رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مكتبة الديمقراطية

احترافية الحملات خلال انتخابات الرئاسة المصرية

الكاتبة: داليا الشيخ - باحثة فى مركز السياسة وبحوث الإعلام بجامعة بورنموث، المملكة المتحدة

الناشر: بالغريف – ماكميلان، 2018

تتناول الباحثة داليا الشيخ فى هذه الدراسة، التى تعد الأولى من نوعها، مسألة احترافية إدارة الحملات الانتخابية فى مصر ومستوياتها، بالتركيز على تقديم تحليلا تفصيلا وافيا عن أداء أبرز خمس حملات انتخابية خلال انتخابات الرئاسة المصرية عام 2012، وتستخدم الكاتبة ما يعرف بـ «مؤشر الاحترافية» فى تحليل أداء الحملات الانتخابية، والذى يركز على تحليل بنية وهياكل هذه الحملات من جانب، والاستراتيجيات التى تنتهجها من جانب آخر. وتشير الكاتبة إلى أن الانتخابات كممارسة ديمقراطية يجب الاهتمام بها والاستمرار فيها، لأنها، وإن كانت تشوبها بعض النقائص، أو يرى البعض أنها لا تجرى بأفضل طريقة ممكنة، إلا أنها ستؤدى فى نهاية المطاف إلى تعليم الناس كيفية تطوير تلك الممارسة، وستفرض تلك الممارسة الديمقراطية نفسها بمرور الوقت، وتثبت دعائمها، وتأتى بثمارها، وإن على المدى البعيد.

واعتمدت الكاتبة على إجراء حوارات مباشرة مع مديرى تلك الحملات الانتخابية والمسئولين فيها، واعتمدت الأسئلة الموجهة إليهم على «مؤشر الاحترافية» فى إدارة الحملات الانتخابية، والذى يقيس كلا من الهيكل التنظيمى لكل حملة، والاستراتيجيات التى تتبعها. وكانت الأسئلة مقسمة إلى مجموعتين، تغطى المجموعة الأولى منها عددا  من المحاور أبرزها حجم العاملين فى كل حملة، وطريقة أو نموذج الإدارة المتبع، وعدد المقرات التى تنطلق منها تلك الحملة، وطريقة التواصل الداخلية بين أفراد إدارة الحملة، وطبيعة ودرجة إبداء الملاحظات والتعليق على الأداء،و مستوى البحث المتعلق بأداء المنافسين الآخرين، والميزانية المخصصة للحملة، والمدة الزمنية لعمل الحملة.

أما المجموعة الثانية من الأسئلة، فكانت تتعلق بقياس استراتيجية الحملة، وتشمل أسئلة مثل مدى القدرة على الوصول للجمهور، والأنشطة الترويجية عبر وسائل الإعلام المختلفة، المجانية منها ومدفوعة الأجر، وعلاقة الحملة بالبرامج التلفزيونية الحوارية، وبرامج المناظرات الرئاسية، ودرجة إدارة أخبار الحملة، وغيرها من الأسئلة فى هذا الإطار.

أهمية الحملات الانتخابية وتأثيرها:

تستعرض الكاتبة بصورة جذابة بعض وجهات النظر التى يطرحها خبراء وعلماء السياسة فيما يتعلق بمدى أهمية الحملات الانتخابية وجدواها، وتوضح أن هناك جدلا بين الأكاديميين فيما يتعلق بتأثير استخدام الدعاية الإعلامية الواسعة والمكثفة فى مشاركة المواطنين وانخراطهم فى الحياة السياسية. إذ يرى بعض الأكاديميين أن استخدام وسائل الإعلام له تأثيرات سلبية فى مشاركة المواطنين فى المجال العام والحياة السياسية بصورة عامة، وربما تكون سببا فى عزوفهم عن المشاركة. بينما يرى آخرون أن الدعاية الإعلانية الواسعة للحملات الانتخابية يمكن أن تحفز المواطنين على المشاركة السياسية، وتسهم فى تعزيز مشاركة الجماهير فى المجال العام. ويرى هذا الفريق أن الحملات الانتخابية تسمح لعموم المواطنين بالوصول إلى المعلومات التى تقدم من خلال تلك الحملات، وفى بعض الحالات تسهم هذه الحملات الانتخابية فى ابتكار آفاق عامة جديدة، مثلما يحدث فى تلك الحالات التى تُستخدم فيها شبكة الإنترنت، والتى يمكن أن يكون لها دور كمجال عام افتراضى.

وهناك فريق ثالث من الأكاديميين يرى أن الحملات الانتخابية والدعاية الإعلامية المصاحبة لها تسهم بشكل إيجابى بالفعل فى مشاركة الناخبين، بالإضافة إلى عوامل ومعايير أخرى مختلفة تؤثر فى المشاركة، مثل الخلفيات الشخصية، والرسائل التى يستقبلها المواطنون من تلك الحملات الانتخابية.   

وتشير الكاتبة إلى أحد العوامل المهمة بالنسبة للحملة الانتخابية الجيدة، والذى يتمثل فى أن تسمح تلك الحملة للمواطنين بالمشاركة والانخراط فيها وفى أنشطتها وفعاليتها. فمثل هذه المشاركة يمكن أن تغير سياسات وخطط الحملة بالكامل، من خلال ما يقدمه المشاركون من آراء، وملاحظات ومقترحات. فالمواطنون يمكنهم أن يشاركوا فى هذه الحملة أو تلك بالعديد من الوسائل، مثل المشاركة فى أنشطة الحملة، أو من خلال التطوع، أو العمل فى الحملة الانتخابية، من خلال حضور الفعاليات والتجمعات المختلفة، أو التواصل مع مواطنين آخرين ممن يعرفونهم من الأهل والأصدقاء، أو حتى، من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعى لدعم مرشح معين، ودعم مواقفه السياسية، ومن خلال مشاركتها مع مجموعات الأصدقاء.

ويمكن أيضا للحملات الانتخابية أن تسمح بمشاركة شعبية أوسع، إذ يمكن للمتطوعين فى الحملة أن يجمعوا لها بعض التبرعات نيابة عن المرشح، أو من خلال إرسال رسائل نصية وبريدية لحث الناخبين وتذكيرهم بدعم مرشحيهم. وتضرب الكاتبة مثالا لذلك بحملة الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما الانتخابية عام 2008، كإحدى أشهر الحملات فى تشجيع المواطنين على المشاركة فى الأنشطة الانتخابية، والتى أسست لهم موقعا خاصا على الإنترنت كان يقدم لهم طرقا ووسائل مبتكرة  فى ذلك الوقت لتعزيز مشاركة الجمهور وانخراطه فى تلك الحملة وفى الترويج بأنفسهم لذلك المرشح، مما كان له دور فى نجاحه فى نهاية الأمر. 

وبات واضحا فى الفترات الأخيرة أن فكرة الحملات الانتخابية أصبحت من الأهمية بمكان لتحتل فكر الكثير من الخبراء الذين يرون أنها لا غنى عنها لمن يريد أن يتحرك بصورة فعالة ومجدية فى إدارة حملة انتخابية ناجحة. فالحملات الانتخابية تسهم فى ترتيب الأولويات، وتحديد النقاط والمحاور التى تحتاج إلى تركيز وجهد واضحين لإبراز بعض نقاط القوة الجوهرية لدى المرشح، والتركيز عليها لكسب مزيد من المؤيدين، وإقناع كثيرين من أفراد الكتلة الصامتة، التى لم تكن قد اتخذت قرارها بعد بتأييد مرشح بعينه.

ومن الوظائف الرئيسية الأخرى، التى تسهم الحملات الانتخابية بشكل عام فى تحقيقها، هى إقناع قطاع من الناخبين بالذهاب إلى صناديق الاقتراع، والإدلاء بأصواتهم، وهى ممارسة سياسية واضحة تعزز فى نهاية المطاف السير فى طريق الديمقراطية الطويل، الذى يبدأ بالفعل من صندوق الاقتراع. وكذلك تساعد الحملات الانتخابية المرشحين فى إظهار ما لديهم من برامج سياسية واقتصادية واجتماعية، ومدى تميزها أو تفوقها على غيرها من برامج المرشحين المنافسين، وهو ما يشجع بدوره الجمهور على الدخول فى مناقشات وحوارات فى محاولة لفهم مصداقية تلك البرامج، والمقارنة بينها، ومحاولة الوصول إلى أفضل خيار متاح أمامهم يرون أنه قابل للتحقيق، وإن بشكل نسبى. وفى ذلك أيضا تعزيز للمشاركة الجماهيرية فى العملية السياسية والديمقراطية، ومعرفة الناخبين بحقوقهم وواجباتهم، وعدم العزوف عن الحياة السياسية بالكامل، كما كان يحدث فى أوقات سابقة فى كثير من الدول.

  احترافية الحملات الانتخابية فى الديمقراطيات الناشئة:

تناقش الكاتبة أيضا اتجاهين بارزين فى إطار تأثير الحملات الانتخابية الاحترافية فى الديمقراطيات الناشئة، يتمثل الاتجاه الأول فى أن فكرة احترافية الحملات الانتخابية ترتبط بوظائف أكثر وضوحا فى الديمقراطيات الضعيفة، بينما يتمثل الاتجاه الثانى فى أن تلك الحملات يكون تطبيقها عرضة للتحدى وتوجيه الأسئلة الصعبة فى الديمقراطيات الراسخة.

وفى الاتجاه الأول، هناك اعتقاد بأن احترافية الحملات الانتخابية تساعد فى تعزيز الديمقراطية، إذ إنها تساعد المرشحين فى إدارة حملات فعالة ومنظمة، قادرة على الوصول إلى الناخبين، وإيصال المعلومات إليهم. كما أنها تساعد المرشحين فى التواصل والانخراط مع جماهيرهم من خلال قنوات اتصال تفاعلية، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للمرشحين لإبراز عيوب الخصوم. كما أن وسائل إعلام الحملة الانتخابية تسهم فى توعية الجماهير، وتساعدهم فى أن يكونوا مواطنين أكثر معرفة ودراية بمجتمعاتهم، وفى أن يتخذوا قراراتهم بناء على تلك  المعرفة، كما يمكّنهم ذلك من مساءلة المرشحين والمسئولين فيما بعد.

ويمكن أيضا لقنوات التواصل مع الجماهير، خاصة وسائل التواصل الاجتماعى، أن تلعب دورا أساسيا فى حشد الناخبين وحثهم على المشاركة فى التصويت. كل ذلك يمكن أن يقودنا إلى ممارسات ديمقراطية أكثر تطورا. كما تلعب وسائل التسويق والدعاية فى الحملات الانتخابية دورا بارزا فى تعزيز قيم الديمقراطية، حيث يجرى تعديل السياسات والقرارات وفقا لحاجة الناخبين، وليس وفقا للهرم التنظيمى التقليدى فقط، الذى تمرر فيه السياسات من أعلى لأسفل.

أما الاتجاه الثانى المتعلق باحترافية الحملات الانتخابية فى الدول الراسخة، ديمقراطيا، فيثير بعض المخاوف، إذ يُعتقد أن الاحترافية لا تساعد فى تعزيز الديمقراطية، لكنها تقدم لنا «حملات ضحلة»، تعظم استخدام «الحيل القذرة، ومهاجمة الخصوم»، مما قد يؤدى إلى انسحاب بعض الناخبين ومقاطعتهم الانتخابات، وهو آخر ما تصبو إليه أى ديمقراطية حقيقية.

لكن أنصار هذا الاتجاه يرون أن الاحترافية فى إدارة الحملات تستعير بعض أساليب التسويق الناجحة، مثل استهداف شرائح بعينها من الجمهور، وهو ما يجعل المرشح يركز على ناخبين بعينهم، وليس كل المواطنين. لكن وفقا لتلك المدرسة أيضا، فإن ذلك قد يؤدى إلى وجود فجوة معرفية بين المواطنين فى نفس الدولة. ويرون أيضا أن الاعتماد على وسائل الإعلام العامة لنقل رسائل الحملة الاحترافية، يعنى أنها قد تجعل المرشحين يغيرون مواقفهم أو خطاباتهم لتروق لوسائل الإعلام وتساير التغطية الإعلامية السائدة، وهو ما قد يؤدى إلى خداع الناخبين باستخدام الإعلام فى إقناعهم بسياسات قد لا تكون فى مصلحتهم.

كما أن الحملات الانتخابية المحترفة فى تلك الدول الراسخة ديمقراطيا تميل إلى تحسين صورة القائد بشكل مبالغ فيه، وهو ما قد يؤدى إلى تعزيز اتجاهات سلطوية لدى هذا القائد أو ذاك، بدلا من الاسهام فى تطوير مجتمع منفتح وتشاركى، لأن فكرة تحسين صورة القائد ترتبط فى المعتاد بالأنظمة السلطوية.

كما أن شن الحملات السلبية ضد المنافسين، وتعمد تشويه صورتهم  ــ فى المقابل ــ قد يخلق حالة من التشاؤم واللامبالاة بين المواطنين، الذين قد يفقدون الثقة فى العملية السياسية برمتها. ومن الانتقادات الموجهة أيضا للحملات الاحترافية فى الديمقراطيات الراسخة أنها تعزز دور المواطنين كمستهلكين سلبيين، عند لجوء تلك الحملات لأساليب التسويق المختلفة، أو كمتفرجين فقط، عند تعامل تلك الحملات معهم باستخدام أساليب الاستعراض الإعلامي.

ورغم أن هذين الاتجاهين متعارضان، فإن بعض الأكاديميين يرون أنهما نتيجة طبيعية لعدد من العوامل المختلفة التى تميز ما بين الديمقراطيات القوية ونظيرتها الضعيفة، كما هو الحال مع طبيعة الدول، والأطر القانونية التى تطبقها، ومدى تنظيم الإعلام فيها، بالإضافة إلى عوامل ثقافية ومؤسسية أخرى.

 وقد خلصت الكاتبة فى نهاية الدراسة إلى أن أكثر الحملات الانتخابية احترافية، كانت الأكثر نجاحا فيما يتعلق باعتمادهما على خبراء مختصين فى إدارة الحملات، وإدارة الملفات الإعلامية، وقياس الرأى العام، والسعى لإشراك الجماهير فى الحملات، وغير ذلك من عوامل، خاصة أن كل حملة كانت تسعى لصناعة اسم مميز أو «علامة تجارية» لمرشحها، والترويج له، وهو ما أسهم بالفعل فى دعم موقفها فى الجولة الأولى من تلك الانتخابات، وقادتها إلى جولة الإعادة.

وفى نهاية الدراسة تختتم الكاتبة بوضع «دليل« لمديرى الحملات الانتخابية لمن يريد تأسيس حملة انتخابية احترافية وناجحة، سواء فى مصر أو فى الدول ذات الديمقراطية الناشئة. وتقدم الكاتبة هذا الدليل فى خطوات عملية، بدورها يمكن بالفعل أن تصنع فرقا واضحا بالنسبة لمن يديرون هذه  الحملات، ويرغبون فى أن يصلوا من خلالها إلى تحقيق أهدافهم المرجوة.

 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة