رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

كانت الصور المتحركة ثورة فى عالم التأثير الجماهيرى، حيث تم اكتشاف قدرة الجمهور على الخلط بين صورة الواقع، والواقع الفعلى، وأن ما يتم مشاهدة صوره، يمكن الإعلان عن حدوثه، بينما الوقائع التى لا نملك لها صورا تحتاج إلى جهد كبير لإقناع الجمهور بصحة وقوعها.

لكن فى الحقيقة، ليست صور الواقع هى الواقع عينه. فالأفلام ليست سوى مجموعة من اللقطات التقطت كل منها على حدة، لتضاف الصور بعضها لبعض، ليضاف لها شريط للصوت ، لكى تعطى فى النهاية الإحساس باستمرارية الحدث داخل الزمان والمكان، والإيحاء بالنقل الحرفى للواقع. وبالرغم من ذلك، فإن صانعى الأفلام ينجحون فى إيهامنا بواقعية ما نشاهد من أفلام (روائى، أو تسجيلى، أو ريبورتاج إخبارى)، فما تفسير نجاحهم فى ذلك؟، وما السبب الرئيسى فى قدرة صانعى الصور المتحركة على إقناع المتلقى بأن الصور التى يتلقاها من على الشاشات هى صور متصلة تنقل أحداث منسجمة، بالرغم من تصوير مشاهد الفيلم المعروض بشكل مفتت مشرذم، ومنفصل، ليتم تجميعها بعد ذلك؟ يكمن الجواب فى التشابه الكبير بين آليات الرؤية عند الإنسان، وآليات صناعة الصور المتحركة، وعرضها على المشاهد.

فالعين البشرية تعتاد غلق الجفون جزء من الثانية، بغرض حماية القرنية، أى أن الإنسان معتاد على انقطاع الصورة التى يشاهدها، فى أجزاء من الثانية، دون أن يحس بانقطاع ما يشاهده أمام عينه. وهو ما يتشابه مع آليات صناعة الفيلم وعرضه على المشاهدين، حيث إنه بعد تصوير المشاهد المختلفة يتم لصقها فى عملية المونتاج التى بها الكثير من الانقطاع وعدم التواصل، لكن المشاهد يعتاد عليها ولا يحس خلالها بأى انقطاع، مثلما هى الصور فى الواقع متقطعة أمام العين، ولكن الإنسان يقوم بوصلها ذهنيا. وكذلك يلعب حقل محيط الرؤية الخارجى (ما تراه العين خارج إطار الرؤية الأساسى ولا تركز على تفاصيله) دورا كبيرا فى الإيحاء بأن هناك نوعاً من أنواع الاستمرارية فى علاقة ما سبق بالنسبة لما يلحقه، متخطيا أى انقطاع فى الرؤية، نتيجة لغلق الجفون.

وتتغير فى الأفلام المشاهد الأمامية الإستاتيكية، عبر تنوع زوايا، ومحاور، ومسافات وضع الكاميرا، الذى يمحى الوضع الثابت الحقيقى والفعلى للمتفرج أمام الشاشة، ليحل محله استمرارية زمنية، مكانية، وهمية، تعطى للمتفرج الإحساس بواقعية مفتعلة لما يراه أمامه.

الرؤية عملية ذهنية:

عندما تهم العين البشرية بمشاهدة شىء معين، فإنها تقوم باكتشاف الفضاء المحيط لهذا الشىء، عبر قيامها بعملية مسح لحقل الرؤية الذى يقع فيه الشىء  الذى يتوجه النظر إليه، وتكوين صورة له فى قاع العين (صورة مقلوبة)، ثم تقوم بإعادة إسقاط الصورة المكونة فى قاع العين مرة أخرى على جسم الشىء  الذى تمت رؤيته(صورة صحيحة).

هنا تتكون الصورة فى أذهاننا، وينقل إلينا العديد من المعلومات الخاصة بالشىء ، الذى تمت رؤيته (أبعاده الهندسية، ولونه، وبعد أو قرب مسافته منا). كل ذلك هى معلومات عن المظهر الخارجى للشىء  الذى تمت رؤيته، لا تخبرنا عن طبيعة الشىء  وحقيقته، فهناك فجوة بين المظهر الخارجى للشىء  الذى تتم رؤيته، وطبيعته الفعلية، ويتم ملء تلك الفجوة من خلال المعرفة التراكمية، والخبرات المكتسبة، فى ذهن كل شخص عن هذا الشىء .

فعملية إدراك طبيعة ما نراه، وإيجاد دلالة له، تأتى عندما يعاد إسقاط الصورة المكونة فى قاع الشبكية على جسم الشىء  الموجود فى حقل الرؤية الأمامية، ولكنها عملية إعادة إسقاط محملة بكل التراكم المعرفى المكون لدينا عن الشىء  الواقع فى مجال رؤية العين.

فالصورة التى تراها العين هى انعكاس ميكانيكى لصورة الواقع المرئى (تعبير بصري/ المدلول عليه)، لشىء  يبحث فى ذهننا عن المقابل المعرفى (الدلالة) له، داخل سلم التراكم المعرفى للخبرات والمعلومات الذهنية الموجودة لدينا.

مثلها مثل المدلول الصوتى (الكلمة)، والتى تقوم باستدعاء دلالتها الفعلية المقابلة لها من رصيد الكلمات المتراكمة لدينا فى قاموسنا  اللغوى الشخصى، والذى يتكون عبر معرفتنا لأى لغة. أما إذا كانت المدلولات الصوتية (مجردة / مبهمة)، وذلك حين يكون الصوت الصادر للتعبير عن شىء  أو عن فعل لا يطابق أيا من المفردات الموجودة فى قاموسنا اللغوى الشخصى، أو فى حالة اختلاف اللهجات داخل اللغة الواحدة، فإن الأمر يكون أكثر صعوبة، ويتطلب الكثير من الشرح والمجهود.

فى عملية الرؤية البصرية يكون الأمر أكثر بساطة، حيث تعكس صور عدد لا بأس به من الأشياء مضمون وحقيقة الأشياء نفسها، لكن تظل صور عدد لا بأس به من الأشياء مبهم، أى لا تعكس صورها مباشرة طبيعتها أو حقيقتها المباشرة، أو محتواها الفعلى، بل يستلزم المزيد من المعلومات المتراكمة والمختزنة لدى المشاهد حتى يجد تفسير للمشاهد التى يشاهدها.

ولتقريب المسافة بين التعرف البصرى على الشىء والتعرف العقلى على طبيعته، يلخص الإنسان طبيعة الأشياء فى استعمالاتها المباشرة. بمعنى أن رؤية مجموعة من الفواكه أمام العين تعنى أن لكل من يرغب فى الأكل، هناك فاكهة، وعندما تقدم السينما صورة لباب، فهذا يعنى أن هذا الباب سيفتح وسيخرج من خلاله شخص، حيث إن وظيفة الأبواب هى السماح أو عدم السماح بالمرور من خلالها. بنفس الطريقة، عندما تقدم لنا السينما صورة لرصيف فهذا يعنى أن عاجلا أو أجلا هناك من سيدخل الكادر متمشيا على هذا الرصيف، فالوظيفة «الاستعمالية» للأشياء هى أقصر الطرق لسد الفجوة بين التعرف البصرى على الشىء، والتعرف العقلى عليه، وإعطائه مدلولاً.

إن عملية الرؤية لدى الإنسان ليست سوى عملية لصق للمعارف المختزنة لدينا على الصور التى تم التعرف عليها تعرُّف أولى. فنحن نقوم بلصق بطاقات تعريف ذهنية على الأشياء التى تمت رؤيتها،(دراجة- شجرة- صندوق)، وعلى الأفراد (زحام من الأشخاص- عابر للطريق- امرأة)، بل وحتى على المواقف المختلفة (صراع- عراك- خطر- مشهد إغراء). نقوم بلصق بطاقات التعريف تلك بشكل أوَّلى، ولا نقوم بتحديد دقيق لكل مشهد، بشكل فردى منفصل، لأن الأمر يحتاج إلى وقت وتفاعل مع كل ما نشاهده أمامنا، حتى يتم تخطى الرؤية الأولية للأشياء، وتكوين نسيج فكرى متسق حول ما يحدث.

السينما تبحث عن مؤثراتها:

من هنا كانت كل عناصر التعبير فى السينما الدرامية، من إضاءة، وأداء الممثل، واختيار حجم الكادر، لها أهمية كبرى فى تحديد معانى الصور المتلاحقة والمتتابعة على الشاشة أمام المتفرجين. فأى صورة لوجه محايد من الممكن أن تكتسب معانى، وأن تحمل  بدلالات، إذا تمت إضاءة هذا الوجه بشكل محدد، بل سنجد فى حالة السينما الدرامية، أى تعبير على وجه الممثل من الممكن أن يعطى دلالات على الحالة النفسية للشخصية، دون الحاجة، حتى إلى أى جمل حوارية للتعبير عن حالته النفسية. كذلك كلما اقتربت الكاميرا من وجوه الممثلين كانت قادرة على نقل تعبيرات وجوه الممثلين (التى يتم إضاءتها بشكل معين)، لذا فإن الأفلام فى الفترة الصامتة كانت تذخر باللقطات المكبرة لوجوه الممثلين، حيث كان يستعان بتعبيرات وجوههم بديلا عن الجمل الحوارية، التى لم تكن موجودة مع السينما الصامتة.

بل إن المونتاج نفسه، أو ما اصطلح على تسميته بالعربية بعملية «التوليف»، والذى يتم عبر لصق لقطات ومشاهد الفيلم بعضها ببعض، من أجل خلق حالة التتابع السردى (سواء فى الدراما أو الأعمال التسجيلية)، هو فى حد ذاته حالة من التنسيق، الغرض منها التأثير على المشاهد بالشكل المراد من قِبل صناع العمل. أكبر مثال واضح على تأثير المونتاج الخادع فى تاريخ السينما، تلك التجربة التى يطلق عليها (تأثير كوليشوف).وهى تجربة قام بها المخرج السوفيتى ليف كوليشوف عام 1921، خلال محاضرته فى المعهد العالى للسينما بموسكو، عندما قام بأخذ لقطة من فيلم سابق للممثل السوفيتى «إيفان موسجوكين»، وهى لقطة محايدة كلية، ينظر فيها الممثل فى اتجاه اليمين لخارج الكادر. وقام بتكرار تلك اللقطة ثلاث مرات، ولكن فى كل مرة كان يتبعها بصورة محددة. فمرة كانت الصورة التالية للقطة الممثل «موسجوكين» هى طبق من الحساء الساخن، ومرة أخرى لصق لقطة موسجوكين، وهو ينظر لخارج الكادر مع صورة جثة طفلة موضوعة داخل تابوت، وفى المرة الثالثة كانت نفس اللقطة يليها لقطة امرأة مستلقية على أريكة فى وضع مغرٍ. وعندما طلب كوليشوف رأى طلابه فى المشاهد الثلاثة التى عرضها عليهم بعد لصقهم بشكل متتالٍ فى صورة فيلم قصير، فكان ردهم جميعا هو الإشادة بالقدرات الفائقة للممثل موسجوكين الذى استطاع ببراعة تجسيد مشاعر متباينة. فقد وجد الطلاب أن صورته التى تسبق لقطة طبق الحساء، ليست سوى تجسيد للشعور بالجوع، وكذلك وجد الطلاب أنه قد برع فى تجسيد الحزن من خلال نظراته، عندما كان ينظر إلى الطفلة داخل تابوتها، أما فى الحالة الثالثة، فإنه عبَّر خير تعبير عن حالة الهيام والغرام من خلال نظرته للمرأة المستلقية على الأريكة. بالطبع كل تلك الأحاسيس تولدت لدى الطلاب بمعهد السينما العالى فى الاتحاد السوفيتى السابق، نتيجة لعملية المونتاج ولصق صور الممثل موسجوكين مع صور أخرى، لأنه فى الحقيقةالفعلية لم يشاهد موسجوكين أياً من اللقطات الثلاث، وأن عملية التوليف أو المونتاج هى التى خلقت هذا الانطباع، ومن هنا تأتى خطورة عملية المونتاج فى تحميل الصور لمعانٍ الغرض منها التأثير فى المشاهد، وبالطبع هذا ينطبق على كل أنوع الصور المتحركة، سواء كانت وثائقية تسجيلية، أو روائية درامية.

وبالتالى فإن دلالات الصور المتولدة لدينا هى التى تحدد القاموس المعرفى للصور خاصتنا، لذا فإن تكرار بعض الصور مرارا يحولها إلى أكليشيهات ذهنية لدينا. فمثلا عند مشاهدتنا لصور هندى أحمر، فإن الأمر يعنى قدوم خطر وشيك، نتيجة لكل أكليشيهات السينما الأمريكية المعروفة. وإن وجدنا صور لتجمعات لزنوج أو عرب فى نشرات الأخبار الغربية، فإن المشاهد يكون مؤهلاً لتقبل أخبار عن عنف وشغب، لربط صور تلك الأقليات فى ذهن المشاهد الغربى بالعنف، مع تكرار صور العنف المرتبطة بالأقليات. وبالطبع مع وجود الصوت، فإن أى تعليق على صور مشابهة يقود المشاهد نحو ما يهدف إليه مرددوه من إدانة لتلك الأقليات، بغض النظر على التحقق من صحة ما يقال من عدمه، لأن الصور وتحولها لأكليشيهات ذهنية نمطية، قد حسمت الأمر منذ البداية.

صور لا تبحث عن دلالات:

عرفنا أن الصور يتم التعرف عليها ذهنيا، بعد أن تم التعرف عليها بصريا، أى أن الصور تبحث عن مدلولاتها فى المخزون المعرفى لدينا، حتى نعطيها معنى. وبما أن الصور تبحث عن دلالاتها لدى كل فرد، فإن السينما تعمل على إعطاء صورها دلالات، عبر الإضاءة، وحجم اللقطات، والأداء التمثيلى فى حالة السينما الدرامية، وبالطبع من خلال التوليف والمونتاج. ويأتى فى النهاية التعليق من خلال صوت خارجى يعلق على الأحداث، يحدد لنا دون أن ندرى وجهة نظر صانعى الأفلام، والتى يريدون لنا أن نتبناها فى حالة السينما التسجيلية.

لكن قاعدة الصور المتعرف عليها بصريا، والتى تبحث عن دلالة ذهنية لدينا، ليتم إعطاؤها معنى ومضمون، لها استثناءات. حيث لا تحتاج صور الجسد البشرى، خاصة الفاضح منها، إلى استدعاء مدلولاتها العقلية لدينا، حتى تكتسب معنى. فهى ذات دلالة فى حد ذاتها، حيث إنها تخاطب الغريزة لدينا ولا تخاطب العقل. فصور العرى تخاطب المتع الجسدية لدينا، وبالتالى ليست بحاجة لمدلول عقلى، وهى ذات مدلول عالمى موحد لدى الجنس البشرى كافة، وليست الصور المثيرة لجسم الإنسان فقط هى التى لا تبحث عن دلالات ذهنية لدينا لتكتسب معنى، بل كل صور الجسم البشرى تحوى بذاتها معناها بداخلها.

الاستثناء الآخر، هو الاستثناء الأكثر خطورة، ويسمى  الصورة (المخالفة للقواعد الراسخة)، أو الصورة المخيفة؛ وهى الصور التى تخالف وضع العالم وترتيبه فى أذهانا، وتقديمه لنا فى حالة من الفوضى، واللاقانون، والتشوه، مثال تلك الصور التى تقدمها لنا نشرات الأخبار من حوادث، وزلازل، وسيول وانهيارات أرضية، أو حروب، أو مجاعات، وهو ما يخلق حالة توتر وخوف شديدتين فى ذهن المشاهدين، مما يجعلهم يقبلون بأى حل يمكنه أن يبعث فى داخلهم أمل العودة إلى حالة الهدوء والسكينة، واستتباب النظام كما كان فى السابق، لتتطابق صورة العالم مع الصورة السابقة المرتبة فى ذهننا.

عندما يرى الإنسان أى شىء  فى عملية المشاهدة، فإنه يقوم بعملية مزدوجة : الأولى سريعة خاطفة (فى زمن من 50 إلى 100 ملى ثانية)، تقوم بتحديد الأبعاد الهندسية للشىء، ولونه، وعلاماته المميزة. أما العملية الثانية، فتتم من أجل تحديد طبيعة هذا الشىء، وتتمثل فى إعادة إسقاط الصورة المكونة فى قاع العين مرة أخرى على جسم الشىء  نفسه، محملة بمعلومات ذهنية عنه، حيث تعد العين البشرية أصغر جهاز فى العالم يستطيع أن يعكس صوراً  أكبر من حجمه بكثير. بهذه العملية يتم الانطباق بين صورة الشىء  وطبيعته، وتلك هى العملية التى تسمح لنا بالتعرف على العالم المحيط وفقا لما لدينا من خبرات ومعلومات عن عناصره ومفرداته.

فى العملية الثانية، التى تقوم على استكمال المعلومات حول طبيعة الشىء  داخل رصيدنا الذهنى المعرفى، تكون الأمور أكثر تعقيدا، حيث يتم استدعاء مدلولات الشىء داخل عقلنا من أجل إعطائه معنى. لكن فى حالة الخطر أو الخوف، أو ما يمكن أن يوصف بأنه وصول إشارات سريعة للمخ، عبر الصور الأولية، بأن هناك خطراً يحدق بنا، وقد يهدد حياتنا، فى تلك اللحظة، إن لم تكن لدينا السرعة فى إعطاء معنى خاطف للصور الأولية التى لقطتها العين بالشكل الذى يسمح لنا باتخاذ قرار سريع لننجو بأنفسنا من هذا الخطر، فإن حياتنا قد تنتهى. فمثلا، عندما نشاهد أسداً طليقاً فى الغابة، فإن المعلومات لدينا عن الأسد كثيرة، منها أنه ملك الغابة، وهو من نفس الفصيلة التى تنتمى إليها القطط الأليفة ... الخ. لكن فى الحقيقة، ليس لدينا أى وقت لكل هذه التفسيرات، فغريزة البقاء لدينا هى التى تدفعنا إلى رد فعل سريع مبنى على أن الأسد هو حيوان مفترس من أكلة اللحوم، لذا فيجب الاختباء أو الهرب. وكذلك، عندما نشاهد سيارة مسرعة تقترب من أماكن وجودنا فى الشارع، فالذهن قد يرسل معلومات ــ فى الحالة العادية ــ عن نوع السيارة، ولونها، وتاريخ إنتاجها، لكن فى حالة استشعار الخطر، وعند الإحساس بأن حياتنا قد تكون مهددة، فإننا نتخلى عن البحث عن معلومات إضافية عن السيارة المسرعة، ونحاول التنحى بعيدا عن مسار السيارة وننجو بحياتنا.

أى أن الاستثناءين على قاعدة آليات الرؤية، أحدهما يخص الجسم البشرى والغريزة، والاستثناء الآخر يخص صور الخطر. هاتان الصورتان لا تحتاجان إلى أى تفسير ذهنى منا، نستدعيه من خلال السلم المعرفى التراكمى لدينا، فهذان النوعان من الصور يخاطبان الغرائز.

ويقابل صور الخطر تلك فى السينما، ووسائل الإعلام، صور(مخالفة القاعدة)، والتى أشرنا إليها مسبقا، وهى تلك الصور التى يتم بثها أو عرضها، لتكسر صورة الواقع كما هو مرتب فى أذهننا، حيث إن القاعدة فى ذهن الإنسان أن يكون العالم هادئا آمنا، وأى صور مخالفة لتلك القاعدة تخلق لدى المشاهد حالة من التوتر وعدم الاتزان النفسى، مشابهة لمشاهدة صور الإحساس الفعلى بالخطر، ولكنها لن تؤدى إلى هرب المشاهدين، كما فى حالات الإحساس الفعلى بالخطر (ذلك لأن الشاشة تفصل بين المشاهدين والخطر)، وإن كانت هناك بعض الحالات يحمى فيها المشاهد نفسه عن طريق غلق عينيه حتى لا يشاهد مشاهد مرعبة أو عنيفة. تلك الحالة من التوتر تهيئ المشاهد لتقبل أى خطاب يبعث فى داخلة الأمل فى استتباب الأمن، والعودة لحالة الهدوء التى كانت موجودة قبل مشاهدة صور العنف. لذا، فإن التعليقات والتحليلات المصاحبة لصور العنف، والمخالفة لقواعد (النظام الثابت فى أذهاننا) تكون سريعة التصديق، حتى لو كانت مغرضة وغير حقيقية. ومن هنا، فإن صور العنف تستعمل كثيرا فى توجيه الرأى العام تجاه التوجه الخاص لأصحاب المحطات التليفزيونية وصانعى التقارير الإخبارية المصورة.

حيث يكفى إظهار صور المقابر الجماعية فى رومانيا، حتى يرتفع تأييد العالم، لما عرف بالثورة الرومانية، وإن اكتشفنا فيما بعد أنها ليست صورة أجساد تم استخرجها من مقابر جماعية فى إقليم «تيميشوارا» فى رومانيا، بل هى مجموعة من الجثث تم جلبها من مشرحة مستشفى البلد لتصويرها. كذلك كل الصور التى قدمت فى حرب الخليج الأولى عن العراق، مثال صور جيش صدام الذى ألقى الأطفال من الحضانات فى مستشفيات الكويت، بعد احتلالها. وكذلك، فى أثناء الحرب، بُثت صور من شاطئ نورماندى الفرنسى الملوث بزيوت البترول من بعد غرق ناقلة بترول عملاقة، على أنه شاطى الخليج عند الكويت، لاتهام الجيش العراقى بتلويث مياه الخليج بتفجيره آبار النفط فى الكويت. وأخيرا تجربة «الخوذ البيضاء» فى سوريا، التى تمهد بأفلامها لهجمات التحالف الغربى على سوريا، وقد وصل الأمر إلى منح جائزة الأوسكار لفيلم وثائقى صنع عن منظمة «الخوذات البيضاء»، مع أن المنظمة نفسها هى من يستحق جائزة الأوسكار تلك!

تمتلك مثل تلك الأخبار والتقارير المصورة المصداقية، لأنها مدعومة بالصور، وبالتالى بالحقيقة، ولا مانع فى تكذيبها بعد ذلك عندما تكون قد حققت غرضها ودورها فى التمهيد للعمل العسكرى. وبالطبع، لسنا هنا بصدد إصدار إدانات لدول أو حكومات، أو التلويح بنظريات المؤامرة، لكن الغرض هو محاولة توضيح أسباب سطوة الصورة، وقدرتها على تحريك الرأى العام، وجذبه فى الاتجاه المرغوب فيه، والمراد له.

الواقع ليس هو صورة الواقع:

أدى انتشار صور العنف فى النشرات التليفزيونية إلى تحولها إلى مجال للتنافس بين محطات التليفزيون المختلفة فى العالم. فمن كانت لديه صور أكثر إثارة (خوف – اضطرابات- حوادث) يحصل على نسبة أكبر من الإعلانات، ومن هنا تسابقت كل محطات التليفزيون للحصول على صور (مخالفة القاعدة)، لما لها من جماهيرية، فأصبحت الصورة أهم من الخبر، وتمت التضحية بالجوهر لمصلحة المظهر. وزادت الأمور تعقيدا مع التطور التكنولوجى، ومشاركة كل مواطن فى عملية صنع الصور، وليس المحترفين فقط، وإمكانية بث تلك الصور على الإنترنت، هذا بالإضافة لكاميرات المراقبة الموجودة فى كل مكان تقريبا، حيث أصبحت الصور، فى كل مكان أيضا منها ما هو صحيح، ومنها ما هو مزيف، ومنها ما يحمل تعليقات موضوعية على الحدث، ومنها ما يحمل أخباراً كاذبة، وتعضيد لنظريات المؤامرة أيضاً. ولم تعد الحكومات فقط هى من تحتكر القدرة على خلق أخبار مزيفة أو استعمال الصور من أجل حشد الجمهور والرأى العام، بل كل جماعات الضغط، والتجمعات الأيديولوجية. ومن هنا، أصبح  الكثير من الحكومات يواجه سلاحاً كان حكرا عليها فى عصر التليفزيون والسماوات المفتوحة، أما فى عصر ثورة الاتصالات، أصبح عليها أن تواجه كل ما ينشر، سواء كان صحيحا  أم لا، حتى تظل مسيطرة على أغلبية الرأى العام، وتظل الصور فى عالم الاتصالات الجديد هى «السيد»، لما لها من سطوة على المتلقى.

خطورة هيمنة الصورة (وخاصة صور مخالفة القاعدة) تأتى أيضا من أن الأخبار المزودة بصور مؤثرة (صور كسر القاعدة) تحتل المقدمة عن تلك الأخبار التى لا تمتلك صور جذابة، حتى لو كانت أخبارا أكثر أهمية. بالطبع، إعطاء الأهمية لأخبار بعينها عن أخبار أخرى  ترجع لسياسات المحطات التليفزيونية نفسها، وتوجه القائمين عليها، لكن نحن نتكلم هنا عن أخبار قد تأخذ أهمية فى ترتيبها فى النشرات، حتى لو كانت عن موضوع تافه، لأنها تمتلك فيديوهات مثيرة.

كما أن الواقع لا يخلق من نفسه صورا له (الواقع لا يلتقط سيلفى)،  فلابد من أعين ترى هذا الواقع، وكاميرا تصوره، وبالتالى وجهة نظر خارجية عنه. قبل تصوير الواقع، يجب أن تتم دراسة هذا الواقع ونقاط تشابكه وتعقيداته، وعناصره التى لا تظهر أمام الكاميرا. وبالطبع يتم تجميع المشاهد واللقطات المصورة للواقع المحدد فى لحظة زمنية محددة، لجعل الوثيقة الفيلمية وحدة متجانسة، وتحويل ما تم تصويره بشكل متفرق إلى وحدة واحدة. ومن هنا فإنه مهما كانت الأفلام الوثائقية المصورة تبدو حقيقية وناقلة للأحداث بشكل واقعى، فإنها ليست محايدة، فقد تم تصويرها من قبل مصورين قاموا باختيار أماكن وضع كاميراتهم وزوايا التصوير، وكتاب كتبوا التعليقات المصاحبة للأفلام، التى من خلالها يحاولون توجيه الأحداث فى الاتجاه الذى يطابق وجهة نظرهم المكونة بشكل مسبق، وبالطبع تكتمل الصورة مع المونتاج الذى يجعل من ترتيب المشاهد واللقطات، معنى مختلف عن ذلك الذى التقطت فى ظله.

إن تلخيص الحقيقة إلى كونها ما هو مرئى فقط، أى كل ما تراه العين فقط، هو تبسيط مخل. فحتى لو كانت الصور لا يشوبها أى تلاعب فني( خدع سينمائية)، أو لو كان عرض الأحداث صادقا إلى حد كبير، ولم يتخلله أى أكاذيب، تظل الصورة غير قادرة على نقل عمق الأشياء والأحداث، فالصورة لا يمكن لها أن ترى الجزء الخفى من جبل الحقيقة الثلجى العائم.

فعند إذاعة نشرات الأخبار صوراً، لحادث من حوادث الطرق، فإنها تنقل لنا صور المصابين والسيارات المقلوبة على الطريق، ولكنها لا تستطيع من خلال الصور التى يتم بثها على الهواء مباشرا أن تذكر لنا الأسباب الفعلية للحادث. فقد يكون ما تم تقريره فى نشرة الأخبار من إن الخطأ الإنسانى هو المسبب للحادث، ليس كليا مسئولية العنصر البشرى، حيث أن السيارة التى تسببت فى الحادث، والتى كانت سيارة نقل كان يقودها سائق مرهق، أخذته غفلة من النوم فى  أثناء القيادة، هنا هل تنحصر المسئولية فى شخصه بمفرده، أم تشترك معه الشركة التى يعمل لمصلحتها، والتى تجبره على العمل ساعات طويلة دون راحة، وكذلك مسئولية شرطة المرور التى لا تطبق آليات مراقبة فعالة، لمدد عمل السائقين، ومدد راحتهم؟ كل هذا لا تستطيع الصور المنقولة على الهواء أن تنقله لنا، فالصورة عاجزة عن تقديم تفاصيل عميقة عن الحدث، ويحتاج الأمر إلى تحقيقات أعمق، وأدق بدون تصوير.

رغم ذلك، ستظل الصورة هى صاحبة السطوة والكلمة العليا فى قضية الحقيقة، والمصداقية، حتى لو كانت تستخدم فى الكثير من الأحيان لطمس الحقيقة وتزييف الوقائع، لكن بما أنه ــ مع تعدد وسائل البث ــ لم يعد لأحد القدرة على احتكار الحقيقة (أو تزييفها)، لذا فإن الحكومات فى جميع أنحاء  العالم تسعى لسن قوانين لعقاب من يبث أخبار مزيفة، محاولة منها لاستعادة احتكارها للحقيقة (أو لتزييفها)، فمن سينتصر فى تلك المعركة الشرسة؟

 

المراجع:

-SIROTBenoit، limageetlespouvoirs, revueEtudier٫ 16 avril2015، France.

-Marie-JeanneZenetti, Mentirdémentir enimages, Écrirelhistoire, n°9 (printemps2012) : «Mensonges(1)».

-Jean-LouisPoitevin,Images, médiasetmensongechezHannahArendt,TK-21 LaRevue, n° 5, Séminairedu7 décembre2011.

-HansBelting, Lavraieimage. Croireauximages ?, Paris, Gallimard, coll. « Letempsdesimages », 2007.

-HeleneJoffe, Lepouvoirdelimage: persuasion  émotionetidentification,  RevuesDiogènePressesUniversitairesdeFrance,2007/1 (n° 217).

 ــ ريجيس دوبريه, حياة الصورة وموتها, ترجمة فريد الزاهي, دار أفريقيا والشرق, 2002.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة