رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

قضايا ديمقراطية

تشهد ألمانيا في الآونة الأخيرة حالة من الزخم، ارتباطا بملف اللاجئين والمهاجرين في المجتمع الألماني، الذي تصاعد الجدل بشأنه عقب الحادثة التي شهدتها مدينة كيمنتس، حيث قُتل رجل ألماني  طعنا خلال مشاجرة  على يد مشتبهين بهما من أصول سورية وعراقية، الأمر الذي استفز تيار اليمين المتطرف  الألماني ليعرب عن رفضه لوجود اللاجئين في البلاد من خلال عدد من الفعاليات شملت اعتداءات عنصرية ضد بعض اللاجئين، فضلا عن تنظيم لعدد من التظاهرات خاصة في مدينة كيمنتس، التي شهدت مظاهراتها حضورا كبيرا لناشطي اليمين المتطرف والنازية الجديدة دعوا لـ"مطاردة الأجانب" ما أدى لاندلاع أعمال عنف خلال تجمع شارك فيه حوالى ستة آلاف شخص، أدى بعضهم تحية هتلر، كما هتف المتظاهرون "الأجانب إلى الخارج"، و"نحن الشعب"، فيما يعتقد أنهم جاءوا بدعم من حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي اليميني.[1]

 مقابل ذلك، نظم الآلاف من الألمان مسيرات في عدة مدن ألمانيا، للتظاهر ضد اليمين المتطرف وكراهية الأجانب. وهناك توقعات بأن يشهد الأمر مزيدا من التعقيدات، لاسيما بعد حالة الفوضى التي اضطرت شرطة كيمنتس  إلى التعامل معها عقب تلك الحادثة، حيث أعلنت أنها لم تكن تتوقع وصول أعداد كبيرة من اليمينيين المتطرفين ومناهضيهم إلى المدينة، إذ لم يتواجد سوى 600 عنصر من جهاز الشرطة ومكافحة الشغب للتفريق بين ما مجموعه 7500 شخص من العسكريين، الأمر الذي تسبب في حالة من الفوضى وضغط كبير على جهاز الشرطة، مما دفع الحكومة الاتحادية إلى إرسال تعزيزات من الشرطة الاتحادية ومن ولايات أخرى إلى المدينة.[2]

الحادث وإحياء الجدل حول سياسة اللاجئين في ألمانيا:

كما هو متوقع، استغلت  الفئات الأكثر تطرفاً في  ألمانيا  لاسيما في ولاية ساكسونيا  حادثة  كيمنتس لحشد الرأي العام ضد الهجرة وسياسة حكومة المستشارة أنجيلا ميركل التي يأخدون عليها سماحها بدخول الكثير من طالبي اللجوء، خصوصاً في عامي 2015 و2016.  فمنذ ذلك التوقيت، دخل الأراضي الألمانية نحو مليون لاجئ، معظمهم من سوريا والعراق وأفغانستان، حسب تقديرات حكومية.والغالبية العظمى من تلك الأعداد لم يأتوا إلى البلاد مباشرة، بل مروا بدول أوروبية عدة، مثل اليونان والمجر والنمسا، قبل الوصول لألمانيا.ومن ثم، ينتقد سياسيون أداء ميركل في هذا الملف، ويقولون إنها تسببت في تحمل البلاد أعباءً أكبر من جميع الدول الأخرى في القارة، بالرغم من بُعدها عن المناطق والدول  المصدّرة للاجئين والمهاجرين.[3]

التباين في سياسات اللاجئين يهدد تماسك الائتلاف الحاكم:

يمكن القول أن حادثة كيمنتس وتطوراتها تعيد تذكير المستشارة ميركل بالعراقيل التي تواجه حكومتها فيما يخص ملف اللاجئين، ولعل أبرزها غياب الانسجام عن التحالف الحاكم، بل والخلاف الواضح بين أقطابه على خلفية قضية اللاجئين. إذ لم يكد يمر على تشكيل الائتلاف الحكومي الكبير بين كل من  الحزب الاشتراكي الديمقراطي  بقيادة زيجمار جابرييل، والحزب المسيحي الديمقراطي، بزعامة أنجيلا ميركل، والحزب المسيحي الاجتماعي برئاسة  هورست زيهوفر، حتى بدأ الخلاف حول سياسة اللجوء والهجرة يحدث فجوة عميقة بين حزبي الاتحاد المسيحي.  وتجدر الإشارة إلى أن قِدم  الخلاف بين الجانبين بخصوص اللاجئين  لم يمنعهما من تشكيل ائتلاف حاكم، فقد برز الخلاف لأول مرة خلال مؤتمر الحزب المسيحي الاجتماعي في نوفمبر 2015، فبعدما شددت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل  على رفضها وضع حدٍ أقصى لعدد اللاجئين، اعتلى زيهوفر المنصة ليطالب بتقنين عدد اللاجئين الوافدين إلى ألمانيا.  وخلال اجتماع الحزب المسيحي الاجتماعي في يناير 2016 طالب زيهوفر بتحديد عدد المهاجرين. مئتى ألف لاجئ كأعلى سقف سنويا. وهذه المبادرة من قبل رئيس وزراء بافاريا السابق فاجأت ميركل. وبعدها بقليل هددت الحكومة البافارية برفع دعوى أمام محكمة الدستور الاتحادية ضد سياسة اللجوء التي تنهجها ميركل. بيد أن ذلك الخلاف لم يمنع الحزبين  من  خوض محادثات، ثم تشكيل تحالف  للحكم بعد الفوز بالانتخابات التشريعية في أكتوبر 2017 وإن تجددت الخلافات بين ميركل ووزير خارجيتها من آن لأخر بصدد اللاجئين، مثلما حدث فما يخص قوانين لم الشمل العائلي للاجئين.[4]

ويتلخص الخلاف بين الحليفين بخصوص ملف اللاجئين في  تبني ميركل لنهج أوربي تكاملي يرتكز على ضرورة التعامل مع مسألة اللاجئين في إطار الاتحاد الأوروبي ككل، كما تعارض ميركل أي خطوة  قد يكون من شأنها تغيير سياسة الباب المفتوح بشأن المهاجرين التي طرحتها منذ عام 2015 [5].

في حين يتبنى زيهوفر (الذي شغل منصب وزير الداخلية) نهجا يركز على المصلحة الوطنية الألمانية بمعناها الضيق، إذ يطالب زيهوفر وحزبه بترحيل المهاجرين المسجلين في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، والذين يشكّلون غالبية طالبي اللجوء في ألمانيا، ويرى  أن رد اللاجئين من عند الحدود الألمانية، هو أمر ضروري، من أجل صد القوى السياسية اليمينية، ومن ثم يتعين على القيادة السياسية في ألمانيا وفي أوروبا أن تجعل المواطنين يقتنعون أن قاداتهم قادرون على التحكم في الهجرة والسيطرة على الأحداث. وترفض ميركل هذا الطرح، خشية "تمدّده" إلى كل الدول الأوروبية.[6]

وقد تصاعدت الأزمة بين المستشارة، والحزب على نحو متسارع  منذ بداية العام الحالي.  وخلال الأزمة شهدت ألمانيا إطلاق زيهوفر تحذيرات لميركل من إقالته من منصبه، وتوجيه اتهامات لها بعدم إطلاعه على الوضع بما فيه الكفاية. كما رفض زيهوفر طرحًا تقدمت به ميركل، وهو وضع المهاجرين المسجّلين في بلد آخر من الاتحاد الأوروبي في مراكز استقبال خاصة تخضع لشروط متشددة، بدلا من ترحيلهم. ثم  وصل منحنى الأزمة إلى ذروته مع تقديم وزير الداخلية الألماني، استقالته من منصبه في مطلع يوليو الماضي، احتجاجًا على طريقة تعامل ميركل  مع قضيّة اللاجئين[7]. 

 ومن ثم، فقد أعاد حادث كيمنتس تركيز الضوء على مثالب سياسات ميركل في هذا الصدد لاسيما بعدما كشفت المحكمة الإدارية في المدينة أن العراقي المشتبه بتورطه في الحادث  كان بالإمكان ترحيله إلى بلغاريا، البلد الأوروبي الأول الذي قّدم فيه بطلب اللجوء، في مايو 2016.  لكن الأمر  لم يعد ممكنا   بعد انقضاء مهلة الترحيل التي تبلغ مدتها ستة أشهر لأسباب غير معروفة. وبحسب البيانات، كان من المفترض ترحيل العراقي إلى بلغاريا، لأنه كان مسجلا هناك كطالب لجوء. وبعد انقضاء مهلة الترحيل، صارت الهيئة الاتحادية لشئون الهجرة واللاجئين في ألمانيا هي المعنية بإجراءات لجوء العراقي.[8]

تتزايد أهمية حادثة كيمنتس في هذا السياق،  لاسيما أن الرأى العام الألماني لم تتسن له الفرصة ليتجاوز أو  ينسى أزمة فرع المكتب الاتحادي لشؤون الهجرة واللاجئين في ولاية بريمن التي تفجرت في مايو الماضي، والتي وضعت حكومة ميركل لأسابيع تحت ضغوط شديدة، عقب الكشف عن فضيحة فساد مفترضة في أحد مكاتب المكتب الوطني للمهاجرين واللاجئين، حيث وجهت إلى المسئولة عن هذا المكتب ومحامين ومترجمين تهم فساد. ويتهم المكتب بالموافقة على ما لا يقل عن 1200 طلب لجوء لمهاجرين مقابل مكاسب متنوعة.وتواجه الحكومة اتهامات بأنها في أقل تقدير تجاهلت تحذيرات داخلية، بشأن حصول تجاوزات ودفع أموال، أو أنها سعت لإخفائها في أسوأ احتمال. على خلفية ذلك،  اعتبر الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهو شريك ميركل في الحكومة  "إن ما حدث هو بكل بساطة فشل للمستشارة".  زادت الأمور تعقيدا لميركل بعد أن وجه المدير السابق للمكتب، فرانك يورجن فايز  اتهامات لميركل وحكومتها لم يتعاملا بطريقة حاسمة لمواجهة الفضيحة بعد أن أبلغهما بذلك، موضحا أنه أبلغ ميركل مرتين شخصيا بهذه المشكلات، عام 2017 من دون أن تتخذ أي إجراءات.[9]

التداعيات المحتملة لحادث كيمنتس:

في نظر كثيرين، يلعب حادث كيمنتس دورا محفزا يزيد من تأثير وسرعة تداعيات ملف اللاجئين في المشهد السياسي الألماني، ويجد هذا الطرح ما يدعمه في نتائج استطلاعات الرأي التي تشهدها ألمانيا، والتي توضح أن سياسات ميركل بخصوص اللاجئين لم تعد محلا للتوافق الشعبي. فعلى سبيل المثال، أبدى 56% من الألمان في استطلاع نشره معهد إجراء الدراسات الاستطلاعية "يوجوف" في أكتوبر 2017 ، تأييدهم لمطلب الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري بوضع حد أقصى لعدد اللاجئين الذين تستقبلهم ألمانيا، بينما عارض ذلك 28% فقط من الذين شملهم الاستطلاع.[10]

بل ويرى بعض المراقبين أن هذا الملف قد أثر على شعبية ميركل على نحو لافت  يمكن معه الحديث عن سيناريوهات تتضمن إنهاء حكم ميركل. فوفق الاستطلاع الذي أشرف عليه "يوجوف "في منتصف العام الحالي فإن 43 % من مواطني ألمانيا يؤيديون تنحي المستشارة من منصبها، في حين يرى 42 % منهم أن ميركل لا تزال هي الشخصية المناسبة لقيادة الحكومة الألمانية،  في حين لم يبد 15 % رأيهم[11].

وهناك توقعات بتفاقم المشكلة مع تأزم الوضع باستقالة وزير الداخلية زيهوفر حيث يتوقع أن تسفر الاستقالة عن زعزعة معسكر ميركل المحافظ، ويفقد ائتلافها الحاكم أغلبيته في البرلمان.يرجح مراقبون أن يبدأ التأكل في شعبية ائتلاف ميركل في التعبير عن نفسه بشكل واضح في انتخابات ولاية بفاريا  المقرر إجراؤها في أكتوبر القادم.  حيث يتوقع  أن تتّجه أصوات كثيرة من قاعدتهم الناخبة إلى اليمين المتطرف المعادي للهجرة خلال الانتخابات البافارية في 14 أكتوبر، لاسيما أن حزب البديل من أجل ألمانيا المعادي للاجئين  قد تمكن من  الوصول إلى البرلمان الفيدرالي لأوّل مرة في تاريخه، العام الماضي، وسط مشاعر مناهضة للهجرة، مما أدّى، بالنهاية، لعرقلة تشكيل الحكومة لنحو ستة أشهر.وتشير استطلاعات الرأي إلى أنّ البديل من أجل المانيا قد يدخل، أيضًا، البرلمان البافاري في انتخابات الخريف المقبل .[12]

ومن الجدير بالذكر أن هناك مواجهة أخرى مرتقبة بين الائتلاف الحاكم وقوى اليمين المتطرف خلال الأيام المقبلة، حيث تروجالحكومة الألمانية لقانون الهجرة من أجل جذب قوى عاملة متخصصة لألمانيا، حيث اقترح قيادي بالحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة ميركل فتح سوق العمل أمام اللاجئين المرفوضين شريطة أن يكونوا مندمجين في المجتمع وأن يكونوا قد أتموا تدريبا  عمليا بالفعل. جاء ذلك بناء على طلب الاشتراكيين الديمقراطيين، تمهيدا للطريق أمام سن قانون الهجرة هذا العام من أجل جذب قوى عاملة متخصصة على نحو هادف. بيد أن هذا الطرح يواجه معارضة شديدة من جانب حزب البديل اليميني الشعبوي المعارض، حيث اعتبرت أليس فايدل رئيسة الكتلة البرلمانية للحزب، أن هذا المطلب يعني بشكل واضح مكافأة للمهاجرين غير الشرعيين، الذين يسيئون استخدام حق اللجوء من أجل الحصول على تذكرة دخول لألمانيا".[13]

ختاما، يمكن بقدر كبير من الأريحية الدفع بأن المشهد الألماني تنتابه حالة واضحة من الفوضى ارتباطا بسياسات اللجوء والهجرة، تنعكس تلك الفوضي في صورة أزمات متعاقبة داخل الحكومة، شملت استقالة زيهوفر، واحتمالات طرح الثقة في حكومة ميركل  فيما يبدو أنه دفع  باتجاه  تسريع انشقاق الائتلاف الكبير الحاكم في ألمانيا، وهو ما سيفضي -حال حدوثه- إلى  توجيه ضربة أيضاً لنظام الحدود المفتوحة بين دول الاتحاد المعروف باسم (شينجن) في وقت تتزايد فيه الانقسامات داخل الاتحاد على خلفية هذا الملف.

الهوامش:

[1] ألمانيا.. إصابة سوري في اعتداء على خلفية عنصرية، دويتش فيلا، 30 أغسطس 2018

 

[2]  توتر في ألمانيا على خلفية أحداث كيمنتس ورئيس الولاية يتدخل، دويتش فيلا،  30.08.2018

 

[3] ميركل تجدد رفضها منع اللاجئين العابرين لأوروبا من دخول ألمانيا، وكالة الأناضول الإخبارية، 14.06.2018

 

[4] ميركل وزيهوفر .. قصة خلاف معلن!، دويتش فيلا  18.06.2018

 

[5]ألمانيا.. "اللاجئون" يهددون ائتلاف ميركل الحكومي، قناة العربية، 18 يونيو 2018 

 

[6]وزير داخلية ألمانيا: الخلاف مع ميركل بشأن اللاجئين خطير، دويتش فيلا،  17.06.2018

 

[7] أحمد دراوشة، "ألمانيا: اللاجئون وميركل في خطر بعد استقالة وزير الداخلية"، عرب ٤٨،   02/07/2018  

 

 [8]   كيمنتس: العراقي المشتبه به بحادث الطعن كان بالإمكان ترحيله، دويتش فيلا، 31.08.2018

 

[9]فضيحة لاجئين تضرب ألمانيا.. وميركل في عين العاصفة، سكاي نيوز عربية،   3 يونيو 2018

 

[10]استطلاع: غالبية الألمان يؤيدون وضع حد أقصى لاستقبال اللاجئين، دويتش فيلا،   06.10.2017

 

[11]المانيا : اللاجئون يطيحون بشعبية "ميركل"، رام الله الاخباري، 23 يونيو 2018

 

[12] أحمد دراوشة، "ألمانيا: اللاجئون وميركل في خطر بعد استقالة وزير الداخلية"، عرب ٤٨،   02/07/2018  

 

 [13] ألمانيا ـ "البديل" يعارض دخول المرفوضة طلبات لجوئهم سوق العمل، دويتش فيلا،  14.08.2018

 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة