صحف و دوريات
في البحث عن معنى البطولة/ حسن شامى
2018/06/04
0
106
70
العدد :

حسن شامى

الحياة

3/6/2018

في البحث عن معنى البطولة

تسنّى لملايين الفرنسيين أن يشاهدوا قبل أيام قليلة، وبالصورة الحية المباشرة، عملية إنقاذ وصفت بحق بالبطولية. فقد رأى الفرنسيون، كلهم تقريباً، ورأينا معهم بفضل البث التلفزيوني المتكرر والنشر الواسع على مواقع التواصل الإلكتروني، صوراً يظهر فيها شاب أفريقي من أصل مالي وهو يتسلق خلال ثوان أربعة طوابق وينقذ طفلاً في الرابعة من عمره كان جسمه يتدلى من الجانب الخارجي لحافة شرفة بيته الواقع في الطابق الرابع من بناية في الدائرة الثامنة عشرة للعاصمة باريس.


لم يكن مهماً معرفة أين كان أهل الطفل عندما فعل ذلك، ولماذا كان وحده في البيت. مع أن هذه الأسئلة تراود عادة الناس فإنها اعتبرت ثانوية جداً بالنظر إلى عملية الإنقاذ المصورة. وبما أن الشاب البطل القادم من مالي هو من المقيمين بلا أوراق شرعية، أي من «الحرّاقة»، وفق تسمية شائعة ومناسبة لهذا القطاع البشري العابر والحارق للحدود بين الدول والهارب من الحروب والفاقة والجوع، فقد أصبحت صفته ووضعيته هذه ككائن هائم ومتشرد محور الموضوع. سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل مكرون إلى استقباله في قصر الإليزيه ومنحه الجنسية الفرنسية. فحصل الشاب إثر اللقاء على إجازة إقامة وعلى عمل لعدة أشهر مع رجال الإطفاء المتخصصين تعريفاً في عمليات الإنقاذ من الحرائق ومن مصائب أخرى.

هذه الحادثة أعادت إلى الأذهان حوادث وسلوكات مشابهة تميز أصحابها بقدر عال من الغيرية والفروسية، خصوصاً وأنها حصلت في إطار الأعمال الإرهابية العنيفة التي عرفتها فرنسا دورياً ومن بينها عمليات دهس وقتل مدنيين. بالفعل شهدت فرنسا في السنوات والأشهر الماضية أعمالاً اتصفت هي أيضاً بالطابع البطولي كما هي حال الشاب الأفريقي الذي أنقذ عدداً من المدنيين لدى احتجاز رهائن وقتل بعضهم في متجر يهودي، وضابط الشرطة الذي قُتل بعد أن اقترح على إرهابي أن يحتجزه هو كرهينة بدلاً من أشخاص مدنيين محتجزين. غير أن الصفة البطولية اتخذت هذه المرة طابعاً مختلفاً توقف عنده العديد من المعلقين وأصحاب الرأي واحتل مكانة لافتة في النقاش الذي أطلقته الحادثة. فالبطولة ههنا تحققت في سياق إنساني وسلمي خالص وليس في المناخ المثير والمضطرب الناجم عن أعمال عنف إرهابية.


أتاحت عملية الإنقاذ كسر صورة نمطية شائعة عن المهاجرين غير الشرعيين تجعلهم بمثابة تهديد للأمن الاجتماعي ناهيك عن تهديدهم الهوية السياسية والثقافية للبلد، وهو تهديد ينفخ في صوره اليمين القومي المتطرف والشعبوي في طول أوروبا وعرضها. أفصح الشاب القادم من مالي عن شهامة إنسانية واستعداد للمجازفة بالنفس من أجل إنقاذ نفس بشرية أخرى.

نعلم أن موت البطل كان منذ بضعة قرون أحد عناصر السردية المؤسسة للحداثة الأوروبية. لا يعني هذا أن الزمن الحديث لا يعير أهمية لما يجترحه الأفراد ويتنافسون على التفوق فيه. ما كان مطلوباً التحرر منه والتخفف من ثقله المتوارث والتقليدي هو صورة نمطية عن البطل باعتباره نصف إله أو من طينة تفوق طينة البشر. في زمن التأسيس للمذهب الإنسانوي المتعطش للحرية والمساواة وعقلنة الانتظام الاجتماعي بوصفه عقد اختيار، كان من الضروري التعويل على الذات ككائن حقوقي مسؤول والتخفف من النظر إلى الأبطال وانتظار عجائبهم. وهذا التخفف كان يتوازى مع الحاجة إلى التحرر من زاعمي الحق الإلهي المقدس في السلطة وتكريس الامتيازات بمقتضى شرف الولادة والسلالة. لم يكن موت البطل ينفصل عن ولادة الفاعل الفردي واضطلاعه بالمسؤولية الكبرى عن حياته ومصيره مما يفترض التخلي عن الاعتقاد بالقدرات الخارقة لأفراد يمكن تفويض الأمور إليهم.

يبدو أن هناك اليوم طلباً متزايداً على نوع من البطولة. هذا ما خلص إليه البعض معلّلاً ذلك بطغيان النزعة الفردية وانتفاخ الشهية الاستهلاكية المتمحورة على الذات الضيقة وغير المبالية بمصائر الآخرين. هذا الطلب على البطولة يبدو للوهلة الأولى ضرباً من الحنين إلى زمن سابق كانت تسوده قيم الفروسية والغيرية والشجاعة وشرف النفس. والحق أن هذا الفقدان هو ما رمزت إليه شخصية دونكيشوت في رواية ثربانتس المعروفة والصادرة قبل ثلاثة قرون. دونكيشوت هو بطل الذات في رحلة تشكلها كعالم فردي قائم برأسه. الطلب الحالي على البطولة في زمن العولمة يتوازى مع الطلب على الكيانية الوطنية، والتمسك بوجود إطار يعتقد فيه الناس بقدرتهم على التدخل والتحكم بمساره والاحتماء به كملاذ يقيهم خطر الفوضى الناجمة عن ضياع الحدود واضطراب ركائز المصائر الوطنية. لكن التوازي لا يعني التطابق. الشيء المشترك بينهما يكمن في الشعور بأن لعبة الامتلاء بالذات بلغت أقصاها وباتت مسرح خواء زاحف. نرجح أن هذا التململ من حال التخمة الفردية سيتخذ أشكال تعبير مختلفة وسيفصح عن نفسه في المستقبل القريب.

يمكننا أن نضع في السياق ذاته الاختلاجات التي تعيشها هذه الأيام المسألة الفلسطينية بالاستناد إلى ما شهدته غزة أخيراً. فبعد مقتلة المدنيين العزل على مرأى العالم العاجز ثمة بحث عن بطولة ما. هكذا نفهم تأكيد منسق الأمم المتحدة للشرق الأوسط لمجلس الأمن الدولي المنعقد يوم الأربعاء الماضي، بأن المواجهات الأخيرة بالصواريخ بين القوات الإسرائيلية وحركة حماس والجهاد الإسلامي مؤشر على أن قطاع غزة بات على حافة حرب. وقال المنسق ملادينوف إن «الجولة الأخيرة من الهجمات تشكل إنذاراً للجميع بأننا على حافة حرب كل يوم». وكانت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن قد طلبت من المجلس المذكور أن يتبنى بياناً يدين الهجمات الفلسطينية ويطالب بمحاسبة المسؤولين الفلسطينيين عنها. وقد رفضت الكويت كعضو غير دائم في مجلس الأمن صيغة البيان هذا لمصلحة بيان آخر يقترح تقديم حماية دولية للسكان الفلسطينيين، ما يجعله عرضة لفيتو أميركي متوقع في حال عرضه على التصويت. وأفضى الأمر حتى الآن إلى عدم صدور موقف عن مجلس الأمن وظهوره في حال عجز وشلل أثارا استياء المندوب الفرنسي، الذي اعتبر ذلك العجز تقصيراً مدوياً من الهيئة الدولية حيال المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. كل هذا يشير إلى احتمال اهتزاز في قواعد اللعبة وهذا ما لا يريده الإسرائيليون.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق