رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مكتبة الديمقراطية

المؤلف: نوربرت فراي.

دار نشر: صفصافة – 2017.

 

في كتاب مترجم صادر عن دار نشر صفصاف في عام 2017، لنوربرت فراي، وهو أكاديمي بجامعة فريدريش شيللر بألمانيا، إلى جانب كونه مؤرخا وله العديد من الدراسات عن التاريخ الألماني خلال فترة الحكم النازي، تناول الكاتب تحليل الإرهاصات القائدة لثورات الشباب حول العالم في عام 1968.

مقدمة:

     تمثلت الشرارات الأولى لثورات 1968 في طلب قداحة لشخص يهودي، أو فنجان قهوة لشخص أسود، أو إحراق النفس، ولكن كانت هناك دوافع أخرى تتباين من مكان إلى آخر. فمثلا كانت المطالبة بالحرية السياسية هي محرك الاحتجاجات في الديكتاتوريات الغربية كما في: "البرتغال، وإسبانيا، واليونان، والحكم العسكري بأمريكا اللاتينية". وفي العالم الثالث كان التمييز الاقتصادي والاجتماعي هو المحرك الرئيسي الذي انعكس على الغرب كصورة لنقد الإمبريالية والرأسمالية. وفي أوروبا كانت التجمعات الشبابية، وعدم قدرة الدول على استيعابها هو فتيل اشتعال "الوعي الثوري الجمعي"، حيث وضع اليساريون آمالهم في الشباب، بعد أن أصابهم اليأس من العمال الذين استسلموا للرأسمالية وقيودها، ولعبت الشبكات الثقافية الفكرية الثنائية ما بين الشباب وكبار المفكرين دورا بارزا في تأجيج الاحتجاجات، فجذبت التيارات اليسارية الماركسية عددا كبيرا من الشباب، وكانت مناهضة السلطوية، والمناداة بالحرية،  والإيمان بالليبرالية، وإعلاء قيمة الفرد الإنسانية، والتخلص من القيود الأبوية هي المحرك الدافع لمعظم تلك الاحتجاجات، وسنتناول كل دولة بخصوصيتها على حدة كما وردت في الكتاب.

أمريكا وحملات المطالبة بحقوق المواطنة:

مثلت أمريكا مهد انطلاق الثورات، حيث نشأت القوى المعارضة للرأسمالية في معقلها، ولم تسلك طريق العنف منذ البداية، ولكنها عملت على المطالبة بحقوق المواطنة، وإنهاء سياسات التمييز العنصري ضد السود، لذا نجد أن شرارات الاحتجاجات قد بدأت منذ عام 1960
. فمع تولي جون كيندى الرئاسة، لم يحرك كيندى ساكنا بشأن التمييز العنصري ضد السود، وظلت خطواته تسير بوتيرة بطيئة للغاية، وهو الأمر الذي أشعل فتيل الأحداث؛ فتشكلت الحركات الطلابية المناهضة للتمييز العنصري ضد السود والمكسيكيين، ولعب مارتن لوثر كينج دورا كبيرا في إشعال روح الحماسة من خلال خطاباته ومواقفه التي قادته إلى الاعتقال في النهاية. ومثل عام 1663 علامة فاصلة، حيث تم اغتيال كيندى، ثم صدر قانون حقوق المواطنة عام 1964، تلاه قانون حق التصويت عام 1965.

     وفي غمار الأحداث لعب طلاب جامعة بيركلي بكاليفورنيا دورا لا يستهان به في إثارة المطالب حول حقوق المواطنة، وكذلك الإصلاح الجامعي، وهو الأمر الذي تسبب في اعتقال الآلاف من الطلاب الجامعيين، ثم تجددت المظاهرات لاحقا في واشنطن عقب إرسال نحو نصف مليون جندي أمريكي للأراضي الفيتنامية، حيث أبدت المظاهرات اعتراضها على الحرب في فيتنام، وعلى قانون تأدية الخدمة العسكرية الذي يجير على السود والفقراء البيض،وتأججت التظاهرات العنيفة مرة أخرى ما بين عامي 1967و1968 بسبب اشتداد وتيرة الأحداث في فيتنام، وسقوط مزيد من الجنود الأمريكيين، وكانت شرارة انطلاقها من جامعة كولومبيا بنيويورك، واستمرت الاحتجاجات حتى عام ،1970 عندما أعلن الرئيس نيكسون عن عزمه لقصف كمبوديا، فاعترضت الفئات المختلفة، حتى هدأت حدة المظاهرات بسبب مغالاة قوى اليسار في المطالبات الثورية، وفقدوا قدرتهم على الحشد تدريجيا. ولم يغفل الكاتب عن ذكر الثورة الأخلاقية الثانية التي انطلقت في ربيع عام 1965، والتي كانت مركزها سان فرانسيسكو حيث انتشار ما عرف باسم "الثقافة المضادة"، والتي ضمت رواج موسيقى البيت، والمخدرات وثقافة الهيبز، والحرية الجنسية.

ألمانيا ما بين تشوه الشخصية الوطنية وبناء الدولة القوية:

كان هناك خصوصية للحالة الألمانية، فلم تكن عملية بناء المجتمع الألماني تتشابه مع بقية الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب. فقد خلفت الحرب داخل ألمانيا الغربية مجتمعا مشوها سياسيا وهشا في بنيته الأخلاقية، وارتبطت الحركة الطلابية بالماضي النازي، وظهرت كلمات جديدة في اللغة الألمانية، مثل "الهولوكوست"، والتي ظل شباب 1968 يستخدمونها كنوع من أنواع جلد الذات.

  وقد ظل الجيل الجديد يشعر بالخزي عند النظر لآبائهم المشتركين في المذابح النازية، وحينما أصبحوا طلابا فى الجامعة؛ بدأوا يطالبون بإصلاح جامعي. ومع انتشار وثائق تضم أسماء المتورطين في المذابح النازية ظلت هناك فجوة تظهر في التعامل بين الأجيال، ولكن تجدر الإشارة إلى أنه لم تكن النازية وحدها هي العامل المحرك للتظاهرات في ألمانيا. ففي حقبة الخمسينيات خرجت المظاهرات، بمن فيهم الطلاب والعوام وكبار الشخصيات المثقفة، معترضة على التسليح الذري للجيش الألماني في ظل حكومة آديناور، ومثلت مدينة فرانكفورت المركز الرئيسي للتحول بجمهورية ألمانيا الاتحادية في فترة الستينيات، وهي نفس الفترة التي انطلقت منها التظاهرات معترضة على قانون الطوارئ الذي قد يمنع الحق في الإضراب وتكوين الاتحادات.

وعلى الجانب الآخر، تم اتهام اليساريين والحركات الاحتجاجية بمعاداتها للإمبريالية والسامية. فشباب 1968 كانوا هم أنفسهم الأطفال الذين شهدوا حرب فيتنام، مما أسهم في تعاطفهم مع منكوبي الحرب ومعاداة سياسات الولايات المتحدة الأمريكية. أما عن معاداة السامية؛ فلقد ارتكبت عدة جرائم من قبل اليساريين في حق المجتمع اليهودي، ومثلت عمليات الجيش الأحمر الإرهابية إحدى إرهاصات الأفكار المعادية للصهيونية، وكان ذلك ردا على انتهاكات اليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

في عام 1969، بدأ دور المجموعات اليسارية المتنافسة في التراجع، وظهرت المجالس النسائية التي كونتها الفتيات اليساريات مطالبة بتحرير المرأة وتعليمها وتوظيفها، وظهرت غيرها من المجموعات الاجتماعية والأقليات التي تطالب بالتغيير. ولعل من نتائج الثورات إنها أسهمت في وجود انفتاح اجتماعي وأخلاقي حتى داخل المجتمعات المحافظة كالمجتمع الكاثوليكي الريفي، وتسببت استراتيجية الإدماج عام 1969 في تغيرات عديدة، ونجح عدد من شعارات الثورة وهي: التحرر، والمشاركة، والشفافية.

باريس وخطاب تشارل ديجول:

بدأت شرارة انطلاق الثورات في باريس من جامعة السوربون غرب فرنسا، بسبب تردي أساليب التدريس والخلاف بين عدد من الطلاب اليساريين وأفراد الحكومة. علاوة على ذلك، فقد كانت الحرب الأمريكية في فيتنام، ومناهضة النظام الرأسمالي وانتقاده، ودعم طبقة البروليتاريا وانتقاد الديجولية الفاشية من عوامل اشتعال الأوضاع، وكانت "حركة 22 مارس" الممثلة لجبهة المعارضة الثورية المشكلة من طلاب الجامعات هي رد على ما سبق، ثم اتسع نطاق المعارضة ليضم طلبة المدارس الثانوية، وقد حدث اشتباك بين القوات الثورية والشرطة، الأمر الذي أدى لتعاطف الناس والنقابات مع المحتجين، ومثلت ليلتا 10 و11 مايو 1968 ذروة الأحداث، حيث شهدت باريس أكبر التظاهرات التي تسببت في خسائر اقتصادية فادحة،  وتصاعدت وتيرة العنف بسبب تعنت الطرفين في الوصول لحلول وسط بينهما، ولم تكن أهداف القوى الثورية موحدة في البداية، الأمر الذي أدى لانقسام البارسيين وحدوث صراع عنيف فيما بينهم. ويمكن القول أن خطاب ديجول في نهاية مايو 1968 استطاع أن يستعيد الثقة الشعبية فتراجعت معدلات الاحتجاجات، وفشلت تصورات الحركة السياسية، ولم يتبق من ثورة 1968 سوى الذكرى.

دول الغرب وإعلاء روح الماركسية والقيم الليبرالية:

مثل عام 1968 عاما محوريا في حياة الدول الغربية، التى تناولها الكاتب وهى اليابان، وبريطانيا، وهولندا، وإيطاليا.

1-اليابان ودقة التنظيم الطلابي:

يمكن القول إن بداية التظاهرات الطلابية بدأت عام 1965، اعتراضا على كفاءة النظام التعليمي في الجامعات اليابانية، وهو ذات العام الذي تبلورت فيه المعارضة في اليابان، حيث تحرك عدد من القوى اليسارية، وحررت مذكرات احتجاجية، وشكلت أول لجنة لمكافحة الحرب في فيتنام، واستمرت وتيرة العنف ضد هذه الحرب في التصاعد وزادت في خريف عام 1968، وهو نفس الوقت التي اشتدت فيه المظاهرات الطلابية في الجامعات، والتي اتسمت بطابع العنف الشديد، نتيجة للتنظيم الدقيق للكتلة الطلابية اليابانية، وتسببت في توقف العمل في الجامعة لما يقرب من عام، نتيجة لإضراب الطلاب، فتدخلت الشرطة عام 1969 لفض الاعتصامات، وحدث قتال خلف وراءه عددا من الضحايا، وانتشرت العمليات الإرهابية، وهدأت الأوضاع بدءا من عام 1970 بإلقاء القبض على عدد من فصائل الجيش الأحمر الإرهابية وهروب البقية لليبيا.

2-إيطاليا "التطرف والتنافس على الإرهاب":

في 27 أبريل عام 1966، مثل موت الطالب الذي يدعى باولو روسي على يد أفراد الفاشية الفتيل الذي أشعل الثورات اليسارية داخل إيطاليا، حيث وجدت فجوة بين الطلاب والمعلمين نجمت عن زيادة عدد الطلاب عن المعلمين واتباع نموذج التدريس المدرسي التقليدي، وعدم قدرة سوق العمل على استيعاب الخرجيين، فباتت هناك حاجة لتطوير منظومة التعليم، وبدأ الطلاب في الدعوة إلى الإضراب منذ أكتوبر عام 1966، وتزايدت معدلات الإضرابات حتى عام 1967 ليضم عدة جامعات كبرى في أنحاء إيطاليا، وفي مارس عام 1968، تأزمت الأمور وحدث اشتباك بين قوات الشرطة والطلاب، مخلفة وراءها عدد كبير من الضحايا، وإلى جانب ثورة الطلاب حدثت اختلالات اجتماعية في طبقة العاملين القادمين من الجنوب إلى الشمال، ولم تستطع النقابات احتواء تلك الاختلالات بسبب ظروف العمل غير الآدمية، وحدثت اشتباكات بين العمال ورؤسائهم في المصانع، وقام اليسار المسلح بتنفيذ عدة عمليات إرهابية وتفجيرية في حق المواطنين والشرطة، الأمر الذي قاد إلى الوقوف الشعبي بجانب توجه الدولة لدحض أغوار اليسار المسلح في عام 1969، واستمر الإرهاب في إيطاليا على يد منظمة الألوية الحمراء طوال عقد السبعينيات.

3-هولندا "المستفزون والأقزام":

وفقا للكاتب، فقد سلكت هولندا مسلكا مغايرا في الاحتجاجات. فقد مثلت هولندا القوة  الناعمة بالنسبة لباقي الدول، وتمثل نشأة كل من حركتي "المستفزون والأقزام" بين عامي 1965 و1969 المحرك الأول للاحتجاجات، فقد سعت حركة البروفو أو المستفزون لتحقيق حرية الذات وعرقلة الرأسمالية، وهو الأمر الذي قوبل باستهجان، وحاولوا إيجاد حلول غير تقليدية وعملية لمشكلات المجتمع المختلفة، وانتهت الحركة عام 1967، لتتولى حركة الكابتور أو الأقزام زمام الأمور. ولعل ما يميز الأحداث في هولندا هي أنها لم تؤخذ منحى للعنف والإرهاب، وظهر دور الاتحادات الطلابية أيضا مطالبة بإصلاح التعليم واستجابت السلطات لها في عام 1970.

4-بريطانيا "الجنس والمخدرات والروك آند رول":

مثلت مجلة اليسار الجديد التي تشكلت على يد مجموعة من مثقفي الشباب الماركسي غير المتشدد والحزب الشيوعي مضخة أفكار للحركات الطلابية في بريطانيا، وقد تصدعت الأمور عقب انتخابات عام 1964، والتي أعطى فيها الشعب لويلسون من حزب العمال أغلبية أصواته، ولكن لم تلق السياسات التي اتبعها ويلسون إعجاب اليسار، حينما رفع الرسوم الدراسية على الطلاب الوافدين، ووضع قيودا على العمالة بالرغم من سوء الأحوال الاقتصادية، ولم يردع سياسات العنصرية ضد الملونين والسود في روديسيا الجنوبية. وفي عام 1967 اندلعت الاحتجاجات من كلية لندن للاقتصاد بسبب اعتراضها على شخصية القيادة، وبعد برهة تحولت الاحتجاجات للاعتراض على الحرب في فيتنام، ثم تشكل مؤتمر "إشكاليات التحرر"، والذي انبثق عنه تنظيم حملات التضامن مع فيتنام، وخرجت المظاهرات في إنجلترا ما بين عامي 1967و1968، والتي لم تشهد ذلك القدر من العنف الذي شهدته بقية الدول الغربية. وبالنسبة للنواحي الاجتماعية فقد شهدت لندن منذ الخمسينيات تغيرات ثقافية وفنية واسعة، حيث موسيقى البوب وفرقة البيتلز ووصفت إنجلترا في 1968 بـ "الجنس والمخدرات والروك آند رول"، تعبيرا عن تغيرات وجهات الشباب ومشاركتهم في الحياة السياسية والاجتماعية. 

دول الكتلة الشرقية وسخطها على الإمبريالية والستالينية:

على الجانب الآخر، كانت التجربة في دول الكتلة الشرقية تنذر بصعوبة المصالحة بين الاشتراكية والديمقراطية، وعلى الرغم من أن الاحتجاجات في دول الكتلة الشرقية كانت قصيرة الأجل عن نظيرتها في الغرب، لكنها كانت أعتى من نظيرتها في الغرب، وهذا ما سيتضح في النماذج التالية:

1-تشيكوسلوفاكيا "صيف الأمل المتحطم":

قبيل قيام الاحتجاجات داخل الدولة الاشتراكية، كان الاقتصاد يعاني ركودا بالغا، ولذلك لاقت الأفكار الإصلاحية التي روج لها رجل الاقتصاد الحزبي "أوتا شيك" صدى كبيرا، وكانت السمة المميزة داخل الدول الاشتراكية هى أن الداعين للإصلاح ينتمون لمجالات مختلفة وأجيال عمرية متباينة، وخرجت الاحتجاجات الطلابية من رحم الفن وقباب الجامعات، ففي 31 أكتوبر عام1967، خرجت مسيرة مكونة من 1500 طالب متجهة لقصر براغ، وقمعتهم الشرطة، وتجددت الاحتجاجات لتتجدد معها مظاهر القمع المختلفة.

ومثلت فترة تولي "ألكسندر دوبتشيك" لمنصب سكرتير أول للجنة المركزية للحزب الشيوعي عام 1968 بداية جديدة للإصلاحات السياسية، ورفع قبضة الدولة قليلا عن الصحافة، والبدء في التحقيق في الإبادات الستالينية التي تمت في حقبة الخمسينيات، وتم عمل العديد من موائد الحوار التي ضمت جميع الأطياف الاجتماعية داخل الدولة. ولكن كان هناك لغط مثار بين الطلاب حول مدى نجاح تلك الإجراءات، وطالبوا بديمقراطية اقتصادية تتغلب على الاشتراكية السلطوية، وشاركهم في ذلك طلاب قادمون من الغرب وأشخاص تجاوزوهم في العمر مطالبين بالقضاء على هيمنة الحزب الواحد، وهو الأمر الذي أثار مخاوف موسكو من فقد براغ السيطرة على مجريات الأمور، لذا تم إرسال قوات من حلف وارسو في 21 أغسطس 1968، والتي مثلت نهاية الاحتجاجات التي شبت في براغ.

2-بولندا "التيار المناهض للسامية":

كانت عملية إلغاء عرض مسرحية "عشية الأجداد" الداعية للحرية، والتي تنتقد روسيا، عاملا أساسيا دفع الطلاب للتجمهر أمام النصب التذكاري لأمير الشعراء البولندي "آدم ميكيفيتش"،  منددين بتلك الرقابة المتزايدة من قبل السلطة على الثقافة، وبعد قيام عناصر الداخلية بضرب الملحن كيسلفسكي، نتيجة لتضامنه مع الطلاب، تفاقمت الاحتجاجات الطلابية التي ضمت الآلاف على الرغم من إصدار بيان من رئيس الجامعة بمنع التظاهرات والتجمعات، وقامت ميليشيات العمال تحت مرأى ومسمع من الشرطة بالتعدي على الطلاب داخل حرم الجامعة، ومن كان يهم بالفرار كان يتم اعتقاله. وفي اليوم التالي عام 1968 خرجت مسيرات تضم نحو 20 ألفا من مدينة وارسو منددين بالرقابة وتم تفريقهم واعتقالهم من قبل قوات الشرطة، وقامت حرب شوارع بين العمال والطلاب حينما تجددت التظاهرات في 11 مارس عام 1968، ونعت فيها العمال الطلاب بالطابور الخامس، تماشيا مع شعارات معاداة الصهيونية والسامية، واستمرت المظاهرات.

استغلت الحكومة وجود الطلاب اليهود ضمن المتظاهرين، وشنت حملات للتنديد بالصهيونية و"اللاقومية"، والتي تسعى لدحض روح الأمة، وتم استخدام جميع وسائل الإعلام للترويج لفكرة الحملات الصهيونية التي ترغب في تقويض الدولة البولندية، وبعدها بفترة تم الضغط على اليهود في بولندا للرحيل، فرحل ما يزيد على 11 ألف شخص، وفي تلك الفترة تجددت المظاهرات، ودعم أساقفة الكنيسة الكاثوليكية اليساريين، وتعد تلك هي المرة الأولى التي يحدث فيها تقارب بين الكنيسة واليساريين، وكانت آخر مظاهرة في 28 مارس عام 1968 في وارسو، حيث تم اعتقال عدد كبير من الشباب فيما يعرف بـ "اضطرابات مارس"، ولا يمكن القول إن قوى اليسار قد أخمدت بخمود الاحتجاجات الطلابية، ولكنها استمرت حتى السبعينيات والثمانينيات تدافع عن الحقوق والحريات.

3-ألمانيا الشرقية "المراقبون المتضررون من موسيقى البيت":

في 31 أكتوبر 1965، لاقى مئات الشباب في مدينة لايبزيج بولاية سكسونيا المطاردات من قبل رجال الشرطة بسبب عشقهم لموسيقى البيت، حيث تم سحب تصريح قيام الحفلات لنحو خمسين فرقة موسيقية من الهواة لحظر انتشار الموسيقى الغربية، فتجمهر عدد من الشباب وهواة الموسيقى والمدرسون ورجال الشرطة لمنع الاحتجاج، وحدثت صدامات تسببت في اعتقال عدد كبير من المحتجين، وكان اعتراض الحكومة على تلك الموسيقى نابع من خوفهم من انتشار أعمال العنف، كما حدث في مسرح الغابة بألمانيا الغربية، ونتيجة للتضييق على الثقافات المختلفة باتت عاصمة تشيكوسلوفاكيا منطقة جذب للألمان الشرقيين، حيث التقائهم بثقافات مختلفة، وهو الأمر الذي أثار مخاوف قيادات الحزب الاشتراكي الألماني الموحد فبدأوا يضيقون على عملية السفر لتشيكوسلوفاكيا، وكان الجمود السياسي، وهبوط منحنى التغيير الاجتماعي والثقافي أحد التوابع المهمة لقمع مظاهرات براغ على الشباب في ألمانيا الشرقية.

خاتمة:

مثلت الحرب في فيتنام، والرغبة في تحقيق الشفافية، والتقدم، والديمقراطية، والإصلاح التعليمي أو السياسي أو الاقتصادي العوامل الرئيسية التي أدت لنشوب الثورات في مختلف الدول، وإن اختلف طول أمد الثورات من دولة إلى أخرى، وتوقف مدى نجاح الحركات الاحتجاجية على استجابة الحكومات لها، ومدى قدرة قوى اليسار على الحشد الشعبي والتأثير فى الروح الجمعية. وعلاوة على ما سبق، لعب الشباب الدور الرئيسي في تلك الاحتجاجات متأثرين بالذاكرة الجمعية التي تشكلت إبان الأحداث الهامة في دولهم. وإجمالا لما سبق، فقد تسببت ثورات 1968 في إحداث حراك اجتماعي لا تزال ثماره تجنى حتى الآن.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة