخابات الرئاسية يبدو حديثاً خارج السياق السياسى للحظة الراهنة، حيث إن الانتخابات محسومة مسبقا للرئيس الحالى عبد الفتاح السيسى للفوز بولاية ثانية تستمر حتى عام2022. ويبدو للبعض أن مناقشة تغيرات تركيبة الناخبين فى مصر هى حديث بلا معنى أو دلالة، مع انعدام التنافسية فى الانتخابات وغياب ما يعرف بعوامل الاستقطاب السياسى والمجتمعى.

ولكن.. تجاهل التغيرات فى تركيبة الناخبين تسقط كثيرين فى تحليلات غير دقيقة حول أدوار مجموعات عمرية محددة، مثل الشباب، أو فئات مجتمعية مثل النساء والأقباط فى العملية الانتخابية، وهو ما يفتح الباب أمام فرضيات واستنتاجات خاطئة.

إن قراءة الأرقام الخاصة بالهيئة الانتخابية فى مصر بطريقة إحصائية مجردة يفرغها من دلالتها، بل يقود إلى فرضيات خاطئة. وهى الفرضيات التى تفتح الباب أمام تسطيح الخطاب الإعلامى والأكاديمى خلال الحديث عن المشاركة فى التصويت.

تطرح هذه الدراسة، عبر استخدام أدوات نظرية الديموجرافيا السياسية (PoliticalDemography)عدداً من الفرضيات فى دراسة الهيئة الانتخابية فى مصر تتلخص فى:

أولاً: الشباب ليسوا هم الكتلة الرئيسية فى الانتخابات. فالفرضية الخاصة بمركزية الشباب فى الانتخابات تقود إلى أن الحديث المتواتر حول مشاركة الشباب وأهميته ومخاطبته لحثه على المشاركة يشوبه المبالغة، بينما ينبغى أن يكون النقاش الدائر عن أسباب عزوف الشباب عن هذة المشاركة.

ثانياً:انتهاء «أسطورة» فرضية العلاقة العكسية بين مستوى الدخل والمشاركة السياسية.إن الأكثر فقراً فى مصر لم يعودوا هم الأكثر ميلاً للمشاركة فى التصويت، وحتى من خلال ظاهرة شراء الأصوات المعروفة نظرياً بالعلاقات الزبائنية فى الانتخابات (Clientelism)، بل والحديث عن هيمنة صوت الفقراء فى الانتخابات المصرية.

ثالثاً: نقد فرضية أن الريف هو من يحدد بوصلة المشاركة فى الانتخابات، حيث إن الدراسة تقوم على أن المدينة (الحضر) هى الفاعل الرئيسى فى التصويت وليس الريف.

إن الورقة تسعى لإثبات صحة الافتراضات الثلاثة، عبر ثلاثة أقسام يتعلق الأول  بدراسة التركيبة العمرية للناخبين فى مصر، والقسم الثانى مخصص للخريطة الاجتماعية للهيئة الانتخابية، وأخيرا تقسيم الهيئة الانتخابية بين الريف والحضر.

أولاًــ  التركيبة العمرية للناخبين.. «أسطورة» هيمنة الشباب:

إن القراءة الأولية للأرقام الخاصة بالهيئة الانتخابية فى مصر تقود إلى استنتاج أن الشباب يمثلون أكبر مجموعة عمرية بين الكتل الانتخابية، حيث تعتمد هذه القراءة على رقم وحد، وهو أن الناخبين ما بين 18 إلى 30 عاماً يمثلون%35.5 من الناخبين بحسب بيانات الهيئة الوطنية للانتخابات المتوافرة لعام 2015. ويزيد من ذلك كون مصر تشهد منذ بداية التسعينيات ارتفاعاً ملحوظًا فى نسبة الشباب فيما يعرف بـ «الطفرة الشبابية»، حيث تبلغ نسبة من هم أقل من 25 عاماً نحو %60 من السكان. وهو ما يعزز الافتراض الخاص بهيمنة الشباب على المشهد الانتخابى فى دولة «فتية» مثل مصر.

 

جدول (1) التركيبة العمرية لهيئة الناخبين فى مصر

الفئة العمرية

الذكور بالملايين

الإناث بالملايين

الإجمالى بالملايين

النسبة من إجمالى الناخبين

20-18

2.204

1.826

4.030

%7.3

30-21

8.096

7.627

15.723

%28.3

40-31

6.643

6.299

12.942

%23.2

50-41

4.660

4.318

8.978

%16٫2

60-51

3.562

3.417

6.979

%12.5

61فما فوق

3.203

3.746

6.949

%12.5

إجمالي

28.188

27.233

55.421

%100

 

 

إن الجدول السابق يشير إلى رقم مهم يلتفت إليه الكثير من الباحثين وهو أن%64.5  من الناخبين فى مصر فوق 30 عاماً، أى أنهم ليسوا ضمن فئة الشباب (19-29 عاماً)ومن هنا فإن المحدد الرئيسى لاتجاهات التصويت والمشاركة فى الانتخابات الرئاسية 2018 هم الأكبر سناً وليس الشباب.

افتراض أن الشباب ليسوا هم من ينتخبون رئيس مصر ليس قائماً فقط على نسبة الشباب من الناخبين بل أيضاً على احتمالية المشاركة.

إن الدستور المصرى منح كل من بلغ سن 18 عاماً حق التصويت وفقاً لقاعدة الناخبين على أساس الرقم القومى،مما يوفر تقريبا كل عام لأكثر من مليون شاب الانضمام لجداول الناخبين. فقد كان عدد الناخبين فى انتخابات برلمان 2012 لا يتجاوز 51 مليون ناخب ارتفعوا إلى 58 مليون ناخب فى 2018 بانضمام 7 ملايين شاب جديد لجداول الانتخابات.

ووفقاً لفرضيات السلوك السياسى، فإن أول عملية انتخابية هى الفرصة الضائعة للتصويت بالنسبة للناخب، حيث إن الناخب الجديد غالباً لا يتجه للتصويت فى أول عملية انتخابية يفترض فيها أن يدلى بصوته. ومن هنا ـ واقعيا ـ  فإن نسبة من يشاركون فى أى عملية انتخابية فى العمر من 18إلي20 عاماً لا يتجاوز فى أعلى النسب %10 من المسجلين فى الجداول الانتخابية.

ومع إضافة هذا الافتراض إلى فرضية جديدة فى نظريات التصويت والمشاركة السياسية وهى وجود علاقة طردية بين العمر واحتمالية المشاركة فى التصويت بالانتخابات، فنحن أمام مشهد يجعل الشباب (أقل من 30 عاماً) هم الفئة الأقل ميلاً فى المشاركة بالانتخابات، وبالتالى هى الأقل تأثيراً فى تحديد مخرجات التصويت أو تحديد نسب المشاركة.

إن هذه الفرضية تحتاج  إلى المزيد من الإسهاب، حيث تشير العديد من الدراسات الانتخابية الغربية إلى العلاقة العكسية بين الهيكل العمرى الشاب للمجتمعات والمشاركة فى التصويت حتى فى أعتى الدول ديمقراطية، حيث تشير هذه الدراسات إلى أن أحد عوامل*ارتفاع نسب المشاركة فى التصويت بدول مثل اليابان هو ارتفاع معدلات الأعمار فى الدولة الآسيوية.

وتشير أغلب الاستطلاعات فى الدول الديمقراطية إلى أن نسبة المشاركة بين الشباب (أقل من 26 عاماً) هى أقل بنحو%20 مقارنة بالأكبر سناً.

بالطبع إن هذه الفرضية لا تتجاهل فرضيات رئيسية للمشاركة بالتصويت، وأهمها التنافسية السياسية، والديمقراطية، وقوة الأحزاب، وحرية الإعلام، والثقافة السياسية، وغيرها من العوامل.

إن ما سبق يجعلنا نميل إلى هيمنة كبار السن على المشهد الانتخابى فى مصر، ونشدد على فرضية أنه كلما ارتفع سن الناخب كلما ارتفع ميله للتصويت.

ويرى الباحث أن هناك 14 مليون ناخب رئيسى فى مصر (%25 من إجمالى الناخبين) وهم من تزيد أعمارهم على 51 عاماً. وهى الكتلة العمرية الوحيد فى مصر التى تزيد فيها نسبة السيدات على الذكور (%51 مقابل %49). فهذه الكتلة هى الأكثر ميلاً للتضحية بالوقت للمشاركة بالتصويت والتى تزيد عندها معاملات «الواجب الوطنى» كمحفز رئيسى للتصويت على حساب معاملات المنفعة للأقل عمراً.

إن هذه الكتلة هى الكتلة الرئيسية للناخبين فى مصر فى اللحظة الراهنة، وهى الكتلة المرشحة أن يرتفع عددها ونسبتها من السكان خلال العقدين المقبلين. وهى كتلة تحدد توجهها التصويتى بحسب سلم أولويات مغاير لباقى الناخبين، حيث تجعل الاستقرار السياسى والأمنى فى الأولوية، يليها الخطاب الوطنى ويتراجع الاقتصاد للمرتبة الثالثة.

هذا الاستنتاج له تداعيات سياسية تتعلق بأنه فى حال تطور النظام السياسى ديمقراطيا، واستمرار آلية الانتخابات الدورية، فإن النظام السياسى سيجد له سنداً قوياً بين الناخبين، بغض النظر عن درجة التنافسية من المعارضة.

ثانيا ــ الأفقر ليسوا الأكثر مشاركة.. تراجع تأثير الرشاوى:

تزايد نفوذ الأكبر سناً على صندوق الانتخابات يعد خبراً جيداً للبعض، ولكن الديموجرافيا السياسية ليست كل أخبارها تصب فى نفس المصب. فتزايد نفوذ الأكبر سناً يتوازى مع تراجع نسبة الأكثر فقراً والأقل تعليماً فى عملية التصويت، مما يعنى تقلص دور الرشاوى الانتخابية، أو بالتحديد العلاقات «الزبائنية» فى زيادة المشاركة أو تحديد توجهات التصويت.

وفقا للجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فإن %27٫8 من سكان مصر فقراء يتركزون بشكل رئيسى فى ريف الصعيد، حيث إن %57 من سكان ريف الوجه القبلى من الفقراء مقابل %27٫4 من سكان حضر الوجه القبلى، وتصل نسبة الفقراء إلى أعلى مستوياتها فى محافظتى سوهاج وأسيوط بالوجه القبلى بنسبة %66 وتليهم محافظات أسوان وقنا وبنى سويف والفيوم والمنيا.

فى المقابل فإن الوجه البحرى والمدن الساحلية يتراجع فيها بشكل واضح نسب الفقر، حيث إن %19٫7من سكان ريف الوجه البحرى من الفقراء مقابل %9٫7فقط لحضر الوجه البحرى. وتعد محافظات القناة الأغنى فى مصر وتتصدرها بورسعيد بنسبه فقر لا تزيد على %6٫7 ولا يتجاوز نسبة الفقراء فى الإسكندرية والقاهرة %11 و%18 على التوالى.

إن الفقراء فى مصر يتركزون بالوجه القبلى الذى يضم 14 مليون ناخب بنحو %25 فقط من الناخبين. وفى جداول نسب المشاركة خلال الاستحقاقات الانتخابية احتلت محافظات الصعيد مرتبة متدنية للغاية من حيث المشاركة. فعلى سبيل المثل، لم تتجاوز نسبة مشاركة المنيا %28 فى المتوسط و%30 فى أسيوط وتتراجع إلى %26 فى قنا مقابل متوسط عام بلغ %40 .

إن فرضية ارتفاع مشاركة الفقراء ارتبطت بالتسجيل فى الجداول الانتخابية قبل 2011، حيث كان كلا من الحزب الوطنى والمحليات يدفع نحو زيادة التسجيل فى المناطق الفقيرة لكونها الأسهل فى الحشد وجمع البطاقات من أجل التسجيل وبالتالى ضمان الأصوات.

ولكن بعد 2011، ومع وجود قاعدة انتخابية على أساس الرقم القومى، وانتهاء التسجيل فى جداول الانتخابات ظهر بوضوح أن العلاقة بين الفقر والمشاركة بالتصويت هى علاقة عكسية واضحة فى كافة الاستحقاقات الانتخابية التى شهدتها مصر قبل وبعد ثورة 30 يونيو 2013.

فعلى سبيل المثال، نجد أن نسب المشاركة فى بورسعيد، التى تعتلى سلم المحافظات من حيث الدخل، والأقل فى نسبة الفقر، بلغت فى المتوسط %52 ووصلت فى انتخابات الرئاسة 2014 إلى %61٫4 بينما كانت نسبة المشاركة فى سوهاج المحافظة الأفقر فى مصر فإنها لم تتجاوز %30 وبلغت فى انتخابات رئاسة 2014 أقل من %35، وكانت نسبة المشاركة بنفس الاستحقاق بأسيوط %33.

إن هذه الافتراضية تتناقض مع ما يسعى عدد من المراقبين إلى ترويجه بشأن مشهد شراء الأصوات، فى الانتخابات المصرية. فلا يمكن لأى باحث أو مراقب أن ينكر استمرار عملية شراء الأصوات والتعبئة لتصويت الفقراء فى الانتخابات المصرية، ولكن حجم تأثير الرشاوى الانتخابية والحشد بالأموال يتراجع لعدة أسباب، من أهمها اتساع قاعدة الناخبين، مع وجود قاعدة انتخابية على أساس الرقم القومى من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن عدم وجود ما يعرف بـ«العمود الفقرى» الخدمى الذى كان يمثله نواب الحزب الوطنى المنحل دفع إلى تراجع تأثير العلاقات الزبائنية فى الانتخابات المصرية.

فشراء صوت لمرة واحدة ظاهرة لا يزيد تأثيرها عن مناطق بعينها، وعبر أفراد بعينهم، بينما القدرة على صناعة علاقة زبائنية ممتدة قائمة على تقديم الخدمات فى صور مختلفة للفقراء قد تراجعت بشدة لعدم وجود الهيكل المؤسسى الذى كان يمثله الحزب الوطنى، وأيضاً لتراجع قدرات القيادات المحلية أو البيروقراطية فى المحافظات والأحياء  عن تقديم الخدمات بسبب الإصلاح الاقتصادى، والأهم الإصلاح الإدارى الذى تشهده مصر خلال السنوات الأخيرة.

ومن، هنا، فإن الرهان على حشد الأصوات بالأموال هو رهان لا تزيد قدراته على %10 من أصوات الناخبين وربما أقل. وبالتالى فإن فرضية الحشد عبر المال وارتفاع مشاركة الفقراء تحتاج فى الانتخابات والاستحقاقات المقبلة إلى إثبات أكثر 10 % من النفى. مع التأكيد على استمرار ظاهرة شراء الأصوات، ولكن حدود تأثيرها تراجع بشدة خلال السنوات الأخيرة.

ثالثاً ــ المدينة هى مركز المشاركة، وليس الريف:

تقوم الدراسات الانتخابية فى مصر على فرضيات قديمة، ومنها أن الريف هو صاحب الكلمة العليا فى صندوق الانتخابات، وأن الريف هم محدد نسب المشاركة. هذه الفرضية القديمة تسقط فى أول اختبار لها بالاستحقاقات الانتخابية التى شهدتها مصر منذ 2011.

إن التوجه العام هو ارتفاع نسب المشاركة فى الحضر مقابل الريف، بل يظهر بوضوح أن الريف الأغنى الأكثر قرباً للحضر - أو ما يعرف بظاهرة «تمدين الريف» وهى ظاهرة اجتماعية تشهدها مصر منذ نحو 20 عاماً ومستمرة ولا تخضع للدراسة البحثية العميقة – ترتفع به المشاركة مقارنة بالريف التقليدى.

إن بيانات الانتخابات للاستحقاقات بعد ثورة 30 يونيو 2013 توضح أن المراكز الحضرية تزيد بها نسب التصويت على الريف، كما ترتفع نسبة المشاركة فى ريف الحضر (الأكثر قربا للحضرية) بوضوح عن الريف الفقير.

إن متوسط مشاركة المراكز الحضرية فى مصر (القاهرة- الإسكندرية- الجيزة – بورسعيد) بلغت نحو %45 مقابل %30 فقط لريف الصعيد ونحو%40 لريف الوجه البحرى.

إن ظاهرة عودة المدينة إلى دورها المركزى فى العملية السياسية يعود لعدة أسباب يمكن تفصيلها على النحو التالى :

السبب الأول:الدور المركزى للحضر والمدن فى ثورة 2011 وثورة 30 يونيو 2013، كونها الظهير السياسى الأكثر فاعلية للنظام الحالى، وهو ما ظهر فى مظاهرات التفويض فى يوليو 2013. فقد نقلت ثورة 2011 مركز السياسة إلى المدينة ولعبت الطبقة الوسطى الحضرية دوراً مؤثراً فى كل التحولات التى شهدتها مصر وأهمها إنهاء حكم جماعة الإخوان، والوقوف أمام العنف والإرهاب الإخوانى فيما تلى فض اعتصامى رابعة والنهضة. هذا الدور الرئيسى للمدينة جعل أبناء الحضر يتعاملون مع النظام السياسى على أنه معبرعنهم وزاد من شعور هذه المجموعات الضخمة فى المدن بدورها السياسى والاجتماعى. وهذا التحول ترجمته الكتل الحضرية فى المشاركة بالتصويت فى الاستحقاقات الانتخابية، مما زاد من تأثيرها على اتجاهات التصويت، والنتائج، ونسب المشاركة.

 

السبب الثانى:يرجع إلى ما سبقت الإشارة إليه من التحول الجوهرى بانتقال جدول الناخبين إلى قاعدة الرقم القومى. ووفقاً لدراسات سابقة، فإن نسبة المسجلين فى المدن كان لا يزيد عن %50 ممن لهم حق التسجيل فى الجداول الانتخابية مقابل %75 فى الريف. وبالتالى، فإن أعداداً ضخمة من سكان الحضر انضمت إلى قاعدة الناخبين الجديدة، مما رفع من نسبتها، وبالتالى تأثيرها فى العملية الانتخابية.

السبب الثالث:توزيع اللجان فى الحضر، حيث إن ارتفاع الكثافة السكانية فى المدن قاد إلى توزيع عدد أكبر من اللجان الفرعية فى المدن والأحياء الحضرية، وجعل بالتالى مراكز الاقتراع أقرب بكثير لسكان الحضر مقارنة بسكان الريف، مما يسهل عملية التصويت ويقلل التكلفة على ناخب المدينة للإدلاء بصوته مقابل ناخب الريف. فعلى سبيل المثال، يوجد فى منطقة سكانية واحدة مثل الساحل بالقاهرة، أكثر من 140 لجنة فرعية، بينما تجتمع 3 قرى صغيرة بالمنيا بلجنة فرعية وحيدة.

السبب الرابع والأخير:تراجع الدور الاجتماعى والسياسى للقبلية والعائلات الكبرى فى الريف خلال العقدين الماضين. وهى ظاهرة اجتماعية يمكن دراستها بالعودة إلى الأشكال الجديدة من التضامن الاجتماعى فى الريف المصرى، ودور الشباب الأكثر تعليما فى التأثير على الريف، إلى جانب تراجع قدرات العائلات الكبرى على السيطرة مع زيادة أعداد أفراد هذه العائلات، وحدوث نوع من التنازعات بسبب الحجم الضخم على النفوذ داخلها.

فى النهاية، يمكن القول إن طرح فرضيات هيمنة الأكبر سناً والأعلى دخلاً وسكان الحضر على صندوق الانتخابات فى مصر قد لا يصب فى مصلحة البعض، خاصة من يسعون إلى الترويج إلى إمكانية إعادة إنتاج الآليات الجديدة فى الحشد والتعبئة للتصويت فى الاستحقاقات الانتخابية فى مصر، ومنها الانتخابات الرئاسية.

إن البعض يسعى إلى إغفال حجم التغيرات الديموجرافية والسياسية التى شهدتها مصر خلال العقدين الماضيين، وبالتالى تآكلت فرضيات تعود إلى ثمانينيات القرن الماضى حول قدرة العائلات على الحشد وإمكانية شراء الأصوات بسهولة، وإمكانية تعبئة الريف، وعدم الحاجة إلى لغة الإقناع والخطاب السياسى العقلانى للحشد والتعبئة.

إن هذه الرؤية التى تغيِّب التغيرات لمصلحة ثابت تقليدى، فى حال تسيدها إدارة أى عملية انتخابية ستقود إلى نتائج سلبية، وقد تكون وخيمة، وربما تكون الانتخابات الرئاسية 2018 فرصة لإنهاء بعض الأدوار وتقلص تأثير أصحاب الفرضيات التقليدية للحشد والتعبئة فى الانتخابات فى مصر.

 

هامش:

- https://www.idea.int/sites/default/files/publications/voter-turnout-trends-around-the-world.pdf, p39

عن الكاتب : باحث فى الشؤون السياسية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق