رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مقالات العدد

 

تكاد تسرى حالة إجماع بين المؤرّخين على ما طُبعَ به القرن العشرون من أثر الثورة الروسيّة، مقارنة بانطباع القرن التاسع عشر بأثر الثورة الفرنسية. هذا على الاختلاف فى الموقع والمنظار، بين هؤلاء المؤرّخين، حيال الثورة الروسيّة، «مأخوذة ككل»، أو مُعتصرة، أو لجهة انقسامهم كمؤّرخين على مفارق منعطفاتها، وبشكل خاص بعد سيطرة حزب البلاشفة على السلطة عنوة، فى العاصمتين الإمبراطوريتين، بالتتابع السريع، فى نوفمبر عام 1917، ونجاحهم فى الاحتفاظ بهذه السلطة، خارج كل تقدير، إنّما بالمسارعة رأساً صوب الحرب الأهلية، وصيرورتهم بانتصارهم فيها الحزب الدولة، بل الدولة نفسها، بل الإمبراطورية الأوراسية نفسها، التى كانوا فى الأساس من دعاة تحطيمها، بوصفها سجناً كبيراً للشعوب، وإلى الدرجة التى اختتم فيها القرن العشرون «التاريخى» قبل أوانه «التقويمى» بعقد، يوم سقطت «الإمبراطورية السوفيتية» بانهيار «الحزب الشيوعى فى الاتحاد السوفيتى».

سياق الحرب الكبرى على الجبهة الشرقية:

بالقدر نفسه، يمكن تحصيل إجماع آخر بين المؤرّخين على اختلاف الموقع والمنظار، يتّصل بكونهم، يربطون جميعاً بين مسار الحرب الكبرى، العالمية الأولى، وسقوط القيصرية وقيام الثورتين الروسيتين لعام 1917، فبراير « البرجوازية الديمقراطية»، وأكتوبر «الاشتراكية» (إذا ما استعدنا التحقيب المدرسيّ السوفيتى). إلا أنّ التأريخ للحرب الكبرى اا تزال تغلب عليه مركزية الاهتمام بالحرب على الجبهة الغربية، كما لو كانت الحرب على الجبهة الشرقية ملحقة بها لا أكثر. لقد قوّت «مركزية الجبهة الغربية» فى الحرب العالمية الأولى الانطباع بأنّ الأحداث الثورية الجارية فى روسيا، بدءاً من شتاء 1917، كانت نتيجة للانهيار على الجبهة الروسية. فى الواقع، هذه الأحداث، كانت إلى حد كبير، نتيجة انتصار روسى قيصريّ على الجبهة الشرقية للحرب العالمية الأولى، انتصار غير موظّف بشكل جيّد. إن جزءاً أساسياً من المسار الثوريّ للأمور فى ختام الحرب الكبرى لن يكون مفهوماً، من دون تعميق وتوسيع البحث فى الحرب على الجبهة الشرقية، وتقويم شكل الترابط بين مسار الأمور على الجبهات المختلفة للحرب العالمية الأولى. ولن يكون مفهوماً المصير المختلف تماماً بين الثورة الروسية، خصوصاً بعد المنقلب البلشفى، والثورة الألمانية فى نوفمبر 1918، التى كان حدوثها، وإلى حد كبير، مناط انتظارات الثوريين الروس، وخصوصاً البلاشفة، وهى حصلت، إنما بمسار مغاير تماماً لما عوّل عليه البلاشفة، ولما حدث فى روسيا.

من مفارقات الحرب العالمية الأولى، أنّ دول الحلفاء (أساساً فرنسا وبريطانيا) نظرت بريبة وشك إلى قدرات سندهم الشرقى، روسيا، ولم تغب هذه النظرة عن دول المركز (أساساً ألمانيا والنمسا) حيال حليفتهم المسلمة، السلطنة العثمانية. الارتياب فى الحالتين من حليف متأخر على الصعيد التقنيّ الحربيّ، ويجرّ وراءه قرناً من الهزائم العسكرية (العثمانية)، أو هزيمة كبرى لم يمض عليها وقت طويل (تدمير اليابان للأسطول الروسى مطلع القرن العشرين)، فيخسرون بخسارة هذا الحليف الهش والمتأخر. لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً فى أغلب أعوام الحرب. فمن جاليبولى (جنق قلعة) على مضيق الدردنيل، إلى كوت العمارة جنوب شرق العراق، إلى غزة، توالت هزائم وخيبات بريطانيا وحليفاتها أمام العثمانيين، المواكبين ألمانياً.

ثورة «1915» المهملة.. تحالف الأركان العامة والصناعيين فى مواجهة القيصر:

أما روسيا التى افتتحت الحرب بخسارة كبرى لها فى بولندا (1915)، فإن خسارتها للأرض أراحتها من ضغط شعبى بولنديّ مناوىء لها وأرهقت به عدوّها، لتنعكس الآية فى العام التالى (1916) ويحقق الجيش الإمبراطورى الروسيّ أحد أهم الانتصارات العسكرية فى تاريخه، وفى الحرب العالمية، من خلال «هجوم بروسيلوف» فى يونيو 1916.

فنتيجة خسارة روسيا لبولندا مطلع الحرب كانت «ثورية» بالفعل. فبعد أن كان القيصر نكولا الثانى واللفيف الأرستوقراطى  البيروقراطى حوله، يقفون حجر عثرة دون إشراك الصناعيين والمصرفيين الروس فى التصنيع الحربى، تشكّل تقاطع بين قيادة الأركان العامة «الستافكا» والصناعيين ـ المصرفيين، يستاء من عرقلة للقيصر لتطوير التصنيع الحربى، ويفرضه عليه بالنتيجة، بدءاً من يوليو 1915، وقيام «اللجنة الصناعية العسكرية المركزية».

بالمقارنة مع الحالة العثمانية: المسار الانقلابى  العسكرى فى الدولة العليّة كان سابقاً لدخولها فى الحرب، إلى جانب ألمانيا. أما فى روسيا، فكانت نتيجة لدخولها فى الحرب. ستنتقل السلطة فعلياً إلى قيادة أركان الجيش الروسى بعد خسارة بولندا. بالتوازى، سمحت مرحلة ما بعد قمع ثورة 1905 الشعبية فى روسيا، بالقيام بإصلاحات لمصلحة البرجوازية، لكن فقط، فى مجرى الحرب، سيسمح للبرجوازية الصناعية ـ المصرفية من تحقيق مكاسب تاريخية على بيروقراطية الدولة، وعلى الأرستقراطية، لأنّه مع انتصار إرادة تخصيص التصنيع الحربيّ، وقيام التفاهم بين قيادة أركان الجيش والمصرفيين ـ الصناعيين الكبار، ستظهر البرجوازية الروسية أنّها أكثر الطبقات وطنيّة فى المجتمع، وأنّها مموّلة المجهود الحربيّ، وصانعة النصر على الجبهة.

انتصار بنتائج عكسية.. هجوم بروسيلوف:

الانتصار الكبير، المتمثل بهجوم بروسيلوف، يونيو 1916، هو كناية عن تقدم سريع وكاسح، على جبهة عريضة، يؤدى إلى انهيار الجيش النمساوى، ووضع النمسا ـ هنغارياً عملياً تحت وصاية حليفها، جيش الرايخ الثانى الألمانى. أريد لهذا الهجوم تخفيف الضغط النمساوى على إيطاليا، وتقوية موقف الفرنسيين فى فردان. لكنه أدى إلى نتائج عكسية. بالانتصار الروسى فى غاليسيا، تحمّس الرومان للحرب على النمسا، وضم المناطق التى يعتبرونها جزءاً من شعبهم وبلدهم، وأدى ذلك إلى توسيع الجبهة الروسية، وتمكّن الألمان من احتلال معظم رومانيا، والاستنزاف المستفحل فى أعداد الجنود الروس التى تستهلكهم الجبهة بسرعة، وبنتيجة اعتماد الجنود الروس فى رومانيا أكثر فأكثر على نهب السكان، الذين جاءوا يناصرونهم ضد أعدائهم فى الأساس، أخذ الانضباط يتراجع أكثر فأكثر، والدعاية المعادية للحرب بين الجنود تتقدم، وصوت ضباط الرتب الأدنى يصير مسموعاً أكثر، وكلما صار الاعتماد أكثر فأكثر على مجندين غير مهيئين كفاية، مستقدمين من أطراف الإمبراطورية الروسية، صار التسيّب والهروب من الجبهة، وهو تراث عريق فى تاريخ العسكر الروسى، كما يذكرنا تيموثى دولينغ فى كتابه عن «عملية بروسيلوف» (2008)، مستشرياً أكثر من أى وقت.

رغم الاستنزاف المتعاظم على الجبهة البلقانية، استمر الاقتناع، بل قوى لدى قيادة الأركان، الستافكا، بأنّ الحاجة هى لإعداد العدّة لهجوم جديد بعد ذوبان الثلوج، على جبهة غاليسيا مجدداً، وبأنّ الانتصار العسكرى فى «هجوم بروسيلوف» يمكن اعتماده كقاعدة لانتصار حاسم. من هنا، لم تتعامل قيادة الأركان، مع الثورة الشعبية فى مارس 1917 كـ«طعنة فى الظهر» بالنسبة لمراميها العسكرية، بل على العكس، نظرت إلى القيصر نكولا وحاشيته كوطأة، تعرقل توثبها المنتظر على الجبهة، بل تزامن تنحى القيصر عن السلطة وقيام الحكومة المؤقتة برئاسة الأمير لفوف (ثم الاشتراكى المعتدل الكسندر كرنسكى) ، مع صعود نجم بطل الانتصار العسكرى، ألكسى بروسيلوف، وقيادته الأركان العامة فى الجيش. نظر بروسيلوف، وسواه فى القيادة العسكرية، إلى سقوط القيصر، وقيام حكومة مؤقتة ملهية ومشغولة بالتحضير لانتخابات جمعية تأسيسية، على أنّها فرصة مثالية للتحضير لهجوم كاسح جديد على الجبهة ضد الألمان والنمساويين. بعد عام على هجومه الأول، سيخاطب بروسيلوف جنوده، لا بوصفهم هذه المرة جنود جيش قيصريّ، وإنما جنود «الجيش الثوريّ الروسيّ»، معتبراً أنّ الانتصار على الجبهة، يسمح بخدمة الثورة بشكل أفضل، لا سيّما وأنّه بعد سقوط القيصرية، صار التحالف ضد ألمانيا هو حلف الديمقراطيات الفرنسية، والبريطانية، والروسية الفتية، ضدّ الأوتوقراطية الألمانية والنمساوية. بخلاف الانتصار الكاسح فى يونيو الذى مضى، كان يونيو 1917 كارثة كبرى للجيش. مدفعيته أبلت البلاء الحسن، أما سلاح مشاته فتبخّر، بين منسحبين ومتململين، ومن أفنتهم النيران المعادية. أدّى ذلك لانهيار قيادة بروسيلوف فى الجيش، وارتفاع سهم الجنرال كورنيلوف، الذى طرح نفسه كصاحب علاج لهذه الكارثة: إعادة فرض الانضباط العسكرى، بدءاً من إعدام الهاربين من القتال. حملة بروسيلوف الثانية، ونتيجتها الكارثية على الجيش، وعلى بروسيلوف أيضاً، وصعود لافار كورنيلوف، و«سعادته» بما استجمعه من عناصر تحت طاعته فى «الجيش الثالث»، معظمها من الشركس والأنغوش والداغستانيين، ثم انتقال كورنيلوف من محاولة إعادة فرض الانضباط على مستوى الجيش، لمحاولة قلب الحكومة المؤقتة، والاستيلاء على السلطة، ستعبّد الطريق بالنتيجة لوقائع صيف وخريف 1917 التى أحسن البلاشفة توظيفها للاستيلاء على السلطة، والاحتفاظ بها، مستفيدين أيضاً من عدم تمكّن الحكومة المؤقتة طيلة هذا الوقت من تنظيم انتخاب الجمعية التأسيسية العتيدة، ومن عدم تمكّن كورنيلوف من الإطاحة بالحكومة المؤقتة، التى تحوّلت بدورها من متعقبة للبلاشفة فى يوليو 1917 إلى رهينة بين أيديهم بعد ذلك بأسابيع قليلة، قبل أن يقرّروا بعثرة تلك الرهينة قبل أن تقتدر مجدداً.

القطار – الصدمة.. التنسيق الألمانى – البلشفى: 

تعاملت قيادة الأركان الروسية مع سقوط القيصر نكولا الثانى كمعطى من الممكن اغتنامه للدفع قدماً بالتحضيرات من أجل هجوم جديد يقوده الجنرال بروسيلوف على طول الجبهة الشرقية، بعد موسم ذوبان الثلوج، لكن التنسيق بين المخابرات الألمانية والقيادة البلشفية المنفية فى سويسرا كان له ترتيب آخر: عبور فلاديمير ايليتش (لينين) وثلاثين من أركان حزبه ــ المنفيين معه فى سويسرا ــ البلاد الألمانية، ومنها إلى السويد ــ وفنلندا، فبتروجراد (سانت بطرسبرغ) التى كانت ثورتها الشعبية فى فبراير وفق التقويم الروسى / اليوليانى  (8 مارس بالتقويم الميلادى)  1917، قد فاجأت الجميع، وبينهم لينين، بنشوبها وبسرعة إطاحتها بالقيصر.

وسطاء عديدون حققوا عمولات طائلة أيضاً فى فترة المفاوضات بين لينين والحكومة الألمانية. فكرة العودة عبر ألمانيا طرحها أساساً المنشفى مارتوف، بعد سقوط القيصر، لكن مارتوف طرحها فى حدود أن تقوم الحكومة الروسية الجديدة بتبادل للأسرى مع الألمان يسمح على هامشه للاشتراكيين الروس، من جميع الاتجاهات، بالعودة من المنفى. أعجب لينين بفكرة العودة عبر ألمانيا، لكنه أرادها صفقة مباشرة مع حكومتها وجيشها، وتعنى البلاشفة دون سواهم، وليس بواسطة الحكومة المؤقتة الروسية التى اعتبرها أساساً عدوة مشتركة له وللألمان.

هذه المفاوضات جرت بإشراف شخصى حثيث من الإمبراطور الألمانى فيلهلم الثانى نفسه، خاصة أنّ لينين قد شدّد على أنّ القطار ومن فيه لا يخضعون خلال مدة انتقالهم عبر ألمانيا إلى قوانينها، فلا يدخل أحد من الألمان إليه، ويعطى الأمان لكل من فى القطار بمن فيهم المطلوبون من الألمان أو حلفائهم، مثل البلشفى البولندى كارل راديك، الهارب من الخدمة العسكرية النمساوية، كما لم يسمح لأحد من ركاب القطار بمغادرته لأى سبب كان، ولا يتوقف القطار نفسه إلا بأقل قدر تقنى ممكن، كما اشترط لينين أن تحظر الحكومة الألمانية أى خبر صحفى يتناول عملية الانتقال هذه إلى حين وصول الركاب إلى محطة فنلندا فى العاصمة الروسية بتروجراد وقتذاك (لاحقاً، سينقل البلاشفة العاصمة إلى موسكو، لخشيتهم من سقوط بتروجراد بيد الألمان أو الفنلنديين أو بيد أعدائهم الداخليين، وسينفذون بذلك واحد من مشاريع نكولا الثانى وحنينه إلى زمن قياصرة ما قبل بطرس الأكبر ومدينته الفاقدة للأصالة الروسية الأرثوذكسية النيوبيزنطية).

وعلى ما تظهره المؤرخة كاثرين ميريدال فى كتابها الأخير «لينين فى القطار»، فقد كان الرجل خلال الرحلة أشبه ما يكون بناظر مدرسة، يحدّد للرفاق ساعات قراءتهم، وأوقات تنظيمهم لحلقات الغناء، وكان إلى جانب لينين فى الرحلة زوجته ناديجدا كروبسكايا، وأمينة سرّه وعشيقته الفرنسية إيناس آرمان، ومن القادة البلاشفة زينوفييف ولوناتشارسكى وراديك. ونظراً لأنّ محاكاة أحداث الثورة الفرنسية كان يطغى فى تلك الفترة على الثوريين الروس، فقد استطاب الرفاق انشاد «المارسييز» الفرنسية فيما هم يعبرون البلاد الألمانية، وينصرون عملياً ألمانيا ضد كل من روسيا وفرنسا فى الحرب الكبرى. سمحت الرحلة للينين بأن يدرك حجم الفجوة الديموغرافية التى كانت تعانى منها ألمانيا، لأنّه من نافذته فى القطار لم ير فى كل المدن التى جابها إلا نساء وأطفالا. زاد اقتناعه بأنّ الثورة موشكة فى ألمانيا أيضاً، وبأنّ ما سيسلمه لألمانيا باليمنى، سيعود ويأخذه منها باليسرى. لم يفتر هذا الاقتناع رغم تعمّد الطاقم الألمانى على القطار تقديم وجبات طعام دسمة وغنية للبلاشفة، لإقناعهم بأن ألمانيا لا تعانى من أى مشكلة غذائية خلال الحرب.

بعد ألمانيا، عبر الطاقم البلشفى إلى السويد، ومنها إلى فنلندا التى كانت جزءاً من الإمبراطورية الروسية. فى ستوكهولم، سيجبر راديك لينين على اقتناء جوز حذاء ومعطف غاليى الثمن، كى يبدو فى أحسن حلّة عند عودته إلى روسيا، لأن بلاشفة العاصمة كانوا منهمكين فى الوقت نفسه فى تنظيم استقبال احتفالى ضخم للرجل الأقوى بينهم، الذى كان معظمهم لا يعرف شكله. فى فنلندا، سيطالع لينين بغضب أعداد جريدة حزبه، البرافدا، التى كانت عاودت الصدور بعد سقوط القيصر، فيدرك أنّه عليه خوض نضال ضروس لتصحيح المسار فى حزبه أيضاً. لم يخف لينين مراده عند وصوله: إنهاء الحرب مع ألمانيا تماماً وبسرعة، واستبدالها بحرب أهلية روسية. التعويل فى الوقت نفسه على ثورة وشيكة فى ألمانيا التى تعاون معها من أجل عودته، ومن أجل الإطاحة بالحكومة المؤقتة.

لم تعمل الحكومة المؤقتة على إيقاف لينين بتهمة التعامل مع الألمان وعودته من خلالهم. الرأى الذى ساد داخلها، خصوصاً من طرف وزير العدل (لاحقاً وزير الحرب، ثم رئيس الحكومة المؤقتة) الاشتراكى البرلمانى المعتدل الكسندر كرنسكى أن لينين قضى نهائياً على سمعته داخل روسيا، من خلال قبوله بهذا عودة بالقطار الألمانى.

لكن لينين نفسه كان يستعد لاحتمال توقيفه ورفاقه عند العودة، وينظّم خطة مرافعته أمام المحكمة خلال الرحلة. قبل ساعات طويلة من وصول زعيمهم إلى محطة الختام، محطة فنلندا فى بتروجراد، نجح البلاشفة فى تنظيم حشد جماهيرى فاق توقعاتهم لاستقباله، وكان حشداً مسلّحاً إلى حد كبير. جماهيرية الحشد كانت قبل كل شىء لحماية لينين ورفاقه من احتمال توقيفه. فرقة المصفحات المؤيدة للبلاشفة، والبحارة المسلّحون الآتون من قاعدة كرونشتات (سيبيدهم تروتسكى لاحقاً عن بكرة أبيهم فى نهايات الحرب الأهلية)، كانوا هناك للتأمين اللازم.

لم ترسل الحكومة المؤقتة من يريد إيقاف لينين يومها، ولا من يكون رسمياً فى استقباله. فى المقابل، حضر رئيس سوفيات المدينة المنشفى (الجيورجى)  نكولا تشخيدزه، مرحباً بالعائدين، فلقى كل استخفاف به وجفاء من طرف لينين. فالرجل الذى عاد إلى روسيا فى 3 نيسان أبريل بالتقويم القديم،كان يستعد لكتابة «موضوعات أبريل» التفجيرية: لا للجمهورية البرلمانية. تجذير القطيعة مع من سماهم «الاشتراكيين قولاً، الشوفينيين فعلاً». قطع صلة البلاشفة بالاشتراكية ـ الديمقراطية التى شكلوا جناحها الراديكالى حتى ذلك الوقت، والتأسيس للحزبية الشيوعية، والأممية الشيوعية، والأهم، إعداد العدّة للاستيلاء على السلطة باسم سلطة المجالس، رغم «الاعتراف بأن حزبنا لا يزال أقلية، وأقلية ضعيفة فى مجالس مندوبى العمال».

صيف 1917..  كرنسكى وكورنيلوف والبلاشفة:

هل كان ممكناً تفادى «اللحظة البلشفية»؟ لم يكن تفاديها بالأمر السهل بعد فشل هجوم بروسيلوف الثانى على جبهة غاليسيا، نتيجة لتأثر الجنود بالدعاية المضادة للحرب. أما قبل ذلك مباشرة، فما كان لأغلبية المندوبين فى المؤتمر الأوّل لمجالس الجنود والعمال لعامة روسيا (3 يونيو 1917) أن يأخذوا بجديّة المقولات التى طرحها لينين، حين طالب أمامهم بأن تعطى كل السلطة للسوفيتيات، فى وقت كان لا يزال حزبه أقليّة محدودة بين مندوبيها. قوبل كلامه بالاستهزاء الشديد عندما أعلن جاهزية حزبه للاستيلاء على السلطة فى أية لحظة.

عشية هجوم بروسيلوف الثانى، اعتقد الكسندر كرنسكى، وزير الحرب، والاشتراكى البرلمانى، بقدرته على التوفيق بين اتجاهين متعارضين:. الاتجاه الداعى، منذ سقوط القيصر، لتحقيق السلام فى أسرع وقت ممكن، والاتجاه الثانى، فى قيادة الأركان، لمواصلة الحرب بأى ثمن. أخذ يمنّى النفس، بأنّه قادر على الجمع بين هذين الاتجاهين، بإعطاء صبغة جديدة للجيش، عبّرت عنها «شرعة حقوق الجندى» (التى تعطى للجنود حق التحزب). ورغم كل ما كان يصله من تقارير عن الحالة الفوضوية على جبهات القتال الأربع، وخصوصاً من الجنرال الكسى بروسيلوف، فقد اتخذ قرار الشروع بالهجوم الأخير للجيش الروسى على جبهة الحرب العالمية الأولى، ورأى فيه محاكاة لانتصار جيش الثورة الفرنسية فى «فالمى»، وأن روسيا تحتاج إلى «فالمى» جديدة، كى تعبر بأمان نحو نظام جمهورى هو على رأسه.

العاقبة كانت وخيمة. القطاعات المتأثرة بالدعاية «ضد الحرب» فضّلت توجيه سلاحها ضدّ ضباط الرتب العليا. عُزِل بروسيلوف وتولى لافار كورنيلوف قيادة الجيش تحت عنوان إعادة فرض الانضباط بقوة، وترأس كرنسكى بنفسه الحكومة، خلفاً للأمير لفوف.

بالتوازى مع فشل هجوم بروسيلوف الثانى، قمعت الحركة التمردية فى بتروجراد فى تموز 1917، التى انجرّ إليها البلاشفة «خوفاً من أن لا يسبقهم الشارع»، فاعتقل بعض من قادة البلاشفة فى أثرها، وتخفّى آخرون (مثل لينين الذى لجأ إلى فنلندا). عندها، صار الخطر على حكومة كرنسكى المؤقتة المدنية من كورنيلوف. اختلط هذا بتقدّم الألمان، واحتلالهم ريغا نهاية آب، واقترابهم من العاصمة. اندفع كورنيلوف إلى محاولة الانقلاب، ، على كرنسكى. ارتفعت أسهم البلاشفة مجدّداً. جاءت انتخابات بلدية موسكو، ثم انتخاب كل من سوفيات عمال وجنود بتروجراد وموسكو، لتعطيهم الأكثرية فى هذه المجالس لأوّل مرة فى أيلول سبتمر 1917.

لم تعلن «الجمهورية الروسية» من قبل الكسندر كرنسكى إلا فى 14  سبتمبر 1917، فى ظروف تصدّى حكومة «المدنيين» للخيار العسكريّ «البونابرتى» ممثلاً بكورنيلوف، وصعود البلاشفة السريع فى العاصمتين، بتروجراد وموسكو، فضلاً عن تنامى نفوذهم فى قطاعات الجيش على الجبهة، وفى الأسطول.

مقومات الانتفاضة البلشفية:

استعان كرنسكى بالبلاشفة، وهو يدرك بأنهم يعملون على عزله. كما يقول شون ماكميكين فى كتابه عن الثورة الروسية، كان هذا السرّ المعلوم فى كل بتروجراد، والأمر الذى ينبغى أن يتوقّف عنده المرء هو لماذا تردّد البلاشفة أسابيع عديدة قبل إقدامهم على ذلك. فى هذه الأسابيع حاول كرنسكى أن يتفادى مصيره، من خلال الطلب من السفير البريطانى جورج بوكانان، السماح له باتفاق هدنة مع الألمان.. عبثاً. ثم فكّر بنقل مقر الحكومة المؤقتة إلى موسكو، وتسرّبت هذه «النيّة» إلى العلن، بشكل حشر لينين والبلاشفة كرنسكى فى الزاوية أكثر فأكثر: اتهموه فى نفس الوقت بالنيّة فى تسليم العاصمة، بتروجراد، إلى الألمان، وبانعدام النيّة فى إخراج البلاد من حرب لم تعد فقط مشكلتها أنها «امبريالية»، بل صارت مهلكة تماماً، بعد فشل هجوم بروسيلوف الثانى على الجبهة.

تمكّن البلاشفة من توظيف كل مجرى الأمور بعد فشل هذا الهجوم لصالحهم، وخصوصاً الصراع بين «العسكرى» كورنيلوف و«المدنى» كرنسكى. لكنّ ذلك لا يحجب المتغيّر الكبير الذى حققوه بين تموز يوليو وتشرين الثانى نوفمبر: حصولهم على الأغلبية بين مندوبى عمال وجنود العاصمتين، وتنامى قوة أنصارهم فى سلاحى المشاة والبحرية.

المخابرات الألمانية، التى أعانت البلاشفة فى الكثير، كانت تتوقع استيلاءهم على السلطة، بل تسهّل له السكّة، لكنها كانت تتوقع خسارتهم لها بشكل سريع، وفتح الطريق للزحف الألمانى على مدينة بطرس الأكبر.

تمكّن البلاشفة من الاحتفاظ بالسلطة، وتحطيمهم أعداءهم الواحد منهم تلو الآخر، من خلال معادلة لم يخفها لينين طيلة تلك الفترة: الانتقال من الحرب الإمبريالية، على الجبهة مع ألمانيا والنمسا وتركيا، إلى الحرب الأهلية. وهنا لم يكن المنعطف الحاسم هو استيلاء البلاشفة على السلطة، بل انتخاب الجمعية التأسيسية ثم حلّها فى الفترة التالية على هذا الاستيلاء.

فقد احتاجت روسيا الثورية ثمانية أشهر بعد سقوط القيصر، كى تلغى المؤسسة البرلمانية للنظام القديم. فالحكومة المؤقتة برئاسة الكسندر كرنسكى لم تلجأ إلى حل «دوما الدولة» الرابعة، القائمة منذ 1912، إلا فى السابع من أكتوبر 1917. تضافرت الدعوات لانتخاب جمعية تأسيسية ينبثق عنها العقد الاجتماعى الجديد لروسيا، ويتحدّد فى إطارها نظامها السياسيّ. إلا أنّ الطريق إلى انتخاب هذه الجمعية التأسيسية لم يكن مؤمّناً قبل استيلاء البلاشفة على السلطة فى بتروجراد، فى 25 تشرين الأول أكتوبر. فقط فى ظلّ استيلاء البلاشفة على السلطة، صار الطريق إلى انتخاب هذه الجمعية التأسيسية مؤمّناً، إذ لم ينجح البلاشفة فى تأجيل موعده، أو فى تبديل قانون الانتخاب، وحصل الاقتراع فى الموعد المحدّد (12  نوفمبر)  بنتيجة مخيبة جداً (ومتوقعة إلى حد ما) للبلاشفة، الذين لم يصلوا حتى إلى ربع المقاعد. ومع ذلك، لم يتردّد البلاشفة، فى فضّ الاجتماع الأوّل للجمعية التأسيسية بالقوّة وحلّها، مطلع العام 1918، فى قرار فتح الباب على مصراعيه تماماً للحرب الأهليّة الشاملة.

متى اندلعت الحرب الأهلية الروسية؟

هجوم بروسيلوف الأول ( يونيو 1916) كان انتصاراً قيصرياً أسىد توظيفه، فارتد بنتائج عكسية (الثورة الشعبية على القيصر نقولا، وتنحيه). أما هجوم بروسيلوف الثانى (يونيو  1917) فقد فجّر الجيش الروسى نفسه، واستفادت منه البلشفية، إلى حيث الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها (وإعادة إنشاء جيش جديد، أحمر، يخرج من قلب الحرب الأهلية).

تعطينا كتابات زعيم «المناشفة الأمميين»، يوليوس مارتوف، مقاربة وافية حول تأصّل «النزعة العسكرية» فى البلشفية، واتجاهها لأن تكون «حركة الجنود»، أكثر منها «حركة الطبقة العاملة». يقول مارتوف فى «جذور البلشفية العالمية» (1923) أن «البلشفية ليست الشكل البسيط لثورة الجنود، لكن فى كل بلد تخضع فيها ثورة لأثر البلشفية، يحدث هذا تبعاً لدرجة إسهام جماهير الجنود فى أحداثها».

من جملة المفارقات، أن مارتوف، صديق لينين القديم، وأحد أهم ما انتجته الحركة الثورية الروسية، هو أوّل من ستحكم عليه ثورة البلاشفة، بالذهاب إلى «مزبلة التاريخ» (كلمات تروتسكى بحقه بعد ساعات من الاستيلاء على السلطة، أمام المؤتمر الثانى للسوفيتيات). أما بروسيلوف، الجنرال القيصريّ، الذى ارتبط اسمه بهجومى 1916 و1917 على الجبهة، فلن يتأخر كثيراً بعد انتصار البلاشفة، للانضمام إليهم، وإلى «الجيش الأحمر». مثّل انضمام بروسيلوف، أهم ضباط القيصرية فى الحرب العالمية الأولى، للجيش الأحمر، فى نهاية المطاف، حيلة أخرى من حيل التاريخ: الحزب الذى كان يدعو لتحطيم الإمبراطورية الروسية صار هو نفسه الشرط الوحيد لاستمرارها حتى أواخر القرن العشرين.

من الصعب تحقيق «الإجماع بين المؤرخين» على تحقيب مراحل الثورة، أو مجموع الثورات الروسية، ناهيك عن رسم حدود واضحة بين «زمن الثورة» و»زمن الحرب الأهلية»، لا سيّما وأنّ الثورة لا تزال حدثاّ خلافياً «أهلياً» بامتياز فى روسيا. يبقى أنّ القرار البلشفى بحلّ الجمعية التأسيسية وتفريق منتخبيها يلعب دوراً محورياً فى عملية الانزلاق نحو الحرب الأهلية. فى كتابه عن الحرب الأهلية الروسية، يطرح المؤرخ الفرنسى جان جاك مارى السؤال عن اللحظة التى يمكن ابتداء منها القول إن الحرب الأهلية ابتدأت، هل هى لحظة سقوط قصر الشتاء بيد الحرس الأحمر البلشفى والإطاحة بكرنسكى، أو عندما قام أنصار هذه الحكومة المؤقتة المخلوعة بمجزرة ضد 300 من الحرس الأحمر داخل الكرملين بعد ذلك بأيام قليلة، قبل أن تسقط موسكو نفسها بيد البلاشفة؟ بطبيعة الحال، سيتم تعيين بداية مختلفة للحرب الأهلية بحسب اختلاف موقع المؤرخ، لكن ينفع التوقف إلى ما يقوله ليون تروتسكى مثلا، فهو يعتبر أنّ الحرب الأهلية دشنت رسمياً ففى 29 أبريل 1918 عندما رفض «فيلق (أسرى الحرب) التشيكوسلوفاكى» إنذار الحكومة السوفيتية له بتسليم أسلحته سيطر على مناطق شاسعة من سيبيريا، ودفع الحالات التمردية والتدخلية فى كل أنحاء الإمبراطورية. على أهمية لحظة تمرّد «الفيلق التشيكوسلوفاكى» هذه، يبقى القرار القصدى الحاسم بالاتجاه للحرب الأهلية هو قرار البلاشفة وحلفائهم من الاشتراكيين الثوريين اليساريين حل الجمعية التأسيسية ذات الأكثرية الاشتراكية الثورية (اليمينية، وهو الحزب الشعبى الأكبر عند الفلاحين فى ذلك الوقت) مطلع العام   1918، فى حين سيتأخر بعض الشىء انفجارها على أوسع نطاق، إلى يوليو 1918 تحديداً، يوم  زيّن للاشتراكيين الثوريين اليساريين أنهم فى طريقهم لخلع البلاشفة «عملاء الإمبريالية الألمانية» كما نّددوا بهم، فسيطروا على مركز العاصمة، بما فى ذلك على مقر الشرطة السرية «التشيكا»، وأخذت زعيمتهم ماريا سبيردونوفا تخطب فى مسرح البولشوى عن الثورة الجديدة، قبل أن يتمكن البلاشفة من إعادة حسم الوضع لصالحهم، وبعنف غير مسبوق حتى تلك اللحظة، فاستحلوا دماء حلفائهم السابقين الذين انقلبوا عليهم، بالتوازى مع إعادة سيطرتهم على مدينة ياروسلاف وقمعهم للاشتراكيين الثوريين اليمينيين فيها، بقيادة بوريس سافينكوف. الفارق أنّ سافينكوف كان يمثل فى تلك الفترة أحد رموز «الثورة المضادة»، فى حين أن سبيردونوفا كانت تتهم البلاشفة بأنهم صاروا عنوان «الثورة المضادة». تمكن البلاشفة من تحطيم فرعى الحزب الاشتراكى الثورى هؤلاء، بعنف ثورى غير مسبوق قبل يوليو1918، نجت منه ماريا سبيريدونوفا وحدها، بوصفها من رموز ثورة 1905 الديمقراطية الروسية، لتمضى بقية حياتها بين حرية، فسجن، فمنفى، فحرية، فاعتقال، فإعدام متأخر.. فى  سبتمبر 1941.

فى موازاة شلال الدماء بين أجنحة الحركة الثورية الروسية هذه، التى بدأت فى يوليو 1918 واستمرت حتى 1921، كان ضباط الجيش القيصرى القديم يعاد تأهيلهم تباعاً فى الجيش الأحمر، ومنهم، بروسيلوف نفسه، الذى بعد أن كان رمزاً للجيش القيصرى، ثم رمزاً لجيش الثورة البرجوازية، أعاد تأهيل نفسه، ليصبح من رموز الجيش الأحمر فى نهايات الحرب الأهلية الروسية!

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة