رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مقالات العدد

ماذا تبقى من حركة مايو 68؟ سؤال الرأى فيه يتباين, ولكى نعرف ماذا تبقى،  يلزم أن نعرف تبقى من ماذا؟

سبق وكتبت دراسة: «مايو- يونيو 68: ثورة الطلبة والعمال فى فرنسا بعد أربعين عاما»، نشرت على صفحتين بجريدة الأهالى الأسبوعية (القاهرة) فى 18 يونيو و25 يونيو 2008.

ولتحاشى التكرار، فهذا النص جديد كلية، فى مصادره ومعالجته. هو قراءة للحدث، كما كان وما يستمر منه، عبر كتابات بعض أهم المفكرين الذين يتمتعون بمكانة مستقلة، فى فرنسا وعلى الصعيد العالمى. هى شهادات، سواء لمن شاركوا أو لم يشاركو فى الحدث، واتفقوا معه أو اختلفوا، والانتقاء بالطبع صعب، نظرًا لثراء الأدبيات فى ملايين الصفحات، حيث لم تتوقف الكتابة حتى اليوم.

كان الجنرال ديجول قد تسلم السلطة قبل 10 سنوات من اندلاع حركة 68، وذلك إثر محاولات انقلابية، على خلفية الحرب الجزائرية. وتسبب اعتقال مجموعة من الطلاب المناهضين للحرب الأمريكية فى فيتنام فى تفجر الحركة الطلابية، فتجمع الطلاب للمناداة بالإفراج عن زملائهم، فلجأت قوات «حفظ الأمن» للعنف. وتوسعت الحركة، واحتلت جامعة السوربون، ومسرح «الأوديون» فى وسط العاصمة. وبعد 10 أيام من التقاتل بين الطلاب والبوليس، انتفض العمال وأعلنوا الإضراب العام، رفضا للعنف، إلى جانب مطالب كثيرة لهم لدى أصحاب العمل، واحتل العاملون أماكن العمل فتوقفت الحياة الاقتصادية كلية، وخرجت مظاهرة تجمع العمال والطلبة شارك فيها نحو مليون مواطن.

 مع بدايات الصراع، تبلورت مطالب تجاوزت الإفراج عن المعتقلين، أهمها كان ضد السلطة التقليدية، فى الجامعات، وأماكن العمل، مع المطالبة بالحريات الفردية الخاصة.

فكان الرفض ضد «التحجر»، إذ إن التعليم فى الجامعات كان يتوقف بالحداثة عند القرن التاسع عشر، فى حين أن الطلاب كانوا يقرأون كتابات أكثر حداثة تذهب إلى مدى أبعد فى الفلسفة والفكر، وفى تيار الرواية الجديدة والسينما الجديدة أيضا. إلى جانب أن الأستاذ كانت له سلطة مماثلة فى هيمنتها للسلطة الأبوية، وسلطة النظام السياسى، وسلطة التقاليد.

اضطر الجنرال ديجول لعمل استفتاء، فكانت النتيجة رفض بقائه فى السلطة، ونستطيع القول إنه تحققت إنجازات، بعد حركة 68، ولكن دون انتصارات سياسية فاليمين الليبرالى احتفظ بسلطته المهيمنة. وذلك هو ما ساد كذلك على الصعيد العالمى بانتصار الليبرالية، وكانت دول المعسكر «الاشتراكى» تمر بأزمات داخلية وانتقادات لغياب الديمقراطية والحريات الفردية. فالديمقراطية البورجوازية تركت الحرية الفردية تتنامى، وفى ذات الوقت عمقت من تأسيس المجتمع الاستهلاكى، وصعد للسلطة حكاما ينتزعون بالتدريج المكاسب التى حققتها الحركات الاجتماعية.

وكان من التحولات الجوهرية، كنتاج للحركة، تحرر المرأة، وقيامها بدور أكبر فى المجالات المختلفة، ومساواتها بالرجل، وتحقق حريتها فى اتخاذ قراراتها الوجودية.

ويتنوع تقييم الحركة، فبعض ممن شاركوا فى الحركة قاموا بانتقاد ذاتى ضمن انتقادات للحركة، نظرا لمحدودية التغير، بعد الحلم بتغير كيفى كبير آت. بينما يمكن تتبع بصمات الحركة اليوم فى الفلسفة، والأدب، والشعر، والسينما، وفى الحياة اليومية.

إضراب العمال حسم مصير الحركة الطلابية:

كتب الفيلسوف «ميشيل فيريه  MichelVerret» فى فبراير 1969، فى مجلة الحزب الشيوعى الفكرية، يقول بأن «كل شيء غاب تقريبا عن الحركة الطلابية، إذ غاب وضوح الهدف، والمعرفة الحقيقية بالقوى على الأرض، والاتساق بين الاستراتيجية والتكتيك، والوحدة التنظيمية. كل شيء غاب، باستثناء الشجاعة، فالحركة رفضت كل ما هو سلطة من الأب للأستاذ، ومن الدولة للقيم». ووصف الحركة بالسذاجة وجهل الصغار الذين لم ينصهروا فى الحياة العملية. فهم أولاد البورجوازية من الأطباء والمحامين والأساتذة، وأضاف أن المواجهة الأكثر عنفا كانت ضد العمال المضربين، وليس ضد الطلبة «فثورة المحظوظين.. ثورة محظوظة»، فهى «ثورة أمراء».

وقدم الفيلسوف «لوى ألتوسير LouisAlthusser» قراءة نقدية لمقال «فيريه» عدد يونيو 1969 فى المجلة نفسها. وقال: «إن أيديولوجية الطلبة أظهرت غياب أى تحليل ماركسى للحركة. وإذا كان الهدف هو العمل المشترك بين الطلبة والطبقة العاملة فهذه الأخيرة فى حاجة لتفهم مطالب الطلبة التى تختلف كلية عن مطالب العمال. ولذلك، فإن هذا العمل المشترك اتسم بالخشية والتردد معا. ومن هنا ضرورة إيضاح البعد الثورى الإيجابى لأيديولوجية الطلبة، والأخطاء التى وقعوا فيها، وأن دراسة «فيريه» استندت إلى مفاهيم «نفسية-اجتماعية»، ولم تراع دراسة الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية التى دفعت للانتفاض بمفاهيم ماركسية. ولأن الانتفاضة لم تكن فى فرنسا فحسب، فالمعنى الذى يستخلص منها أنها علامة على «نزع الروح الأخير للإمبريالية». فلا تزال ذاكرة الطلاب حافلة بالهزائم والانتصارات، فى فيتنام، والجزائر، والصين، وكوبا، حيث لعب صدى الثورة الثقافية الصينية دورا لا يستهان به فى الانتفاضات. ومن ناحية أخرى، فلقد ضربت هذه الانتفاضات الأيديولوجيات المهيمنة ضربات قوية منذ هزيمة النازية والفاشية والحرب الأهلية الإسبانية، فكل ذلك كانت عوامل تسببت فى تفجر الانتفاضات. يضاف إليها الأزمة الاقتصادية وتهديدها لهؤلاء الطلاب بالبطالة بعد انتهاء دراستهم.

ولأول مرة فى التاريخ تحدث ثورة طلابية بهذه الصلابة والقوة، وتهز القيم السائدة ومؤسسات الدولة والمؤسسات التعليمية بسبب ممارساتها السائدة والممتدة عبر زمن طويل. ولذا، فالانتفاضة الفرنسية هى جزء من انتفاضة شبابية عالمية تقدمية برغم ما اتسمت به من مغالاة وتعال وأخطاء وأوهام.

لقد تمثلت الظاهرة فى إضراب عام للعمال لم يسبق حدوثه فى تاريخ فرنسا، وكان حاسما فى مصير الحركة الطلابية، برغم السبْق الزمنى من جانب الحركة الطلابية، فضلاً عن أن الانتفاضة شملت الطلاب والتلاميذ وكل المهن الأخرى: من أطباء، ومهندسين، ورجال القضاء، وصحافيين، وصغار الموظفين، وبعض موظفى الإدارة العليا. غير أنه من المهم ذكر أن الدور الحاسم لعبه التلاميذ والشباب المثقف،  ذلك الدور الذى أهملته وسائل الإعلام التى ركزت على الانتفاضة الطلابية فقط. يضاف إلى ذلك صعوبة وضع كل الطلاب فى سلة أيديولوجية واحدة، إذ إن نحو 9 ٪ منهم ينتمون لأسر من الطبقة العاملة، بينما تتوزع النسبة الغالبة على أسر من صغار البورجوازية والبورجوازية الكبيرة، وما تبقى كان من أسر إرستقراطية. فالأيديولوجيات توزعت على الفوضوية، والتروتسكية، والجيفارية، والثورة الثقافية الصينية.

وكانت الانتفاضة فى اتساعها أكبر بكثير من طاقة من قاموا بها من الشباب الذين ناضلوا بشجاعة لا نظير لها، معتمدين على أنفسهم فقط، بينما أظهرت الحركة الانفصال بين الحزب الشيوعى والشباب، والمثقفين الشبان وعدم التقرب إليهم، وهو ما سيحمل نتائج سلبية. جعلت الأيديولوجية القديمة أو الفوضوية تسود بينهم. فشعار العمال عكس مصالحهم الآنية ويتوقف عند: «10 سنوات.. كفاية» أى دعوة سياسية لتغيير الحكومة، وكانت شعارات الطلاب: «السلطة للعمال»، و«السلطة للفلاحين»، و«السلطة للطلبة» أى شعارات ثورية فوضوية.

فالحركة الطلابية ليست حركة طبقة ثورية، بل حركة بورجوازية صغيرة. أما الطبقة العمالية، فهى بالفعل حركة ثورية. ووضح «ألتوسير» أن البورجوازية يمكنها تحمل الإضرابات من العمال والطلبة وتقبل المطالب المرفوعة، ولكنها لن تقبل أى تهديد حقيقى للدولة ولمؤسساتها. فالدولة قامت بكل وسائلها للحيلولة ضد وحدة الطبقة العاملة كخطر أساسى. والحركة لم يكن لها أطماع سياسية ولا تاريخية، وتوقفت دون تغيير جوهر النظام، ولكن تفجر الحدث يثبت دوام صحة مسألة الصراع الطبقى كمحرك للتاريخ.

رفض الثقافة البورجوازية:

يقول «جان بول سارتر Jean-PaulSartre» إن الحركة كانت رافضة «للمثقف النجم»، وللأستاذ الذى يلقى دروسه ويطالب بتلقيها دون نقاش.

فالقيمة الأساسية للحركة تمثلت فى الفوضى التى «حررت الكلام» وتمسكت بابتعادها عن الأجهزة والأحزاب السياسية. فرفضها للثقافة البورجوازية هو رفض للنموذج المهيمن، حيث تتمتع البورجوازية و«ورثتها» بكل المنافع، وعدم الانشغال بالحاضر أو المستقبل. إلى جانب أن البورجوازية تقدم ثقافة تصفها بأنها «إنسانية»، ولكنها محصورة فيما تحتاج إليه الشركات من معرفة مفيدة لتوسعها. وبرغم أن البورجوازية تتوسع فى التعليم، فإنها فى النهاية تستخدم نخبة من المتعلمين فقط، وتظل الأغلبية عاطلة عن العمل. وهذا أيضا نفى للبروليتارية التى تخضع لنظام سلطوى، مع عدم النظر إليهم كبشر لهم الحقوق نفسها. بينما وضع الفلاحين أسوأ بكثير، فهم يعاملون بعنصرية واستغلال مكثف.

فالحركة تشير لوجود عدالة بورجوازية وفى مواجهتها عدالة شعبية، وعلى المثقف أن يلحق بها. وسلاح الحركة هو «الشعب يتحدث إلى الجموع» عبر وسائله المختلفة عن وسائل البورجوازية الإعلامية. فالصحف اليسارية ذاتها، برغم أن العاملين بها من الشعب إلا أنهم «انسلخوا عن الشعب» بلغتهم المهادنة ولم يفهموا مطالب الشعب. ويقدم «سارتر» هذه التفسيرات ليوضح سبب انضمامه للحركة، إلى جانب حدوث تحول بقبول «المثقف» كجندى فى معركة الصراع، والكف عن حصرها فى البروليتارية، وهو يوضح أن رفض العمال فى أثناء إضرابهم العام استقبال وفود الطلاب الذين جاءوا لمساندتهم حدث لتباين الوعى فى الجانبين.

«مايو 68 لم يقع»:

يقول كل من الفيلسوف «جيل ديلوزGillesDeleuze»، والمحلل النفسى «فليكس جوترى FélixGuattari» فى مقال مشترك إن الظاهرة قد تكون قديمة إلا أنها لا تسمح بتجاوزها. فهى انفتاح نحو الممكن تترك بداخل الأفراد أثرا بقدر ما تترك فى المجتمع. فظاهرة 68 هى ظاهرة لم تخضع لقوانين السببية. فتاريخ الحركة هو تتابع أوضاع غير مستقرة تضخمت مع كثير من الحراك، والكلام، والعبث، والأوهام. وكانت أهميتها فى أن المجتمع أدرك فجأة أن بداخله ما لا يحتمل، وما يموج بإمكانيات لحدوث شىء. فلقد تولد عن الظاهرة وجود جديد، وأنتجت ذاتية جديدة تمثلت فى علاقات جديدة مع الجسد، والجنس، والوسط، والثقافة، والعمل...

ومن المفترض أن يقوم المجتمع بإعادة ترتيب للحياة الاجتماعية بداية من تعبير تلك «الذات الجديدة» عن وجودها وطموحاتها، ولكن مشكلة المجتمع الفرنسى أنه عجز عن ذلك التحول. وهذا العجز مرجعه إلى أن السلطة توقعت أن يمر الحدث، وبالفعل مر، ولكن دون تحولات. وهذا بدقة هو ما أنتج أزمة المجتمع الذى عجز عن استيعاب الحركة. فلقد جاء رفضها من اليسار كما من اليمين على حد سواء. ونتج عن ذلك العجز فى فرنسا، كما فى بلدان أخرى، تبنى النموذج الأمريكى لرأسمالية متوحشة لا تقدم حلولا للمشاكل القائمة، حيث اكتفت فرنسا بتبنى النموذج الأوروبى «المتأمرك» بترسانة تسلح متزايدة لتضبط إيقاع التحولات الاقتصادية الضرورية.

والجدير بالذكر أن «جى ديبورGuyDebord» فى كتابه «مجتمع الفرجة» الذى صدر فى 1967، توقع حدوث حركة ثورية غير أنه توقع أيضا الاستحواذ عليها من قبل أعدائها. وعاود «ديبور» فى مقدمات طبعات كتابه تأكيد تصوراته المستقبلية، فكتب بأن المشهد الحديث تجسد أساسا فى الحكم غير المسئول للأوتوقراطية على الاقتصاد السلعى ومجمل التقنيات الجديدة التى تلحق بهذا الحكم. فالاضطرابات، التى سادت العديد من البلدان فى عام 1968 وما تلاها، لم تسقط، بحال من الأحوال، التنظيم الموجود فى المجتمع، فاستمر المشهد كما هو فى كل مكان، بل ازداد قوة، أى أنه تزايد وجوده فى الأطراف وأشتد فى المركز، بل إن نظام الحكم تعلم طرقا جديدة فى الدفاع عن نفسه، مثلما هو الحال دائما عندما تتم مهاجمة السلطات.

 وتتطور تلك الفكرة فى كتابات «جان بودريار JeanBaudrillard» فيقول إنه بداية من أن تصبح مسألة ما مطلبا ثقافيا فى المجتمع، سواء كانت الاستمتاع بالشمس أو الجنس، فإن هذا المطلب يسجل ويقنن فى مؤسسة الدولة كحق. وكذا، فإن الرأسمالية الواعية بضرورة الحفاظ على نظامها، لتحاشى تفجره فى مدى قصير، تشجع الاستهلاك لدفع الإنتاج. والسلطة السياسية التى تحتكر الحق فى الكلام واتخاذ القرار يمكن فى وقت معين أن تتحاشى صدمة مماثلة لحركة مايو، وأن تسمح بترك بعض حرية الكلام للغير. إذ ثبت دوما أنه التكتيك الأكثر فاعلية لمعاودة إحكام السيطرة والتوسع فى الإنتاج. فما حدث كان تلقى السلطة ضربة قاصمة، ولكن بعد مايو 68 ظهرت اللعبة المضللة التى لعبتها السلطة، بالإيهام بموتها، ثم عادت للحياة بعدها كأسوأ ما تكون.

حركة مايو 68 أسطورة:

يعتبر «دانيل كون- بنديت DanielCohn-Bendit» من أشهر قادة حركة 68، وإن كان قد تراجع منذ سنوات عن فكره اليسارى. يقول إن الإنجاز الفعلى للحركة كان هو خلق «ثغرة» بالمجتمع ملأها الفعل العمالى عبر الحوار النقابى مع الدولة، والذى أدى إلى رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 30 ٪،  وهو ما لا يأتى على ذكره أحد اليوم عند الحديث عن الحركة. وكان الطلبة حمقى عندما اعتبروا هذه الزيادة فى الأجور لا شيء، فى حين أنه كان إنجازا عظيما للحركة، ولكن كان معناها أيضا توقف الثورة. فالمواطنون يريدون العيش ولا يتحملون القيام بثورة دائمة، وهذا ما تم تداركه بعد ذلك.

ولا ينفصل هذا عن الموقف الثقافى فى رفض استمرار الحياة، طبقا لأخلاقيات ومفاهيم وقيم فترة الحرب العالمية الثانية الجامدة. فالشباب يريدون التمتع بالحياة العصرية،وظل فى الأذهان  والواقع أيضا القلق الذى أورثته حركة 68. ولذا، كان الرئيس «ساركوزى» يقول بضرورة الانتهاء من ميراثها. فلقد كانت الحركة مثل أسطورة وكأنه بإمكاننا فعل كل شيء.

ويضيف «كون- بنديت» أنه لم يكن إلا بوقا للحركة وبأنها انتهت، وانتهت معها أسطورة الثورة،  وبدأت مرحلة الحركات المجتمعية الجديدة التى تتواصل منذ السبعينيات.

فالحركة هى أولا حركة ثقافية؛ حاربت الأخلاق السائدة، والسلطة الرأسية، وتعلقت بالمجتمع والأسرة وسلوك الفرد وحريته وحبه، وكانت بعيدة عن استعمال العنف. وبرغم وجود شعارات سياسية، فلم يكن مطروحا الاستيلاء على السلطة. فالرغبة من أجل التحرر انزلقت بالبعض نحو تفكير فوضوى بمشروع لتشكيل مجتمعات «إدارة ذاتية» لم يكن له أى حظ من النجاح.

يضاف إلى ذلك أن القوى السياسية التقليدية، من اليمين ومن اليسار، عجزت عن فهم الحركة، وعن تأويلها بشكل صحيح، ولم يكن لهذه القوى أى هيمنة عليها. فما حدث هو أن مفاهيم النظام القديم، عن المجتمع والأخلاق والدولة كانت لا تزال بالية، وجاء زلزال الحركة فتركتها السلطة دون تغيير. وعلى من يتهمون الحركة بأنها أصل كل المصائب الموجودة اليوم، من عنف فى الأحياء الفقيرة، وتزايد النزعة الفردية، وفقدان السلطة، أن يضيفوا أنها سبب الاحتباس الحرارى فى الكون!

الجذور والاستمرارية:

يقول «دانيل بنسعيد DanielBensaïd»: إن جذور الحركة تعود إلى زمن الحرب الإسبانية، ومقاومة النازية، وحرب الجزائر التحررية وكوبا. كان هدف الحركة هو طرد «ديجول» وتشكيل حكومة شعبية تحت ضغط الإضراب العام. ولو كان هذا قد تحقق لتغُير وجه التاريخ، ولكن الحزب الشيوعى والنقابات قالت إن خروج ديجول «يكفى». وأسفرت كل الشعارات ضد الإمبريالية والرأسمالية، والستالينية،  والقدسية الأسرية، والبيروقراطية عن تحرر العلاقات العاطفية.

والآن لا نستطيع القول ببقاء «روح مايو»، ولكن هناك باستمرار وجود لمشروعات سياسية للحاضر والمستقبل. فالحرية الفردية، التى طالبت بها الحركة، لم تنفصل عن الحرية للجميع. وحينها ابتكرت فكرة تنظيم الحياة، طبقا «للإدارة الذاتية» غير أن النقابات بتشتتها أفشلتها. فالحركة كانت بمنزلة «التجهيز لعرض عام»، وليست ثورة، والثورة يمكن أن تقع بعد خمسة أعوام، ولذا تم اتهامنا باليسارية المتطرفة. فلم تكن الثورة ممكنة، لأن ما كان يشغل الحزب الشيوعى هو الانتخابات الرئاسية القادمة. فقد كان هناك فراغ فى السلطة، ولكن الحزب رفض ملء هذا الفراغ، خشية انقلاب عسكرى أو حرب أهلية.

فالتفسير الذى توصلنا إليه ذهب إلى أن الحركة هى أزمة «سابقة على الأزمة الثورية»، وليس «أزمة ثورية». فالأزمة الثورية تعنى وجود حزب سياسى ثورى يمكنه الاستيلاء على السلطة، والحال لم يكن كذلك فالحزب لم يكن إلا فى حالة جنينية لا تؤهله لمثل هذا الدور. إذن فأفق حركة 68 كان محدودا فى طموحاته.

حركة مايو 68 «طوباوية»:

يذهب الفيلسوف «مارسيل جوشيه MarcelGauchet» فى تحليله إلى أن مايو 68 كانت أول خطوة للمجتمع الفرنسى نحو روح الحرية بشكل عام، بما فى ذلك الليبرالية التى تعيشها فرنسا الآن. ولكن لم يكن ذلك حينها مرئيا لأحد، إذ إن الأفكار كانت ثورية كلاسيكية. ولكن يظل اليوم حيا فى المجتمع بكل مطامح «الحركة». فكل الحركات التحررية مستمرة، ويتجسد ذلك فى فضيحة الاعتداءات الجنسية على النساء التى تفجرت أخيرا، وتبين أننا لم ننته من النضال فى معركة العلاقة بين الرجل والمرأة.

ولا يرى جوشيه إمكانية أن يكرر اليوم حركة الماضى، ذلك أنه كان يوجد حينها روح النزعة الفردية، ولكن كان يوجد معها أساسا «رؤية للفعل الجمعى» مهيمنة على العقل الجماهيرى، حيث لا وجود لها اليوم. فلقد وجدت «طوباوية سياسية» غائبة الآن كلية. فلكى تعبأ الناس لابد أن يعرفوا أولا إلى أين يذهبون، فهم قد يتجمعون للرفض فحسب، ولكن دون مشروع فى أيديهم. فمايو 68 كانت حركة «طوباوية»، رافضة لأى مشروع للمستقبل غير واضح المعالم، لكنه حشد الجموع.

واليوم «حركة الخضر» ليست مماثلة لمايو 68، إذ لا تحمل مشروعا لمجتمع بديل. فهى نقدية لما هو سلبى وتشكل تهديدا للبيئة على الصعيد الكونى.

ولا يحمل الفكر الاقتصادى الراهن أى بعد «طوباوى» فهو انشغال أكثر ما يكون بعدا عن الحلم، والبحث عما هو مثالى. مجتمع اليوم ينشغل بتراكم الثروة، دون البحث عن أفضل استخدام لها، من أجل منحه بعده الإنسانى، بالقضاء على البؤس فى المجتمعات.

وهذا يدعو للتفكير مثلما حدث فى حركة مايو. فالحركة فجرت فكرة «التفكير المشترك»، حول الحياة الواقعية وما تحمله من مشكلات؛ أى فتحت «الشهية» لطرح الأسئلة. فربما بالإمكان التوصل للمجتمع العادل عبر الديمقراطية، ولكن ليست الديمقراطية التى نعيشها، ولكن أخرى أكثر انفتاحا، وفاعلية، وقادرة على تقديم حلول للمشكلات الإنسانية التى غياها.

حركة 68 نتيجتها السياسية سلبية:

يرى عالم الاجتماع «آلان تورين AlainTouraine» أن نتيجة حركة 68 السياسية سلبية، وكذلك كان تأثير المثقفين عليها، بينما يرى مكسبها الأساسى الدائم فى الجانبين الاجتماعى والثقافى. ويمكن قول الشيء ذاته عن الحركة فى الولايات المتحدة فى 1964. فكل الحركات التى تفجرت على الصعيد العالمى كانت مكاسبها ثقافية. فما ظل باقيًا تمثل فى الإنجاز الذى تحقق على صعيد الحرية الفردية، وكسر ممنوعات العلاقات الجنسية، وكسر حاجز الفترة الاستعمارية، وما بعد الاستعمارية، والاهتمام بقضايا المهاجرين، الذين جاءوا لبناء أوروبا من المستعمرات.

إن خطأ الحركة تجسد فى انعدام الوحدة بين الحركتين الطلابية والعمالية، وتجلى ذلك مبكرا فى يوم 13 مايو، وكذا الغياب التام للتنظيم والتنسيق. فهى حركة بدون قيادة واعية لما تقوم به، وكان التشتت والعداء من قبل الحزب الشيوعى، والنقابات العمالية للحركة الطلابية صريحا، إلى جانب العداء السافر داخل الحركة اليسارية بين الشيوعيين، والتروتسكيين، ومجموعة جامعة نانتير (التى انطلقت الحركة منها).

فالحركة لم يكن لها أى مشروع سياسى، ولم تكن حركة سياسية، وجانب منها كان رفض للسلطوية فى كل مجال، وما قضى على استمرارية الحركة كان صعود المنظمات الإرهابية لليسار المتطرف فى ألمانيا، التى كان بها حركة طلابية قوية أيضا.

أما فرنسا ما بعد مايو 68، فلقد تحقق فيها فشل لليمين، فى ظل «فاليرى جيسكار ديستان»، الإرستقراطى الذى عجز عن أن يصبح شعبيا، وكذلك للاشتراكيين مع تولى «ميتران»، الذى ارتفعت فى فترة رئاسته الثانية وتيرة قضايا الفساد. والآن، لا يوجد ما يمكن أن نسميه سياسة لا فى فرنسا، ولا ألمانيا، ولا إيطاليا، ولا أى بلد آخر... فكل ما هو معروض فى الساحة هو البعد الثقافى فحسب، ونضيف له الدفاع عن البيئة،  ولكن هذا ليس توجها سياسيا.

مايو 68 ثلاث حركات:

يرى الفيلسوف «آلان باديو AlainBadiou» أن الاحتفال بمرور خمسين سنة على الحركة يقبع خلفه نية وأد ذكراها. وكذلك يختصرها بحصرها فى أنها ثورة على التقاليد أدخلت فرنسا فى الحداثة، بتغيير نمط الحياة الفردية،  فيحولها بذلك إلى حركة غير مؤذية، ولكن طبيعة الحركة مركبة.

أولا- انتفاضة الطلاب والتلاميذ: فالفضل فى بدء الحركة يعود لهم، ولا يذكره أحد. واتسمت بمعاركها لمواجهة العنف البوليسى، والمقاومة خلف المتاريس، ورفع شعارات، ونقش رسومات على الجدران. ويلزم التنويه أن 15 ٪ من الشباب فى سن التعليم حينئذ لم يتموا البكالوريا، وقلة من أبناء البورجوازية الصغيرة والكبيرة هم من كانوا بالجامعة. فالحركة لم تكن متناغمة أيديولوجيا لهذه الهيمنة البورجوازية. وبرغم ذلك، فما طغى من شعارات كان داعيا للثورة والتف الجميع خلف رمزية جمعتهم، وتوافقوا على شرعية العنف الدفاعى ضد النظام.

 وحدثت تحولات جذرية بالجامعات برفض إلقاء محاضرة عامة للأستاذ دون نقاش. وبتشكيل جماعات عمل دراسية بين الطلاب، وبرفض الامتحانات بصورتها التقليدية. فالعقد الذى تلا تفجر الحركة اتسم باليسارية وبإسهام الشباب.

ثانيا- الإضراب العام: وهو أكبر ما شهدته فرنسا طوال تاريخها، وجمع 10 ملايين من العمال، والمهن كافة، وشمل المصانع، والشركات، والمؤسسات قاطبة، وتم احتلال أماكن العمل ورفعت عليها الأعلام الحمراء مثل الجامعات. وقادته أكبر نقابة عمالية منتمية للحزب الشيوعى، وكان شباب العمال هم أساسا من لهم سبق البدء بمثله فى مدن أخرى قبل عام من الحركة الطلابية.

ثالثا- مايو التحررى: نزع لإحداث تغيرات فى العلاقات الاجتماعية وتقترب أفكاره من كل من الشيوعية الطوباوية لدى «شارل فورييه CharlesFourier» ومن الحركة السوريالية، بمعنى الثورة الجمالية للحياة، ومن أفكار «جى ديبور» وكتابه «مجتمع الفرجة»، وجوهر تفكيره نفى الاستلاب والمجتمع السلعى الاستهلاكى، وكذلك مع أفكار الفيلسوف «جيل ديلوز» الواعدة بعالم جديد متمركز حول الرغبة كمحرك للفرد، وتهدف إلى تغيير العلاقات العاطفية والحرية الفردية. ولقد أسهم هذا فى تنامى الحركة التحررية النسائية، وحركة المثليين بعد ذلك. وصاحب هذا تغير كبير فى مجال الفن المسرحى، وإدخال الجسد فى المشهد بعوامل الإثارة والارتجال فى الأداء،  أى ابتداع لغة جديدة فى الفن، وكذا تجديد فى المجال السينمائى.

فهذه الأوجه كان بينها توافق وصراع غير بسيط بين اليسار التقليدى واليسار المتطرف، خاصة تيار تروتسكى. وكان كل تيار موجودًا فى مكان رمزى مختلف. فالطلاب فى جامعة السوربون،  والعمال فى المصانع،   والتيار التحررى فى مسرح «أوديون».

أسفرت هذه الحركة المتعددة الأوجه عن إنشاء «جامعة باريس 8 التجريبية»،  حيث اشتملت على كل التيارات السياسية، وتحقيق مطالب الطلاب بشأن المحاضرات أمور أخرى. وبالنسبة للعمال، حصلوا على زيادة فى الأجور. وبالنسبة للتيار التحررى،  تعددت مكاسبه وتحققت إلى ــ حد ما ــ كل مطالبه.

ولابد من إقرار أن الانتخابات التى تلت نهاية الحركة جسدت معارضة غالبية الشعب لها، ووضعت فى السلطة رئيسا من اليمين (جورج بومبيدو)، وليس من اليسار، وكذلك انتخاب أكثر برلمان فرنسى رجعية. فالحزب الشيوعى، وأكبر النقابات العمالية حينها اختارا طريق الحوار مع الدولة بهدف إنهاء الحركة ووقف التعبئة الشعبية سريعا. فالحركة الطلابية احتلت مجالهما السياسى، ولذا وصما الحركة بأنها يسارية متطرفة لكى يسقطانها. وذلك برغم رفض مجرد فكرة احتلال أقسام البوليس فى الضواحى والمدن، رغم أنها كانت خالية من القوات التى تركزت فى باريس. فالشعارات كانت شجاعة، ولكن بدون رؤية سياسية واضحة، إلا السخرية من الانتخابات البرلمانية بشعار «الانتخابات فخ البلهاء». ولكن الحركة جسدت نهاية الحزب الشيوعى وغياب أى تنظيم معبر عن العمال.

فحركة 68 لا تفهم إلا برؤية العقد الذى تلاها، وكذلك بما سبقها. ففرنسا الآن مختلفة. ففيما سبق كان التشغيل كاملا بلا بطالة، ولم تشكل العمالة المهاجرة مشكلة، وكان رأس المال المحلى حاضرا فى الاقتصاد، ولعبت فرنسا دورا عالميا مختلفا. أما اليوم فقد اختفى كل هذا وأصبح نقيضه هو السائد.

اليوم هناك رغبة فى مايو آخر يختلف عن الثلاثة أوجه السابقة، يبحث عن مخرج من مأزق السياسة التقليدية، بما فى ذلك الحزبية، وابتداع بديل لإنجاز مجتمع مناهض للرأسمالية يستلهم روح حركة 68، دون الدعوة للقيام بها من جديد، لان هذا عبث.

لقد دفع الكثير من المثقفين نحو الإعلاء من القيمة الفردية فالتقى ذلك مع «النيو ليبرالية». والليبرالية قوية ومهيمنة كأيديولوجية، وتتمتع بمقدرة هائلة على المناورة، وإغراق المواطن فى فلسفتها للمجتمع الاستهلاكى،  وسلبه قدرة المواجهة الإيجابية فلا يجد بديلا متسقا لمواجهتها لمقاومة السقوط فى الأحبولة التى نصبتها له.

حركة 68 لغة، ورمز، وعنف:

يجمع كل من تعرض لحركة مايو 68 على دور اللغة فى تفردها وتجديدها. يحلل المفكر «رولان بارت RolandBarthes» تلك الظاهرة فيقول: إن الأذن لعبت دورا غير مسبوق، وكأننا عدنا لوسائل القرون الوسطى فى تناقل المعرفة. فكل المشاركين فى الحركة كانت آذانهم ملتصقة بجهاز «راديو ترانزستور»، وكأنه عضو جديد ألحق بالجسد، لمتابعة ما يحدث. أعينهم تنظر للأرض لينصت بانتباه ما ينقله المذياع إليهم من تتابع الأحداث، ربما ما كان بجوارهم ولا يرونه، وكذا فى المدن الأخرى. أحدث هذا امتزاجا بين الرمز وسماع صوته. فالكلام صنع تاريخا عبر الحوار المتعدد التوجهات أى لا تناقض أو انفصال بين الكلام والفعل. فالطبيعة «الكلامية» عن الأزمة أوضحتها أكثر من أى مظهر آخر،  مثل شعار: «الاستيلاء على الكلام مثل الاستيلاء على الباستيل» (إبان الثورة الفرنسية). لقد استعمل الطلاب «اللغة كعمل وفعل حر»، وليس كوسيلة. كانت الجدران هى مساحة التعبير، والكتابة التلقائية وجدت خصوصيتها فى إيجازها وجماليتها الشعرية «المتوحشة» التى صدمت البعض،  مثل: «ممنوع المنع». فمن بين الكلام؛ كلام تبشيرى سياسى، ووظيفى موجه إلى أبواب المصانع، وإلى شواطئ البحر، والبيوت والشوارع، يحمل رسالة، ومشروعاً إصلاحياً للجامعة لتلعب دورا اجتماعيا، وتتمتع بمكانة مستقلة، وتحبيذ العمل البحثى الجماعى، وتكامل فروع المعرفة. غير أن التنوع الكبير فى مطالب الطلاب عبر الشعارات، عكس عدم وضوح رؤية فى الحركة.

صاحب الكلام أفعال رمزية تمثلت فى التساؤل حول رفع أى علم من عدمه (علم أسود «الفوضوية»، أو علم أحمر «الشيوعية»، أو علم «فرنسا»)،  المشاركة فى المتاريس أم لا؟ احتلال الأماكن الرمزية أم لا؟ يضاف استخدام مصطلحات الثورة الفرنسية «لجان»، و«اقتراحات»، و«نقطة نظام».. الخ. فهذا الاستخدام الرمزى له مغزاه تاريخيا فى المجتمع الذى يتوجهون إليه وهم نتاجه،  وأجبر هذا الاستخدام من يعارضون الحركة لتبنيه واستخدامه مثل الطلاب.

جانب آخر للحركة ساد الشوارع التى هى أماكن اللقاء العفوى، تمثل فى الحوار الصاخب، والكتابة كشكل من أشكال العنف الذى يدوم ولا تراجع فيه مقارنة بالحديث الشفوى. تمثل العنف الرمزى ضد المؤسسات، وضد البرلمان، وضد المثقفين للحيطة من كل تلاعب ممكن حدوثه من أى طرف. هذا العنف اللغوى المكتوب هو الصوت المعبر بدقة عن المطالب، وليس عن ثورة. هو قطيعة مع النظام القديم. فالغاية ليست فقط فى كشف مثالب نظام قديم،  وإنما وضع تصور لنظام متعدد الأبعاد محله.

حركة 68 بعثت لغة حية من لغة ميتة:

عاش الكاتب الروائى فيليب سوليرس PhilippeSollersأحداث حركة 68،  وشارك فيها، ويرى أنها «بعثت لغة حية من لغة ميتة» وفى هذا قيمتها الكبرى التى أعلنت ميلاد ما هو جديد. ففى الحركة فعلنا ما يطيب لنا. وعبرت الأفيشات والرسوم «الجرافتى» عما لا تستطيع أى دعاية إعلانية القيام به. إن ما يسم من شاركوا فى الحركة أنهم يقرأون القدامى والمحدثين وما بعد المحدثين. يقرأون كافكا وساد. ويسخر «سوليرس» من الذين رأوا فى الاحتفال بحركة 68 احتفالا «بمرض مر بالمجتمع ولا يزال يستشعر ألما بسببه. ويضيف نعم هو مرض مستمر منذ الثورة الفرنسية،  مرورا بكوميونة باريس،  إلى مايو 68، وسوف يواصل طريقه الذى يخيف المجتمع لأنه مجتمع نخر أساسه نفسه. فليس هناك خطورة أكثر من «فردية متسلطة»، ففى مواجهتها كانت حركة 68 التى اختلطت فيها اللذة والعنف وتحطيم النظام التعليمى من قبل شباب حائر وليبرالية متوحشة، وانعدام مسئولية دون حدود أى كل ما ينظف المجتمع القائم من عفنه. فحركة 68 هى هذا «اللهب الشعرى الداخلى الذى يحرق ما يشاء حين يشاء، وعبثا هو محاولة التقليل من قوته أو التنبؤ بمصيره». فقوة الحركة أنها عرفت كيف تستبق مقاومة إمكانية الاستيلاء عليها أو تحويل مسارها. 

مايو والفلاسفة:

يقول الفيلسوف ميشيل فوكو MichelFoucault: «كان للحدث، دون شك، أهميته الاستثنائية، فبدون مايو 68 ما كان بإمكانى القيام بما قمت به بكتاباتى عن السجن، أو الانحراف، أو الجنس. ففى الظروف التى كانت سائدة قبل مايو لم يكن ذلك ممكنا .. ولكن بعد مايو 68 بدا الأمر أكثر سهولةو وأصبح ممكناً العمل المشترك بين المثقفين وغير المثقفين».

أما الفيلسوف جاك دريدا JacquesDerrida  فيقول: «لم أكن ممن يسمون «بالثمانىــ ستينين»، أى أتباع حركة 68. وبرغم مشاركتى، فى ذلك الوقت، فى المظاهرات وتنظيم أول اجتماع عام فى المدرسة العليا، غير أنى كنت متحفظا، بل كنت قلقا من حالة الفرح التلقائى، المنصهر، المضاد للنقابية، ومتحفظا، أمام الحبور الشديد بالكلام الذى، أخيرا، «تحرر»، وهذه الشفافية التى عاد تحققها.. الخ. فلا أعتقد فى مثل هذه الأمور. لم أكن ضد كل هذا، غير أنى لا أهتز فى ظل الجموع المتوحدة. لم يكن لدى الإحساس بأنى أشارك فى ارتجاج كبير. غير أنى أعتقد الآن أن تلك البهجة التى لم أكن أستسيغها إلا قليلا، تولد عنها شئ. لا أعرف كيف أسمى هذا الشيء بدقة، هو هزة أرضية مصدرها يأتى من بعيد، بل من بعيد جدا. وتخص الثقافة والجامعة، وموجات هذه الهزات الصادمة لم تستقر بعد.»

ويضيف «دريدا» أنه لا شك فى أن تلك الأحداث شكلت ظواهر فلسفية. فهى أسهمت فى طرح أسئلة، حول الممارسة بالقيام بشلها، أو بإحداث تحولات بها، سواء فى صورتها الاجتماعية، أو على صعيد الخطاب، الذى كان من مصلحة البعض جعله محايدا، وإخراجه من التاريخ. فالتعرض لتأريخ هذه المؤسسات يعد أيضا حدثاً أو الوعد بحدث فلسفى. فسواء عرفنا، واعترفنا أو لم نعترف، فلقد أحدثت الظاهرة تغيرات فى المواضيع الفلسفية،  وتتبع مسار ذلك وتأثيراتها صعب خطه، إذ يلزم لقياس ذلك أدوات تأريخ مختلفة. وإذا توقفنا فقط عند المظاهر الأكثر أهمية فى العمل الفلسفى، يمكن القول إننا لا نكتب الكتب الفلسفية اليوم بنفس الطريقة، فيما خلا بعض الاستثناء. وكذا لا نقوم بالتدريس بنفس الطريقة، ولا نتحدث مع الطلاب، بنفس الأسلوب كما فى الماضى. وهم أيضا لا يتحدثون فيما بينهم بذات الطريقة القديمة. وهذا لم يتغير فى يوم أو فى شهر،  ولكنه تم كموجة فى الأعماق تراكمت منذ انطلاق حركة مايو فى فرنسا،  وفى غيرها من المجتمعات.

حركة مايو لم تمت:

لا يزال الفيلسوف «جان-لوك نانسى Jean-LucNancy» مرتبطا بالحركة التى تشغل حيزا جوهريا فى كتاباته. وكتب رافضا للتهم التى ألحقها «ساركوزى» وغيره للحركة بحسبان أنها تسببت فى التحلل وانعدام المسئولية، والنسبية الأخلاقية. ويرى أن حركة مايو لم تترك إرثًا من بعدها لأنها لم تمت. فالحركة كانت مركبة،  إذ اتسمت بروحانية مع سمات سياسية وثقافية. وإذا كان «الحدث» لم يعد له وجود فما قام من أجله لا يزال قائما فى الواقع. فالذى وقع فى 68 كان بداية تغير حضارى، وليس فقط تغيراً فى الثقافة والمجتمع والفكر. يعنى ذلك أن الأمور لم تعد ممكنا أن تسير كما كانت فى الماضى، سواء كانت فى التاريخ، أو فى التحرر، أو التقدم، أو فيما هو إنسانى. أما حالنا اليوم،  فنحن «ظهرنا للحائط»، فالحضارة التى نحيا فيها تحطم نفسها باستغلالها للإنسان والطبيعة، بل والمقدس.

لجنة العمل للكتاب والطلاب:

تشكلت لجنة من الكتاب والطلاب جمعت 180 كاتبا نشطا فى الحركة بالكتابة والفعل اليومى. وجد فى الأرشيف العديد مما صدر عن اللجنة، من أهمها ما كتبه «موريس بلانشو MauriceBlanchot». فلقد واصل الكتابة إبان تفجر الحركة وبعدها بفترة وجيزة. ومنها «توقف الزمن: الثورة»، «اقرأ ماركس»، «الحكومة لا تحكم»، «حالة حرب». وكتاباته تضع النقاط على الحروف لتسمى الحركة باسمها،  وتنتقد ما وقع فيها من أخطاء وتوقفها.

ما يقوله بلانشو عن العلاقات بين البشر وقت الحركة له مذاق خاص يلتقى مع شهادات من شاركوا فيها. فى بداية كتاب «ميشيل فوكو كما أتخيله» يقول: «بعض كلمات هى شخصية بدقة؛  لقد ظللت على علاقة غير شخصية مع ميشيل فوكو. لم ألتق به أبدا غير مرة واحدة فى ساحة السوربون إبان حركة مايو، ربما فى يونيو أو يوليو (لكنهم قالوا لى إنه لم يكن هنا) فأين إذاً؟ توجهت له بالكلام دون أن يعرف هو نفسه مع من يتحدث؟ فمهما يقول المشنعون على مايو، فلقد كانت لحظة بديعة، إذ كان ممكننا أن يتحدث كل واحد مع آخر، مجهول، بلا علاقة شخصية، إنسان بين الغير، فيتقبل دون مبرر غير كونه إنسانا.» (ملحوظة: كان فوكو فى تونس).

ينهى بلانشو مقاله «انتقاد الحركة» بعبارة قاسية: «فلنعد النظر فى كل شيء، بما فى ذلك سلوكنا نفسه، وآمالنا الكلامية. الثورة خلفنا، أصبحت موضوعا للاستهلاك وأحيانا للحبور. ولكن ما هو أمامنا سيكون قاسيا ولا يحمل له للآن اسما».

 

المراجع:

Althusser, Louis, AproposdelarticledeMichelVerretsurMaiEtudiant, Lapensée, N° 149, Mai-Juin1969, pp. 3-14.

Althusser, Louis, Surlareproduction, PUF, Paris, 1995.

Althusser, Louis, LettreàMariaAntoniettaMacciocchi, datéedu15 mars1969.

Badiou, Alain, Onaraisondeserévolter, Fayard, 2018, 62 pages.

Barthes, Roland. Lécrituredelévénement. Communications, 12, 1968. Mai1968. Laprisedelaparole. pp. 108-112.

Baudrillard, Jean, Pourunecritiquedeléconomiepolitiquedusigne, Gallimard, Paris, 1972, pp. 106-110.

Baudrillard, Jean, Lemiroirdelaproduction, EditionGalilée, 1985, pp. 157-163.

 Baudrillard, Jean, Laquestiondupouvoiren1977, https://www.larevuedesressources.org/jean-baudrillard-et-la-question-du-pouvoir-en-1977,1739.html

Bensaïd, Daniel, Mai68, affairenonclassée, Rouge, n° 1786, 25 juin1998

Bensaïd, Daniel, Mai68 : lacontroverseétudiante?, Face-à-faceentreDanielBensaïdetPierreZarka, lHumanitédesdébats, 5 avril2008.

Blanchot, Maurice, Mai68, Révolutionparlidée, Gallimard, Folio, Paris, 2018, 152p.

Blanchot, Maurice, MichelFoucaulttelquejelimagine, éditionsCatamorgana, 1986, p. 9

Cohn-BenditetAlainGeismar: leur68, débatavecMichelWieviorka, LePoint.fr, le13/03/2018.

Cohn-Bendit, Daniel, LhéritageinsaisissabledeMai68, LeFigaro, 15/5/2008.

Debord, Guy, Commentairessurlasociétéduspectacle, ÉditionsGérardLebovici, 1988.

Debord, Guy, Lasociétéduspectacle, Gallimard, Paris, 1992, 80 p.

Deleuze, Gilles, GuattariFélix, Mai68 napaseulieu, LesNouvelleslittéraires, 3-9 mai1984, p. 75-76.

Derrida, Jacques, Unefoliedoitveillersurlapensée, EntretienavecFrançoisEwald, in : Magazinelittéraire, N° 286, mars1991.

Foucault, Michel, Ditsetécrits, 1980-1988, TomeIV, Gallimard, 1994, p. 81.

Gauchet, Marcel, https://france3-regions.francetvinfo.fr/grand-est/marne/reims/entretien-marcel-gauchet-reims-retour-mai-68-greves-emmanuel-macron-1452773.html

Nancy, Jean-Luc, 68, sansfin, ProposrecueillisparCaroleDely, 9 janvier2009, http://www.sens-public.org/spip.php?article619

Nancy, Jean-Luc, Véritédeladémocratie, Galilée, 2008, 64 p.

Nora, P., LeBrun, A., Sartre, J-P., Fouque, A., Aron, J-P., Sollers, Ph., Lipovetsky, G., CommémorationMai68 ?, AnthologieprésentéeparDoudet, S, Gallimard, Folio, 2018, 122 pages.

PagisJulie, Repenserlaformationdegénérationspolitiquessouslangledugenre. LecasdeMai-Juin68, Clio. Histoirefemmesetsociétés, 11

juin2009, pp. 97-118.

Sartre, J-P., Gavi, Ph., Victor, P., Onaraisondeserévolter, discussions, Galimard, 1974, pp. 12-58.

Sartre, Jean-Paul, Situations, Tome10, Galimard, Paris, 1976, pp. 52-82.

Touraine, Alain, Mai68, lentréedumondedansuneèredominéepardesenjeuxculturels, LarevueSocio, 13 mars2018, entretienréaliséparMichelWieviorka.

Verret, Michel, Mai, étudiantoulessubstitutions, Lapensée, N° 148, Février1969, pp. 3-36.

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة