رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

يأخذ مفهوم الثقة، كأحد المفاهيم المهمة أشكالا مختلفة، أولها الثقة بالحاكم أو بالنظام السياسى ككل، بدءا بالدستور والقوانين, مرورا بالمؤسسات والمسئولين، وانتهاء بكل ما يتعلق بالمواطن فى دولته، وثانيها ثقة مؤسسات الدولة فى بعضها بعضا. وثالثها الثقة المتبادلة بين مختلف مكونات المجتمع, وهى أقرب لمفهوم رأس المال الاجتماعى. ومع تزايد الاهتمام برصد ودراسة مفهوم الثقة السياسية وتعدد التعريفات والمداخل لدراسته، تتعدد كذلك المقاييس والمؤشرات والأبعاد التى تطرحها الدراسات المختلفة لكيفية قياس الثقة بأشكالها المختلفة. وفى هذا الصدد، يتطرق المقال إلى الجدل حول كيفية قياس الثقة، حيث تتناول الورقة مسحاً سريعاً لأهم المقاييس التى تعرضت لهذا المفهوم بأشكاله المختلفة، كما تستعرض الورقة الإشكاليات التى تطرحها محاولات قياس الثقة. 

أولا ـ  تعريف الثقة السياسية:

هناك اتجاهات مختلفة فى تعريف مفهوم الثقة السياسية. فهناك اتجاه يعرِّف الثقة السياسية من المنظور المؤسسى، حيث يرى أن الثقة السياسية تعبر عن ارتياح المواطنين تجاه نواتج أداء الحكومة والسلطات والمؤسسات السياسية. ويرى هذا الاتجاه أن الثقة تكتسبها الحكومات نتيجة أدائها خلال فترة معينة وقدرتها على الاستجابة لاحتياجات مواطنيها، كما أنها تشير إلى مدى اعتقاد المواطنين بأن الحكومة أو النظام السياسى يعمل بأسلوب يتسق مع توقعاتهم1.

من هذا المنظور، فإن الحكومات من المفترض أن تسعى الى تعزيز قيم الثقة بينها وبين مواطنيها، من خلال العمل على تلبية احتياجاتهم لتعزيز شرعيتها أمام المواطنين ولتحقيق الاستقرار داخل المجتمع، لأن التراجع والبطء فى تلبية احتياجات المواطنين، قد يؤدى إلى فقدان الثقة فى الحكومة، مما يترتب عليها أعمال الاحتجاج، والتظاهر، والإضراب، والاعتصام2. كما أن فقدان الثقة من جانب المواطنين فى المؤسسات السياسية قد يسهم فى تعزيز العديد من المشاعر السلبية، مثل اللامبالاة وعدم الانتماء، والشعور بالاستبعاد والتهميش، وهى كلها أمور تهدد استقرار النظام السياسى، بل والمجتمع كافة.

فى حين ركز اتجاه آخر على تعريف الثقة من منظور ثقافى، حيث طرح هذا الاتجاه مفهوم رأس المال الاجتماعى، أو socialcapital، ويرى هذا الاتجاه أن المجتمعات الإنسانية لا تتأسس فقط على رأس المال المادى ولكن من المهم توافر رأس المال الاجتماعى الذى يتمثل فى علاقات الأفراد فى المجتمع وقدراتهم على التواصل معا، والثقة المتبادلة فيما بينهم على جميع مستويات وأنشطة الحياة، بدءا من ممارسات الحياة اليومية للأفراد، وصولا إلى الممارسات السياسية على مستوى الدولة. ويرى هذا الاتجاه أن توافر رأس المال الاجتماعى يلعب دورا مهما فى دفع عجلة التنمية الاقتصادية فى المجتمع لأنها تقدم أساسا قويا تُبنى عليه المؤسسات والادوات والأسواق التمويلية والاقتصادية اللازمة لتحقيق التقدم والرخاء الاقتصادى. كما يرى البعض أن توافر رأس المال الاجتماعى يسهم أيضا فى تعزيز الثقة السياسية، والثقة فى الحكومة، لأن رأس المال الاجتماعى من شأنه تعزيز المشاركة المدنية والتى هى إنعكاسا لنشاط المجتمع المدنى والمواقف المصاحبة للثقة السياسية فى الحياة المدنية3.

ثانيا ـ  قياس الثقة:

أ - المقاييس المخصصة بالكامل للثقة : مقياس إدلمان Edelman«بارومتر الثقة»4:

 يعد أحد أهم وأشهر المقاييس المعنية بقياس الثقة، وقد بدأ إصدار المقياس منذ عام 2001. وهو يقوم برصد ثقة المواطنين فى المؤسسات المختلفة بما يشمل، المنظمات غير الحكومية، والأعمال، والحكومة، والإعلام. ويسأل المواطنون عن مدى ثقتهم فى كل مؤسسة عن طريق تقييمها من 1 إلى 9. واحد تعنى لا أثق فيها على الإطلاق وصولا إلى تسعة، التى تعنى الثقة الكاملة. ويقوم المقياس بحساب متوسط للمؤشرات الأربعة للوصول الى مؤشر كلى لدرجة الثقة السياسية فى الدول التى يشملها المسح. ويقوم المقياس بتقسيم الفئات من 1 إلى 100، فالدول التى تقع فى المستوى من 60 إلى 100 تتمتع بثقة مواطنيها، فى حين الدول التى تقع فى نطاق (50 إلى 59 درجة) فهى فئة محايدة اما الدول التى تسجل مؤشر يتراوح ما بين 1 إلى 49 فهى تعتبر فى فئة الدول التى لا تحظى بثقة مواطنيها.

ويتميز هذا المقياس بعدة ميزات مهمة. فمن ناحية، يركز على قياس الثقة بشكل أساسى ولا يقوم فقط بمجرد تضمينها ضمن مؤشرات أو موضوعات أخرى، مثل العديد من المقاييس الأخرى كما سيرد التفصيل. من ناحية أخرى، يتسم بقدر كبير من الانتظام فى إصداره، بما يتيح إمكانية تتبع النتائج ومقارنتها عبر فترة من الزمن. ولكن من ناحية أخرى. يبرز عدد من الأمور التى تحد من تميزه. فمن ناحية، يتسم هذا المقياس بأنه حديث نسبيا حيث بدأ إصداره منذ 2001، والأهم أن عدد الدول التى يتضمنها المقياس محدودة، فمثلا فى دورة 2018، تضمن المقياس رصد مواقف المواطنين من الثقة فى المؤسسات الأربع فى 28 دولة فقط، مثلت دولة الإمارات العربية المتحدة المنطقة العربية. وتمثل هذه المحدودية فى عدد الدول المتضمنة فى المقياس نقطة ضعف أساسية به، لأنها تقلل من قدرته على تقديم نتائج شاملة تشمل معظم دول العالم. كما أن بعض النتائج تبدو محل تساؤل. فمثلا من خلال قراءة نتائج مقياس الثقة 2018، نجد أن عشر دول فقط من الـ 28 دولة المبحوثة حققت مؤشر ثقة أكبر من 59 وتشمل دول: الصين، والهند، واندونيسيا. والامارات، وسنغافورة، وكندا، وهولندا، والأرجنتين، فى حين وقعت ستة دول فى الفئة التى حققت مؤشر ثقة أقل من 50، والغريب أن الفئة تشمل دول متقدمة وديمقراطية على رأسها الولايات المتحدة،5 والتى شهدت وفقا لمؤشر عام 2018 تراجعا مقداره ثلاث وعشرين نقطة على مقياس الثقة،  واليابان، وايرلندا بالإضافة إلى هونج كونج، كما تشمل القائمة دول أقل ديمقراطية تضم بولندا وجنوب افريقيا.

ب - المقاييس التى تتناول بعض مؤشرات الثقة السياسية أو الاجتماعية بشكل جزئى:

وهناك العديد من المقاييس الشهيرة التى إن كانت لا تركز بشكل أساسى أو منفرد على قياس الثقة السياسية أو الاجتماعية إلا أنها تتطرق فى بعض مؤشراتها لسؤال المبحوثين حول مظاهرهما المختلفة.

وتشمل تلك المقاييس على سبيل المثال: المسح العالمى للقيم (WorldValuesSurveyWVS)، والذى يضع بعض الأسئلة لاستطلاع رأى الجماهير أو المبحوثين حول ثقتهم فى بعضهم بعضا (قياس رأس المال الاجتماعى)، وكذلك يضع بعض الأسئلة المتعلقة برصد ثقة المواطنين فى المؤسسات المختلفة، سواء السياسية، مثل : الحكومة- القضاء- المؤسسات الأمنية وكذلك المؤسسات السياسية غير الرسمية (الأحزاب- المنظمات غير الحكومية..) والمؤسسات فى المجالات المختلفة، مثل مؤسسات الاقتصاد والأعمال والمؤسسات الاعلامية والدينية. كما يطرح المقياس بعض المؤشرات المهمة التى يمكن أن تساعد على رصد ثقة المواطنين فى المؤسسات السياسية، وإن كان بشكل غير مباشر، مثل المؤشرات المعنية بقياس المشاركة السياسية للمبحوثين، ومدى ثقتهم فى نزاهة العملية الانتخابية، وبعض الأسئلة الخاصة بمدى اعتقاد المواطنين بانتشار الفساد فى المؤسسات السياسية المختلفة، ومدى تقييم المواطنين لجهود الحكومات فى مكافحة الفساد.

كما تشكل المؤشرات المعنية برصد حالة الديمقراطية مصدرا آخر لقياس الثقة فى المؤسسات السياسية بشكل غير مباشر. وفى هذا الصدد تأتى «مؤشرات الحكم الرشيد على مستوى العالم WGIWorldwideGovernanceIndicators»  -التى يعدها فريق بحوث التنمية، بالتعاون مع برنامج «الحكم الرشيد العالمى GlobalGovernanceProject» بمؤسسة البنك الدولي- أحد المقاييس الأساسية لتقدير أداء الدول فى مجال الديمقراطية والحكم الرشيد. ويحدد المشروع ستة مؤشرات تجميعية للحكم الرشيد على مستوى العالم، وتحصل كل دولة على قيمة للحكم الرشيد تتراوح بين - 2٫5 (أسوأ أداء) و2٫5 (أفضل أداء). وبناء على مقارنة أداء الدولة بالنسبة لهذا المؤشر بالدول الأخرى فى نفس العام، يتحدد ترتيبها المئوى على مستوى دول العالم التى يغطيها المشروع . ويتراوح الترتيب المئوى من صفر (أدنى المراتب، ويعنى تفوق جميع الدول الأخرى عليها فى هذا المؤشر) إلى 100 (أى أن الدولة تتفوق على غيرها بشكل مطلق فى هذا المؤشر). ومن الملاحظ تداخل الحديث عن مؤشرات الثقة فى المؤسسات السياسية بالتحديد وبدرجة أقل مؤشرات الثقة بين المواطنين وبعضهم بعضا مع المؤشرات الستة الرئيسية للمشروع. وتتضمن تلك المؤشرات6 :

أولا: مؤشر «الصوت والمساءلة VoiceandAccountability» ويقيس درجة قدرة مواطنى الدولة على المشاركة فى اختيار حكومتهم، ومدى احترام الحقوق والحريات، والتمتع بها بما يضمن حرية الإعلام والتنظيم والتجمع، ويشمل فى بعض أبعاده الثقة فى المؤسسات السياسية، خاصة البرلمان والثقة فى نزاهة العملية الانتخابية، وكذلك الثقة فى المعلومات التى تصدرها الحكومة، خاصة فيما يتعلق بالاقتصاد، والموازنة، والمالية العامة.

ثانيا: مؤشر «الاستقرار السياسى PoliticalStability» وغياب العنف/ الإرهاب: ويتطرق هذا المؤشر ــ مثلا ــ إلى الأعداد المتعلقة بحدوث نزاعات مسلحة- مظاهرات عنيفة - عدم استقرار اجتماعي- عمليات إرهابية- صراعات دينية أو مذهبية أو إثنية- حروب أهلية. كما يقيس إدراكات احتمالات تعرض الحكومة إلى ما يهدد استقرارها أو الإطاحة بها بآليات غير دستورية أو عنيفة، ويتضمن حوادث العنف المحلية، والإرهاب، والانقلابات العسكرية.

ثالثا: مؤشر «الفعالية الحكومية GovernmentEffectiveness» ويقيس جودة الخدمات العامة، والخدمة المدنية، ودرجة استقلاليتها عن الضغوط السياسية، وجودة صياغة السياسات المختلفة وتنفيذها، ومدى مصداقية الحكومة فى الالتزام بمثل هذه السياسات. وتتقاطع فى بعض أبعادها مع مفهوم الثقة من حيث إنها تعكس مدى ثقة المواطنين فى كفاءة أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة على القيام بوظائفها فى المجالات المختلفة (الصحة، والتعليم، والوصول إلى الخدمات الأساسية..) وتبنى وتنفيذ السياسات اللازمة فى المجالات المختلفة وخصاصة فى مجال الاقتصاد والمالية العامة.

رابعا: مؤشر «جودة الإطار التنظيمى RegularityQuality» ويقيس قدرة الحكومة على صياغة وتنفيذ سياسات وأطر تنظيمية سليمة تفسح المجال لتنمية القطاع الخاص وتعزيز دوره، حيث يكون معبرا عن مدى التزام الدولة بالليبرالية الاقتصادية، والأخذ بآليات نظام السوق، وتحرير الاقتصاد فى المعاملات المحلية والعالمية.

خامسا: مؤشر «حكم القانون RuleofLaw» ويحدد مدى ثقة الفاعلين (من الأشخاص الطبيعيين والمعنويين) بقواعد المجتمع وقوانينه، ومدى التزامهم بها، وثقتهم فى بعض مؤسسات الدولة، خاصة القضاء، والشرطة. ومؤسسات إنفاذ القانون،

سادسا : مؤشر «ضبط  الفساد ControlofCorruption» ويقيس إلى أى مدى تستخدم السلطات العامة لتحقيق مكاسب خاصة، وهو ما يشمل أشكال الفساد الكبرى والصغرى  على حد السواء، ويتضمن المؤشر مؤشرات فرعية خاصة برصد وجود الأشكال المختلفة للفساد فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والقضائية، ومدى تكرارها وانتشارها، ومؤشرات لتقييم إجراءات وقوانين مكافحة الفساد، ومدى تطبيقها وفعاليتها .

وفى نفس الإطار، يعنى مقياس الأفرو بارومتر -Afrobarometer– برصد حالة الديمقراطية والحكم الرشيد فى الدول الأفريقية، حيث يشمل المقياس 35 دولة أفريقية. وعلى الرغم من أن المقياس لا يطرح أسئلة مباشرة حول الثقة فإنه يضم العديد من الأسئلة التى ترصد بعض مظاهر الثقة السياسية بشكل غير مباشر، من خلال تقييم المبحوثين للأداء الاقتصادى للحكومة، ومظاهر المشاركة السياسية مثل الذهاب إلى التصويت، تقييم مدى نزاهة العملية الانتخابية، وتقييم المبحوثين لمدى وجود أو غياب الفساد فى مختلف المؤسسات السياسية، والجهود الحكومية المعنية بهذا الصدد. كما يتطرق المقياس إلى بعض مظاهر الثقة الاجتماعية، من خلال رصد مدى مشاركة المبحوثين فى الأنشطة الطوعية أو الجماعية.7

ج: قياس الثقة على مستوى الدول:

من ناحية أخرى، وعلى مستوى الدول، فإن غالبا ما يتم  قياس الثقة، سواء بشقها الاجتماعى والمؤسسى فى إطار استبيانات أو فى مسوح أوسع نطاقا لا تقتصر فحسب على قياس الثقة المجتمعية أو المؤسسية (ويشمل ذلك ــ مثلا ــ دول الولايات المتحدة، وكندا، ونيوزيلندا واستراليا..) وكلها تقوم بإجراء استطلاعات رأى اجتماعية SocialSurveysتتطرق فيها إلى أبعاد الثقة المؤسسية والمجتمعية. وفى هذا الصدد تأتى  ــ مثلا ــ استطلاعات الرأى التى يجريها مركز بيو PEWResearchCenter– لقياس الثقة فى الحكومة الأمريكية. يقوم مركز بيو  بإجراء استطلاعات رأى فى الولايات المتحدة منذ 1957. وتقوم الاستطلاعات بالأساس على إجراء مقابلات تليفونية مع عينة من المبحوثين. وتشمل الأسئلة تقييم المبحوثين لتأثير العديد من المؤسسات السياسية وغير السياسية على حياتهم، سواء  إن كان تأثيرها إيجابى أم سلبى (الحكومة المركزية- الشركات الكبري- النقابات العمالية- المؤسسات الدينية-الكونجرس- الإعلام- الأحزاب المختلفة..)، بالاضافة إلى أسئلة مباشرة حول ثقتهم فى الحكومة المركزية، وكذلك أسئلة مختلفة حول تقييم المبحوثين لأداء الحكومتين المركزية والمحلية فى مختلف المجالات. 8

ثالثا ـ الجدل حول مفهوم قياس الثقة:

1 - صعوبات القياس:

إحدى أهم الصعوبات المرتبطة بقياس مفهوم الثقة هى أنها ترتبط بمفهوم نفسى أو معنوى فى المقام الأول تحاول ترجمته إلى مقاييس أو مؤشرات كمية، ولكن يظل مفهوما ذا طبيعة معنوية، بما يفتح باب الجدل أمام دقة قياسه، أو مدى قدرة المؤشرات المستخدمة فى التعبير عن درجة ثقة المواطنين سواء على المستوى الاجتماعى أو المؤسسى. كما أن تداخل مفهوم الثقة مع العديد من المفاهيم الأخرى الأكثر استقرارا بحسبانها تعبر عن الثقة أو مداخل لقياسها ورصدها يضع قيودا إضافية فى تحديد إلى أى مدى يمثل هذا المفهوم مفهوما مستقرا يتمايز عن غيره من المفاهيم الرئيسية ويمكن قياسه بمجموعة من المؤشرات التى تميزه عن غيره من المفاهيم. وينعكس ذلك على الاتساع الشديد الذى تبنته الأدبيات المختلفة فى رصد وقياس الثقة، حيث اتسعت تلك المداخل لتشمل نطاقا واسعا جدا من المؤشرات تشمل تقييم الأداء الاقتصادى والسياسى للحكومات، أو من خلال رصد درجة الاستقرار السياسى (تآكل ثقة المواطنين فى الحكومة قد تزيد من حوادث عدم الاستقرار السياسى، كما أن تزايد تلك الحوادث يسهم فى فقدان النظام السياسى ثقة المواطنين فيه، ومن ثم تآكل شرعيته والثقة فيه وقدرته على القيام بوظائف الأساسية)، أو من خلال رصد مظاهر المشاركة السياسية بحسبان أن ارتفاع نسبة المشاركة السياسية فى النظام وانخراط المواطنين فى العملية السياسية دليلا ومؤشرا على ثقتهم فى الحكومة، وفى الإطار نفسه يرصد البعض مؤشر السلوك الانتخابى للمواطنين حيث يعكس درجة الرضاء بين المواطنين وتقييمهم لسياسات الحكومة ومن ثم درجة الثقة السياسية فى الحكومة، خاصة إذا جاء التصويت لصالح الحكومة وليس ضدها. من ناحية أخرى، يشير بعض الأدبيات إلى التركيز على رصد المساءلة، والشفافية الحكومية، ومدى جدية الحكومة فى مكافحة الفساد باعتبارها أحد أهم  مؤشرات قياس الثقة السياسية.9

ولكن المشكلة تكمن فى إنها ــ ومع وجاهة كل تلك المداخل والمؤشرات فى قياس الثقة السياسية  ــ تجعل المفهوم فضفاضا شديد الاتساع.

2 - نتائج المقاييس المستخدمة:

من ناحية أخرى تثير نتائج بعض المقاييس جدلا حول مدى دقتها أو وجاهتها. فمثلا، يعتمد الـOECDعلى نتائج استطلاعات الرأى لجالوب10 فى قياس ثقة المواطنين فى حكوماتها إلا أنها تأخذ على استطلاعات جالوب أنها تسأل المبحوثين بشكل عام عن مدى ثقتهم دون تحديد أو تفرقة واضحة ما بين تلك المؤسسات مما قد يعطى تقييما مغلوطا لدرجة الثقة التى يبديها المبحوثين.11

كما انتقد بعض الدراسات نتائج مسح القيم العالمى بأنه يُظهر نتائج غير متوقعة للثقة فى حكومات ونظم غير ديمقراطية، فمثلا، خلال الفترة 2010 إلى 2014 أظهرت نتائج المسح تفوق دول مثل أوزبكستان، والصين، وأذربيجان، وقطر من حيث مستويات ثقة المواطنين فى الحكومة على الرغم من أنها  جميعها نظم غير ديمقراطية لدرجة كبيرة بما يناقض الاتجاه النظرى السائد فى العلاقة الايجابية بين تحلى النظم بالديمقراطية وارتفاع مستويات الثقة فيها،12 والأمر نفسه ينطبق على نتائج مقياس الدمان «بارومتر الثقة» كما سبقت الإشارة.

3 - محاور أخرى جديدة فى دراسة الثقة:

يتضح من خلال المراجعة السريعة لأهم المقاييس التى اهتمت بدراسة وقياس الثقة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أن التركيز فى قياس الثقة يرتبط بشكل أساسى بالشقين المؤسسى والاجتماعى، فى حين يشير بعض الأدبيات إلى أهمية بعض الأبعاد الأخرى، مثل ثقة الحكومة فى نفسها، أو الثقة بين مؤسسات الدولة. ومن الواضح محدودية التطرق إلى هذا البعد فى العديد من المسوح والمقاييس الرئيسية التى تركز بشكل أكبر على علاقة المواطنين فيما بينهم أو علاقاتهم بالمؤسسات، ولكن لا تسأل حول تقييم المبحوثين لعلاقة المؤسسات ببعضها بعضا. ومن ثم تبرز الحاجة إلى تطوير مقاييس لتقييم مدى ثقة الحكومات فى نفسها، أو الثقة البينية بين مؤسسات الحكومة وبعضها بعضا. وفى هذا الصدد، يمكن طرح بعض المؤشرات التى يمكن توظيفها لمثل هذا المستوى من قياس الثقة، منها ــ مثلا ــ تصريحات القيادات والنخب السياسية الإيجابية والسلبية إزاء كفاءة وفعالية المؤسسات التى ينتمون إليها، وكذلك تجاه المؤسسات الأخرى، أو رصد خطط واستراتيجيات الإصلاح الإدارى وأجهزة الدولة، بما يمكن أن يكشف عن رؤية الحكومة ومؤسسات الدولة لنقاط الضعف والقوة فيها، ومدى ثقتها فى نفسها وتقييمها لغيرها من المؤسسات، وأولويات الإصلاح المؤسسى من وجهة نظرها. كما يمكن رصد الأجندة التشريعية، ومدى تضمينها لقضايا إصلاح المؤسسات المختلفة سواء فى إطار داخلى، أو فى إطار تعاون إقليمى أو دولى، مثل برامج التوأمة مع الاتحاد الأوروبى، وكذلك مؤشرات اهتمام الحكومة لترويج نجاح الدولة ومؤسساتها، ونشر ذلك دوليا فى إطار وسم الدولة أو إدارة الوسم BrandManagement  لأن اهتمام الدولة بهذا الأمر قد يدلل على ارتفاع ثقتها بنفسها ومؤسساتها، فى حين أن إغفال هذا البعد قد يشير إلى تراجع ثقة الدولة بنفسها، أو انخفاض قناعتها بتميزها بما يستحق الترويج له.

الخلاصة:

حاولت المقالة التطرق إلى الأبعاد والمؤشرات المختلفة لقياس الثقة بأشكالها المختلفة. وعلى الرغم من أن الجدل يظل مستمرا حول كيفية قياس الثقة فإنه يظل هناك اتفاق واسع حول الأهمية المحورية لمفهوم الثقة سواء على مستوى العلاقات بين مؤسسات النظام، أو فى علاقته بمواطنيه، أو على مستوى العلاقات بين المواطنين بعدَّها ركيزة مهمة وهدفا أساسيا يجب أن تسعى النظم السياسية إلى تعزيزه بالنظر إلى دوره الإيجابى فى تحقيق التنمية والاستقرار السياسى والاجتماعى.

المراجع:

1 -  وفاء داوود، «أزمة الثقة فى مصر ما بعد الثورة»، الديمقراطية، العدد(50)، أبريل 213، صـ123.

2 -  حازم عمر، «مخاطر أزمة الثقة بين المواطن والدولة: محاولات إعادة البناء»، أحوال مصرية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عدد 56، ربيع 2015، صـ155 .

3 -  وفاء داوود، «أزمة الثقة فى مصر ما بعد الثورة»، الديمقراطية، العدد(50)، أبريل 213، صـ123.

4 -   EdelmanTrustBarometerGlobalReport, 2018 retrieved(June3, 2018) https://www.edelman.com/trust-barometer

5 - Source: EdelmanTrustBarometerGlobalReport, 2018 retrieved(June3, 2018)

https://www.edelman.com/trust-barometer

6 -  للمزيد من التفاصيل حول المؤشرات، ومصادرها فى الفترة من 1996 إلى 2016، انظر:

D. Kaufmann, A. Kraay, andM. Mastruzzi, TheWorldwideGovernanceIndicators: Methodology&AnalyticalIssues, retrievedhttp://info.worldbank.org/governance/wgi/#doc

7 -   Afrobarometer, EgyptRound6 Questionnaire, retrieved(June5, 2018) http://afrobarometer.org/surveys-and-methods/questionnaires

8 -   PEWResearchCenter(2015) BeyondDistrust: HowAmericansViewTheirGovernment, retrieved(June4, 2018) http://www.people-press.org/2015/11/23/methodology-70/

9 -  وفاء داوود، «قيمة الثقة السياسية بين المواطن والحكومة: دراسة الحالة المصرية خلال الفترة بوليو 2004 إلى يوليو 2009» رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة، 2011، ص ص(47-55).

10 -  GallupWorldPollcanbefoundat: www.gallup.com/ services/170945/world-poll.aspx

11 -  OECD(2017), GovernmentataGlance2017, OECDPublishing, Parishttp://dx.doi.org/10.1787/gov_glance-2017-en

12 -   MargaretLevi& LauraStoker, «PoliticalTrustandTrustWorthiness», AnnualReviewPoliticalScience, 2000, Vol.3, P.479

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة