رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

تقارير وانتخابات

                      

      ظاهرة الاعتصامات والمظاهرات ليست جديدة على العراقيين. فعلى مدى السنوات الماضية لم تستطع الحكومة العراقية إيجاد حلول لأبسط متطلبات الحياة في أي بلد ، فالعراق أصبح بلد تتصارع فيه الأحزاب السياسية التي تهتم بمصالحها ولا يهمها المواطن، نعم هذه هي الحقيقة التي أدركتها الجماهير التي ملت من الوعود الكاذبة التي يطلقها السياسيون ، الذين فور وصولهم إلى السلطة ينكرون وعودهم ، وهذا السبب دفع  مدن العراق الجنوبية للمطالبة بمكافحة الفساد الحكومي والإداري ،  وتوفير الكهرباء والخدمات وتوفير فرص عمل للعاطلين عن العمل. والذين يحملون شهادات جامعية ، وكانت أولى شرارات المظاهرات، التي انطلقت في محافظة البصرة في الثامن من يوليو الماضي، احتجاجاً ضد الفساد، ونقص الخدمات، وتفشي ظاهرة البطالة بشكل كبير ، وانتشار الفقر وعدم وجود ماء صالح للشرب ، ومدنية البصرة هي أقصى محافظة جنوبية في العراق ، مدينة ذات خيرات كثيرة، وموارد نفطية هائلة، وزراعات كثيفة ، وبها أكثر من ميناء ، إلا أن كل ذلك لا يذهب إلى تحسين واقع المحافظة ، بل إن المحافظة تسير من سيء إلى أسوء ، الأمر الذي دفع الآلاف من المواطنين إلى الخروج في شوارع المحافظة ، ودخل المتظاهرين الغاضبون إلى الشركات النفطية المستثمرة في البصرة بصورة تعبر عن غضبهم ، وأمام غضب الجماهير ومن أجل تهدئة الوضع والاستقرار في المحافظة ، هنا أصدرت الحكومة العراقية قراراً بتشغيل وتوفير فرص عمل لأهالي البصرة تحديداً (10) الآف درجة وظيفية ، وجاء هذا المقترح بمنزلة تهدئة وتخدير للوضع  العام في البصرة . وبعد ذلك توالت حشود الجماهير الغاضبة في باقي المدن والمحافظات الجنوبية والوسطى في العراق ، فخرج الجماهير الغاضبة في محافظة النجف الدينية ، وكانت وجهتهم هي مطار النجف الدولي ، الذي يخضع لسيطرة الأحزاب ولا تذهب موارده إلى تحسين واقع المحافظة ، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء العراقي (حيدر العبادي) إلى حل إدارة المطار وإسنادها إلى الحكومة تدير المطار ، لكي تستمر حركة النقل والسفر في المحافظة ، بعد ذلك قامت الحكومة بإجراء قطع الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل كامل ، وهو إجراء أغضب الشعب العراقي ، وتسبب فى خسائر كبيرة لشركات الاتصال والمصارف والمؤسسات التي تعتمد على الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. أما في محافظة كربلاء فطالب المظاهرون المحتجون بإجراء تغييرات سياسية وجوهرية تتعلق بتوفير الخدمات الأساسية ، كون المحافظة محافظة دينية وتأتي إليها موارد كثيرة من السياحة الدينية ، إلا أن واقع المحافظة يعاني الإهمال، لذلك طالبت الجماهير بتوفير الخدمات وفرص العمل، والقيام بتعديل الدستور، وإلغاء مجالس المحافظات، وإلغاء الامتيازات الممنوحة للبرلمانيين. أما في محافظة الديوانية، فشهدت هي الأخرى تظاهرات كبيرة ومصادمات مع رجال الأمن ومع الأحزاب ، إذ هاجمت الجماهير مقرات الأحزاب ، ولقى متظاهر مصرعه أمام مقر لمنظمة بدر، واتهمت عشيرة (آل شبل) عناصر حماية مقر الحزب بقتله وطالبت العشيرة والجماهير بتسليمهم ، وتوالت بعد ذلك المظاهرات في باقي المحافظات العراقية في محافظة (واسط)، وفي (محافظة بابل)، وصولاً إلى العاصمة بغداد التي خرجت فيها أعداد كبيرة من الجماهير الغاضبة وكذلك في محافظة (ذي قار) ومحافظة (السماوة ) في جنوبي العراق ، التي طالبت فيها الجماهير بتحسين واقع محافظاتهم وتخليصهم من الواقع المرير الذي يعانونه ، وهتفت الجماهير بشعارات تدعوا إلى محاسبة المسئولين الفاسدين ، خاصة بعد أن انتشر الفساد في كل دوائر الدولة ، وحلول العراق في المرتبة الـ12 على لائحة الفساد العالمي ، وحلول مدينة بغداد كأسوأ مدينة للعيش في العالم .

      وهددت قيادات الأحزاب الجماهير من المساس بمقراتهم بعد أن قامت الجماهير الغاضبة بحرق وتدمير مقرات الأحزاب ، وفي هذا الشأن أعلنت مفوضية حقوق الإنسان في الديوانية عن اعتقال خمسة من المتظاهرين ، وأن 13 مدنياً لقوا حتفهم،  وأصيب 618 آخرون بينهم عناصر في قوات الأمن، وذلك منذ انطلاق التظاهرات الاحتجاجية في وسط وجنوب العراق التي تعرض فيها المتظاهرون إلى إجراءات تعسفية. إذ أوضح المتحدث باسم المفوضية علي البياتي: وقال : "السلطات اعتقلت أكثر من 600 متظاهر، بعضهم قال إنه تعرض للإهانة والضرب، فيما أكد آخرون إنهم اعتقلوا رغم عدم مشاركتهم في التظاهرات" ، فيما طلبت القوات الأمنية من توقيع تعهد بعدم الخروج مرة آخري في مقابل خروجه من الاعتقال ، وهنا اندفعت منظمات المجتمع المدني والناشطون المدنيون إلى مطالبة الحكومة العراقية والقوات الأمنية بتوفير وتلبية متطلبات الجماهير ، ورغم كل هذه الدعوات قامت القوات الأمنية بحملات واسعة لاعتقال المتظاهرين وتعَّرض بعضهم لضرب شديد ، واستخدمت القوات الأمنية الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي ، والخراطيم التي تحتوي المياه الحارة ؛ وذلك من أجل تفريق التظاهرات والمظاهرين في العاصمة بغداد ،الذين حاولوا التوجه إلى المنطقة الخضراء المدنية التي يستقر بها أغلب السياسيين وفيها مقر الحكومة والبرلمان ومن أجل حماية مقرات الحكومة والأحزاب قامت قيادة عمليات بغداد بنشر قوات الجيش والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب في أنحاء العاصمة في عملية استباقية خوفاً من أي تقدم للمتظاهرين .

       واقع المظاهرات تزامن مع إعلان المفوضية المستقلة للانتخابات في العراق بإعادة عمليات العد والفرز اليدوي في المحافظات العراقية، بعد زيادة الشكاوي والتشكيك في نتائج الانتخابات وما رافقها من أحداث تمثلت فى حرق صناديق الانتخاب في جانب الصرافة في العاصمة بغداد ، رغم أن خطوة إعادة عملية العد الفرز كلفت الدولة الكثير من الوقت والجهد والمال، وكذلك إعلان وإقرار مجلس النواب قانون الامتيازات الخاصة بالتقاعد للنواب المنتهية ولايتهم ، وتوقيعه من جانب رئيس الجمهورية العراقي (فؤاد معصوم)، وهذه الخطوة زادت من غضب الجماهير في المحافظات العراقية، التى عبرت عن اعتراضها لقانون تقاعد البرلمانيين الذين أقروا القانون بسرعة وفي آخر جلسة لهم ، ففي الوقت الذي يتسلم فيه البرلماني مبالغ هائلة يعيش المواطن العراقي في فقر مدقع ...!

      وفور وقوع التظاهرات اختلفت معطيات الدول الإقليمية في التعامل مع العراق. ففي ظل سوء الأوضاع ، وسقوط الضحايا من المتظاهرين في الشوارع، وقمعهم من قبل قوات الأمن، قامت إيران بقطع التيار الكهربائي عن العراق ، وكانت حجتهم في ذلك أنهم غير محددين بفترة عقد ، وأنهم متى ما احتاجت بلادهم إلى الكهرباء سوف تقطعها عن العراق ، بدعوى أن بلدهم أولى بالكهرباء من العراق الذى يعاني كثرة الديون ، ورفضوا التعاون مع وزير الكهرباء العراقي الذي ذهب محاولاً التفاهم معهم !!! .

        في المقابل، قامت دولة الكويت ببناء بارجة أولى من الوقود فى موانئ البصرة ، من أجل إيصال الكهرباء إلى المحافظة ، بعد أن قطعت إيران خط الكهرباء عن العراق جراء تراكم الديون ، وقامت الكويت بنصب محطات لتوليد الطاقة الكهربائية ، ودعت دولة الكويت مواطنيها في العراق إلى التوجه إلى السفارة الكويتية أو الاتصال بها في حال شعروا بالخطر .

      أما الجانب الأمريكي، فقد تحدث عن المظاهرات وأعربت القنصلية الأمريكية في البصرة عن أسفها ومواساتها لذوي ضحايا التظاهرات الذين خرجوا في الساحات العامة، وفي الشوارع، وأمام مقرات الأحزاب، وأعلنت القنصلية الأمريكية دعمها لحق المواطنين في الاحتجاج والتظاهر والتعبير عن الرأي، ومطالبة الحكومات المحلية بتلبية احتياجات المواطنين.

       وقد تداول الإعلام الأمريكي موضوع المظاهرات وعبر عنه بقوله : "إن هذه المظاهرات تأخرت كثيرا حتى وصلنا إلى حافة الهاوية" الشعب العراقي نفذ صبره ولم يعد يثق بالحكومة ، وهذا الأمر يشكل عامل قلق لدى الجانب الأمريكي، وكذلك  لدى الدول المحيطة بالعراق التي ترى أن من مصلحتها ألا يبقى العراق مستقر، إذ إن هذه الدول حولت العراق إلى  ساحة للصراع  تتحكم فيها الأحزاب المتصارعة والمجموعات الإرهابية ، التي تقتل كل يوم العراقيين بلا ذنب ، عبَّر عن هذه الوضعية القنصل الأمريكي، قائلاً إنه يرغب في حل مشكلة المظاهرات في البصرة ، وانه يريد أن يقدم عونا لهذه المظاهرات وهو يؤيد مطالب المتظاهرين المشروعة التي تنادي بأبسط متطلبات الحياة الكريمة (الماء – الكهرباء- توظيف العاطلين عن العمل) التي يطالب بها المتظاهرون منذ أسابيع  في مدن ومحافظات الجنوب العراقي، كما أوضح أن أمريكا لا ترغب ولا تريد أي تدخل خارجي في الشأن العراقي الداخلي قائلاً : "أن أمريكا لن تسمح بتدخلات في العراق" .

        أنقرة أيضاً هي الأخرى قلقة مما يجري في العراق من أحداث تسير بوتيرة متسارعة، وتخشى من أن تصل هذه المظاهرات إلى شمال العراق. أما السعودية  عبرت عن خشيتها من استمرار المظاهرات ، خاصة في ظل سيطرة قيادات الحشد الشعبي وبعض الأحزاب والميلشيات التي ربما لها صله ودعم من الجانب الإيراني  .

      ومما تقدم هنا يبدو العراق كأنه يسير في حافة الهاوية ، ففي ظل حراك شعبي واعي لدى جماهير واسعة في العراق تتحدث عن ضرورة تلبية مطالب الجماهير وتوفير مطالبهم المشروعة ، يتساءل آخرون عن مدى قدرة السلطات على احتواء موجة التذمر الشعبي الزاحفة نحو الشمال ، وتأكيد المرجعية الدينية في العراق ضرورة الإسراع بتشكيل الحكومة وضرورة أن تكون حكومة تمثل مختلف أطياف الشعب العراقي ، وهنا يتساءل الكثير عما ستؤدي إليه الأوضاع فى جنوب العراق على وجه التحديد؟ كيف تتطور المطالب بعد نحو ثلاثة أسابيع من الاحتجاجات؟ وما مدى واقعية الوعود المقدمة حتى الآن؟ .

       حتى يمكن الإجابة على هذه الأسئلة،  يتوجب على الحكومة العراقية ضرورة الأخذ بالحلول التالية من أجل الخروج من أزمة تشكيل الحكومة ، والاستجابة لمطالب الجماهير :

1- ضرورة إعادة بناء العملية السياسية والمؤسسات السياسية على أسس متينة ، مع أهمية الأخذ بالتجديد في المؤسسات والبني السياسية ، وذلك من أجل الإصلاح السياسي ، ومحاربة الفساد والمفسدين الذين يستغلون موقعهم في الأحزاب ومناصبهم السياسية من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة والشخصية . 2- ضرورة تشكيل حكومة عراقية بعيدة عن المحاصصة الطائفية والحزبية ، بل حكومة تعتمد على الخبرة والاختصاص والكفاءة لدى كل من يشغل منصب حكومي .

3- يتعين على الحكومة العراقية العمل على حل أزمة الخدمات في البلاد وتنفيذ مطالب المواطنين المتظاهرين بشكل جاد بعيداً عن الوعود البراقة .

       وفي النهاية تأكد لدى العراقيين جميعاً أن الحكومة لا تهتم بما يطالبون مهما يحاولوا ، فالسياسيون شغلهم الشاغل الوصول إلى السلطة وجمع أكبر قدر من المال والثروة ، دون بذلهم أي جهد في تحسين الواقع أو إصلاح مؤسسة أو وزارة ، فكل جديد وكل نزيه يُحارب ويُفتك به، وكل شخصية ذات كفاءة وتريد أن تخدم البلد تُستبعد، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار العناصر الفاسدة في السلطة، والتي تنتهج نفس الأساليب مما يعني ضياع فرص التجديد والتقدم . 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة