رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

استمر استخدام فوكو لبعض المفاهيم، التى درس بها الثقافة الغربية، عبر التاريخ، منذ الفترة اليونانية، ليصل إلى الواقع المعاصر. وفى كل القضايا التى عالجها منذ بدايات كتاباته، تعمق بالتدريج فى كل تدخل لاحق، فى موضوعات جديدة، وإضافة مفاهيم أخرى، لتكتمل رؤيته.

يحدد فوكو عمله الفكرى بحقل تاريخ الأفكار، لمحاولة الإجابة على أسئلة مثل: كيف تتشكل المعرفة؟، وما علاقة الفكر كفكر بالحقيقة؟، وكيف يمكن، توضيح أن لتلك العلاقة تاريخها الخاص بها؟1، إلا أن كتابات فوكو لا يمكن حصرها فى حقل بعينه، إذ تطرقت للفلسفة، والتاريخ، والاقتصاد، والسياسة، والطب، والقضاء، والجنس، وغير ذلك. ومن هنا فإن تناول فكره بمجمله يستدعى سلسلة دراسات. وسوف تتضح بالتدريج، عبر تلك السطور، العلاقة بين «الحقيقة والسلطة»، بعد تناول كل مفهوم منفصلا، ثم نرى كيف يحدث الترابط بينهما.

هذا المقال  حول مفهومى «الحقيقة والسلطة»، بحسب المفكر ميشيل فوكو ( Michel  Foucault  1926 -1984)، هو مجرد لمحة موجزة، وترجمة أمينة لفكره المتعدد الأبعاد، والمتشابك. فهو صياغة لفكره، بداية من كتبه، وحواراته، ودروسه، ومحاضراته، ومقالاته (آلاف الصفحات)، وليست رؤية نقدية، أو تأويلية، وتم الاستعانة أساسا ببعض كتابات سنواته الأخيرة، إذ شكلت تماماً نضج تصوراته، فلا يمكن التطرق للمفهومين، بعيداً عن العديد من مفاهيم أخرى تشكل معا كلا لا يتجزأ.

تطور مفهوم البحث عن الحقيقة:

يتتبع فوكو مفهوم الحقيقة فى الفلسفة بداية من Socratesسقراط  (399 - 470 قبل الميلاد) ومطالبته بأن ينشغل الإنسان بنفسه، ويهتم بها، وتبلور ذلك فى عبارته: «اعرف نفسك بنفسك». فالحقيقة التى يتوخاها سقراط، هى أن يتجاوز الإنسان بمعرفته، لما حوله، ويولى الاهتمام لذاته، بفهمها دون وسيط. إلا أن فى ذلك بعدا أكثر عمقا، وهو أن من أراد أن يحكم الغير، فعليه أولا الانشغال بذاته، ومعرفة نفسه بنفسه، أى بلوغ مقدرته على حكم نفسه، قبل الطموح فى منصب لحكم الغير. ولكى يصل المرء لهذه المرتبة، عليه تربية نفسه، عبر سلسلة من الممارسات، لكى يطهر نفسه، ويحافظ على وحدتها وعدم تبعثرها، وأن يلجأ إلى العزلة، لكى يحقق ذلك كله، وبعدها، يكون بالفعل قد «عرف نفسه بنفسه». ويستمر انشغال الفلسفة اليونانية، والهيلينية، والرومانية بهذا المطلب لدى كل الفلاسفة. فيقول إبيقور ( 270 - 341  أو 342 قبل الميلاد):»كل إنسان ملزم بالانشغال بنفسه، ليلا نهارا، وطوال حياته».

وتحولت فكرة الانشغال بالذات إلى «ظاهرة ثقافية»، أى كانت ممارسة، وانشغالا فلسفيا معا. وانتقلت بعدها إلى الزهد المسيحى. فالفكرة استمرت تنتقل وتتحول، من القرن الخامس قبل الميلاد إلى القرن الخامس الميلادى. ويرى فوكو أن الفلسفة كانت بذلك المنهج «روحانية» فى هذا البحث، إذ كان على الذات أن تمارس على نفسها تحولات، وتتبع تجارب خاصة، لتصبح الحقيقة فى متناولها. ومن غير هذا السبيل. لا تتكشف الحقيقة. بالإضافة إلى أن الحقيقة فى تجليها للإنسان تحدث بالذات تحولا، وتصل بها إلى مرتبة الطمأنينة، والغبطة، إذ هى ليست تحولا له كفرد فحسب، ولكن ككيان.

بعد ذلك، سوف تحدث قطيعة مع فكرة القدماء، وينشأ صراع بين التوجه الروحى laspiritualitéوالفكر الدينى أو الثيولوجى lathéologie. وسوف يستمر هذا الصراع بداية من نهاية القرن الخامس، وحتى القرن السابع عشر. وهذه القطيعة لم تحدث فجأة، ولم تكن صراعا بين التوجه الروحى والعلوم.

ولكن مع فلسفة رينيه ديكارت   ( 1569 - 1650 ) كنقطة بداية، تحدث عودة لفكرة سقراط، ولكن يتم إهمال مسألة «الانشغال بالذات»، كمطلب فلسفى،  وتتوقف المسألة عند «الذات العارفة بوجودها» بداية من مقولة ديكارت: «أنا أفكر، إذاً أنا موجود».

برغم ذلك،  فالتشابك ظل موجودًا، بين التوجه الروحى وفلسفة المعرفة، ولم يحدث انفصال بينهما فورا. ويتجسد هذا التشابك فى فلسفة سبينوزا Spinozaا(1632 - 1677 )، التى جمعت ما بين فلسفة البحث عن الحقيقة والتوجه الروحى،  الذى يرمى إلى قيام الإنسان بإحداث تحولات بنفسه لنفسه، لتتحقق ذاتيته العارفة. ويستمر نفس التوجه، بعد ذلك، فى فلسفة كانت Kantا(1724 - 1804  )، وهيجل Hegelل(1770 - 1834 )، ونيتشه Nietzscheه(1844 - 1900) وغيرهم، إذ تدوم تلك العلاقة بين فلسفة للمعرفة، والمطالبة بجهد لتحول ذات الإنسان، الباحث عن الحقيقة لنفسه. بل نجد علاقة تجاور بين العلوم والتوجه الروحى،  ليقوم الإنسان بتغيير فى كينونته للتوصل إلى الحقيقة، فى أسطورة فاوستFaust. وهو ما يعنى  أنه لم يكن هناك صراع بين البحث عن الحقيقة، عبر العلوم والتوجه الروحى.

وبحسب فوكو، يمكن العثور على هذه العلاقة المزدوجة فى كل من التحليل النفسى،  وفى الماركسية، حيث يكون بلوغ الحقيقة، فى تشابك مع جهد داخلى  لتغير الذات كسبيل للوصول إليها. وتتخفى تلك الأبعاد الروحية، خلف أشكال اجتماعية، مثل الانتماء لطبقة، أو لحزب سياسى،  أو التدرب والتأهيل فى جماعة ما، أو فى الانتماء لمدرسة فكرية... فمثلا نجد أن المحلل النفسى،  لاكان Lacanن(1901 - 1981) كان أول من طرح فى التحليل النفسى مسألة العلاقة بين الحقيقة والذات. وذلك بالتوصل لمعرفة الحقيقة بجهد الشخص الذى قبل الكلام عن ذاته، فى وجود المحلل النفسى. وتتجسد تلك العملية، فى قبول الشخص أن يدفع نقودا كثمن، ومقابلاً لما سوف يقوله هو، كحقيقة عن نفسه للمحلل النفسى،  لكى يتوصل الشخص بذاته لحقيقة كينونته وذاتيته. وكذا، يوجد تأثير لما يقوله الشخص من حقيقة عن نفسه فى التحول الذى سيحدث له. فهى بصورة ما عودة لما كان يطرحه سقراط: «اعرف نفسك بنفسك».

فالفلسفة، كحقل من حقول الفكر، تتساءل عما يسمح للإنسان بالتوصل إلى الحقيقة، وتحديد شروط هذا التوصل وحدوده. وبناء على هذا التحول، لم يعد ضروريا للتوصل إلى الحقيقة، إلا سبيل المعرفة فقط، دون أن يستلزم ذلك لا تجارب محددة، ولا شئ آخر إلا طريق المعرفة، وأصبح ذلك هو السبيل الذى يسلكه طالب الحقيقة، سواء كان عالما، أو فيلسوفا، أو غير ذلك.

فللتوصل إلى الحقيقة، لم يعد هناك غير سبيلين هما: قواعد منهج صارمة، وطبيعة موضوع المعرفة، ويضاف ألا يكون الشخص مجنونا، وأن يكون قد حصل قدرا جيدا من العلم، وأن يتمتع بالنزاهة، ولا يكون خلفه مصلحة، إلا التوصل إلى الحقيقة. فمنذ اللحظة التى تصبح فيها هوية الإنسان لا علاقة شخصية لها بالحقيقة، يتحقق الانفصال بين الذاتية والحقيقة، ويكون ذلك هو المؤشر على الولوج إلى فترة تاريخية مختلفة للعلاقة بينهما، أى نقول إن عصرا حديثا للحقيقة قد بدأ.2

الحقيقة والسلطة:

يتطور استخدام فوكو للعديد من المفاهيم، ولعل أهمها مفهوم السلطة الذى تكرر فى كتاباته الأساسية. ففى محاضراته ودروسه سوف يلتفت أقل لمفهوم السلطة ويستبدل به مفهوم «السياسة الحيوية Biopolitique». وهو يعنى بهذا المفهوم السبل التى تم اتباعها منذ القرن السابع عشر، ثم الثامن عشر، لصيغ العقلانية أو الرشادة على ممارسة الحكومة حيال ظواهر تتعلق بالسكان، حيويا أو عضويا، مثلما هو الحال، فى الرعاية الصحية، والنظافة، والتناسل والتعداد السكانى، والتعليم، والعقاب، وغير ذلك، وأن هذه المسألة ظلت كذلك طوال القرن التاسع عشر وإلى الآن. فهى إذاً تخص المجتمع المعاصر، والتحولات التى طرأت على الدولة، وعلى السلطة، وعلى الأفراد، خاصة فى ظل «النيوليبرالية». فالليبرالية ينظر إليها فوكو كممارسة، أى كطريقة فعل موجه نحو أهداف، والقيام بإعادة تنظيم نفسها بمعاودة تفكير مستمرة فى الممارسة، فهى مبدأ ومنهج للعقلنة لممارسات الحكومة. هى عقلانية تطيع القاعدة الداخلية لمنهج اقتصادى . وهى كذلك قطيعة مع فلسفة «المزيد من الدولة»، التى كانت سائدة حتى القرن السادس عشر.3

مسعى فوكو رمى لمعرفة كيف تمارس الحكومة إدارتها، وكيف تتجسد هذه الممارسات فى سلوك الإنسان. أى كيف تتم ممارسة السلطة، والتغيرات التى تحدث فى تلك الممارسة، وظروفها، على مسار التاريخ، وكذا على الإنسان داخل الثقافة الغربية. فالمسعى، هو كشف استراتيجية السلطة، وهدفها، وآليات عملها. واستكشاف ذلك، يستلزم فحص المجالات والأماكن، التى تمارس فيها السلطة سياساتها فى السجون، والمستشفيات. والمدارس، وفى الجيش، وفى المنزل، وكذا فى نظم الاعترافات، وفى سبر وعى الإنسان. إلى جانب ذلك، كيف تتم ممارسة حكم الدولة، وعلى الجانب المقابل، كيف يحكم الإنسان نفسه. وكيف تشكلت هذه الحكومة فى الثقافة المسيحية الأوروبية، التى تطلب من البشر الطاعة، والخضوع، وبأن «يُصدقوا القول»، بل أن يفصحوا «بقول الحقيقة» عن أنفسهم، فيما يخص خطاياهم، ورغباتهم، وأمزجتهم.

«فنظام الحقيقة» هو إجبار، وفحص للضمير يطالب الإنسان بأن يعترف بحقيقته، وأن يثبت ذلك بالفعل، وأن تتسق الحقيقة مع كلامه. وتلك الحقيقة، عبر فعله وممارسته يلزم الإعلان عنها، والموافقة عليها، أمام نفسه وأمام الغير، وأن يقبل قيام سلطة مخولة بالتأكد من مصداقيته.

من بين الحالات، التى كان على الإنسان الغربى الانشغال بها، حتى القرون الوسطى،  لإظهار حقيقته، نجد قضايا، مثل: الردة، والزنا، والقتل، والاضطهاد. تلك الأمور  كانت مسائل يتم البوح بها فى الاعترافات فى الكنيسة. فكانت حقيقة الإنسان، تتم فى مشهد احتفالى عام، كمرحلة أولى،  يتلوها آخر لتنفيذ عقاب قد يصل إلى حد الموت.4 ويقول فوكو، أن ما يظل غامضا فى تاريخ تجربة الإنسان الباحث عن نفسه هو كيف تم التفكير، والتبرير، لقسر الخاطئ أو الآثم على الاعتراف، وأن يتكلم بصدق، وأن يظهر هو نفسه حقيقته، لكى ينعم بالمغفرة.

هذا القسر تتكرر المطالبة به فى الكتابات الدينية: «لا مغفرة دون اعتراف»، وإقرار الآثم بذنبه، بوضوح، لكى يصبح هذا الاعتراف بيِّنا: «فمن يعترف للرب، يعتق من العبودية». فهو لم يتم فقط الغفران له، ولكنه أيضا أصبح حرا وعادلا بعد اعترافه. وكذا: «اعترف تحطم خطيئتك»،  بل إن رجل الدين، باعتباره هو من يملك منح الغفران، مارس دورا فى المصحات بدلا عن الطبيب. فكان على الفرد أن يعترف له بحقيقته بشكل شخصى،  ويكشف بالتفصيل عن خطاياه، وعن المرض الذى أصابه، وعن عاهاته التى يخفيها، والآلام التى يشعر بها. وفى النموذج القضائى، مارس رجال الدين دور القضاة.ولكنهم قضاة يمثلون الرب، ويستمعون لاعترافات المذنب، والتى تشكل قسما أساسيا، من إجراءات المحاكمة.5

بدايات التحول الفلسفى:

ويحدد فوكو نهاية القرن الثامن عشر، كنقطة تغيرت فيها التساؤلات الفلسفية. إذ كانت تقليديا تدور حول: ما الكون؟ وما الإنسان؟ وما الحقيقة؟ وما حدود المعرفة؟ وهل المعرفة ممكنة؟ فتحولت إلى تساؤل جديد وجوهرى هو: «من نحن فى هذا الزمن الذى نحيا فيه؟»، وذلك مع بقاء التساؤلات التقليدية أيضا.

وظل هذا التساؤل الجديد بداية من الفيلسوف كانت Kant، شاغلا لكل الفلاسفة من بعده. واعتبر فوكو، هذا التساؤل شاغله الأساسى هو نفسه وجوهر كتاباته.

فالتساؤلات الجديدة كانت نتاج ما يقع من أحداث فى تاريخ أوروبا المعاصر،إذ تفجرت أحداث كبرى تدفع للتساؤل. ففى وقت انطلاق الثورة الفرنسية، صدر فى ألمانيا كتاب هو الأول من نوعه، إذ يدعو، الدولة الحديثة للعناية بالطب، والصحة العامة لحماية الفرد. فى حين أنه مع الثورة الفرنسية وما تلاها تفجرت واحدة من كبرى مذابح الحروب القومية. ذات الشئ حدث مع بداية الحرب العالمية الثانية، التى سجلت قمة المذابح التاريخية، وحينها سُنَّ بفرنسا قانون التأمينات الاجتماعية، والصحة العامة، وضمان الرعاية الطبية، وهو أيضا، ما حدث فى انجلترا بوضع برنامج «لدولة الرفاهية».

فهنا تتجسد المفارقات والازدواجية فى العقل السياسى الغربى،  وتتلخص فى شعار: «اذهبوا ليقتل كل منكم الآخر، ونعدكم بحياة طويلة ممتعة» أي أن السلطة فى الوقت الذى سنت فيه قانونا «لتأمين الحياة»، أصدرت: «أمرا بالذهاب للموت»!

فمنذ بدأت الدولة الحديثة، والالتفات للصحة العقلية والبدنية للفرد، بدأت المذابح الكبرى. فالمشترَك فى الدولة الحديثة هو ضبط سلوك الفرد من ناحية، والمذابح الجماعية من ناحية أخرى.

هنا، يظهر انشغال فوكو أساسا بإظهار وتحليل العلاقة بين أنواع تقنية سلطة المؤسسات، وكيف تمارس نوعية محددة لضبط سلوك الأفراد بعقلانية متسقة مع البنى السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية. وهو لا يعنى «أن العقلانية تنفى وجود العنف فلا يوجد أى تعارض بين الأمرين. فما هو مهم، هو تحديد طبيعة هذه العقلانية، وليس محاربة العقل.» إذ لا توجد سلطة سياسية لا تُمارِس هيمنتها فى مجتمع بشرى معاصر. فالعقلانية تتجسد فى المؤسسات، وفى حكم أو قيادة الناس. فهى عقلانية، تقوم ببرمجة البشر وتوجيههم. إذ يوجد منطق فى المؤسسات، مثلما يوجد منطق فى سلوك الأفراد، وكذا فى العلاقات السياسية. وهذه العقلانية تتجلى بأكثر ما يكون فى العنف الأكثر شراسة وخطورة، واستمرارية العنف ذاته ما تستمد منطقه من العقلانية التى يستند إليها.6

لعل تقديم أمثلة عينية، تساعد على متابعة بعض ما يرمى إليه فوكو فى بعض دراساته. فكتاباته كلها تنشغل بوضع الإنسان وسلوكياته فى علاقاتها مع السلطة، فى الثقافة الغربية، عبر الزمن، وفى مجالات الحياة. ففيما يتعلق بالحبس العقابى،  أو الحجر، على الذين ينظر إليهم كمرضى عقليا، كان ضروريا معرفة متى أصبحت تلك العقوبة، أو هذا الحجر من الأمور المقبولة فى المجتمع، كما لو كانت من الأمور الطبيعية أو العادية، بل والضرورية.فهو تحليل «لنظم الممارسات»، أى لهذا الوعاء أو الأجهزة، التى تتم فى داخلها، «برمجة السلوك» الذى يجب إتباعه كامتداد لما تم إقراره حقوقيا، وقضائيا،وتحوله لنمط يتم اتباعه بالتصديق عليه باعتباره صحيحا، أى حقيقة. وبالتالى،  أصبح تطبيق الحبس أو الحجر، أساسياً فى القانون الجنائى.

ولفهم تلك الممارسة التى أخذت صبغة الأمر «الطبيعى» أو «الأمر العادى»، المفهوم والمقر بضرورته، يلزم البحث عن الأسباب والمنطق، وما وراء ذلك من استراتيجية، لكى تتحول من أمر غير مقبول مسبقا، إلى مقبول بالإجماع، أى معالجتها فى إطار سياقها  التاريخى.

فالعقلانية هى القيام بتحويل ممارسة إلى أمر مقبول، ممارسة قاسية، مثل الحبس فى زنزانة، أو إيقاع عقوبة تعذيب، أو إعدام فى مشهد عام. وهذا يعنى أنه سبق ذلك تقديم مسوغات، لقبول هذه الممارسات، عبر تبريرات وحسابات عن نفعيتها أو عن فائدتها للمجتمع. وبذلك يتم عقلنة تلك الممارسة فى نظم تخصها. هذه النفعية لا ينظر إليها أساسا باعتبارها أقل تكلفة على المجتمع، ولكنها هى السبيل لترويض البشر.فتتشابك فى تلك العملية السلطة مع المعرفة، لتقديم ما تراه كحقيقة أو كأمر سليم، وصحيح كممارسة.

فالهدف هو السعى لمعرفة العلاقة بين لعبة«القاعدة المنظِمة» لكيفية تطبيق الممارسة فى الواقع ووضع قواعد الخطاب الذى يشكل الأساس والمبرِر المستند إلى عقلانية لهذه التحولات، لكى يمكن القيام بها، وتنفيذها من ناحية، وفى نفس الوقت، تقبلها كحقيقة من ناحية أخرى .

بقول آخر، هى عملية ترمى إلى الكشف عن كيف يحكم الناس الغير، وكيف يحكمون أنفسهم، عبر إنتاج الحقيقة. وإنتاجها، يعنى إعداد، وترتيب المجالات  والأماكن التى تتم فيها ممارسة ما هو حقيقة، وما هو غير الحقيقة، على السواء، وبشكل دقيق. فهو ما يعنى القيام بهذه الممارسات النوعية، وجعلها تأخذ مظهرها، لتوحى بأنها نظم حقوقية وقضائية مختلفة، وتقنينها باعتبارها صحيحة.

فنحن أمام برامج واضحة، وأوامر محسوبة، و«مُعقلنة»، وبحسبها، يلزم تنظيم المؤسسات، وترتيب الأماكن، وضبط السلوك. فهى «تكنولوجية ترويض الإنسان»، ومراقبة سلوكه. وهو ترويض يتجسد، فى الواقع فى شكل انضباط، مثلما هو فى التعليم بالمدارس، أو فى الجيش  وتلك «البرمجة» تحرك فى الواقع الفعلى  سلسلة من التأثيرات، تتبلور فى المؤسسات، وكذا تمتد، لتصل إلى سلوكيات الأفراد، وتلعب دورها «كشبكة رموز». وهذه الشبكة هى ما يستعان بها، كمعيار لرؤية كل شئ، ومصداقيته.7

وفيما يخص الجريمة، فمنذ القرن السابع عشر، حدث تحول مهم، تمثل فى «عملية الاستجواب»، ليس لتحديد حجم العقوبة، ولكن لسبر أغوار حقيقة شخصية المتهم، أى البحث عن دوافعه، وعن رغباته العادية، وعن تلك التى تشكل رغبات متخيلة «فانتزم».

منذ القرن التاسع عشر لم يتوقف الأمر على عزل المتهم، ولكن القيام بإجراءات، لتحديد نوع العقوبة عليه. فالقضية هنا لا تخص السجون، التى وجدت دوما فى العصور السابقة، ولكن بداية من ذلك العصر الحديث، يمكن القول إنها بداية اعتبارها ضرورية للسيطرة على المجرمين، والقيام بالتشريع لها بعقلانية تبرر تلك الضرورة، وتجعلها مقبولة. فالمسألة هى تحديد فى داخل أى النظم العقلانية بدأ التنظيم لتلك الممارسة؟ إلى جانب ذلك، فأسلوب الاعتراف يعنى الكشف عن حقيقة الشخص بداية من كلماته التى يقولها فى الاستجواب، ليس فقط عما ارتكب، ولكن لتكشف عن «من يكون».

وفيما يخص الحياة الجنسية، فإن مسألة الحقيقة تعلقت بالكيفية التى حدثت فيها التغيرات ليصبح السلوك الجنسى موضوعا للتدخل، ليس فقط الفعلى،  ولكن النظرى أيضا. وكيف حدث أن بدأ الإنسان المعاصر، فى البحث عن حقيقته، عبر رغباته الجنسية. فتاريخيا، تعود مسألة البحث عن الحقيقة  المتعلقة بالجنس إلى العصور الأولى للمسيحية،مع بدايات ممارسة الاعتراف، والإقرار بالذنوب. وسوف يتطور الأمر فى العصر الحديث بالسيطرة، ليس على الشهوة الجنسية، ولكن أيضا على السلوك الجنسى،  والمطالبة بضبطه، وعدم الإفراط فيه، وكأن العكس سيؤدى إلى ضعف بدنى،  وتدنى فى القدرة على العمل، وانحدار الإنتاجية، وكان هذا الضبط، يناظره آخر، بالدعوة لكبت الشهوة للطعام.فالتحول التاريخى  تدرج من العلاقة بالجسد إلى كبح الرغبة فى الأكل، فى الثقافة المسيحية، إلى الالتفات إلى العلاقات الجنسية مع المجتمع الحديث.8

الحقيقة بين الخطاب والجدال:

يحتل الخطاب مكانة محورية فى فكر فوكو. والخطاب هو مجمل المعانى المُقيدة  والمُجبرة  الموجودة عبر العلاقات الاجتماعية. فالخطاب هو سلاح سلطة، وضبط، وإخضاع، وهو تعيين لأهلية، وتجريد من الأهلية، وهما معا، دعامة الصراع الجوهرى. فيلزم أن يظهر فى الخطاب وظائف لا تتحدد بالاستخدام البسيط فى تعابير (عن علاقة قوى، موجودة بالفعل، ومستقرة)، أو أن يعكس إعادة إنتاج (لنظام اجتماعى سابق). فمجرد تضمن الخطاب لفعل الكلام، واستخدامه لألفاظ يفهمها الغير  ويتقبلونها  يمنحه قوته. فالخطاب، هو علاقات قوى، ليس فقط كتسجيل مكتوب، وإنما كفاعل فى الواقع.9

تحليل فوكو للخطاب  يختبر السبل المتنوعة  التى يقوم فيها الخطاب بلعب دوره، فى داخل نظام استراتيجى،  حيث توجد السلطة فيه، وبالاعتماد على هذا الخطاب، تستمر ممارساتها كسلطة. فالسلطة تقوم بممارسة دورها، عبر الخطاب، لأن الخطاب ذاته هو عنصر من آلة استراتيجية لعلاقات السلطة.

فالخطاب هو سلسلة من العناصر تعمل داخل الآليات العامة للسلطة. وبالتالى، يجب النظر للخطاب كسلسلة من الأحداث événements. وهى أحداث سياسية، وعبرها توجد السلطة، وتحدد توجهها. فهذه الأحداث، تتم فى أعماق التاريخ. فالهدف من دراسة الخطاب هو تحديد ما ارتبط وتبع النطق به فى لحظة معينة من وظائف باعتباره مرجعية أى كحقيقة.10

التحول فى جوهر السلطة:

يرى فوكو أن النظر للتاريخ كمراحل، سحيقة، وقديمة، وحديثة، ومعاصرة، ليست نظرة سليمة، لأن كل ما فات لايزال يتجلى فى الجديد الراهن. فكل ما هو موجود اليوم، فيما يتعلق بنظم الأمن، والعقاب، والحجر، ليس إلا الامتداد لما كان يطبق فى الماضى. وذات الشئ ينطبق على قواعد الانضباط، فى المدرسة، وفى الجيش، وفى المصنع، وفى كل مجال آخر.

إن الحرية كأيديولوجية، لابد من فهمها من داخل التحولات والتغيرات فى «تكنولوجيات السلطة». فالحرية، ليست إلا التلازم مع وضع أجهزة للأمن. فلفرض جهاز أمن، لزم تقديم شئ بالمقابل يسمى الحرية، وعنى بها حرية تنقل الأفراد، والأشياء فى المجتمع الرأسمالى الليبرالى. فشكل المجتمع، والاقتصاد، والسكان، والأمن، والحرية، كلها عناصر تقوم على اعتبارات الحاكمية الجديدة la  nouvelle  gouvemementalitéالتى نعرفها الآن، وما هى إلا أشكال أخذت تحويرات معاصرة من التحويرات السابقة عليها.

فبالنسبة لفوكو، الحاكمية هى «فنون الحكم»، التى تواجدت بداية من القرن الثامن عشر، وبخلفية مسيحية فى العمق. فالدولة الحديثة ولدت، عندما أصبحت الحاكمية متجسدة فى ممارسات سياسية محسوبة بدقة وبتفكر. فالامتيازات، التى بدأت تمارسها الحكومة،  تمثلت فى تقليص سلطة الملك الجالس على كرسى العرش، ولكنه لا يحكم، وبذلك أصبحت الحكومة تتمتع بسلطة أعلى من سلطة «أنا الملك»، وأعلى من السيادة، وأعلى من الإمبراطورية.فالتحول حدث من فكرة اعتبارات المصلحة العامة laraisondEtat، حيث كانت فى ظلها كل السلطة فى يد العاهل، إلى اعتبارات«مصلحة الحاكمية» لتقليص دور العاهل، وباحتلال مكانة أكبر فى قلب السلطة بدلا عنه.11

الخطاب والجدال والحقيقة:

للتوصل إلى الحقيقة، أخلاقيات يلزم توافرها، فى العلاقة بين من يسعون للتوصل إليها معا. فالغاية، فى حالة سؤال وجواب بين شخصين هى التوصل، إلى إيضاح متبادل من قبل الطرفين، وحفظ حق كل منهما فى الحوار. فمن يوجه السؤال يستخدم حقه فى القول بإنه ليس مقتنعا، ويشك فى وجود تناقضات، وبحاجة إلى معلومات إضافية، ويبدى أدلة مختلفة، ويظهر أخطاء فى التفسير قال بها الآخر. أما الذى يرد على السؤال، فهو مرتبط بمنطق خطابه، أى بما سبق له قوله، وفى نفس الوقت، بقبول مساءلة نظيره له.فكل من المتحاورين ينعمان بما أعطاه كل منهما للآخر من حق، فى ظل شكل مقبول للحوار.

أما المجادل بكلام هجومى،  فهو مسلح برؤية مسبقة، ولا يقبل أبدا التشكيك فيها. فهو يمتلك، من حيث المبدأ، حقوقا تسمح له بدخول حرب، وتجعل منها صراعا عادلا فى نظره. فهو لا يرى فيمن يحاوره ندا يبحث معه عن الحقيقة، ولكن عدوا أخطر، وخطر، ووجوده ذاته يشكل تهديدا.

فهو لا يرى فيه إذاً، «ذاتا» لها حق الكلام، وإنما يسعى للتخلص منها كنظير فى حوار ممكن. فهدفه النهائى  ليس التقارب، قدر ما هو فى الإمكان، ولكن أن يحقق الانتصار للقضية التى يحملها بوضوح منذ البداية. فالمجادل المعادى،  يمنح نفسه حق نفى وجود الآخر.ولذا، فإن «المجادل المعادى» هو شخصية طفيلية تحول دون مواصلة البحث عن الحقيقة.

ويطبق فوكو هذه الرؤية، ويقول بوجود ثلاثة نماذج لهذا النوع من المجادلين: النموذج الدينى،  ويتجسد فى اتباع البدع، و«الهرطقة»، التى تنشغل بتعيين مسألة، العقيدة لا يحق المساس بها، وتعتبر أن المعارض لرؤيتها، أهملها أو قام بتجاوزات بشأنها. وبالتالى وقع فى خطأ أخلاقى   يحاكم بناء عليه  بذنب فى ارتكابه.

وفى النموذج القضائى،  لا يفتح الجدال فى الممارسات  الباب لحوار ممكن، تتحقق فيه الندية. فهو جدال يُجرى محاكمة، ولا مكان فيها لحوار بين متناقشين، ولكن مواجهة، مشتبه فيه، وجمع الأدلة لإدانته، وتحديد المخالفة، التى وقع فيها، ثم إصدار حكم بالإدانة.

بينما يعتبر فوكو أن المجادل السياسى فى الزمن المعاصر هو الأكثر سطوة. فالجدال السياسى  يحدد التحالفات، ويجمع المشايعين، ويوحد المصالح أو الآراء، ويمثل حزبا، ويحدد الآخر، كعدو له مصالح متعارضة، ويلزم الصراع معه، حتى تتم هزيمته، فلا يظل أمامه إلا الخضوع أو الاختفاء.

كل هذه المجادلات تلوح كما لو كانت مشاهد فى مسرحية. ولكن فى واقع الأمر، كلها تدخل فى صلب نظام الخطاب، فهى ممارسات لها عواقبها التى لا يمكن إهمالها.12

تحقق ذاتية الإنسان:

لدراسة تعدد أنماط تحقق «ذاتية الإنسان»،كسبيل للتوصل للحقيقة، فى الثقافة الغربية،يقول فوكو بوجود ثلاثة أنماط لتحول البشر إلى ذوات. ولكن يلزم الوعى بأن للذات وضعين، فهى إما خاضعة، أو ساعية لتكوين هويتها بشكل مستقل بتحقيق نفسها بتجاوز مجرد الوعى بالذات.

أولا:الأنماط المختلفة لبلوغ مكانة فى العلوم اللغوية، وكذا الذاتية المنتجة، أى الذات العاملة فى الاقتصاد وزيادة الثروة. بالإضافة إلى إمكانية تحقق تلك الذاتية لمجرد العيش فى تاريخ طبيعى وحيوى.

ثانيا:تحقق الذاتية، فيما يمكن تسميته «الممارسات المُفرِقة»، وهى ما تقوم بتحويل الذات إلى مجرد شئ، حيث يتم تقسيم الذات من داخلها على نفسها، أو أن يتم تفرقتها عن الذوات الأخرى، فتتم التفرقة بين الذوات،  بحسبان بعضها مجنونة فى مواجهة أخرى عاقلة، أو بعضها مجرمة  مقابل أخرى سوية طيبة.

ثالثا: تحول الإنسان إلى ذات، عبر وعيه بذاته وطبيعة خصائصه الحيوية، تلك الأنماط فى تنوعها تدخل بالضرورة فى علاقات مع السلطة. ومن هنا تتضح أهمية دراسة السلطة كضرورة. ولكن دراستها، يجب أن تتم أساسا، عبر الوظائف التى تقوم بينها وبين تلك الذوات كأفراد، أو كجماعات، أو كطبقات، أو  ثقافات. أى لا يمكن الاكتفاء، كما هو الحال، بدراسة السلطة، عبر مسائل حقوقية، مثل شرعية السلطة، أو دراسة مؤسساتها، والتساؤل ما الدولة؟ وأن ما يلزم هو البحث عن الأسباب التاريخية، التى دفعت إلى اللجوء لهذا المنهج، أو ذاك. أى الوعى التاريخى  بالحال الذى نحياه. فدور الفلسفة الآن هو مراقبة السلطة، فى تجاوزاتها المستندة إلى العقلانية السياسية. والدليل على أهمية تلك المراقبة هو أن العقلانية لم تغب، لا فى معسكرات الإبادة النازية، ولا معسكرات الستالينية.

فالسؤال المطروح هو: ما الموقف من تلك الحقيقة؟فبالتأكيد، ليس الحل فى محاكمة العقل أو الرشادة. فسيكون عقيما القيام بمواجهة عقلنة ولا عقلنة. وكذا يلزم عدم التعميم، بالحديث عن ثقافة بكاملها، أو عن مجتمع ما، ولكن تحديد القضايا فى مجالات بعينها، مثل الجنون، والمرض، والموت، والجريمة، والجنس، والحرب إلى آخره. فبرغم أن عصر «الأنوار» شكل مرحلة مهمة فى تطور الغرب التاريخى،  وابتداع «تكنولوجية سياسية»، إلا أنه يلزم العودة، إلى ما قبل ذلك العصر، لفهم الآليات التى جعلت الغرب سجينا لتاريخيه ذاته.

فما ظهر قبل عصر الأنوار، تجسد فى سلسلة من المعارضات لما كان ساريا. وهى معارضات، لم تخص بلدا بعينه، بل ثقافات متعددة. وكانت معارضات فى مواجهة سلطات،وضد ممارستها دون رقابة عليها، مثلما هو الحال فى الطب، الذى بيده حياة الإنسان وموته. فهو صراع يتعلق بوضعية الفرد، وحقه فى الاختلاف، وحقه فى أن يكون فردا، ويعارض كل ما من شأنه عزله عن الآخرين. باختصار، هو صراع ضد ممارسة حكم يعامل الناس بشكل أحادى كأفراد. وهى كذلك مقاومة لآثار السلطة المستندة للمعرفة واحتكارها لهذه المعرفة، وبالتالى  فى حقها فى ترويجها،أو القول بوجود أسرار خفية عن الغير، والقيام بخداع والتلاعب بهم.

كل ذلك يمكن تلخصه فى رفض «نظام المعرفة»، وكيف كان يسير، وعلاقته بالسلطة. فهذا الصراع الذى يتجسد فى سؤال «من نحن ومن نكون؟». هو رفض للعنف الذى تمارسه الدولة اقتصاديا، وأيديولوجيا، ولا تريد الاعتراف بالفرد وخصوصيته. وهو أيضا، رفض للمؤسسات، وللعلوم، التى تشكل ما يشبه محاكم تفتيش، لتحديد هوية كل فرد. فهو رفض «لشكل الحكم»، الذى يمارس سلطته، فى الحياة اليومية، ويحدد هوية كل شخص فى فئة، ويريد منه أن يعترف بها، وأن يراه الغير عبرها.

فعبر هذا الشكل  فى الحكم القامع، يوجد الإنسان وتحوله إلى «ذات». فهناك ذات خاضعة، وتابعة للغير وتحت سيطرتها، وفى مقابلها، ذات متمسكة بهويتها، مستقلة، تبحث، عبر الوعى والمعرفة للتوصل لإدراك نفسها.

بإيجاز، هناك صراع ضد القهر الإثنى،  أو الدينى،  أو الاجتماعى. وآخر ضد الاستغلال، وفصل المنتج عما ينتجه. وثالث ضد من يرفض، ما يربط الفرد بذاته، ويريد تحويله إلى ذات خاضعة للغير.13

فبالعودة للقرن السادس عشر، وما بعده، سنلاحظ ظهور كتابات تتساءل حول السلطة، وحول الفرد. وجوهر التساؤلات، فى بحثها عن الحقيقة تجسدت فى انتقادات موجهة للكنيسة التى اتخذت لنفسها مكانة «الراعى» لأرواح وأجساد الجميع، لتصل بهم، قسرا، إلى حالة الطمأنينة والسلام. فالكل ملزم بقبول هيمنتها، وعليه الخضوع لإرادتها لأنها تمتلك «الحقيقة».

كانت الانتقادات أيضا لشكل الحاكم. فكانت التساؤلات تدور حول قضايا فن قيادة أو حكم الناس، وكذا ممارسة حكم الناس فى الحياة العامة، وفى الأسرة، أو فى الجيش، أو حكم الفقراء، أو المتسولين فى المدينة، أو فى الدولة. أى كيف يحكم الإنسان روحه، وعقله، وجسده. فتلك التساؤلات هى فنون فى التربية، والاقتصاد، والسياسة. ولذا، كانت تتضمن ما يعنى: «لا نريد أن نُحكم بهذه الطريقة، ومقابل هذا الثمن». فهذه التساؤلات حول الحكم، فى أشكاله المختلفة، أى بالكنيسة من جهة وبالدولة من جهة، أخرى، شكل انشغال الأفراد والمجتمع والفلاسفة. فهى بشكل ما عودة للقانون الطبيعى  الذى يُفضل الإنسان فيه ألا يكون محكوما بواسطة سلطة ما. ومن ناحية أخرى، هى تساؤلات، عن الحدود التى يجب ألا يتجاوزها حكم. ويضاف، أنه رفض، لما تقوله سلطة باعتباره «حقيقة»، وحق عدم القناعة بأنها حقيقة، لأن السلطة قالت بذلك. كل هذه التساؤلات شكلت مرحلة حاسمة فى الثقافة الغربية، فى كل المجالات، التى فتح فيها باب التساؤلات، والشك لأنها شملت ثلاث مسائل جوهرية، هى: «الحقيقة، والسلطة، والذات». ونجد أفضل تجسيد لتلك التساؤلات فى نص قصير للفيلسوف كانتKantتحت عنوان: «إجابة على سؤال ما الأنوار؟». فهو يستهله بالقول: «يمكن تعريف «الأنوار» بأنها خروج الإنسان، من حالة الوصاية، التى يعيشها، والخاضع لها، فهو المسئول،هو نفسه، عن هذا الوضع. فحالة الوصاية هى فقدان مقدرته على الاستعانة بقدراته الذهنية، دون حاجة أن يقوده آخر. وهى حالة ناجمة من خطئنا نحن، حينما تنتج، ليس من نقصان فى قدرتنا على الإدراك، ولكن من انعدام إرادتنا، وانعدام شجاعتنا للاستعانة بتلك القدرات، دون انتظار آخر ليقودنا.»وتلك هى بحسب ميشيل فوكو «سياسة الحقيقة» التى تحققت بممارسة النقد، أى «فن الانعتاق الاختيارى من العبودية». 14

 

 

هوامش:

1 ــ FoucaultMichel٫ EntretienavecD. Trombadori٫ fin1978٫ DitsetEcrits٫TomeIV٫ 1980- 1988٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 1994٫ pp. 41 -95.

2 ــ FoucaultMichel٫ LHerméneutiqueduSujet٫ CoursauCollègedeFrance1981- 82٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 2001٫ lescoursdes6 et13 janvier1982.

3 ــ FoucaultMichel٫ Naissancedelabiopolitique: CoursauCollègedeFrance٫ Année1977 -1978٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 2004٫ pp. 9 -22

-FoucaultMichel٫ Naissancedelabiopolitique: RésuméducoursauCollègedeFrance٫ juin1979٫ DitsetEcrits٫TomeIII٫ 1976 -1979٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 1994٫ pp. 818- 825.

4 ــ FoucaultMichel٫ Dugouvernementdesvivants٫ DitsetEcrits٫ 1980-1988٫ tomeIV٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 1994٫ pp. 125 -129.

5 ــ FoucaultMichel٫Histoiredelasexualité٫ Tomelesaveuxdelachair٫ ÉditionétablieparFrédéricGros٫ ÉditionsGallimard٫ Paris٫ 2018٫ pp. 119-122.

6 ــ FoucaultMichel٫ FoucaultétudiéLaraisondÉtat٫ DitsetEcrits٫ 1976 -1979٫ TomeIII٫ 24 octobre1979٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 1994٫ pp. 801 -805.

7 ــ FoucaultMichel٫ LimpossiblePrison٫ Tablerondedumai1978٫ DitsetEcrits٫ 1980- 1988٫ TomeIV٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 1994٫ pp. 20-34

8 ــ FoucaultMichel٫ EntretienavecJ. FrançoisetJ. deWit٫ 22 mai1981٫ DitsetEcrits٫ 1980- 1988٫ TomeIV٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 1994٫ pp.656-667.

9 ــ FoucaultMichel٫ Lediscoursnedoitpasêtrepriscomme…٫ DitsEcrits٫ 1976- 1979٫ TomeIII٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 1994٫ p.123 -124

10 ــ FoucaultMichel٫ Dialoguesurlepouvoir٫ entretienavecdesétudiantsdeLosAngeles٫ mai1975٫ DitsEcrits٫ 1976- 1979٫ TomeIII٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 1994٫ pp. 464- 477.

11 ــ FoucaultMichel٫ Sécurité٫ territoire٫ population٫ CoursauCollègedeFrance٫ (1977-1978)٫ EditionsSeuil-Gallimard٫ 2004٫ Paris٫ pp. 8- 13٫ 50٫ 78٫ 168- 169٫ 262.

12 ــ FoucaultMichel٫ Polémique٫ politiqueetproblématisations٫ EntretienavecP. Rabinow٫ mai1984٫ DitsetEcrits٫ 1980-1988٫ TomeIV٫ EditionsGallimard٫ 1994٫ Paris٫ p.591- 92.

13 ــ FoucaultMichel٫ « Lesujetetlepouvoir»٫ 1982٫ Ditsetécris٫ 1980-1988٫ TomeIV٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 1994٫ pp. 222 -243.

14 ــ FoucaultMichel٫ Quest-cequelacritique? suivideLaculturedesoi٫ Éditionétabliepar

Henri-PaulFruchaudetDanieleLorenzini٫ LibrairiePhilosophiqueJ. VRIN٫ 2015٫ pp. 33- 39٫ 81-84.

-FoucaultMichel٫ Quest-cequelesLumières? ٫ Magazinelittéraire٫ no207٫ mai1984٫ ٫ Ditsetécris٫ 1980- 1988٫ TomeIV٫ EditionsGallimard٫ Paris٫ 1994٫ pp. 679- 688.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 73 يناير 2019

افتتاحية العدد

1919.. لحظة وعى المجتمع بذاته د. هناء عبيد

حاملة لواء الليبرالية، الحدث السياسى الوحيد الذى يجمع عليه المصريون، لحظة الاستدعاء الأساسية للحديث عن الوحدة الوطنية، رافعة تكوين الرأسمالية الصناعية المصرية والسيادة الوطنية الاقتصادية، الموجة الأولى من الحركة النسوية المصرية، حاضنة سيد درويش ومختار وحقى، ثورة القومية المصرية

الأعداد السابقة