الافتتاحية
الانتخابات والديمقراطية
2018/03/28
بقلم د. هناء عبيد
0
232
70
العدد :

كل استحقاق انتخابى هو مناسبة لتجديد الحديث والمراجعة حول أوضاع الحكم والسياسة ومدى اقترابها أو بعدها عن «المثال» الديمقراطى. وحيث يتواكب صدور هذا العدد من مجلة الديمقراطية مع الاستحقاق الرئاسى الثانى لمصر بعد الثلاثين من يونيو 2013، يتناول قسم قضايا مصرية عددًا من الأبعاد ذات الصلة بالانتخابات الرئاسية، والعوامل المؤثرة فيها. فيقدم مقال «من ينتخب فى مصر؟» تحليلاً معمقا للهيئة الناخبة، والفئات المؤثرة فى التصويت، مفندًا التعميمات السائدة والأفكار المسبقة فى هذا الشأن، وذلك من خلال تحليل ديموجرافى للفئات العمرية وفقا لآخر إحصاء سكانى، وسلوكها التصويتى السابق. كما تتناول التحليلات القواعد القانونية والإجرائية التى تجرى الانتخابات الرئاسية وفقا لها، ومعضلة التناقض بين تحسن الإطارين القانونى والدستورى من ناحية، وتراجع التنافسية الفعلية من ناحية أخرى. وتعرض مقالات هذا القسم عوامل الضعف البادى فى دور الأحزاب السياسية، سواء ما يتعلق ببنيتها الداخلية، أو السياق العام، ومواقفها من الانتخابات الرئاسية.

 أما ملف العدد، فيتناول قضية تتعلق بجودة الحكم الديمقراطى فى مختلف دول العالم، بما فى ذلك دول طالما اعتُبرت ديمقراطيات راسخة، وذلك فى ضوء تنامى ظاهرة شخصنة السلطة، وازدياد دور الفرد على حساب المؤسسات فى صنع القرار، وتراجع دور السياسات الحزبية، والبنى السياسية التقليدية. وقد لفت النظر لتصاعد تلك الظاهرة بعض التناولات الأكاديمية البارزة، ومنها الكتاب الصادر عام 2005, بعنوان: «ترئيس السياسة: دراسة مقارنة للديمقراطيات الحديثة» ThePresidentializationofPolitics: AComparativeStudyofModernDemocracies, والذى يرصد ويحلل تصاعد نطاق وتأثير دور «الرئيس»، أو رأس السلطة التنفيذية على حساب السلطات الأخرى، وتمدد دور الفرد، وتراجع المؤسسات والسياسات الحزبية فى عدد من الديمقراطيات الغربية. ويشتبك ملف العدد مع الأوجه المختلفة لهذه الظاهرة وتجلياتها فى العديد من التجارب والسياقات -الديمقراطية وغير الديمقراطية - مشيرًا إليها أحيانا بظاهرة شخصنة السلطة، أو «النزوع الرئاسى»،  أو «الرئاسية المفرطة»، مع ما بين هذه المصطلحات ودلالاتها من فروق.

فتقليديًا، اندرجت دراسة دور الفرد فى السلطة فى أدبيات العلوم السياسية، فى سياق دراسات القيادة، خاصة ذلك النوع من القيادة الملهمة أو الكاريزمية، أو فى  إطار الحديث عن النظم السلطوية التى يتعاظم فيها دور الفرد على حساب المؤسسات, وتتم فيها شخصنة السلطة. وكثيرا ما شهدت دورات تاريخ الأمم تأثيرات مميزة لشخصيات وقيادات تم تناولها من هذا المنظور أو ذاك ( القائد الملهم، أو الديكتاتور المستبد، وأحيانا خليط بين هذا وذاك).

بينما الجديد الذى يستحق الالتفات والبحث هو صعود دور الأفراد/القادة، وقدرتهم على التأثير فى ديناميات النظام السياسى، بما يتجاوز فكرة الطفرات التاريخية، أو الزعامات الكاريزمية الملهمة من ناحية، وأن الظاهرة لم تعد حكرا على النظم السلطوية، بينما تظل النظم الديمقراطية فى مأمن أو حصانة إزاءها من ناحية أخرى. فعلى مدار العقدين الماضيين، أصبحت شخصنة السلطة، وتنامى دور رأس السلطة التنفيذية، سواء الرئيس فى النظم الرئاسية، أو رئيس الوزراء فى النظم  البرلمانية، سمة مميزة للعديد من النظم السياسية، وباتت الحملات الانتخابية مبارزة بين أشخاص بالأساس، وتزايد دور المناظرات، مع تراجع الاهتمام بالخلفية الحزبية أو الأيديولوجية، وأضحت «الجاذبية الشخصية» للمرشح وشعبيته عناصر حاكمة فى العملية الانتخابية.

وفى هذا الإطار، يقدم أستاذ العلوم السياسية البارز  د.علّى الدين هلال فى مستهل الملف تأصيلًا مهمًا لمؤشرات وعوامل تلك الظاهرة، وملامح صعودها فى النظم الديمقراطية. كما تتناول مقالات الملف تحليلا معمقا لعوامل ومظاهر شخصنة السلطة، وتزايد وزن رأس السلطة التنفيذية، والمنصب الرئاسى على حساب المؤسسات، بما فى ذلك ما يعرف بـ «دوائر الاستقلال» فى النظم السياسية، مثل  القضاء والبنوك المركزية، فى عدد من النماذج البارزة، وكيف يمكن تعديل ديناميات الحكم، وتوسع السلطات الرئاسية أو التنفيذية قانونيا وعمليا، حتى فى أكثر النظم والسياقات ديمقراطية، وتشير مقالات الملف إلى العديد من العوامل التى أدت إلى بزوغ تلك الظاهرة، ومنها دور وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعى فى التركيز على الأبعاد الشخصية للساسة والمرشحين وأيقنتهم، واستخدام الصورة والرمز ولغة الجسد، فضلا عن دور القوة التواصلية،  وتكنولوجيا الاتصال الحديثة فى تجاوز البنى السياسية التقليدية، حيث يخاطب الرئيس الأمريكى ترامب، على سبيل المثال، شعبه والعالم من خلال تويتر أكثر من تعويله على المؤسسات السياسية المتعارف عليها.

 على صعيد آخر، تؤدى التهديدات الأمنية، الداخلية والخارجية، أو ما يعرف بحالة الاستثناء، إلى التوسع الفعلى لنطاق الصلاحيات الرئاسية لمواجهة الحالات الأمنية الطارئة، بينما قد تتحول تلك الصلاحيات الاستثنائية تدريجيا إلى صلاحيات عادية.

وبينما ترصد معظم التحليلات التأثير السلبى لتلك الظاهرة من منظور جودة الحكم الديمقراطى، وهو الاتجاه الأغلب، لا تعدم بعض الاتجاهات ملمحًا من «الإعجاب» بآثارها، وارتباطها عمليا بشرعية إنجاز أكسبتها وجودها، ودعمت استمرارها، خاصة فى الحالات التى ارتبط فيها وجود «الرئيس القوى» باستعادة عناصر القوة الشاملة للدولة، بعد مرحلة من الفوضى والتراجع، مثل حالة روسيا، والتى شهدت مؤخرا استحقاقا رئاسيا جدد شرعية الرئيس بوتين.

وأخيرا يتناول العدد فى قسم «ثقافة ديمقراطية» ملفًا خاصًا عن الطبقة الوسطى المصرية؛ ذائقتها، وزيها، وهويتها، وانقساماتها الداخلية، وذلك من خلال تحليل مختلف الألوان الدرامية الجديدة التى تعبر عن الطبقة الوسطى، والتى أثارت جدلاً واهتمامًا كبيرين فى الفترة الأخيرة، مثل مسلسل سابع جار، والاستمرار أو التغيير فى نمط زى الطبقة الوسطى، خاصة الحجاب، وعلاقة ذلك بالسياقين السياسى والثقافى، فضلا عن سلوك تلك «الطبقة» على الفضاء الافتراضى، مع تركيز خاص على المجموعات «الجروبات» المغلقة على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، وتفاعلها مع السياق السياسى من عدمه.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق