رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

دراسات العدد

مدخل:

 «متى احتدم السخط الجماهيرى، تتجدد الحاجة إلى بداية جديدة»:

تمر أوروبا بمرحلة تحول تاريخى نوعى شامل يمس جوهر بنيتها المجتمعية. ولا يتوقف هذا التحول عند طرفيها الجنوبى، والشرقى، الأقل تقدما، وإنما يمتد أيضا إلى غربها وشمالها المتقدم. ولا يمكن فهم ما يجرى فى الداخل الأوروبى مما لم نتحرر من القراءة النمطية التى دأبنا عليها، والتى تجتر صياغات تحليلية وصفية وظاهرية، فلابد من  قراءة جوهر التحول لا ظاهره. فلم يزل هناك من يتعاطى مع ما يجرى فى الداخل الأوروبى فى إطار البنية السياسية التى تم التوافق عليها بعد الحرب العالمية الثانية بشكل عام، والتى تم تصويبها من خلال عدة مراحل لاحقة:

 أولاها عقب ثورة الشباب فى 1968، وثانيتها عقب تفكيك الاتحاد السوفيتى مطلع التسعينيات، وثالثتها عقب الأزمة المالية الأشرس، تاريخيا، التى طالت العالم فى 2008.

وتختلف درجة التحول، وتتنوع الاستجابة لديناميكيته من دولة أوروبية إلى أخرى، بحسب درجة التطور الاقتصادي/الاجتماعى لكل منها. فلا خلاف على أن لكل دولة خصوصيتها التاريخية، المادية والثقافية، إلا أن هذا لم يمنع من أن هناك «مشتركا» عابرا للحدود، جمع فيما بينهم على اختلافهم/تنوعهم، يدفع ببزوغ وتنامى الحركية المجتمعية الجديدة، من خلال أشكال عدة مبتكرة. حدث هذا فى ألمانيا وفرنسا، غربا، وإسبانيا، واليونان، وإيطاليا جنوبا، وبولندا، والمجر، وأوكرانيا، وأرمينيا شرقا، والسويد، وفنلندا، والنرويج شمالا، على السواء. ويعتبر «السخط» هو العنصر ــ المشترك ـ الفاعل الذى أطلق هذه الحركية المجتمعية التى تسعى إلى «تأسيس اجتماعى» أوروبى جديد.وعليه، تتمدد الحركيِّة المجتمعية فى أوروبا، وتتعدد فى توجهاتها، وتجدد من طرق تعبئتها، وتحصد رضا شرائح وطبقات وأجيال وفئات كانت مستبعدة. فمعركتها معركة من أجل الجديد. ذلك لأن القديم بات فاقد الصلاحية على جميع المستويات  القيمية، والفكرية، والمؤسسية، والعملية، والإجرائية...إلخ.

مما سبق يأتى اهتمامنا بدراسة جديد أوروبا من داخل الظاهرة نفسها من خلال: أولا: متابعة تفاعلاتها، وثانيا: قراءة الأدبيات التحليلية المواكبة لها. وسوف نجتهد من خلال هذه الدراسة أولا: على رصد تاريخية الاحتجاج الأوروبى. ثانيا: دراسة العوامل التى أسهمت فى بلورة الحركيًّة الراهنة. ثالثا: تحليل اختلافها عما سبقها من موجات احتجاجية. رابعا: إلقاء الضوء على جوهر هذه الحركيَّة المجتمعية الأوروبية ومكوناتها وتجلياتها المختلفة.

أوروبا- الثورة الفرنسية وميلاد صيغة المواطن ـ الدولة:

«إن التطور الراهن لمجتمعاتنا ــ بحسب ماركيوز ــ يلزمنا بإعادة النظر»

أسست الثورة الفرنسية مجموعة من المبادئ الكلية التى أقرت للإنسان/الفرد، والمستبعد من دائرة الحكم الأرستقراطية، بحقوق المواطنة. وكانت هذه المبادئ هى: الحرية، والإخاء، والمساواة. فكانت لحظة انتقال تاريخية من مرحلة دولة النخبة الارستقراطية ـ الرعايا، إلى الدولة ـ المواطن. إلا أن  ما يعرف  بالتحالف الأسود الذى تشكل من قبل: الإقطاع الأوروبى، والمؤسسة الدينية المحافظة التى تُراكم المال، والقوة العسكرية، قد حال دون تفعيل هذه المبادئ ومن ثم المواطنة الفاعلة، مما استلزم انخراط المواطنين فى موجات ممتدة من النضال الاحتجاجى التى اتسمت بأنها «قاعدية»، و«شعبية»، وخارج «المؤسسية» القائمة. وكانت ذروة هذا الاحتجاج فى عام 1848، وهى السنة التى اجتاحت فيها  أوروبا الكثير من الثورات والتغيرات المؤثرة، وأصبح من المتعارف عليه أنه كلما احتدمت المسألة المجتمعية يدخل الأوربيون فى دورات احتجاجية متعاقبة تهدف إلى تفعيل حقوق المواطنة من حيث المبدأ.

تكررت الدورات الاحتجاجية، وتكررت الذرى الاحتجاجية الكبرى التى أعقبتها تحولات كبرى. وفى هذا السياق، نرصد ثلاث ذرى  احتجاجية فى أعوام: 1968، و1989، و2008. استمر الاحتجاج فى الأولى والثانية، فى إطار علاقة المواطن بالدولة من أجل تأكيد التوافق المجتمعى الذى توصل إليه الأوروبيون عقب الحرب العالمية الثانية، والذى تمثل فى ما يلى:

أولا: الديمقراطية التمثيلية. ثانيا:الرعاية الاجتماعية بتجليها  الليبرالى والاشتراكى. ثالثا: تأمين المساواة والعدالة بين المواطنين على اختلافهم قدر الامكان.

بيد أن الأزمة المالية الكونية التى حلت بالبشرية كشفت عن فشل الاختيار الاقتصادى وسياساته التى تم الأخذ بها فى 1979 فيما عرف بالتاتشرية أو الليبرالية الجديدة، حيث تحولت الدولة إلى شبكة امتيازات مغلقة تديرها «أقلية ثروية». أسهمت فى خلق «ديناميكية» إقصائية لجموع المواطنين، والتراجع التدريجى عن مكتسبات دولة الرعاية الاجتماعية، وأخيرا انتشار «اللامساواة» فى شتى المجالات بصورة غير مسبوقة فى التاريخ، مما أدى ـ عمليا ـ إلى «انحلال» توافق ما بعد الحرب العالمية الثانية المجتمعى التاريخى، وبالتالى إلى تفكك صيغة: «المواطن ـ الدولة».

ميلاد صيغة الكتلة ـ الشبكة:

«إنها إرهاصة خلخلة لكل ما هو مستقر»

وقد نتج عن تفكك صيغة «المواطن الدولة» تعرض أوروبا إلى ما يمكن وصفه «بالأزمة التاريخية المركبة»؛ وهى أزمة تتكون من ثلاث مستويات: الأول اقتصادي؛ ويرتبط جوهريا بشراسة الرأسمالية السائدة. والثانى سياسي؛ ويتعلق بالعملية الديمقراطية ومدى حيوية وفاعلية تمثيلها للمواطنين. والثالث اجتماعي/ثقافي؛ يتجلى فى المستجدات التى طرأت على الجسم الاجتماعى الأوروبى.

فمن محصلة ما سبق، تأثرت سلبا البنية الطبقية الأوروبية بالزيادة الملحوظة من السكان الذين يقبعون فى قاع البناء الطبقى،حيث يعيشون فى ظروف معيشية حرجة، ويتسمون بأنهم يعانون كل الآفات المجتمعة فى وقت واحد: بطالة ممتدة، وليس لهم سكن دائم، أو يقطنون أماكن لا تحظى بأى خدمات، إنهم «المهمشون»، أو «المستبعدون»، أو «المنسيون»، أو «غير المعمول حسابهم» الذين يعيشون حول المدن ويشكلون حزاما جاهز للاحتجاج والانفجار فى أى وقت. وتزيد محنة هؤلاء إذا ما اجتمع فيهم أكثر من عنصر تمييزى، مما يفاقم من عزلتهم، ويزيد من احتمالات تفجرهم»، مثل اللون والعرق والدين. إنها مشكلة ما بات يعرف بطبقة«البريكاريات» «Precariat»، أو «الطبقة الخطرة الجديدة»«NewdangerousClass».  (يمكن مراجعة جى ستاندينج فى كتابه الذى يحمل نفس الاسم: «البريكاريات» الذى طبع منه ثلاث طبعات فى 2011، وثلاث طبعات فى 2012، بالإضافة إلى طبعة فى كل من 2013 و2014، وقد كنا أول من  عمل على نقل المصطلح إلى العربية، ومحاولة إيجاد مقابل لغوى له).

 ويفسر «ستاندينج» أطروحته حول «تنامى طبقة البريكاريات» فى انجلترا بأنها قد حدثت بفعل سياسات الليبرالية الجديدة. وهو ما تنتج عنه منظومة من «التفاوتات» الحادة فى شتى المجالات.  فرصد «نموا سريع لهذه الطبقة، ليس فقط فى انجلترا، وإنما فى الاتحاد الأوروبى، ووجد أن عدد الذين يصنفون من ضمن هذه الطبقة الجديدة يقترب من الـ 15 % من إجمالى السكان، وهم يتسمون بالعمالة المؤقتة، والحرمان من الكثير من الخدمات الأساسية والاحتياجات الطبيعية من وجبات غذائية، وإمكانية العلاج، وتوافر فرص التعليم ... إلخ. وهى كلها عوامل تؤدى إلى تبلور حزمة من المشاعر السلبية من عينة الإحباط، والاغتراب، والقلق، وانسداد أفق الحراك الاجتماعى أمامهم، وانعدام اليقين حول أى شيء، والتى تجعلهم فى النهاية بحسب ـ أحد الباحثين ـ «بشر فى خطر». وبالطبع يزداد العدد إذا ما أضفنا إليهم الطبقة الفقيرة والشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، حيث تصل النسبة الكلية إلى ما يقرب من 40 % يمكن عدَّهم من ذوى الحاجة.

فى هذا السياق، سجل «جى ستاندينج» ردة فعل هذه الطبقة فى ظل القهر المتزايد من قبل ليبراليى السوق فيما أطلق عليه «زمن القسوة» «AusterityEra»، حيث يترجم الغضب إلى مواقف متطرفة وأفعال مادية تعكس لديهم حالة ثأرية/انتقامية  ضد سلطة دأبت على ممارسة القسوة والقهر والظلم. من جهة. ومن جهة أخرى، الكشف التاريخى بأن الأحزاب الحاكمة فى أوروبا وبرلماناتها لم تزل تمارس السياسة، وفق خريطة طبقية قديمة، ووفق معادلات سياسية تعود إلى زمن ولىَّ. والأهم تشكل نخبة سياسية أقل اهتماما بفكرة «الصالح العام» من نخب ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تعطى أولوية «لمصلحة الشركات الاحتكارية» واتفاقاتها، مما يعنى تراجع سلطة الدولة لمصلحة ــ ما عبرت عنه من قبل ــ «شبكة الامتيازات المغلقة» على أصحاب المصالح. وهى شبكة لم تعد تستهدف إلا «توليد الثروات» تحت شعارات قومية اصلاحية، وتمارس سلة لا تصب فى مصلحة جموع المواطنين. إنها الظاهرة التى كشف عنها مبكرا عدد من علماء الاجتماع السياسى والكتاب فى فرنسا، وانجلترا، وألمانيا مثل: فولفجانج شتريك (HowWillCapitalismEnd? 2016)،ورامزيجكوشيان، وغيرهما...فكشفوا أيضا عن خيانة الرأسمالية للديمقراطية، حيث باتت المصلحة الاقتصادية تأتى قبل حقوق المواطنة. وتبين أن الربط التاريخى بين الرأسمالية والديمقراطية، والذى تجسده مقولة لا رأسمالية دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية دون رأسمالية، قد تقطعت أوصاله. ويرصد كثير من الكتابات موجات الغضب القاعدية ضد كثير من القرارات المناهضة للأغلبية، والتى لا تصب إلا فى مصلحة الأقلية الثروية. وهناك من يرى الذى حدث فى 20 يناير 2009  من إضراب عام فى فرنسا من قبل «موظفى الأعمال المساعدة والخدمات، والموظفين المؤقتين»  احتجاجا على ضآلة ما يتقاضون، ومما جعلهم فى عوز شديد، بداية لزمن تبلوُر «السلطة المضادة» (بحسب أولريش بيك 1944 ــ 2015)، أو ميلاد «الحركات القاعدية»، وممارسة «سياسات الشارع» «StreetPolitics».

وقد تميزت هذه الحركات بأمرين هما، الأول: أنها تبلورت فى الشارع ونجحت فى أن تستقطب إليها 49 نقابة وحزبا سياسيا وجمعية. وحددت أهدافها فى وثيقة من 142 بندا تشمل: الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والتنمية، والتشغيل، والتدريب، والصحة، والتنظيم المدنى، والتنمية الثقافية، وحماية البيئة... إلخ. وبلورت شعاراتها الأساسية فى  محاربة غلاء المعيشة، ومساعدة العمال الفقراء، التنديد بالفساد ومقاومة، كل أشكال التمييز، ومناهضة الخروقات التى تطوق تطبيق قانون العمل، ورفض ما  سمته علاقات عمل الفترة الاستعمارية. الثانى: تجديد العملية الديمقراطية، من خلال عدم احتكار النخبة. وتوسيع الشراكة المواطنية، والأهم هو التأكيد على أن الحركيَّة القاعدية الجديدة للشرائح المهمشة يمكن أن تكون طاقة لتجديد الديمقراطية بدلا من الرأسمالية، والانتقال إلى عصر ديمقراطى جديد يقوم على «التشاركية».

وبدت الحركات القاعدية المتنوعة كحركات مفتوحة العضوية. تقبل أن يتضامن معها من يريد من المواطنين الآخرين. بلغة أخرى، يمكن للشباب ولطلبة المرحلة الثانوية مثلا ــ أن يتضامنوا مع هؤلاء الموظفين. ما يعنى الانتظام بصورة «كتلوية» تتجاوز الطبقة والفئة العمرية... إلخ، وهو ما تجلى فى الكثير من الموجات الاحتجاجية اللاحقة التى اجتاحت غالبية دول أوروبا.  وتشير إحدى الدراسات التى قامت بمتابعة موجات الرفض والاحتجاج القاعدية بأنها تعبر عن «غضب تاريخى» «HistoricalAnger»؛ للشريحتين الوسطى والدنيا للطبقة الوسطى، والطبقة الفقيرة والعمالية والمهمشة والمنسية. ويكمن سر غضبهم فى أنهم لا يعيشون حياة «محترمة». فلم يعد الغضب يرتبط بمطالب البروليتاريا أو الطبقة العمالية حصرا، وإنما بالحياة الإنسانية ـ تفصيلا ـ وجعلها أكثر احتراما» «Decent».

كما يلفت الكاتب النظر إلى أن القوة الضاربة للطبقات المذكورة هى الشباب، التى بفعل تقنيات التواصل الاجتماعى، باتت قادرة على التعبئة، ووضع فلسفة الاحتجاج وأهدافه وأشكاله، والأهم تطبيقاته على أرض الواقع، وهى تكون غير نمطية ومبتكرة من حيث الشعارات والوسائل، وذلك دون الحاجة إلى مبانٍ، أو مكاتب، أو أى هياكل تنظيمية متعارف عليها تاريخيا. إذن جوهر الحركية المجتمعية الجديدة فى أوروبا هو تشكل «سلطة الكتلة» التى لم  يعد، يُشبعها أو يقنعها نظرية «تساقط ثمار النمو» النيوليبرالية التى سوقتها «سلطة الشبكة»، من خلال إعادة تدوير خائبة «لبضاعة قديمة» من شعارات وسياسات فاشلة عجزت عن أن تضمن لهم حياة كريمة وعادلة وحرة.

 

 

وفى هذا المجال، توسع الباحثون فى دراسة الحركيَّة المجتمعية الجديدة ووضع «طيبولوجية» لكتلها الجديدة التى تتجاوز التيارات السياسية التقليدية كما تعبر عن عناصر طبقية عدة تتآزر فيما بينها.

الكتل الجديدة الحية المقاومة المضادة:

«لقد مللنا كل شيء...ولابد من زمن جديد»

الكتل الجديدة «NewMasses»؛ هو وصف صكه جوران ثيربورن أحد أهم علماء الاجتماع الذين تناولوا البنية الطبقية الأوروبية بالشرح والدراسة والتصنيف. ويقدم ثيربورن من خلال دراسته تفسيرا للحركية المجتمعية الأوروبية الجديدة، نظرا لتنامى حيويتها، وتعدد عناصر تحالفاتها، وتعقد تشكيلاتها خاصة بعد الأزمة المالية الأعظم فى تاريخ البشرية التى وقعت فى 2008، والأهم كيف أنها، رويدا رويدا، حلت محل التقسيم السياسي(الفكرى) الذى عرفته المجتمعات تاريخيا، وأقصد به التقسيم إلى: يمين ويسار ووسط وتنويعاته المختلفة التى عرفها التطور السياسى عقب الحرب العالمية الثانية، كما كان يحمل استجابة سياسية للطبقات الاجتماعية المختلفة.

بداية يشير «ثيربورن» إلى أن هذه  الكتل تتكون من مجموعة من القوى الاجتماعية، التى تميل  إلى الانتظام «ككتلة» مجتمعية  أكثر من أن تنتظم فى حزب سياسى، حيث إن «الكتلة» تتحرك فى فضاء سياسى ومدنى حر لا يمتثل إلى قيود مؤسسية، ولا يخضع إلى شروط قانونية أو اجتماعية، كما أن الكتلة» المجتمعية مفتوحة العضوية، وقابلة لاستيعاب عناصر سياسية ومدنية وثقافية عديدة، أو بلغة أخرى، هما أقرب لتكون تحالفاً عريضاً متعدد الألوان والطيف الطبقى. ممايعنى أن «الكتل الجديدة» هى كتل ضاقت بالتشكيلات السياسية المتعارف عليها والمستقرة فى المجال السياسى، فكرا وممارسة، منذ الحرب العالمية الثانية، أخذا فى الحسبان أن هذه الكتل قد تدعم أحزابا موجودة، ولكن دون أن تنخرط فى عضويتها، وذلك بالتصويت لها أو التحالف معها...والسؤال ما سر هذا التحول، أو  ــ بالأحرى ــ ما سر هذه «الكتل الجديدة»؟

تشير الدراسة إلى أن ما يجمع بين هذه «الكتل الجديدة» فى شتى أنحاء أوروبا هو «الغضب الشعبى» «PopularAnger»؛ الغضب من الفساد، والاستبداد، والاستغلال. وكذلك «تمركز صناعة القرار، والثروة، والامتيازات» فى أيدى قلة، وفى إطار شبكات مغلقة. وفى العموم من تداعيات الآثار الكارثية لسياسات الليبرالية الجديدة.

    وتتباين درجة الغضب بطبيعة الحال من دولة لأخرى بحسب التطور الاجتماعى، ولكن لم تنج دولة من هذا الغضب. وفى المحصلة، باتت هذه الكتل هى المحرك الأساسى للحياة السياسية ولأحزابها القديمة سواء، بالانخراط فى السياسة كحركات سياسية، أو بدعم الأحزاب القائمة من خارجها، مما ترتب عليه تجاوز تحليل ما يجرى بين الأحزاب باعتباره صراعا نمطيا بين اليمين واليسار، والقوميين والفاشيين إلى تحليل أعمق للقاعدة الاجتماعية للكتل الجديدة وطبيعة العناصر المكونة لها، وما تمثله من حيوية. يرصد «جوران ثيربورن» فى هذا السياق أربع كتل جديدة فاعلة فى المجالين السياسى، والمدنى، وذلك على النحو التالى:

أولا: كتلة «معذبو الأرض»؛ وهى الكتلة التى تضم الطبقات الأكثر حرمانا واستبعادا وتهميشا فى الجسم الاجتماعى. وهى حاضرة فى جميع الدول دون استثناء مع اختلاف النسب. وتضم هذه الكتلة: الفلاحين الأجراء، والعمالة الموسمية، والشباب العاطل، وطبقة البريكاريات: «المنبوذين». إنها القوة الاجتماعية الحرجة، التى تنطلق من خلالها  الانفجارات الاجتماعية وعدم الاستقرار.12هذه الكتلة وتكافح من أجل إيجاد مورد مياه وكهرباء، كما تقاوم كل محاولات الإخلاء، وتبقى وقودا للتخريب والشغب. إنها كتلة سكانية بائسة تقترب من 15 % كما هو الحال فى بريطانيا، ومتى مارست السياسة تمارسها «بجنون»، ويصفون تصويتها «بالتصويت الهائج» «TumultuousVoting».

ثانيا: كتلة «البدائيون»؛ ويقصد بها التكتلات الاجتماعية الخليط بيد كونها لم تزل تمارس أنواعا من الأعمال الأولية ما قبل رأسمالية وبأشكال قديمة غير حداثية، وأن كثيرا من عناصرها ينحدرون من أعراق مغايرة للسكان الأصليين، وأخطر ما يترتب على ذلك أن يتشكل مجتمع بشرى حول هذا الاقتصاد البدائى، حيث يستشرى التخلف بكل أبعاده.

ثالثا: «كتلة الياقات البيضاء»؛وهى الكتلة التى نمت شرائحها مع نمو الرأسمالية المالية. فعناصرها تلقت تعليمها، فى ظل سيادة سياسات الليبرالية الجديدة، حيث أصبحت مناهج التعليم فى خدمة السوق. إنهم من درسوا: علوم الإدارة، والـ «IT». إنهم جيل العولمة أو الشباب الرقمى إذا جاز التعبير. وهى الكتلة التى من أجل الشراكة فى الثروة والسلطة تتحرك احتجاجا. وهى إصلاحية فى جوهرها، إلا أن احتجاجها يأخذ شكلا ميدانيا ويستدعى معه كتلا أخرى من مستويات اجتماعية أدنى «ككتلة معذبى الأرض» فى إسبانيا، وتركيا، واليونان، وما أن تتحقق بعض المطالب تفترق المصالح.

رابعا: «المبخوسون»؛ إنهم العاملون بأجر سواء من الموظفين أو الطبقة العاملة. ويتبعون فى صراعهم واحتجاجهم «الجدل التاريخى» حول قيمة العمل والجهد المبذول وفق المنظومة الرأسمالية. وقد كان نمط احتجاجهم الرئيسى يقوم على تنظيم أنفسهم، من خلال النقابات والاتحادات والروابط. إلا أن الإضعاف المتوالى لهذه النوعية من التنظيمات، واستمالة قياداتها بإغراءات شتى قد دفع «المبخوسين» إلى الانصراف عنها.

إذن، تتكون الحركيَّة المجتمعية الجديدة فى أوروبا من كتل جماهيرية تعكس قوة اجتماعية طبقية وجيلية وفئوية. تتضامن فيما بينها خارج المؤسسة السياسية والمدنية القائمة، مثل الأحزاب، والنقابات، والجمعيات، حيث تنتظم هذه الكتل فى حركات أو أحزاب جديدة تمارس سلوكا سياسيا ومدنيا «مضادا»؛ «ضد» كل ما هو قديم.

حركات وأحزاب الكتل الجديدة «الضد»:

«آن أوان تأسيس الديمقراطية على أساس الاقتناع بأن هناك إمكانات غير عادية فى الناس العاديين؛ لممارسة المواطنة التامة دون وسطاء»

يقول عالم الاجتماع الأرجنتينى «إرنستو لاكلاو» (1935 ــ 2014)؛ الذى يتم استحضار أفكاره بقوة فى محاولة لتفسير المشهد الأوروبى ما نصه:«التحرك الشعبوى الراهن يقدم بديلا للأحزاب القائمة ــ يمينها ويسارها ــ ويطرح استراتيجية بديلة تؤسس لديمقراطية راديكالية جديدة قاعدية الجذور». شعبوية تتجاوز شعبويات أمريكا اللاتينية ما بعد الحرب العالمية الثانية التى كان يحركها كاريزما ملهم (البيرونية)، إلى شعبوية «حاوية» حركة الكتل الجماهيرية التى تم إقصاؤها على مدى عقود من العملية الديمقراطية السياسية والاقتصادية. فهى حركة تيسر «منصة» توسط/عبور بين المهمشين الذى «لا حول لهم ولا قوة» وبين الأقوياء من أصحاب السلطة، «MediatingbetweenthePowerlessandthePowerful»؛ للضغط على الحكومات لتكون «مستجيبة» لمطالب هذه الكتل الجماهيرية على اختلاف مشاربها بشكل مباشر، مما يعنى انتهاء زمن الديمقراطية التمثيلية عمليا. فبمجرد أن تمارس الكتل الجماهيريةــ من خلال أحزابها وحركاتها الجديدة ــ دورا محاسبيا ورقابيا وتشريعيا «عاما» لا «تمثيليا»؛ يعنى أنها تقول: «إنه لدينا البديل/نحن البديل»، خاصة أنها تتحرك تحت شعار:»نحن نعرف الحقيقة» «WeKnowtheTruth»؛وتحت هذا الشعار «تصطف» حركات وأحزاب الحركية المجتمعية الجديدة، يجمعها أنها ضد الآتى:

 المؤسسية   Anti- Establishment, النخبوية  AntiElitist, السياسات Anti- Policies

ومن خلال مراجعتنا لتوجهات هذه الحركات والأحزاب التى باتت تشكيلات فاعلة وحاضرة بقوة فى التفاعلات السياسية والمدنية الأوروبية. يمكن أن نصنفها إلى قسمين رئيسيين هما: أولا: تشكيلات مواطنية قاعدية معنية بالحقوق على اختلافها. ثانيا: تشكيلات شعبوية. وتتعدد توجهات هذه التشكيلات فى بعديها/نوعيها: «المواطنى والشعبوى»، حيث تتراوح بين الراديكالية والقومية والمحافظة والليبرالية، وبين اليسار واليمين.

 

ما بعد القطيعة مع تقاليد الماضى السياسية:

«وبفضل القواعد الجديدة أصبح للجماهير القدرة أن يضعوا من جديد تعريفا لاستراتيجية النضال السياسى وأهدافه قواعده».

إن ما يجرى فى أوروبا هو «عصر جديد من الاحتجاج والتنظيم» «NewAgeofProtest& Organization» وهو ما دفع البعض أن يصف ما يحدث بأنه «تأسيس لزمن جديد»، ودفع البعض أن الآخر إلى وصف «الديمقراطية الأوروبية بأنها باتت على الحافة»(بحسب دراسة أنجزها الاتحاد الأوروبى)، ليس بمعنى «الاحتضار»، الفكرة التى طرحتها دورية فورين أفيرز عدد مايو/ يونيو 2018، ولكن بمعنى اتخاذها معنى مختلفا ومسارا جديدا. وهو ما أكدته جريدة الجارديان فى معرض تعليقها على الانتخابات الفرنسية العام الماضى بأن «الناخبين»، الجدد، إن جاز التعبير، «قد أنجزوا قطيعة جريئة مع تقاليد الماضى السياسية»، وذلك بتأييدهم مرشح من خارج النخبة السياسية التقليدية لم تمض سوى سنة على تأسيس حزبه (حركة إلى الأمام) حتى مكنوه من اكتساح الانتخابات، والأهم هو أن هناك مراجعة دائمة من قبلهم باتت تسمح بإسقاط من صعدوا به إلى سدة الحكم إذا ما حاد عن تطلعاتهم. 

إن الحركية المجتمعية الجديدة فى أوروبا تعكس بشكل حاسم أربع حقائق هى: أولا، الرفض التاريخى للإدارة السياسية التى تمارس فى شتى دول القارة العريقة. ثانيا، الإصرار على الأخذ بالسياسات النيوليبرالية التى أدت إلى «حالة ركود تاريخى غير مسبوقة: اقتصادية، وجيلية، وطبقية.. إلخ. بالإضافة إلى الفضائح الاقتصادية المتكررة. ثالثا: التصدع التاريخى لتحالف يسار الوسط «Collapseofthecenterleftparties»، الذى كان أداة للاقتصاد النيوليبرالى من حيث القيام بأدوار تسكينية، وتعويضية، لتمرير سياسات كارثية، أى التخديم على القلة الثروية. رابعا، تداعيات التدخلات الغربية فى أماكن الصراع المختلفة فى الشرق الأوسط، والتى ارتدت على القارة الأوروبية بأعباء قد تؤدى بانهيار اقتصادى يؤذى أول ما يؤذى الطبقات الاجتماعية الدنيا مقابل ثراء أكثر للطغمة الاقتصادية. وهو الأمر الذى لم يعد المواطن العادى الأوروبى قادرا على تحمله. وفى الأخير، تقول سوزان واكينز  بأنها نهاية «للسنوات الفقاعية»، وعلى أوروبا أن تعيد النظر فى الكثير من الاختيارات المصيرية...

ويبقى السؤال؛ هل تستكمل نبوءة «بنيامين باربر» حول العملية الديمقراطية. فلقد توقع تنامى حيوية المواطنين السياسية خارج الأبنية التقليدية. وهو ما يتحقق بدرجة أو لأخرى. إلا أن الجانب الصعب من توقعه هو أنه قال إن بلوغ «الديمقراطية القوية» لن يتحقق إلا «بمشاركة الناس فى كل صغيرة وكبيرة فى أمور الحياة اليومية، أو بتعبير أدق تحقيق نوع من:«الحكم الذاتى للمواطنين، وليس الحكم باسمهم أو تمثيلهم». وهو ما بات سهلا مع التعبئة الرقمية والشبكية كما هو الحال مع حركتى بوديموس الإسبانية, والخمس نجوم الإيطالية... لما يحتاج إلى دراسة تفصيلية لاستكمال الصورة.

وقد قمنا برصد لأهم تلك الحركات والأحزاب الجديدة وتوجهاتها على النحو التالى:

1 - إسبانيا، بوديموس: يسارى راديكالى تعنى»نعم نقدر»(2014)، امتداد لحركة الساخطين (2009). 2 - إيطاليا، الـ5 نجوم: حركة احتجاجية ضد المؤسسة، شعبوية، ضد سياسات التقشف، ومناهضة ومقاومة للفساد. 3 - اليونان، سيريزا: يسارية غاضبة ضد التقشف والسياسات الاقتصادية والمالية اليمينية، وضد الحكومة، قامت فى وجه عنف الشرطة التى قتلت أحد الشباب. -4 البرتغال، جيل فى محنة: راديكالى يتبنى قضايا وأزمات المحرومين، ويركز على أزمة البطالة. -5 ألمانيا، البديل من أجل ألمانيا: حزب إصلاحى يمين الوسط، يتبنى قضية العمال المهرة وتدريبهم المستمر./ تحالف اليسار الجديد: يسارى يتبنى التحكم فى الاقتصاد الرأسمالى، وضرائب أكبر على كبار المستثمرين، زيادة الاستثمارات فى البنية التحتية الاجتماعية./ تحالف «بيجيدا»: حركة يمينية محافظة وعنصرية ضد المهاجرين. -6 فرنسا، إلى الأمام: يمينى إصلاحي/ الواقفون ليلا: حركة شبابية ضد التعسف فى قوانين العمل. -7 هولندا، الحرية: حزب يمينى ضد المؤسسة، قومى. 8 - السويد، حزب الديمقراطيين السويدى: حزب يعطى أولوية لتنمية دولة الرعاية. -9 الدنمارك، الشعب الدنماركى: يدعو إلى دولة رفاهة اجتماعية قوية(رعاية اجتماعية، وصحة، وتعليم) ينافس الأحزاب القديمة بقوة. 10 - فنلندا، الفنلنديون الحقيقيون: حزب اجتماعى عمالى ليس اشتراكيا، محافظ اجتماعيا،وقوميا.

 

مصادر الدراسة:

- هذه الدراسة تعد تمهيدا نظريا مقارنا للحركة المجتمعية ووضع  الطبقة الوسطى فيها وعلاقتها بالمصطلح الذى نستخدمه: «شبكة الامتيازات المغلقة». وذلك بالتطبيق على حراك يناير فى مصر.

 Marcuse, Herbert.AnEssayOnLiberation.Boston: BeaconPress,1969.

Osborne, Roger. OfThePeople, ByThePeople: ANewHistoryofDemocracy. Blackwell,2011.

Barber,Benjamin.. StrongDemocracy: ParticipatoryPoliticsForANewAge.(20thAnniversaryEdition).U.S.A.: UniversityofCaliforniaPress,2003.

Watkins, Suzan.Oppositions. NewLeftReview, no.98 (Mar/Apr2016).

Therborn, Goran. NewMasses?:SocialBasesofResistance. NewLeftreview, no.85 (Jan/Feb2014).

أولريش بك، السلطة والسلطة المضادة فى عصر العولمة،(ترجمة جورج كتورة، وإلهام الشعرانى)، المكتبة الشرقية، 2010.

Laclau, Ernesto.OnPopulistReason.London: Verso,2005.

Zizek,Slavoj. TheYearDreamingDangerously. London: Verso,2012.

Standing,Guy.ThePrecariat:TheNewDangerousClass.London:Bloomsbury,2014.  

DemocracyOntheEdge:Populism& Protest. EconomistintelligenceUnit, 2015.    

برتران بادى ودومينيك فيدال، التقرير السنوى عن أوضاع العالم لسنة 2018: بحثا عن بدائل، (ترجمة نصير مروة)، مؤسسة الفكر العربى، 2018.

مجموعة رسائل و دراسات متفرقة حول حركات: بوديموس الإسبانية، والخمس نجوم الإيطالية، وسيريزا.

Ancelovici, Marcos&Dufour, HeloiseNez(eds.).StreetPoliciesintheAgeofAustrity:FromtheIndignaadostoOccupy.(Protest& SocialMovementsSeries). Amesterdam: AmsterdamUniversityPress,2016.

Albertazzi, Daniele& McDonnell, Duncan(eds.).Twenty-FirstCenturyPopulism:TheSpectreofWesternEuropeanDemocracy, U.K.: PalgraveMacmillan,2008.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة