ثقافة ديمقراطية
دراما الطبقة الوسطى: عودة أم تطور؟
2018/03/28
بقلم يارا شاهين
0
468
70
العدد :

استحوذ شهر رمضان -كما هو معتاد- على الرصيد الأكبر من إنتاج الدراما المصرية بوجبة دسمة من المسلسلات، واختفى مسلسل السابعة مساء الشهير الذى طالما التفت حوله الأسر المصرية وانتظرته على شاشات التليفزيون المصرى فى فترتى الثمانينيات والتسعينيات. وفى السنوات القليلة الماضية، اهتمت المسلسلات الرمضانية بموضعات مشوقة تجذب المشاهد طوال ثلاثين يوما، وبدأت تظهر الدراما البوليسية, ودراما عوالم الجريمة، ثم بدأت موجة أخرى من دراما صراعات رجال الأعمال داخل قصورهم الفاخرة, وارتباطهم بشبكات فساد معقدة مع كبار المسئولين، أو انخراطهم فى أعمال الجرائم المنظمة. وبشكل مواز ظهرت موجة أخرى من المسلسلات التى اهتمت برصد حياة الطبقات الأكثر فقرا فى الأحياء العشوائية، حيث تسود قيم مختلفة وصراعات يومية من أجل البقاء.

شهد هذا العام عودة الدراما المصرية مرة أخرى خارج إطار السباق الرمضانى، غير مرتبطة بعدد الحلقات الثلاثين، ولا تواجه القدر العالى من المنافسة بين عشرات القنوات الفضائية التى تعرض كل منها أكثر من أربع مسلسلات فى اليوم الواحد أحيانا. وانتشرت مقولة «عودة دراما الطبقة الوسطى مرة أخرى لشاشات التليفزيون»، مع عرض مسلسلى «سابع جار» و«أبو العروسة» ليعود إلى الأذهان ليس فقط حالة اجتماع العائلة حول مسلسل الساعة السابعة، بل أيضا شكل ومحتوى الدراما فى تلك الحقبة نفسها.

تحمل هذه المقولة فى طياتها تساؤلين: الأول عن تعريف الطبقة الوسطى فى مصر، والذى تعرضت العديد من الدراسات لمحاولات تعريفها بوجه عام وفى مصر بوجه خاص. من تلك الدراسات والأدبيات عدة مقالات نشرتها مجلة الديمقراطية فى أعدادها السابقة، والتى اجتمعت على صعوبة تعريف الطبقة الوسطى بشكل عام1، نتيجة تعدد الاقترابات، وكذلك تعقد المفهوم. أما فيما يخص الطبقة الوسطى فى مصر تحديدا، فالتعريفات أيضا متعددة تقتصر أحيانا على أصحاب المهن، والتكنوقراط، وكبار الإداريين، والموظفين، وتتسع أحيانا لتشمل أيضا من يعملون بالنشاط التجارى والصناعى فيما يسمى بصغار التجار وأصحاب المصانع الصغيرة، وكذلك المزارعين أصحاب الملكيات الزراعية المتواضعة 2.

أما التساؤل الثانى، فهو عن طبيعة عودة ذلك النوع من الدراما، فما هو شكل دراما الطبقة الوسطى فى الأعمال الدرامية الثمانينية والتسعينية  الطابع، والتى عادت مرة أخرى فى 2017/2018 ؟ وما سمات تلك العودة. وما هى أوجه التشابه والاختلاف فى تلك الرحلة التى امتدت على مدى ما يقرب من الأربعين عاما وعاصرت عدة أنظمة سياسية، وتنوعت فى الثلاثين عاما من عصر مبارك، ثم جميع تداعيات الأحداث السياسية التى مرت بها مصر منذ اندلاع ثورة يناير 2011 حتى الآن.

«فيه حاجة غلط» فى «مواجهة أبو العروسة»:

لاقى مسلسل «أبو العروسة»جماهيرية واسعة منذ بداية عرضه الذى تدور أحداثه حول أسرة مكونة من أب موظف حكومى وزوجته وخمسة أبناء وتتصاعد أزمة هذه الأسرة عندما يواجه الأب تكاليف زواج ابنته. بطل المسلسل هو الأستاذ عبد الحميد الموظف بإحدى المصالح الحكومية فى القاهرة، وتبدو معاناة عبد الحميد الحالية شديدة الشبه بمعاناة أستاذ عبد الحميد آخر كما ظهر فى مسلسل «فيه حاجة غلط» وهو إنتاج عام 1982. فالأستاذ عبد الحميد من الثمانينيات هو أيضا أب لخمس أبناء وإن كانوا أكبر سنا قليلا وهو يكافح لكى يفى بمتطلبات الحياة وإذا به يفاجأ بوصوله لسن الستين، سن المعاش فيبدأ فى مواجهة تحديات وأسئلة أكثر صعوبة.

فى كلا المسلسلين يتم تقديم الطبقة الوسطى بهذه الصورة: موظفون حكوميون، حصلوا على قسط جيد من التعليم ويصرون على تعليم أبنائهم، باعتبارها أداة الصعود الاجتماعى الأساسية والأصيلة، يسكنون فى أحياء القاهرة القديمة ولم ينتقلوا بعد للأحياء الجديدة الراقية. يقفون صامدين أمام الضغوط الاقتصادية التى أدت لتدهور مكانتهم الاجتماعية؛ أمام صعود فئات أخرى أقل تعليما وأصالة وأحيانا أيضا أقل ثقافة، ولكنهم اندمجوا مع اقتصاد السوق فارتقوا السلم الاجتماعى بسرعة هائلة مع ازدياد ثرواتهم المفاجئ.

و كأن دراما الثمانينيات كانت تعكس غضب الطبقة الوسطى الواسعة من تخلى الدولة عنها فى السبعينيات مع سياسات الانفتاح الاقتصادى فى عصر الرئيس السادات والذى زعزع مكانتهم المميزة اجتماعيا فى الستينيات، بعد ثورة يوليو 1952. يُحمِّل هذا الغضب سنوات الانفتاح مسئولية تدهور وانحدار كل شيء من الأخلاق لسلوكيات المواطنين، وانتشار الفساد، وانعدام الضمير، وتردى الذوق العام والثقافة؛ فهناك خلل كامل، أو كما سمى المسلسل الذى ألفه عبد الحى أديب «فيه حاجة غلط»...فكل شيء خطأ ووراء الخطأ الخلل الذى حدث نتيجة سقوط الطبقة الوسطى المصرية، فهى عماد المجتمع ورمانة ميزانه.

بناية «سابع جار» وبناية «أهلا بالسكان»:

المسلسل الثانى الذى لاقى نجاحا جماهيريا واسعا فى الفترة الأخيرة أيضا هو مسلسل «سابع جار»، والذى يقدم حكايات وقصص مجموعة من الجيران الذى يعيشون فى بناية واحدة منذ سنوات، ومن داخل قصة كل شقة وأسرة تخرج قصص وحكايات ويوميات تعبر عن الهموم والتحديات التى تواجهها تلك الأسر. تركيبة السكان فى هذه البناية تبدو متجانسة. فهى معبرة عن نماذج متنوعة من الطبقة الوسطى منها الجيل الأكبر من الموظفين الحكوميين، أو كبار رجال الجيش أو الشرطة ثم الأجيال الجديدة من الطبقة الوسطى التى نالت قسطاً أفضل من التعليم  الحديث مكَّنهم من أن يندمجوا فى الاقتصاد المُعولم؛ فمعظمهم عاملون بالشركات الكبرى أو البنوك، أو أصحاب أعمال خاصة واستشارية، فأصبحت همومهم ومشكلاتهم لا تقتصر على البحث عن شقة أو وظيفة كما هو الحال فى المسلسلات الثمانينية.

 ربما تشابه مسلسل «سابع جار» مع مسلسل ثمانينى آخر يحمل فى طياته الكثير من الفكاهة، وهو «أهلا بالسكان» إنتاج عام  1984 وتأليف فيصل ندا.  تدور أحداث المسلسل أيضا فى بناية يسكنها خليط متنوع من أبناء الطبقة الوسطى من كبار الموظفين، وأصحاب المهن، وصغار الملاك أو الأعيان، وبعض نماذج الشباب العائد من العمل بالخارج فى بلاد الخليج. تتكاثر الضحكات من المفارقات التى تحدث بين السكان والجيران، ورغم ذلك يظل الغضب الكامن بين أفراد عائلة «عصفور أفندى» من أن جيرانهم فى بناية الأحلام فى حى المهندسين الراقى هم خليل «السباك» و»سوسو طرب» مطربة الملاهى الليلية وشرائط  الكاسيت. وفى طيات الأحداث تستمر المقارنات بين عائلتى «عصفور أفندى» ــ الموظف المكافح الشريف وسيء  الحظ دائما  ــوعائلة رفيق رحلته، وزميل دراسته «سنطاوى بك» الذى صعد سريعا وبشكل مفاجئ وأصبح من رجال الأعمال، والذى رويدا رويدا يتكشف لنا فساده وتخليه عن قيم الطبقة الوسطى من أصالة وأمانة لدرجة أن زوجته «زيزى هانم» تمرض بمرض السرقة رغم ثرائهم الشديد، وكأنها إدانة غير مباشرة للصعود السريع لتلك الطبقة الثرية الجديدة، لدرجة أن تظل الزوجة تسرق وكأنها فى داخلها لم تقتنع بأنها أصبحت ثرية وتستطيع بسهولة شراء كل ما تسرقه.

من حقك أن تغضب لكنك مسئول:

يظل خطاب دراما الثمانينيات محملا بهذا الغضب من الفوضى الاجتماعية التى صاحبت السبعينيات من انفتاح اقتصادى وما صاحبه من تغيرات سياسية، إثر التحول من المعسكر الشرقى للمعسكر الغربى، والذى جلب معه القيم الغريبة عن المجتمع، وأصبح حلم الهجرة لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية هو هاجس الشباب فى تلك المرحلة.

وبينما حدثت كل هذه التغييرات العاصفة فى عصر السادات، وبالتالى يمكن تحميل هذا العصر كل المسئولية إلا أن نظام مبارك فى الوقت نفسه قرر الاستمرار فى تبنى جميع هذه التوجهات السياسية والاقتصادية. فبعد أن عكست المسلسلات فى تلك الحقبة غضب الطبقة الوسطى وارتباكها واعترفت به وتعاطفت معه، فإنها تبدأ رويدا رويدا فى طرح الرؤية المباركية للتعامل مع هذا الغضب وترويضه، بل وتبدأ فى تحويل المسئولية من النظام الحاكم وقراراته وخياراته إلى الشعب نفسه، وإلى الطبقة الوسطى الغاضبة بوصفها هى أيضا مسئولة بسبب تكاسلها وتكلسها وفسادها فى أحيانا أخرى وإصرارها على أن تقوم الدولة بالاستمرار فى دعمها ودعم مكانتها الاجتماعية والاقتصادية المميزة.

فالدكتور كمال ابن الأستاذ عبد الحميد فى مسلسل «فيه حاجة غلط» بعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية، وحصوله على شهادة الدكتوراه يصف إخوته المنتظرين لخطاب القوى العاملة بالبطالة المقنعة، كمال أيضا يرفض العروض بالعمل فى الولايات المتحدة لأنه يجب أن يرد الدين لوطنه. أما الابن الأصغر «سامى»، والذى يحلم بالهجرة للولايات المتحدة، فهو يسمع العديد من المحاضرات من أخيه وأصدقائه عن عدم واقعية هذا الحلم، وضرورة أن يتحمل المسئولية، وأن يبحث عن الحل فى وطنه.  أما الأستاذ عبد الحميد نفسه، فهو فى صراع مستمر فى المصلحة الحكومية التى يعمل بها مع غريمه الأستاذ عزيز «الروتينى» الذى يصر على تقديس اللوائح والقوانين بشكل مصمت، ودون مراعاة لروح القانون والتغييرات المجتمعية.

و كذلك «عصفور أفندى» فى مسلسل «أهلا بالسكان»، فهو مسئول أيضا عن تلاعب صديقه «سنطاوى بك» به واستغلاله  لظروفه المادية السيئة، فكان يجب عليه أن يواجه صعود «سنطاوى» وأمثاله، وأن يقف أمام رياح الانفتاح العاتية. ولا تتم الإشارة للفاسدين من كبار المسئولين بل إن شخصية «العشرى بك» المسئول النافذ والغامض تظل بعيدة عن أى شبهات فساد، وتحيط بها هالة من التقدير  لمجهوداته. بينما اقتصرت نماذج الفساد على صغار الموظفين الحكوميين، أو أصحاب محلات الخضراوات واللحوم «عطوة» و»كندوز» الذين يصرون على البيع بسعر أعلى من السعر الذى قررته الدولة أو يتاجرون فى العملات الأجنبية فى مسلسل «فيه حاجة غلط».

وبعد الانتقال من مرحلة التعاطف مع الغضب وتفهم أسبابه لنقل المسؤولية وتحميلها لأبناء الطبقة الوسطى أنفسهم تأتى المرحلة الثالثة التى تقدم الحلول، فتدعو الشباب إلى الخروج من المدينة إلى الصحراء الواسعة والمشاركة فى مشاريع استصلاح الأراضى والسكن بالمدن الجديدة، والتوجه المحسوب نحو القطاع الخاص، سيفرد المؤلف الكوميدى فيصل ندا مسلسلا كاملا حول مجتمع كامل ينتقل للحياة فى المدن الجديدة، وهو مسلسل «وكسبنا القضية» إنتاج عام 1986، وسيكون الانطلاق نحو الصحراء، والبدء فى مشروع زراعى هو أحد حلول أبناء «عائلة الأستاذ شلش» إنتاج عام 1990، ولاحقا سيكتشف الأستاذ شلش الموظف الكبير أن ابنته الصغرى الجامعية تبيع السندوتشات فى الجامعة، إلى جانب دراستها، ولا تجد فى هذا أى غضاضة، أو تقليل من وضعها الاجتماعى.

تراجع الدراما التوجيهية:

تختفى إلى حد كبير هذه الرسائل الموجهة باللوم لأبناء الطبقة الوسطى ــ شبابا وشيوخا ــ والنصائح التى تدعو الشباب للعمل الحر والحرفى وعدم انتظار دعم الدولة، وخطاب القوى العاملة، من مسلسلات العودة لدراما الطبقة الوسطى تماما. لا تظهر الدولة تقريبا أو العلاقة معها فى تلك الأعمال الدرامية الأخيرة، فلا الدولة تبعث برسائلها إلى الطبقة الوسطى الغاضبة بأنها نفضت يدها عن دعمها ولا يشير أبناء تلك الطبقة يشيرون للدولة بالإدانة لتخليها عنهم. يعرض كل من «سابع جار» و»أبو العروسة» الواقع كما هو بتعقيداته وتشابكاته ويترك للمشاهدين مساحتهم للتفاعل مع هذا العرض الواقعى. ربما كان «سابع جار» أكثر جرأة فى هذا العرض الواقعى المتحرر من الرسائل الأخلاقية ولكن حتى فى مسلسل «أبو العروسة» الذى كان أكثر تقليدية وحمل فى طياته رسائل اجتماعية وأخلاقية، فإن تلك الرسائل لم تكن مباشرة، ولكن تم توجيهها بشكل غير مباشر، من خلال حوارات الشخوص وقصصهم. ففى مواجهة داخل أسرة عريس «زينة» العروسة ابنة أستاذ عبد الحميد تتم الإشارة إلى أصالة معدن عائلة الأستاذ عبد الحميد رغم ضعف إمكانيتهم المادية وهكذا يستمر الانتصار لعالم الطبقة الوسطى التى ربما عاد غضبها ليعود إلى السطح مرة أخرى بعد موجة التضخم الأخيرة.

جاء مسلسل «سابع جار» أيضا متحررا من إدانة مسلسلات الطبقة الوسطى المستمرة لانهيار الثقافة والفن الراقيين على يد أبناء الانفتاح الصاعدين. فمع الطابع الكوميدى لمسلسل «أهلا بالسكان»، فإن شخصية مطربة الكاسيت الثرية «سوسو طرب» لا تثير الضحكات فقط، بل هى أيضا تثير السخرية -فى إدانة أخرى غير مباشرة- بسبب كلمات أغانيها السوقية، بينما فى «سابع جار» تختلف تماما صورة المطربة الشعبية ذائعة الشهرة «سهير» فهى ذات موهبة وشخصية مكافحة؛ بل واستطاعت  أيضا أن تخرج الموسيقى المثقف «عمرو درويش» من عزلته وغروره وإصراره على أن موسيقاه أرقى من المزاج الشعبى السائد.

الحب والشقة والأشياء الأخرى:

ظل الحب والعلاقات بين الشباب ركناً أساسياً من أركان الدراما المصرية، على تطورها وتنوعها  من الثمانينيات حتى الآن. فقصص الحب وصعوبات الزواج سواء الصعوبات المادية، أو الفروق الاجتماعية والطبقية كانت هى العمود الفقرى لمسلسلات الدراما المصرية مهما يكن موضوع المسلسل أو رسالته أو نمطه فهناك قصة حب ما قد تكون محور مسلسل كامل، مثل «الحب وأشياء أخرى» رائعة أسامة أنور عكاشة من إنتاج 1986، أو هى مضفورة داخل القصص المتعددة لدراما الأسرة والجيران فى كل من بناية عصفور أفندى وعائلة أستاذ عبدالحميد الثمانينية. كان البحث عن شقة ومواجهة  تكلفة الزواج وأحيانا رفض الأهل المرتبط بالفروق الاجتماعية هو المحور الأساسى لقصص الحب فى دراما الثمانينيات والتسعينيات. هكذا هى قصة الدكتور كمال وزوجته الأمريكية، جاكى عند عودته من الخارج فى مسلسل «فيه حاجة غلط»  وبحثهما عن شقة، وقصة أخته «سوسن» وخطيبها ضعيف الشخصية «عصام» اللذان وافقا على السكن مع أمه، لكن تظل الأزمة هى تكلفة شراء أثاث منزل الزوجية، أما الأخت الكبرى «بطة» المتزوجة من «عزوز» لاعب الكرة، والتى تعيش بالفعل مع أسرته بلا أى غضاضة، فإنها تأخرت فى الإنجاب، وعندما تكتشف أن «عزوز» هو السبب فى تأخر الإنجاب تصر كزوجة مصرية أصيلة ألا تخبر والدته التى تتهمها بالمسؤولية فى تأخر إنجابهما.

لم تختف المشكلات الاقتصادية كعائق أمام قصص الحب ومشاريع الزواج. فعائلة الأستاذ عبد الحميد فى مسلسل «أبو العروسة» واجهت تقريبا نفس تحديات عائلة أستاذ عبد الحميد فى مسلسل «فيه حاجة غلط». فتكاليف زواج الابنة الكبرى زينة هى محور المسلسل وتطور أحداثه، ولكن إلى جانب قصة زينة، تتفرع قصص حب أخرى أكثر تعقيدا وتواجه عقبات مركبة  ربما تكون أكثر صعوبة من العقبات المادية، فيظهر نموذج علاقة الجار والصديق «عم جابر» وزوجته «عبير» متجلى فى علاقة حب وكره بعد سنوات طويلة من الزواج. أو العلاقات المعقدة التى تتفجر مع المدربين الرياضيين «على» و«شريف» ودخولهما عوالم الأحياء الراقية ذات الأسوار أو «الكمبوندات». ولعل من أكثر الأسئلة والإشكاليات جرأة التى طرحها المسلسل هو سؤال الخيانة الزوجية الذى تغفره الزوجة للزوج فى كثير من الأحيان، ولكن نادرا، بل ربما يكون من المستحيل أن يغفره الزوج لزوجته فى قصة «نيرة» وزوجها. اقترب أبو العروسة أيضا من إشكالية أكثر حساسية، وهى علاقات الحب المستحيلة بين شاب مسلم وشابة مسيحية. فيتفجر غضب «ملاك» صديق الأستاذ عبد الحميد فور معرفته بقصة الحب بين أخته «مارينا» والشاب المسلم «محمود» وتنتهى العلاقة فورا وبقناعة داخلية من «مارينا» أن هذا الحب محرم من اللحظة الأولى.

كان مسلسل «سابع جار» أكثر جرأة فى طرح قصص الحب والعلاقات العاطفية المعقدة. فالمشكلة ليست فى الأشياء الأخرى، المشكلة فى الحب نفسه. فجميع سكان بناية «سابع جار» تقريبا لديهم الشقة والإمكانيات المادية، لكن كل علاقتهم العاطفية عانت طوال حلقات المسلسل من أزمات منها ما تطور ونضج ومرت الأزمة بسلام، ومنها من انتهى واختفى للأبد. فهذه هى قصة «هبة» الشابة التى تبحث عن الحب، لكنها بالدرجة الأولى تبحث عن نفسها، وعما تريد من الحياة. وحتى «نهى» وطارق» المتزوجين فى حياة تبدو مستقرة بل ومثالية يمر حبهما باختبار قاسٍ كاد أن ينهى حياتهما السعيدة. ثم كانت هناك نماذج أكثر جرأة، مثل «هالة» التى تبحث عن الإنجاب والأمومة، لكنها لا ترغب فى الاستمرار فى علاقة مستقرة مع شريك حياتها، فيصبح الإنجاب والأمومة هو السبب وراء نمو وتطور قصتها مع  «على» عكس معظم القصص المشابهة فى مسلسلات «فيه حاجة غلط» و«عائلة الأستاذ شلش» حيث يصر الزوجان على التمسك ببعضهما بعضا رغم صعوبات الإنجاب. ولعل شخصية «مى» وعلاقتها الملتبسة بجارها «أحمد» وزميلها «هشام» وصديقها «شريف»، هى من أكثر القصص التى أثارت حفيظة المشاهدين من أبناء الطبقة الوسطى، خاصة من جيل الآباء والأمهات الذين لم يقبلوا هذه التغييرات الاجتماعية، والتى أصروا على أنها غير موجودة فى الواقع بل إن المسلسل هو من يحرض أبناءهم على هذا النمط من العلاقات المفتوحة، وهكذا بعد أن كانت المسلسلات وسيط لتوجيه النظام لرسائله السياسية بشكل غير مباشر لجموع الطبقة الوسطى فى الثمانينيات، اعتبر قطاع واسع منها الآن إن المسلسلات لا تعكس الواقع، بل هى التى تفسد وتدمر المجتمع  المصرى المحافظ فى العقد الثانى من الألفية الجديدة.

حجاب والتزام وأحيانا إرهاب:

وبينما كانت شخصية «مى» هى الأكثر جدلا بسبب سلوكها وخيارتها المتحررين، والتى إن كانت مقبولة بين البعض، فإنها كانت صادمة للكثيرين، فإن شخصية «دعاء» الفتاة الملتزمة دينيا لدرجة التزمُت أحيانا كانت هى الأكثر شعبية. فدعاء وإن  كانت ليست هى النموذج الطاغى بين بنات وفتيات تلك الطبقة، فلقد حازت مباركة الأمهات والآباء فى خطواتها البطيئة والمرتبكة نحو قليل جدا من التحرر الحذر.

 فالمجتمع يرحب بالحجاب الذى ترتديه دعاء، والذى أصبح ظاهرة عادية وطبيعية. فكل من «لمياء» وأختها  « ليلى» محجبتين وكذلك «نهى» و«هند» وغيرهما، الشخصيات النسائية فى المسلسل، سواء من جيل الأمهات أو بناتهم، الأمر الذى لم يظهر إطلاقا فى دراما الثمانينيات والتسعينيات. فكل السيدات مهما يكن عمرهن يظهرن بملابس محتشمة، لكن بلا أى غطاء للرأس حتى لو كن أمهات وربات بيوت، وحتى لو كن من الأحياء الشعبية، هكذا كانت تظهر «كريمة مختار» مثلها مثل «ليلى طاهر» و»نبيلة السيد»، بل وأيضا «نعيمة الصغير». فحجاب دعاء ليس مشكلة، من حيث الشكل، لكن ما تسميه هى «التزام» وتراه أسرتها «تزمت»، والذى تداخل مع قصص خطوبتها الفاشلة، هو ما جعل قصتها وخطواتها نحو التحرر المحسوب أكثر شعبية فى أوساط المشاهدين بنوعيهما المحافظ والأكثر تحررا.

أما مسلسل «أبو العروسة»، فقدم شخصياته النسائية بأكملها كامتداد لدراما الثمانينيات والتسعينيات، فالنساء معظمهم بلا حجاب إلا عائلة «على»، والتى تبدو من مستوى اقتصادى واجتماعى أقل من المتوسط؛ أما عائلة الأستاذ عبد الحميد الممثلة للطبقة الوسطى ذات المعدن الأصيل، فهى تبدو صامدة أمام موجة التدين الاجتماعى التى سادت المجتمع.

وكما لم تظهر أى من الشخصيات النسائية فى دراما الثمانينيات والتسعينيات بالحجاب، ولم تتعرض للدين الاجتماعى، فإن معظم هذه المسلسلات، وتحديدا فى التسعينيات، تعرضت لقضية التطرف الدينى، مع تصاعد موجة إرهاب الجماعات الإسلامية فى التسعينيات، مثل مسلسلى؛ «العائلة» لوحيد حامد إنتاج 1994، و«أرابيسك» لأسامة أنور عكاشة من إنتاج العام نفسه.

أقباط الطبقة الوسطى:

وكما لم تظهر ظاهرة الحجاب فى الثمانينيات والتسعينيات، فإن حضور الشخصيات القبطية كان محدودا أيضا فى دراما تلك الحقبة وكانت غالبية ظهور الشخصيات القبطية الخافت بشكل مسطح بوصفهم الجيران والأحبة والأخوة، أو من خلال دعمهم المطلق كأقلية تعانى من بطش الجماعات المتطرفة فى التسعينيات. لم تكن هناك أى إشارة للتعصب الدينى، وفى أحيانا كثيرة يتم إقحام الشخصية القبطية فى الدراما فى النصف الثانى من التسعينيات تحديدا، بعد أن أدرك صناع الدراما فى ذلك الوقت أن هناك قطاعاً كاملاً فى المجتمع المصرى لا يظهر ولا يتم تمثيله على الشاشة. لعل أبرز تلك المحاولات فى هذا الشأن هى مسلسل «أوان الورد» إنتاج عام 2000، من تأليف وحيد حامد، والذى جعل بطلته ابنة لسيدة مسيحية تزوجت من رجل مسلم، وهو الأمر الذى كلفها مقاطعة أسرتها سنوات عديدة لها، وحتى فى هذه المعالجة الجريئة، فإن مسلسل «أوان الورد» تعرض لعدد كبير من القضايا السياسية والاجتماعية التى سادت المجتمع فى تلك الفترة التى بدأت تنحسر فيها الموجة الإرهابية، ويهدأ قليلا غضب الطبقة الوسطى التى كانت قد بدأت تدرك أن الدولة لن تعود لتتدخل لدعمهم، خاصة مع ارتفاع معدلات النمو الاقتصادى.

كانت مسلسلات الألفية الجديدة أكثر حساسية للشخصية والأسرة القبطية حتى ولو كان تقديم الأسرة القبطية شابه بعض المبالغة أحيانا. ففى «سابع جار»، تظهر عائلة التاجر الثرى القادم من الدلتا والذى يرتدى الجلباب الأبيض التقليدى فيصر الجميع على تسميته «الحاج نصر»، بينما نكتشف بعدها أنه مسيحى. ورغم حسن جيرتهم وعشرتهم وترحيب أهل البناية بهم، فإن أسرة «الحاج نصر» تثور ثورة هائلة عندما تدرك تقرب «عبد الرحمن» الجار المسلم المراهق من ابنتهم حتى لو لم يتعد الأمر كله مجرد قصص مراهقين عابرة.

 كان الأخ الأكبر «ملاك» فى مسلسل «أبو العروسة» أكثر غضبا، بل وكان رد فعله، عندما علم أن أخته على علاقة مع شاب مسلم، شديد الحسم والقسوة. ربما يكون مسلسل «أبو العروسة» بشكل عام أكثر نضجا فى طرح الشخصية المسيحية. فعائلة «ملاك» منسوجة جيدا وسط أحداث المسلسل، وهى تمر بأزمات وتحديات تمر بها أى أسرة مصرية، وهو صديق عائلة «عبد الحميد» بلا أى اقحام لمجرد كونه مسيحى. فأخو «ملاك» يعانى إدمان المخدرات، أما ملاك نفسه فهو يعيش قصة حب معقدة مع حبيبته فيفيان.

عودة أم امتداد:

لم تختف قضايا وهموم  الطبقة الوسطى من الدراما المصرية. فهى كانت دائما فى قلب الأعمال الدرامية التى رسخت فى عقول وذاكرة المشاهدين. فلا تزال أزمات تلك الطبقة الاقتصادية وهاجس تزعزع مكانتها الاجتماعية مستمرة حتى الآن بل وربما تزداد تعقيدا مع تشرذم تلك الطبقة وتنوعها، بل ربما كانت ثورة 25 يناير هى التجسيد الأكبر لغضب تلك الطبقة الذى حاول نظام مبارك ترويضه أو توجيهه؛ فنجح لفترة طويلة، وفشل فى المواجهة الأخيرة.

ولكن فى خلال تلك الرحلة منذ الثمانينيات حتى الآن، تغيرت معالم تلك الطبقة كثيرا؛ اندمجت أكثر فى العالم وانفتحت على ثقافة العولمة الواسعة؛ اختار بعض شبابها الاندماج مع الثقافة العالمية الجديدة؛ واختار البعض الآخر أن يكون أكثر محافظة وربما تزمتا، وتاه بعضهم مع الأسف فى عوالم التطرف والإرهاب. وظهرت على السطح قضايا حساسة فضل المجتمع سابقا عدم التعرض لها، مثل التعصب الدينى وتحرر المرأة، والخيانة الزوجية، وغيرها من القضايا الاجتماعية.

و مع هذا التطور والتغييرات التى سادت المجتمع؛ جاءت دراما الطبقة الوسطى فى السنتين الأخيرتين- خاصة مع تطور صناعة الدراما نفسها من كتابة السيناريو إلى التقنيات الإخراجية الحديثة أكثر تركيزا على الظواهر الاجتماعية والعلاقات العاطفية؛ خفت فيها حدة التوجيه والمواعظ؛ عرضت صورة الأسرة المصرية بتفاصيلها اليومية على الشاشات فانتزعت الضحكات والدموع وكأن المشاهد يرى صورة أخرى من حياته على الشاشة؛ وخرجت الدولة تماما من المعادلة الدرامية، فلم يوجه لها انتقاد، وكذلك لم تبعث الدولة برسائلها السياسية والاجتماعية عبر الدراما لطبقتها الأثيرة والمزعجة.

هوامش:

1 ــ انظر: هويدا عدلى، الطبقة الوسطى فى مصر: تحولات وتحديات، مجلة الديموقراطية، العدد 66، مارس 2017.

2 ــ انظر : أحمد زايد، الدور الثورى للطبقة الوسطى المصرية: التاريخ وأفاق  المستقبل، العدد 59، مايو 2015.

عن الكاتب : باحثة متخصصة فى قضايا المجتمع المدنى والسينما
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق