رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

تعتقد الأغلبية فى عالم اليوم أننا نعيش عصرا تلاحق الشكوك فيه كل حقيقة أو كل طريق نحو نقلها، بينما ينتشر الزيف بأشكاله المتعددة ويتوغل، مما يجعل توهج مفهوم مثل «ما بعد الحقيقة» أمرا له منطقه، حيث اختير كلمة العام فى 2016 من قبل قاموس أكسفورد البريطانى الذى يعرِّف عصر ما بعد الحقيقة  بكونه عصرا»تكتسب فيه الحقائق الموضوعية تأثيراً أقل فى تشكيل الرأى العام مقابل إثارة الانفعال واستحضار المعتقدات الخاصة»، ولكن التدقيق فى التركيب اللفظى للمفهوم يدعونا للتساؤل: هل تشير «ما بعد» إلى أننا كنا نعيش فيما سبق «عصرا للحقيقة»؟ تنقل فيه المعلومات بطريقة أمينة غير منحازة لنبنى مواقفنا على الحجج المنطقية المستندة إلى الوقائع الحقيقية فقط! ثم ألا تسترع  فكرة «الحقيقة» نفسها الانتباه، فمن يملك سلطة التمييز بين ما هو حقيقى وما هو غير ذلك؟ إذن، والأمر كذلك، فما هو الجديد الذى استدعى كل هذا الصخب والجدل حول عصر ما بعد الحقيقة؟

بين التكنولوجيا والدوافع النفسية:

سواء توافقنا على حداثة ظاهرة «ما بعد الحقيقة» أو قدمها، فإن شيئا جديدا  قد تعلق بها ووجه الأنظار إليها، وهو ما يصفه الخبراء بأنه ثمرة اللقاء بين ميولنا النفسية من جهة، والتقدم التكنولوجى من جهة أخرى..وهذه العملية من التغييب والتزييف هى أكبر تمثل للمخاطر التى يتعرض لها جوهر فكرة الديمقراطية. فإذا كان لدينا انتشار مفرط للأخبار الكاذبة، والتى تسهم فيها بشكل كبير التكنولوجيا الحديثة، فإن الدوافع النفسية تقف وراء تجاهل الوقائع، وتقبل الأكاذيب فى عصر البيانات الضخمة.  

وتعنى البيانات الضخمة أن كل ما نقوم به يترك آثارًا رقمية؛ فكل عملية شراء نجريها باستخدام بطاقاتنا، وكل حركة نجريها عندما يكون الهاتف الجوال فى حوزتنا.. يتم تخزينها لفترة طويلة. ولم يكن واضحًا تمامًا ما الذى يمكن أن تستخدم فيه هذه البيانات، ولكن بعد التاسع من نوفمبر 2016، ظهرت تلك الآثار جلية، وظهر أبرز مثال على النتائج الخطيرة لهذه النماذج بين التكنولوجيا والدوافع النفسية، حيث اتضح أن الشركة التى كانت وراء حملة ترامب على الإنترنت هى نفسها التى عملت فى المراحل المبكرة من حملة بريكيست فى إنجلترا، وهى شركة تحليل البيانات الضخمة «كامبريدج أناليتيكا CambridgeAnalytica».

وانشغل العالم بالبحث فى كيفية استخدام الشركة لبيانات فيسبوك الخاصة بالأمريكيين لمساعدة حملة دونالد ترامب. ففى 17 مارس عام 2018، ذكرت نيويورك تايمز، وذا أوبزرفر أن شركة كامبريدج أناليتيكا استخدمت معلومات شخصية للغاية، حصلت عليها من موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك دون إذن من الجهات المعنية بالأمر. أما الجارديان، فقد ذكرت أن شركة فيسبوك كانت على علم بهذا الخرق الأمنى قبل عامين (منذ 2016)، ولكنها لم تفعل شيئا لحماية مستخدميها.

ولفهم الأمر نعود للوراء، إلى حقبة الثمانينيات، حيث طور فريق من علماء النفس نموذجًا يعرف باسم  «OCEAN»لتقييم الأشخاص، استناداً إلى خمس سمات شخصية، وهى الانفتاح: مدى تقبلك لتجارب الآخرين.الضمير: إلى أى درجة أنتَ مثالي؟ التوافق: مدى تفهمك للآخرين وتعاونك معهم. الاضطراب: هل من السهل إثارة غضبك؟ التعاونية: إلى أى حدٍّ أنت اجتماعى ومتعاون مع الآخرين؟.

وفى عام 2008، استطاع الباحث والخبير البارز فى القياس النفسى، ميشال كوسينسكى بمساعدة زميله ديفيد ستلويل، من إحداث طفرة هائلة فى عالم فيسبوك، بالاعتماد على قياس نفسى «Mypersonality». حينما أطلقا تطبيقاً صغيراً قائما على استمارة استبيان نفسى أو«أوشن» سالف الذكر. ولم يتوقع الباحثان فى البداية أن يستعمل التطبيق أحد غير زملائهم، لكنهم فوجئوا بأنه ينتشر بسرعة كبيرة، ويستخدمه ملايين على فيسبوك. وفى 19 سبتمبر 2016، فى أحد فنادق نيويورك فى قمة كونكورديا، وهى نوع من المنتدى الاقتصادى العالمى فى صورة مصغرة، قال الرئيس السويسرى يوهان شنايدر أمان «رحبوا معى بألكسندر نيكس، الرئيس التنفيذى لكامبريدج أناليتيكا»، وحينها أدرك العديد من الحاضرين أن هذه هى الاستراتيجية الرقمية الجديدة لترامب، الذى كان قبل ذلك ببضعة أسابيع، قد كتب على تويتر بطريقة غامضة: «قريباً سوف يدعوننى السيد بريكيست». وقد لاحظ المراقبون السياسيون فى ذلك الوقت بعض التشابه المدهش بين أجندة ترامب والجناح اليمينى البريطانى للخروج من الاتحاد الأوروبى.  لكن القليل منهم لاحظوا توظيف ترامب، فى الآونة الأخيرة لشركة تسويقية تسمى كامبريدج أناليتيكا.

لم يكن ترامب البالغ من العمر 70 عامًا محنكًا رقميًا، ولا يوجد حتى جهاز كمبيوتر فى مكتبه، ولم يكن يتفاعل مع رسائل البريد الإلكترونى، وكشفت مساعِدته الشخصية ذات مرة أنها تحدثت معه فى الحصول على هاتف ذكى، وهوالذى يكتب عليه الآن باستمرار. بينما اعتمدت هيلارى كلينتون بشدة على إرث أول رئيس للإعلام الاجتماعى «باراك أوباما»، وكانت لديها قوائم عناوين للحزب الديمقراطى، وعملت مع كبار محللى البيانات، وتلقت الدعم من GoogleDreamWorks.وعندما أُعلن فى يونيو 2016 أن ترامب قد استأجر كامبريدج أناليتيكا، اعتقدت المؤسسة فى واشنطن أن العاملين بالشركة مجرد متخصصين لا يفهمون طبيعة الناخبين.

كيف حدثت المفاجأة؟ يقول ألكسندر نيكس: «بينما تم  تنظيم الحملات الانتخابية على أساس المفاهيم الديموجرافية، وهى فكرة سخيفة حقا، بمعنى أن جميع النساء يجب أن يتلقين الرسالة نفسها بسبب جنسهن، أو جميع الأمريكيين الأفارقة بسبب عرقهم،  فإن كامبريدج أناليتيكا قد اعتمدت على القياس النفسى». وأضاف نيكس»فى كامبريدج، كنا قادرين على تشكيل نموذج للتنبؤ بشخصية كل شخص بالغ فى الولايات المتحدة الأمريكية». ووفقًا لنكس، يستند نجاح تسويق كامبريدج إلى مجموعة من ثلاثة عناصر هى: العلوم السلوكية باستخدام نموذج OCEAN، وتحليل البيانات الكبيرة (Bigdata)، واستهداف الإعلانات؛ وهى عبارة عن إعلانات مخصصة، يتم تجهيزها بدقة كبيرة لتتوافق مع شخصية المستهلك الفردى.

يشرح نيكس بصراحة كيف تقوم كامبريدج أناليتيكا بذلك: أولاً، تشترى بيانات شخصية من مجموعة متنوعة من المصادر المختلفة، مثل سجلات الأراضى، وبيانات السيارات، وبيانات التسوق، وبطاقات المكافآت، وعضوية النادى، و المجلات التى يقرأها الشخص، والكنائس التى يرتادها.. وجميع هذه البيانات الشخصية تقريبًا معروضة للبيع. وتضيف الشركة لهذه البيانات القوائم الانتخابية للحزب الجمهورى، كما تستخدم الشركة استطلاعات الرأى على وسائل التواصل الاجتماعى وبيانات فيسبوك، ثم يبدأ تحليل البيانات باستخدام نموذج ocean، لتتحول البيانات الرقمية إلى أشخاص حقيقيين لديهم مخاوف واحتياجات ومصالح وعناوين سكنية، وهكذا يمكن القول إن الشركة تقوم بما حذر منه كوسينسكى، حين قال: «لقد قمنا بتلخيص شخصية كل شخص بالغ فى الولايات المتحدة الأمريكية - 220 مليون شخص».

ويوضح نيكس أهمية التعامل مع الناخبين المصنفين نفسيا بشكل مختلف. فعلى سبيل المثال، فى قضية حقوق السلاح، فإن صورة بها يد متطفل تحطم نافذة، تناسب جمهور شديد العصبية نحو خطر السطو. بينما تناسب صورة أخرى بها رجل وطفل يقفان فى حقل عند غروب الشمس، وكلاهما يحمل البنادق، ويطلق النار بوضوح على البط، جمهور منغلق ومهتم بالتقاليد والعادات والعائلة.

ويبين نيكس كيف تمكنوا من تحييد أنصار كلينتون وإبعادهم عن صناديق الاقتراع، قائلاً «إن تناقضات ترامب اللافتة للنظر، ومجموعة الرسائل المتناقضة الصادرة عنه  تحولت فجأة إلى رصيده الكبير؛ رسالة مختلفة لكل ناخب».ففى مقاطعة ميامى فى هايتى الصغيرة، على سبيل المثال، زودت حملة ترامب السكان بأخبار، من خلال تغريدات ومشاركات عبر فيسبوك، عن فشل مؤسسة كلينتون فى عقب الزلزال فى هايتى، من أجل منعهم من التصويت لمصلحة هيلارى كلينتون، وكان هذا أحد الأهداف: الإبقاء على ناخبين محتملين لكلينتون (بمن فى ذلك المتناحرين اليساريون والأميركيون الأفارقة والشابات) بعيداً عن صناديق الاقتراع. كما تم بث مقاطع الفيديو التى تستهدف الأمريكيين من أصل أفريقى والتى تشير هيلارى كلينتون فيها إلى الرجال السود كمفترسين.

يمكننا القول إن حملة ترامب الرقمية كانت من الدقة، بحيث لم تكن مرئية، فى حين ظن فريق كلينتون أنه كان فى موقع الصدارة، بناءً على التوقعات الديموجرافية.ومنذ يوليو 2016، تم تزويد حملة ترامب بتطبيق يمكنهم من خلاله تحديد وجهات النظر السياسية وأنماط شخصية سكان المنازل، وهو نفس التطبيق الذى استخدم فى حملة بريكيست، وانطلق أفراد الحملة لطرق أبواب منازل من استجاب لرسائلهم الإلكترونية، وقام المختصون بإعداد مبادئ توجيهية لإجراء محادثات متناسبة مع نمط شخصية المقيم، ثم قام متخصصون آخرون بتغذية ردود الفعل فى التطبيق، وتدفقت البيانات الجديدة مرة أخرى إلى لوحات تحكم حملة ترامب. بالإضافة لاستخدام «Groundgame» من قبل ناشطى الحملة، وهو عبارة عن تطبيق لإجراء انتخابات استطلاعية تدمج بيانات الناخبين باستخدام «تقنية التصور الجغرافى المكانى».كما قسمت الشركة  سكان الولايات المتحدة إلى 32 نمط شخصية، وركزت على 17 ولاية فقط. ومثلما أثبتت مؤسسة Kosinskiأن الرجال الذين يفضلون مستحضرات التجميل MACأكثر عرضة قليلاً لأن يكونوا مثليين، اكتشفت الشركة أن تفضيل السيارات المصنوعة فى الولايات المتحدة كان مؤشراً عظيماً على ناخب محتمل لترامب. وأظهرت النتائج ضرورة التركيز على ميشيجان وويسكونسن فى الأسابيع الأخيرة من الحملة على أساس تحليل البيانات، وهو ما حدث بالفعل.

هكذا ظهر مدى تأثير طرق القياس النفسى على نتائج الانتخابات، وكما خلص عالم النفس الأمريكى «روبيرت ابستون «RobertEpstein: إن الخوارزمية المستخدمة لتصنيف نتائج بحث الناخبين فى الانتخابات على الإنترنت تسهم بشكل كبير فى التلاعب باتجاهات الرأى العام حول المسائل الحساسة، مما يشكل خطرا على القيم الديمقراطية نفسها. فواجبنا أن نسأل أنفسنا عما إذا كنا نريد فعلا أن يُنتخب قادتنا السياسيون من برامج كمبيوتر؟ إن تطورا من هذا القبيل يجعل المسرح السياسى الوطنى، وربما العالمى أيضا، عبثا ما بعده عبث.

وبالمثل، فإذا كان البحث على شبكة الإنترنت حكرا على شركة واحدة(جوجل)، فستمتلك هذه الشركة السلطان الكافى لجعل الديموقراطية، التى عرفناها حتى الآن، نظاما لا معنى له، نظاما سَفْسافا بكل معنى الكلمة، حيث تغدو قادرة على التأثير فى تشكيل النخب الحاكمة فى العالم، بما يخدم مصالحها الاقتصادية، وبما يسفر عن تفريغ فاعلية السلطات الرقابية من محتواها، أو عن ترتيبات ضريبية مناسبة،وما هو غير ذلك من تسويات تحابى تطلعاتها الاقتصادية. وبما أن نشاطاتها الاقتصادية لا تخضع، فى أغلبية بلدان العالم، لرقابة ذات بال، لذا فمن المتوقع جدا ألا تُعتبر تدخلات جوجل فى العمليات الانتخابية وتأثيرها فى نتائج هذه الانتخابات انتهاكا لقوانين مرعية. فى عام 2006، وأمام العالم أجمع، وبلا هدف مقصود، أقام محرك AOLالدليل القاطع على أن الشخص الذى يبحث فى الويب لا تظل هويته غير محددة، ولا تظل مجهولة، دائما وأبدا. وهنا نالت قضية المواطنة الأمريكية التى استعاضت عن هويتها بالرقم 4417749. شهرة واسعة فخلال بضع ساعات، نجح مراسلو صحيفة (نيويورك تايمز)، فى التعرف على هويتها: إنها ثيلما آرنولد، أرملة عمرها 62 عاما، وتسكن فى مدينة ليلبورن بولاية جورجيا. يقول مسئول جوجل، إريك شميت: «إننا نعلم أين أنتَ الآن، إننا نعلم أين كنتَ، وإلى حد ما، نحن نعلم فى ماذا تفكر حاليا». كل ما سبق عبرت عنه الباحثة الفرنسية « فلورين جاليرون  FlorineGaleronبتحكم التكنولوجيات الجديدة، ليس فقط فى حياة الناس، ولكن أيضا فى توجهاتهم الفردية، والاجتماعية، وحتى السياسية.

على الجانب الآخر، فإن تفسير هذا النجاح فى استثمار تحليل البيانات الشخصية، وتلقف الأخبار الكاذبة والرسائل الموجهة يعود فى جزء كبير منه إلى أن عقولنا لا تلقى اهتماما كبيرا  لمسألة الموضوعية بقدر ما تحاول أن تحافظ على نظام الحقيقة الخاص بها. وفى هذا الشأن تقوم «النظرية الحجاجية للتفكير» لصاحبيها الباحثين الفرنسيين هوجو ميرسيى ودان سبيربر(HugoMercieretDanSperber) على طرح مفاده أن قدراتنا على التفكير فى الأشياء تتأثر، بل تتشكل بناء على حاجتنا لأن نكون دائما على حق، وأن نقنع من حولنا. ويفسر ذلك كل الأخطاء التى نقع فيها خلال عملية التفكير، وهى أخطاء ليست عشوائية ولا فوضوية، ولكنها تترجم فقط حاجتنا الدائمة لأن ننتصر لذواتنا. ولهذا، فنحن نتقبل ونتذكر المعلومات التى ترضينا وتعزز معتقداتنا، وهذه الظاهرة تعرف بين أوساط المختصين بـ«انحياز الإثبات». فالمعلومات المغلوطة التى يتلقاها الأشخاص تلتصق سريعاً بأذهانهم حين تكون متوافقة مع قناعاتهم السابقة ومعتقداتهم السياسية أو الدينية، بحيث يصبح القبول بالأكاذيب المريحة، التى تشبه ما نعتنقه أسهل كثيراً وأقل تكلفة من رفضها أو البحث لمعرفة الحقيقة المجردة من أى انحياز.

فى عام 1954، تنبأت جماعة دينية فى شيكاغو أن الساعة ستقوم فى يوم محدد من ذلك العام. وعندما سمع عالم النفس الأمريكى ليون فستنجر الخبر انضم ومساعده إلى هذه الجماعة بحجة أنهما مؤمنان بتلك النبوءة. أما غاية فستنجر الحقيقية، فكانت أن يرى حال أعضاء الجماعة قبل موعد النبوءة، وبعدها مارس فستنجر ومساعده شعائر هذه الجماعة، وكان يرى أعضاءها مقتنعين تمامًا أن الساعة ستقوم فى ذات الوقت المحدد، وأنهم كانوا يديرون حياتهم على أساس أن نهاية العالم قد اقتربت، وفى اليوم المحدد اجتمع أعضاء الجماعة، وكانوا بالمئات فى مقر قيادتها، استعدادًا للحظة الحاسمة فى منتصف الليل، ودقت الساعة الثانية عشرة، واستمر عقرب الدقائق بالمضى، ولم تقم الساعة، وأبناء الجماعة ينظرون إلى ساعاتهم بدهشة ولا يجدون تفسيرًا لما يجرى.  وبعد بضع دقائق، ظهرت القيادة العليا لهم لتقول إن الرب قد رحم العالم، وأجل موعد قيام الساعة الى يومٍ آخر سيتم تحديده لاحقًا.

بعد هذا التبرير، انقشعت غمامات الاضطراب عن أبناء الجماعة، وزال توترهم، واستمروا فى إيمانهم بعقيدتهم. وإثر هذه القصة، قدم فستنجر كتابه «عندما تفشل النبوءة» ووضع فيه قانونًا يعتبر من أهم قوانين علم النفس سماه التنافر المعرفى، ويقصد فيه الحالة التى تنتاب الإنسان عندما يحصل له تعارض صارخ بين اعتقاده وإدراكه؛ أى بين ما يؤمن به وما يدركه فى الواقع. وجد الباحث أن الكثير من الناس لو كان إيمانهم عميقًا، فإنهم ربما سيبحثون عن أى تفسير، ولو كان سخيفًا حتى يتكئوا عليه، ويبقوا على إيمانهم، ويبرروا واقعهم. فعقل الإنسان لا يحتمل الحيرة طويلًا، ولذلك فهو يحاول مسرعًا أن يتخلص من اضطرابه، كى يعود إلى طمأنينته، وفى كثير من الأحيان يبقى على ما يعتقده، خاصّةً لو إنه ضحّى من أجلها.

توضح دراسة أخرى أجريت سنة 2007 إلى أى حد يترجم استعمال مواقع التواصل الاجتماعى عدم مراعاة عقولنا لعنصر الموضوعية. فقد قام باحثون فى جامعة بنسلفانيا بتحليل نشاط المخ لأشخاص يقرأون مقالات على موقع جريدة نيويورك تايمز، وطلب منهم مسبقا أن يحددوا ما إذا كانوا ينوون أن يشاركوا هذا المقال فيما بعد. وقد كان الغرض من التجربة هو معرفة إذا ما كان تحليل النشاط الدماغى سيفيد فى توقع إن كانت معلومة ما ستنتشر على مواقع التواصل أم لا، وهو ما ثبت إمكانيته بالفعل عن طريق مقارنة عدد المشاركات الفعلية للمقال بصور الرنين المغناطيسى(IRM) للمشاركين، ويفسر ذلك بنشاط «نظام التقييم» المتكون من القشرة الأمامية الوسطى، والمنطقة السقفية البطنية للمخ: إذ كلما ارتفع نشاطهما فى  أثناء القراءة انتشر المقال على الإنترنت أكثر.فالأولى مسئولة عن التحفيز والمتعة، فيما الثانية مسئولة عن ضبط السلوك الاجتماعى وتحسين صورة الفرد فى المجتمع.تشير هذه النتائج إلى أن قرار مشاركة المقال يرتبط باستباق ردود فعل الآخرين(هل سيحب أصدقائى الافتراضيون هذا المحتوى)، وبالرغبة فى رفع المكانة الاجتماعية ولا يرتبط مطلقا بتقدير مدى صحة المعلومة. فردود الفعل حول المحتوى، المنشور-مهما تكن طبيعتها- تترجم كنوع من التقدير، وتعد كمكافأة فى حد ذاتها، وهذا ما يسهم – بلا شك- فى اتساع استخدام مواقع التواصل الاجتماعى فحتى المعلومات المغلوطة تأخذ سبيلها فى الانتشار. فما توفره مواقع التواصل الاجتماعى، على وجه الخصوص، من سهولة فى تشارك المعلومة ونشرها يجعل أى رأى قابلا للتحول بسهولة إلى معلومة خاصة. كما توصل والتر كاتروتشوكى وفريقه فى معهد(IMT) للدراسات المتقدمة فى مدينة لوكا الإيطالية إلى كيفية عمل فيسبوك على تضخيم انحياز الإثبات عن طريق الخوارزميات»المشخصنة. إذ تقوم هذه الأخيرة بخلق جماعات منغلقة على بعضها بعضا، وتميل إلى الاستقطاب، أى التمسك برأيها وجعله أكثر جنوحا نحو التطرف. لذلك، فإن الشروط قد أصبحت مجتمعة لظهور الحد الأقصى: إن الحقيقة اليوم تختفى وراء كم من المعطيات الكاذبة والتقريبية، ولذلك فقد فقدت سلطتها التوجيهية. إذ كيف يمكن محاربة ما بعد الحقيقة مادامت أنها تقوم على عدم الاعتراف بالفرق بين الواقع الموضوعى والآراء الشخصية؟ .

مأزق الديمقراطية فى عصر «ما بعد الحقيقة»:

لا جدال فى أننا إزاء حقبة جديدة من الخطاب العام، لا تمحص الحقائق ولا تفسرها فى غياب الحافز لدى الفرد والجماعة نحو التوصل إلى مشترك، أو على الأقل حقائق موثوقة، خاصة مع ارتفاع النزعة الفردانية.بدلا عن ذلك، يُنظر إلى الخلاف العام على أنه دورة دائمة، ولا نعرف إذا كانت ظاهرة ما بعد الحقيقة هى أحد تمظهرات هذا الوضع، أم هى من أهم مسبباته. وقد أدى نزع الشرعية عن الخطاب العام إلى أن تواجه الديمقراطية ذاتها أزمة شرعية ذات جهتين مرتبطين بشكل أساسى: واحدة معرفية، والأخرى سياسية، بينما يربط الواقع الاجتماعى بوضوح بين هذين البعدين. وفى ظل ذلك تخسر العملية السياسية، وآليات الخطاب السياسى ومؤسسات الحكم البيروقراطية، والنخب الثقافية، ووسائل الإعلام مساحات واسعة من الثقة، ويبدو فقدان الثقة هذا كأزمة سياسية. لقد صارت الحقيقة محل رهان بين تيارات شعبوية دوجمائية تعتقد اعتقادا راسخا أنها وحدها من يملك الحقيقة، وجماعات تنشط على الشبكة تضع كل شىء موضع الشك، حتى الحقائق العلمية التى أقرتها العلوم الصحيحة منذ قرون.

ولو أمعنا النظر مليا،  لأدركنا أن علاقة أغلبيتنا بالحقيقة اليوم، هى أقرب ما تكون إلى الجمع بين موقفين متناقضين: موقف المؤمن بفكرة المؤامرة الذى يزعم معرفة الظاهر والباطن فيما وراء نقد خصومه لسياسته، نقدا يرى فيه مجرد «أخبار كاذبة» يلفقها الخبراء ووسائل الإعلام، وموقف الدوجمائى الأصولى الذى لا يتورع عن تأكيد أحداث أو تقديم حجج يزعم أنها تعبر أحسن تعبير عما تؤمن به الأغلبية الصامتة.

بيد أن بعض المفكرين يذهب إلى القول إن التطورات المتلاحقة فى الساحة السياسية تندرج ضمن سلسلة تفاعلات متواصلة داخل الديمقراطيات الغربية، ولاسيما من خلال نشوء ثقافة المجموعات المتآلفة فيما بينها عبر المواقع الاجتماعية.وهى مجموعات تؤمن بقناعات واحدة وتشكل ما سماه الفيلسوف الأميركى كاس سانشتاين «غرف أصداء» أو«شرانق معلوماتية» عصية على النقض والدحض، حيث لاحظ سانشتاين أن وسائل الميديا الكلاسيكية يحددها ملمحان أساسيان هما التجارب المشتركة ولقاءات المصادفة، وأن الناس عندما يشاهدون التليفزيون أو يقرأون جريدتهم يتعرفون إلى أحداث مشتركة ويواجهون وجهات نظر لا يتبنونها بالضرورة، بل قد تثير حفيظتهم، ولكن الإنترنت والمواقع الاجتماعية لا تضعهم إلا أمام أخبار ووجهات نظر منتقاة مسبقا، وبذلك تَشكَّل نوعٌ من استقطاب الفضاء العام فى شكل مجموعات متلاحمة حول حقيقتها، بفضل ما يسميه «شلالات إعلامية» تتبادلها فيما بينها، فلا تزيدها إلا تصلبا وراديكالية. ويتساءل عن الذى يحدث للديمقراطية وحرية التعبير إذا استخدم الناس الإنترنت للاستماع والتحدث فقط إلى نفس التفكير؟ فما فائدة خيارات الإنترنت غير المحدودة إذا قام المواطنون بتصفية المعلومات التى يتلقونها، حيث يتجنبون الأخبار والآراء التى لا يريدون سماعها؟ فالأشياء على اختلافها غير حقيقية ما لم تكن فى مصلحتنا، مستجيبة لرؤيتنا للعالم.

ما السبيل إذن إلى  مقاومة الظاهرة؟

إن مجابهة ظاهرة «ما بعد الحقيقة» ليس بالسهولة التى يظنها البعض، إذ إنها تتمع بـميكانيزمات دفاعية. فنشر تصحيح للمعلومة الكاذبة مهما كان مدعما بتفنيدات موضوعية لا يقود فى الغالب إلا إلى تعزيزها، حيث يتم ذلك عبر تكرار المعلومة والزيادة فى انتشارها، وإعطائها الأهمية، مما يجعلها تعلق بالأذهان أكثر مما تستحق. على الجانب الآخر، غالبا ما تثير المصادر الرسمية الريبة، وتدفع المواطنين للشعور بأن هناك من يستهدف إقتناعاتهم، وأبرزها أن هناك من يعمل على استخدام كافة السبل لإخراس أصواتهم، وهو ما يؤدى فى النهاية إلى حدوث تأثير عكسى.وبذلك لن نبلغ ضالتنا إذا اكتفينا بإدانة أصحاب الأكاذيب أو القائلين بالمؤامرة، لأن الطرفين فى النهاية لا يبحثان عن الحقيقة بقدر ما يعبران، ولو بطريقة ملتوية، عن غضب جانب من الرأى العام، لأن الغاية هى محاولة فهم هذا الاستعمال المحرّف للشكِّ والمعلومةِ الذى يهدد التداول الديمقراطى، وكيف السبيل إلى تداركه، دون أن يضع المرء نفسه فى موضع الدوجمائى الذى يزعم امتلاك قول الحق عن الحقيقة.

يقول  الكاتب الأمريكى «ستيف تيسيش» فى كتابه «هزيمة أمريكا»:»لقد سعى كل الطغاة حتى اليوم إلى إلغاء الحقيقة. أما نحن، فنؤكد أن ذلك لم يعد ضروريا، لأننا اكتسبنا آلية ذهنية يمكن أن تنزع عن الحقيقة كلَّ أهمية.

لقد قررنا بحرية، بوصفنا شعبا حرّا، أننا نريد العيش فى عالم ما بعد الحقيقة. فى هذا العالم، صرنا من الآن فصاعدا محرومين من المعايير التى يمكن أن نقيّم بها الأشياء». فالبحث عن الحقيقة لم يحد عن غايته فحسب، بل صار مشتتا يمارسه من يشاء كما يشاء، حتى غدت المعلومة الثابتة «Fakenews»، والبدهية فى حاجة إلى دليل، ما ينذر باضطراب المدلولات والمصطلحات وارتباك الفهم.

بالتالى، يرى الكثيرون أن استعادة قدر معقول من الإيمان فى المؤسسات التمثيلية، وبالتالى إلى زيادة مشاركة المواطنين البناءة فى السياسة على المستويات كافة. لابد أن يتم من خلال المداولات المتدرجة استراتيجيا، بمعنى مداولات ذات جودة عالية فى العمق، بحيث يتحقق الهدف المرجو عن طريق  مجموعة صغيرة، ولكنها تمثيلية أو مجموعات من المواطنين غير المتخصصين، ثم تتم الاستفادة من نتائج تلك العمليات الميدانية  لتبادل المعلومات والحجج على مستوى وسائل الإعلام والحكم التمثيلى.

وهو نفس رأى «كاس سنشتاين» فى تشخيصه للظاهرة، وعللها، ووصف علاجها. إذ يرى أنه لا علاج لها إلا عن طريق إيجاد فضاءات داخل الإنترنت وخارجه، يلتقى فيها مواطنون من ذوى الخبرات والآفاق المختلفة والرؤى المتباينة، ولكن بشرط أن يكونوا هم أنفسهم مقتنعين بأهمية هذا العمل، مؤمنين بجدوى البحث عن حقيقة تعلو على معتقداتهم وآرائهم، وهو رهان ليس سياسيا فحسب، بل فلسفى بالدرجة الأولى، ليصب فى توسيع إطار التقييم الديمقراطى التداولى، وإضفاء الشرعية على الخطاب السياسى السائد على نطاق واسع.

إننا بحاجة إلى بديل تشاركى قوى لوضع أساس ثقافى مشترك لتحديد الأولويات السياسية، وكسر سيطرة النخبة فى تحديد بعد ما هو حقيقى وغير حقيقى. إن «إعطاء صوت» للمصالح المتنوعة يوفر سبيلاً نحو التوزيع العادل للمنافع الاجتماعية، وفى هذه الحالة يكون الهدف هو توليد الفهم من خلال الحوار النقدى الذى توصل إليه أصحاب المصلحة بشكل أكثر شمولاً لفهم مصالحهم، وربما تعديل هذا الفهم فى ضوء المصالح التى يعبر عنها الآخرون، بإعلاء الصراعات القيمة التى تظهر فى الحوار، على النقيض من البعد العاطفى فى الخطاب السياسى.  يجب أن تغدو المداولات الديمقراطية عملية معرفية تستند إلى المنطق، والنظر فى الأدلة، قائمة على مبادئ صالحة للجدال، والحوار النقدى، والذى بدوره يتحول إلى مداولات.

بجانب ذلك، تظل الطرق التقليدية محتفظة بأهميتها؛ إظهار الحقائق مهما تكن الظروف، وربح ثقة الآخرين عن طريق الجدية والحياد والتربية على الفكر النقدى منذ الصغر..فأياً ما يكن موقف الإنسان العادى من الحقيقة، فهو يعرف، تماما مثل بطل رواية أورويل «1984»، أن خير سلاح ضد البروباجندا هو التمسك ببعض البدَهيات، كقوله «الحرية هى أن تكون حرا فى أن تقول اثنان واثنان يساويان أربعة»، فإذا ما حاز ذلك ضمن البقية.

غير أن الأمر الأساسى يبقى فى افتقار الحقيقة نفسها لأسلحة تمكنها من ربح هذه المعركة، وربما يجب إعادة الاعتبار والخصوصية للخيال، لاسيما أن الحدود بينه وبين الواقع آخذة فى التلاشى حاليا..تؤكد «فرانسواز لافوكا» من جامعة باريس1  السوربون على ضرورة الفصل بوضوح بين الحقيقة والخيال، فإذا كنا كنوع بشرى نعشق الحكايات، فإن ذلك لا يمكن أن يمنعنا من الإصرار على البحث الدائم عن الحقيقة والوقائع. وهذه اللحظة التاريخية تستدعى منا ربما أكثر من أى وقت مضى أن نسعد بقدرتنا الهائلة على خلق عوالم بديلة، ولكن لنتعلم من جديد كيفية الاستمتاع بها، دون الحاجة إلى خلطها بالواقع.

 

المصادر:

CassR. Sunstein٫ Republic.com2.0٫Princetonuniversitypress٫2007

JeremyRifkin٫ TheThirdIndustrial-Revolution; HowLateralPowerisTransformingEnergy٫ theEconomy٫ andtheWorld٫PalgraveMacMillan٫2011.

جين تشابمان ونك نوتول، الصحافة اليوم، ترجمة: أحمد المغربى، القاهرة:دار الفجر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2012.

 تورستن فريكه وأولريش نوفاك، ملف غوغل، ترجمة:عدنان عباس على، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، العدد 450: يوليو 2017.

SebastianDieguez٫Post-vérité: lafacesombreducerveau٫ Cerveau& Psycho.fr٫Publiéle21/04/2017.

VanessaLoubetPoette٫ Lireàlheuredunumérique:quelsenjeuxliésàlévolutiondessupportsdelecturecahiers-didactique-lettres٫1/2/2017.

HannesGrassegger& MikaelKrogerus٫ TheDataThatTurnedtheWorldUpsideDown٫motherboard.vice.com٫ 28Jan  2017.

DavidE. Meens٫ Facts٫ Values٫ andDemocracyWorthWanting: StrategicPublicDeliberationintheEraof

Trump٫PennStateUniversityPress٫ TheGoodSociety٫Vol. 26٫ No. 2-3٫ SpecialIssue: OnReintegratingFacts٫ Values٫Strategies(2017)٫ pp. 274-289

أبو بكر العيادى، البحث عن الحقيقة فى زمن الـ»فيك نيوز»،الملف، 25 فبراير 2018.http://www.almalaf.xyz/6710/

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة