رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

قضايا ديمقراطية

كُلما يستدعى الأمر الكتابة عن النسوية باللغة العربية،  ينتهى بى الأمر (أو ربما يبدأ دائما هكذا) بإعادة شرح أبجدية الفكر النسوى، وكأنها محاولة منِّى لاستقطاب جمهور أكبر، أو ربما فى اللاوعى هناك التوثب للدفاع عن الفكر النسوى، من أجل دفع التهم التى تُوجه له من آخرين غالبا ليسوا على دراية بأدبيات النسوية، أو تاريخها، أو تطورها، أو المرتكزات الفكرية التى تنطلق منها، بوصفها حركة سياسية فى المقام الأول. إلا أن التهم  التى يتم «وصم» النسوية بها هى فى حد ذاتها كاشفة عن جوهر الاشكالية. فهى تصدر عن عدة فئات: الفئة الأولى هم هؤلاء المفكرون الرجال الذين يرون أن النسوية ترف فكرى يستدعى منهم ابتسامة ذات مغزى وتظاهر بالاقتناع، لكن الأمر كما يقولون دائما، «أعمق من ذلك». أما الفئة الثانية فهن نساء يسعين إلى «تجاوز» الفكر النسوى الضيق- على حد قولهن، لأن المسألة «أرحب من ذلك»، أما الفئة الثالثة فهى تلك التى تدير تفاصيل الواقع اليومى فى الإعلام والشارع، وميكروفون المسجد، وقاعات الدرس، وهى لا ترى أن الأمر مطروح للنقاش، لأن «المرأة مرأة والرجل رجل». كيف يُمكن الكتابة عن إشكالية جوهرية- النسوية- لا تدخل فى بند الاختيار أو الترف، بل هى إشكالية تمنح الفكر ورؤيته للعالم سمة تحدد كل ما يأتى من أفعال وأقوال، إشكالية تتجلى فى كل الخطابات التى تبدأ فى سياق العائلة ،وتنتهى بقرارات رسمية صادرة عن المؤسسة التى تُقرر شكل الحكم، وبالتالى تُرسخ علاقات القوى. كيف يُمكن الكتابة والعقل يحتفظ بكل هذه الفئات المناهضة المترقبة كجمهور محتمل؟

بداية، لابد من التأكيد على أن النسوية ليست حركة يُمكن الحديث عنها بصيغة المفرد، فهى ليست ذات شكل أحادى، ولا تتبنى خطابا واحدا ينطلق من سياق بعينه. النسوية حركة متعددة يتشكل خطابها ومطالبها وطموحاتها، طبقا للمكان والزمان، إذ تتغير الأولويات والعناصر التى تحتل الصدارة، طبقا لسياق المكان: سياسيا، وزمنيا، وتاريخيا، ومجتمعيا. إلا أن هذا لا يعنى إنغلاق كل خطاب نسوى على ذاته. فالنسوية حركة مرتحلة (فالنظرية ترتحل من مكان إلى آخر لتعيد تشكيل نفسها، طبقا للمكان الذى حلت به، كما استفاض الراحل إدوارد سعيد فى شرح هذه المسألة فى كتابه «العالم والنص والناقد»).فعلى سبيل المثال، ظهرت آثار الارتحال النظرى مبكرا فى الخطاب النسوى المصرى، إذ سافر الوفد النسائى المصرى لحضور مؤتمر المرأة الدولى فى روما عام 1923، وفى عام 1927 قامت رئيسة الوفد- هدى شعراوى - بتأسيس الاتحاد النسائى المصرى. وفى هذا الارتحال يكتسب الخطاب طبقات دلالية جديدة، ويترك بعضا من نفسه فى المكان الآخر فتكون ذروة هذا الارتحال هو خطاب عابر للقوميات والأوطان، وهو خطاب ظهر فى أواخر القرن العشرين، وأصبح لا بديل عنه فى القرن الحادى والعشرين، ليس بسبب العولمة التى جعلت العالم «قرية صغيرة» كما يردد الكثيرون، ولكن لأن الانتهاكات التى تقع على النساء بفعل الحروب، والنزاعات المسلحة، ومشاريع البنك الدولى، واستغلال العمالة النسائية، وصعود اليمين المحافظ بكل أطيافه قد أصبحت متشابهة فى كل مكان. وبالرغم من اختلاف الأسباب، يبقى الأمر الأكيد هو أن النساء يدفعن ثمنا مضاعفا بسبب حفنة من المصالح الاقتصادية، ومحاولة السيطرة على الموارد، هكذا أصبحت النسوية حركة متعددة مرتحلة. فالتضامن مع الإيزيديات اللواتى وقعن فى قبضة تنظيم داعش فى سوريا والعراق لا يختلف عن التضامن مع الفلسطينيات اللواتى يتم اذلالهن عند حواجز التفتيش، ولا يختلف كل ذلك فى التضامن مع الزوجات اللواتى يقعن تحت طائلة العنف المنزلى، ولا يدركن أنهن يتعرضن لانتهاك غير قابل للتفاوض (لأن هناك من يأخذ على عاتقه إقناعهن أن ما يحدث أمرا طبيعيا وفطريا).

النسوية فى العمق هى حركة سياسية، ليست ترفا مجتمعيا، كما تحاول بعض البرامج الإعلامية الساذجة تصوير الأمر، ليست مسألة نكات ودعابات لفظية فجة، كما يتصور الملايين. هى حركة سياسية ارتبطت فى صعودها بالمجتمعات الحداثية، ولذلك تحاول كل سلطة إسداء الفضل لنفسها فيما يتعلق بأى إنجازات مجتمعية خاصة بالنساء. وبسبب محاولة الاستيلاء على الخطاب النسوى بواسطة هذا الادعاء، تحولت النسوية إلى مجرد مشاريع ذات رؤية تنموية: صورة المرأة فى الإعلام، النساء فى مراكز صنع القرار، المشاريع الصغيرة الخاصة بالنساء....إلى آخره من تلك الأفكار المفرغة من كل مضمون فكرى، والحقيقة أنها ذات تأثير لا يُذكر، مقارنة بوحشية تفاصيل الخطاب اليومى تجاه النساء. لا يُمكن خلط الأمرين معا، فكل المشاريع الموجهة للنساء تقع على عاتق الدولة، ولا يعتبر أى إنجاز منها سواء فيما يتعلق بالموارد الاقتصادية أو الحصول على المناصب بمثابة دفاع عن النسوية. فالدولة منوط بها ضمان الحقوق لجميع المواطنين على قدم المساواة. وعليه، فإسناد منصب لامرأة ليس إنجازا فى مجال الفكر النسوى، بل هو بلورة لمواد دستورية ترى فى النساء أهلية كاملة ومواطنة غير منقوصة. إلا أن هذه الجملة الأخيرة، والتى تبدو براقة فى مثاليتها هى ما يُشكل تحديدا جوهر المشكلة التى يبدو من الصعب حلحلتها. ففى الفجوة القائمة بين الدستورى والقانونى المكتوب والاجتماعى الفكرى الشفاهى تكمن أكبر إشكالية تتعلق بالنساء.

النسوية إذاً ليست مجرد قرار أو إنجاز، ليست هبة أو منحة من السلطة العليا، النسوية فكر وخطاب أيديولوجى يبدأ رحلته من تفاصيل الخطاب اليومى، والممارسات الدائمة الاعتيادية، وهو خطاب  ينبع من فكرة محددة، مفادها أن الجنس البيولوجى، (ذكر أم أنثى)  لا يفترض أى قواعد سابقة عليه، لا يفترض عنصراً قبلياً (بالمعنى الفلسفى عند كانط)، أى أنه لا يشير إلى سلوك اجتماعى مسبق، فهذا الأخير هو ما يُسمى «الجندر»، وهو التشكل الثقافى والاجتماعى للجنسين. الجندر إذاً هو مركب اجتماعى يختلف من مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر، مع التأكيد على عدم اللجوء إلى مسألة الخصوصية الثقافية كمبرر للعديد من الممارسات التى تنتهك حقوقا أساسية، مثل عمليات الختان، أو الزواج المبكر، أو منع الفتيات من الالتحاق بالتعليم. ولأن هذه الممارسات لا يُمكن أن تحدث بدون مشاركة العديد من الأطراف، فقد اكتسبت دراسات الجندر أهمية لا تقل عن الدراسات النسوية، وأصبحت حقلا أكاديميًا رئيسيًا فى الجامعات المصرية والعربية. وبهذا اكتسب عنصر الجندر مكانة رئيسية وجوهرية فى التحليل، سواء أكان، الأدبى (قراءة الأدب النسوى أو منظور نسوى)،  أو الثقافى (الممارسات والتمثيل فى الواقع اليومى والمعيش)،  أو السياسى (الممارسات الخطابية الصادرة من النساء أو عنهن)، أو الاقتصادى (تأثير السياسات الاقتصادية على النساء)، أو التاريخى (إعادة قراءة الأرشيف وسد الثغرات التى تعيب  التاريخ الرسمى، بالإضافة إلى دراسات التاريخ الشفاهى)،  أو فلسفيا (إنتاج المعرفة) وبالطبع فى مجالى علم الاجتماع والأنثروبولوجيا. يؤكد ذلك على أن اتخاذ الجندر كعنصر أساسى فى المنظومة التحليلية (ومعه عناصر أخرى كالدين، واللون، والطبقة، والمكان الجغرافى، والعرق والإثنية) لم يعد اختيارا، بل هو فرض إذا كنا نسعى إلى إنتاج معرفة حقيقية نقدية عن مجتمعاتنا.

إذا كان التشكل الثقافى والاجتماعى يأتى لاحقا على الجنس وليس جزءا جوهريا منه، فما الذى يجعل الخطاب المجتمعى (رجالا ونساء) يحدد هوية المرأة فى جسدها؟ بمعنى أنه يختزل وجودها فى الجسد. فتارة يسعى إلى إخفائه تماما،  وتارة أخرى يشجعها على كشفه للتدليل على الاستنارة،  وأحيانا يعمد إلى انتهاكه أو اغتصابه، أو احتقاره، أو وصمه بالنجاسة. يبدو جسد المرأة معرضا لعدد كبير من الاحتمالات تُعبر جميعها عن فكرة الإثابة والعقاب، وتدخل جميعها أيضا تحت مظلة الرفض أو القبول، فيكون لدينا جسد مقبول، وبالتالى تنال صاحبته رضا المجتمع، أو جسد مرفوض لأنه تمرد شكلا على المنظومة المقررة سلفا، وقد يكون جسد نساء «العدو»، وهو ما يبرر اغتصابه من أجل كسر الإرادة، أو جسد امرأة تمشى وحيدة ليلا فتستحق ما ينالها، أو جسد طفلة لا تملك الدفاع عن نفسها، أو جسد امرأة هتفت فى ميادين التحرير، أو جسد امرأة يرى زوجها أن ملكيته المطلقة لجسدها تبيح له ممارسة كل أشكال العنف، وقد يكون جسد المرأة مجرد مساحة انتقام شخص من شخص آخر. تتعدد الأسباب وتبقى النتيجة واحدة: روح منهكة وجسد منتهك مفروض عليه الصمت إزاء ما وقع عليه من اعتداء، وهو صمت ناتج عن الشعور بالمسئولية والذنب. كيف يُمكن أن تشعر الضحية أنها مسئولة بشكل مباشر عما وقع لها (يرسخ الخطاب اليومى الثقافى هذه المسئولية عبر سؤالين: «إيه اللى وداها هناك؟ كانت لابسة إيه؟»).

دأبت علاقات القوى التى تبدأ من أصغر وحدة (العائلة) وحتى أكبر وحدة (مؤسسات الدولة) على جعل الميزان مائلا لمصلحة الرجل، فتحول الشعور بالتفوق والقوة إلى مرادف للجنس البيولوجى (ذكر= قوة، امرأة= ضعف). بدا من الطبيعى لهذا الذكر المتفوق (منحة من المجتمع) أن يعمد إلى التحرش بجسد المرأة، وبدا له أيضا أنها توافق على ذلك الفعل فى أفضل الأحوال، أو أنها لن تتمكن من الإتيان برد فعل فى أسوأها. وهكذا ظل الصمت سائدا من ناحية النساء، والإنكار هو المهيمن على خطاب المجتمع (أو تكذيب المرأة إذا أعلنت). لكن الأمور لا تبقى على حالها، فقد تصاعدت موجة التضامن النسوى العابر للقوميات والأوطان كما سلف البيان، بالإضافة إلى العديد من العوامل التى أسهمت فى تشكيل جيل جديد- نساء ورجال- يحمل وعيا مغايرا، بل ورافضا لوعى أسلافه، جيل يجرؤ على القول ولا يلجأ إلى الهمس، جيل تركزت معركته  على كسر حاجز الصمت فتغيرت المنظومة بأكملها، وهو أكثر ما يُغضب السلطة الأبوية، التى لم تتمكن من مواجهة التيار الجارف الذى أعلن بكل وضوح: «أنا أيضا».

تكمن قوة حملة «أنا أيضا» فى هذا المصطلح تحديدا. فالضمير «أنا» يؤشر على الذاتية المتفردة، فى حين «أيضا» هو مفعول يعبِّر عن حذف فاعله لأنه يستخدم فى التدليل على شيئين متوافقين، فالأنا المتكلمة متضامنة مع الآخر الذى وقع عليه نفس الاعتداء.

لقد بدأت هذه الحملة منذ  عام 2006، ولم تكن السوشيال ميديا قد اكتسبت قوتها بعد، حتى أطلقت الأمريكية السوداء، تارانا برك، هذه الحملة على مستوى الجمعيات القاعدية، لكن فى أكتوبر 2017 أطلقت الممثلة إليسا ميلانو على تويتر دعوة للنساء باستخدام هذا الهاشتاج «#أنا أيضا»، من أجل تسليط الضوء على التحرش الجنسى، وفى خلال وقت وجيز ارتحلت الحملة فى كل أنحاء العالم ليظهر أن التحرش الجنسى (بكل أشكاله) هو ظاهرة عالمية يقوم بها رجال ذوى نفوذ تجاه نساء خاضعات لهذا النفوذ بشكل ما، أو كما قال دونالد  ترامب، رئيس أكبر قوة سياسية فى العالم، «عندما تكون نجما فهن يدعونك تفعل ذلك». ما الذى يجعل الرجل مقتنعا أن التحرش بجسد المرأة هو أمر طبيعى ومقبول؟ كيف تتحول الجريمة إلى حق؟ كيف فقد جسد المرأة قدسيته، بوصفه مساحة خاصة، وتحول إلى مرتع لممارسة بغيضة يرى الآخر أنها طبيعية؟ كيف تزداد نسب التحرش فى  مجتمعات تتصاعد فيها وتيرة الخطاب الدينى المتدثر بتفاصيل اليومى؟

سنتعثر قليلا فى دقة شهادات النساء اللواتى تم التحرش بهن، لكن كل أمر فى بدايته يكون مربكا، وبعد مرور وقت ستنضبط الأمور. لكن ما يجب العمل عليه الآن هو الحفر فى الخطاب المؤسسى الذى لا يزال ينظر بريبة وشك لكل من تعلن أنها مرت بتجربة تحرش، ولن يكون الحفر ذا جدوى أو تأثير إلا بالتعمق فى أدبيات الفكر النسوى وإنتاج الدراسات التى تتناول وضع النساء، من خلال رؤية جندرية، وتحلل سياسات علاقات القوى السائدة وتداخلها مع المنظومة الاقتصادية فى المجتمع، شريطة أن يحدث كل ذلك بمنأى عن الصراخ  الشكلى وهيستيريا الخطاب الدينى الذى لا يتصور أن النساء قد كسرن حاجز الصمت بالفعل. لكن الأهم والأكثر إلحاحا هو إعادة الاعتبار لجسد المرأة والتعامل معه بوصفه جسداً يتمتع بحقوق المواطنة غير المنقوصة، وهى فكرة لا تتشكل بين عشية وضحاها، بل تحتاج إلى جهد ووقت يبدآن من النشأة والتنشئة والتعليم. إذا تطورت هذه الفكرة وتحولت إلى مبدأ لا يخضع للتفاوض، سيتحول معها أى فعل تحرش أو انتهاك- لفظى أو جسدى- إلى جريمة من وجهة نظر المجتمع تستدعى العقاب، ولن يبقى قانون التحرش مجرد حبر على ورق يجمل شكل المؤسسة فى أروقة المجتمع الدولى، ويمنحها مسحة الحداثة.

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة