رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، ترددت أصداء مصطلح «ما بعد الحقيقة» فى الدوائر الأكاديمية، والإعلامية، والافتراضية، تأثراً بالصدمة التى أعقبت صعود التيارات اليمينية والشعبوية، وتصدرها للساحات السياسة، استغلالاً لسيطرة التحيزات العاطفية، ومشاعر الغضب، والرغبة فى الانتقام على جماهير الناخبين فى الدول الغربية عندئذ، فقط تصاعد الإدراك أن «الحقيقة باتت مهددة».

وعلى الرغم من أن تاريخ البشرية لم يخل فى أى وقت من التدافع بين الحقائق والأكاذيب والتضليل، فإن الآونة الأخيرة قد شهدت توافقاً نادر الحدوث بين النخب السياسية والفكرية حول وجود اختلال هيكلى فى علاقة الأفراد بالحقيقة، وهو ما يتصل برفض مرجعية العلم والخبرة والتخصص فى تقييم مصداقية المعلومات أو انتشارها مضللة وسطحية، عبر المجال الافتراضى وتمسك الأفراد بقناعاتهم الشخصية حول الواقع بغض النظر عن مدى صحتها، كما أصبح الأفراد يشاركون فى «صناعة الحقيقة»، من خلال منصات الإعلام البديل التى منحتهم قدرات فائقة على التأثير فى قناعات الآخرين فقط، من خلال التعبير الجريء عن آرائهم، وامتلاك مهارات الترويج لها، والدفاع عنها.

يثير هذا المشهد شديد الضبابية تساؤلات حول أبعاد ودلالات «ما بعد الحقيقة»، ومؤشرات تصاعدها كظاهرة تهيمن على التفاعلات السياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى كيفية تشكيل هذا الواقع الجديد لعلاقة الفرد بالحقيقة والسياسة، وملامح «عالم السياسة» الذى تشكل نتيجة لتأثيراتها.

أولاً ـ الأبعاد النظرية لظاهرة «ما بعد الحقيقة»:

لا تعد ظاهرة «ما بعد الحقيقة» أحد مستجدات التفاعلات السياسية، فالتضليل المعلوماتى، وتجاهل الحقائق ارتبط بالنشأة الأولى للسياسة التى ظلت مقرونة بالتحكم فى تدفق المعلومات، والقدرة على تشكيلها، وإعادة صياغة الواقع لتحقيق المصالح والتأثير فى توجهات الجماهير، ووفقد تعبير جوزيف ناى، فإن القوة فى عالم السياسة تعد مرادفاً لصياغة الرواية الأكثر رواجاً وإقناعاً حول الأحداث والتطورات التى يشهدها الواقع(1).

يرجع صك مفهوم «ما بعد الحقيقة» (Post-Truth) إلى كتاب رالف كيس الصادر عام 2004 بعنوان «عصر ما بعد الحقيقة: التضليل والخداع فى الحياة الراهنة»، قاصداً تماهى الحدود الفاصلة بين الحقيقة والكذب والخيال، وهيمنة النسبية والغموض على التفاعلات السياسية، بينما أشار إريك ألترمان فى كتابه المنشور فى ذات العام بعنوان «عندما يكذب الرؤساء: تاريخ الخداع الرسمى وتداعياته» إلى مصطلحات «البيئة السياسية لما بعد الحقيقة» و«رئاسة ما بعد الحقيقة» تعبيراً عن توظيف إدارة جورج بوش الابن للتضليل والكذب المُتعمد لتبرير سياساتها(2).

وفى كتابه المعنون «عندما يكذب القادة: حقيقة الكذب والسياسات الدولية» الصادر عام 2013، أشار «جون ميرشيمر» إلى أن الكذب والتضليل والخداع قد أضحى ممارسات شائعة فى عالم السياسة وتعددت أنماط اختلاط الحقائق، وصياغة روايات غير واقعية، وترتيب الأحداث بطريقة خادعة، بهدف التأثير على إدراك الأفراد للواقع، والتشويش على قدرة الأفراد على معرفة الحقيقة الكاملة(3).

واكتسب مفهوم ما بعد الحقيقة زخماً متصاعداً عقب انتخاب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى عام 2016، وتصويت البريطانيين لمصلحة الانفصال عن الاتحاد الأوروبى، إذ تصاعد استخدام هذا المصطلح بنسبة 2000 %، وقامت المؤسسة التى تصدر قاموس أكسفورد باختياره ضمن الكلمات الأكثر تأثيراً فى عام 2016، بالإضافة إلى تعدد الكتب والإصدارات المنشورة عن المصطلح بحسبانه ظاهرة مركزية تستحق الاهتمام والتحليل(4).

ويقصد بمفهوم «ما بعد الحقيقة» السياقات التى تكون خلالها الحقائق أقل تأثيراً فى توجهات الجمهور من الإدعاءات غير الدقيقة التى تركز على المعتقدات والانحيازات الشخصية. بمعنى آخر، تصبح الانحيازات العاطفية ومشاعر الأفراد هى الفيصل فى الحكم على المعلومات، وليس مجريات الواقع فعلياً(5).

ويرى إيجناسكلبوكاس أن «سياسات ما بعد الحقيقة» هى الثقافة السياسية التى تتسم بانفصال الروايات السائدة فى الإعلام واتجاهات الرأى العام عن الواقع الفعلى، وهو ما يجعل السياسة مرادفاً للتضليل وإعادة صياغة الواقع، وفوضى المعلومات والبيانات، بحيث تغيب الحقيقة تحت ركام الأكاذيب والروايات المختلقة(6).

يرتبط ذلك بالانتشار غير المسبوق لمفهوم التضليل المعلوماتى (Disinformation)، والذى يقصد به تعمد نشر معلومات مغلوطة وغير دقيقة لخداع الجمهور، وهو ما يجعلها مختلفة عن «المعلومات الخاطئة» (Misinformation) التى تقوم على النقل غير الدقيق، وغير المتعمد للمعلومات. وفى هذا الإطار، تتمثل أهم أبعاد «ما بعد الحقيقة» فيما يأتى: 

1 - النسبية:تأسست ما بعد الحقيقة على أطروحات بعض فلاسفة ما بعد الحداثة حول نسبية الواقع (Relativism)، وإنكار وجود الحقيقة.فالرغبة فى تفكيك «السرديات الكبرى» التى تأسست عليها الحداثة قد أفضت إلى تصدع مفهوم الحقيقة ذاته، وإتاحة الفرصة لطرح حقائق متعددة (Multi-Truth) لوصف ذات الأحداث والتطورات فى الواقع، وفقاً لهوية ومعتقدات الجماعات المختلفة، فى إطار محاربة التهميش والاستبعاد من المجال العام والسياسة بصفة عامة، وهيمنة السلطة على الخطاب الجماهيرى بصفة خاصة.

تمخض عن هذه الاتجاهات الفلسفية تداعيات غير مقصودة (UnintendedConsequences) تمثلت فى التشكيك فى وجود الحقيقة ذاتها، والإدعاء بإنهيار الحقيقة أو شيوعها، وحق كل فرد فى صياغة الحقيقة الخاصة به، فى ظل اختلاط الرأى بالحقيقة، وتآكل الحدود الفاصلة بينهما(7).

2 - الاختزال: يرى منظرو «ما بعد الحقيقة» أن وسائل التواصل الاجتماعى قد فرضت واقعاً جديداً فى تعامل الأفراد مع الحقائق، إذ باتت المعلومات الأكثر تأثيراً هى الرسائل شديدة الاختصار، والتى تتضمن محتوى مباشر وشديد الوضوح لا يتطلب من الأفراد جهداً فى استقصاء المعانى والمضامين، أو قراءة نصوص مطولة تتسم بالتعقيد أو تعدد المصادر.

ففى عصر «ما بعد الحقيقة» تصبح التغريدات (Tweets) هى النمط الأمثل لتداول المعلومات، والتأثير فى توجهات الجمهور، وتراجعت أهمية الكتب النظرية، والمقالات المطولة، والدراسات الأكاديمية، وبرامج السياسات الحزبية فى تحديد رؤية الأفراد للعالم. وكقاعدة عامة أصبح كل ما لا يمكن أن يتم اختزاله فى 280 حرفاً ونشره على وسائل التواصل الاجتماعى معلومات هامشية لا يتم الالتفات إليها أو الاعتداد بها فى تشكيل رؤية قطاعات واسعة من الأفراد للواقع(8).

3 - السرعة: تصاعدت حركة انتشار المعلومات فى العالم بصورة غير مسبوقة، حيث باتت تتردد بين أرجاء العالم بسرعة خاطفة تماثل سرعة «انتقال صدى الصوت فى الغرف المغلقة»، وهو ما يعنى عدم وجود وقت كافى لتدقيق مدى صحة محتوى هذه المعلومات مما يزيد فرص انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة(9).

فى هذا الصدد، كشفت دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والتى نشرتها مجلة «ساينس» العلمية فى مطلع مارس 2018 أن المعلومات المضللة تنتشر بسرعة تفوق بمراحل نشر الأخبار الحقيقية، حيث كشف تحليل أكثر من 126 ألف موضوع تم نشرها على موقع تويتر للتواصل الاجتماعى خلال الفترة بين عامى 2006 إلى 2017 أن الأخبار الكاذبة تحظى بفرصة انتشار تفوق نظيرتها الحقيقية بأكثر من 70 %، كما تستغرق الأخبار الحقيقية ستة أضعاف الوقت المطلوب لكى تصل إلى العدد ذاته من المتابعين.

ووفقاً للدراسة، فإن مجرد إثارة الأخبار الكاذبة لاستغراب الأفراد ومخالفتها للمألوف لديهم، والنمطية السائدة فى المنصات الإخبارية التقليدية كان كافياً لاجتذاب ملايين المتابعين فى فترة زمنية قياسية، وبكلمات أخرى، تدفع صياغة الأخبار الكاذبة الأفراد للتفاعل معها، وتكوين مواقف حولها تتراوح ما بين الدهشة، والخوف، والرفض، والتأييد(10).

4 - الكثافة:بات على الأفراد التعامل مع تدفق ضخم للمعلومات من مصادر متعددة تشمل وسائل الإعلام التقليدية، ومنصات الإعلام البديل وشبكات التواصل الاجتماعى، مما أدى لتشكل بيئة افتراضية تحكمها فوضى المعلومات، مما يزيد من صعوبة التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة.

تزيد من حدة هذه الظاهرة التناقضات الكاملة فى تغطية الأحداث من جانب المصادر المختلفة، مما يؤدى لاختفاء الحقيقة ضمن هذا الكم الهائل من المعلومات، فاستغلت بعض المنصات الإعلامية هذه الأجواء الضبابية للترويج لمعلومات مضللة عبر نشرها من أكثر من مصدر، وبصياغات مختلفة، مما يجعل الأفراد يعتقدون خطأً فى مصداقيتها(11).

5 -الاختيار:يؤدى التدفق الهائل للمعلومات المتناقضة من مصادر متعددة ومختلفة فى طبيعتها إلى اعتماد الأفراد على العاطفة، والتفضيلات الشخصية والمعتقدات فى المفاضلة بين هذه المعلومات وانتقاء ما يعتبرونه «حقيقة» من وجهة نظرهم.

ففى هذا العالم شديد الاضطراب، تتعدد الروايات حول الحدث الواحد، وتنطوى غالبيتها على خليط بين المعلومات الدقيقة، والمضللة، والاحصاءات، والمعلومات فى إطار الصراع الضمنى على متابعة الأفراد وقناعاتهم الشخصية، والتنافس الحاد على تشكيل رؤيتهم للأحداث(12).

ثانياً - تشكل عالم «ما بعد الحقيقة»:

أدى التغير الهيكلى فى علاقة الأفراد بالحقيقة إلى تشكل واقع بديل يتسم بالنسبية، وانعدام اليقين، وتآكل الثوابت، وتوارى الحقائق خلف ركام هائل من الأكاذيب والمعلومات المُختلقة، والانحيازات الشخصية، والجدل غير البناء، أدى كل ذلك فى المحصلة النهائية لتغير خرائط الممارسات السياسية وتمرير قرارات مصيرية بدعم جماهيرى دون تقدير تأثيراتها السلبية.

فالإدعاءات التى نُشرت خلال حملات حشد الناخبين للتصويت لمصلحة الانفصال عن الاتحاد الأوروبى فى بريطانيا بأن عضوية الاتحاد الأوروبى تكلف الاقتصاد البريطانى أكثر من 350 مليون جنية استرلينى أسبوعياً وجدت صدى لدى مؤيدى التيارات اليمينية الذين تعاملوا معها كحقيقة وليس مجرد ادعاءات تعدم الأسانيد المنطقية(13).

فقد شهدت الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى عام 2016 طرحه لعدد كبير من المعلومات المضللة، من بينها ترويجه لعدَّ التغير المناخى خدعة، ورفضه للأسس العلمية التى تدعمها، والادعاء بارتفاع معدلات الجرائم فى ألمانيا بسبب التدفقات المرتفعة للمهاجرين واللاجئين، واتهام الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما بأنه لا يحمل الجنسية الأمريكية، وترويج اتهامات لمنافسه فى الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهورى، تيد كروز، بتورط والده فى اغتيال جون كيندي(14).

وصكت إدارة ترامب مصطلحاً جديداً للدفاع عن مواقفها المتناقضة، وهو «الحقائق البديلة» (AlternativeFacts).  ففى معرض دفاع «كيليان كونواى» مستشارة ترامب عن التقديرات غير الواقعية لكمَّ الحضور الجماهيرى فى حفل تنصيب ترامب، أشارت كونواى إلى أن الإدارة ألأمريكية «طرحت حقائق بديلة» للسائد فى وسائل الإعلام، حتى وإن لم تكن هذه الحقائق مؤسسة على براهين ودلالات تدعم مصداقيتها(15).

وقد تم توجيه اتهامات لروسيا بشن حملات مكثفة للتأثير فى توجهات الناخبين فى الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا عبر نشر العديد من الأخبار المزيفة، والتسريبات المعلوماتية المفبركة التى تدعم توجهات التيارات اليمينية المتطرفة والشعبويين، بهدف دعم وصولهم للسلطة وتقوض من مصداقية منافسيهم. ويرتبط ذلك بالتحقيقات التى تجريها لجنة التحقيق المُستقلة برئاسة روبرت مولر حول تدخل روسيا لدعم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية(16).

وقد تكون المعلومات المضللة مسئولة عن تأجيج الانقسامات والاضطرابات داخل الدولة، إذ أدى تداول مقطع فيديو لاختطاف أحد الأطفال عبر تطبيق واتس آب فى الهند، فى يونيو 2018، إلى انتشار العدوانية تجاه الغرباء فى القرى الهندية على الرغم من أن الفيديو لم يكن توثيقاً لأحداث وقعت فى الهند، وإنما جزء من حملة توعية مجتمعية لتهديدات اختطاف الأطفال فى باكستان(17).

على مستوى آخر، تسببت بعض المعلومات المضللة التى يتم نشرها عبر المنصات الإلكترونية فى تفجر أزمات دولية، حيث نشر موقع إلكترونى خبراً كاذباً حول تهديد إسرائيل بشن هجوم نووى على باكستان، وانتشر الخبر بسرعة فائقة فى وسائل الإعلام الباكستانية، وهو ما دفع وزير الدفاع الباكستانى بالرد على تويتر ،مهدداً باستخدام السلاح النووى ضد إسرائيل، مما تسبب فى توتر العلاقات بين الدولتين(18).

ثالثاً ــ سياقات صعود «أزمة الحقيقة»:

ترجع هيمنة «ما بعد الحقيقة» على العلاقة بين الفرد والواقع، إلى السياقات الاستثنائية التى تشكلت على مدى العقد الماضى، إذ تصدعت السلطة الوصائية لوسطاء المعلومات، مثل وسائل الإعلام التقليدية والمؤسسات الرسمية، وتبلور عالم موازِ للتدفق الحر للمعلومات أضحت فيه العلاقة مباشرة بين الفرد والمعلومة، نتيجة امتلاكه لأدوات لنشر المعلومات بسرعة خاطفة دون حواجز أو قيود.

وارتبط ذلك أيضاً بتغير التفضيلات السياسية للمجتمعات بصعود الاتجاهات القومية والشعبوية التى ترفض تحمل التكلفة الاقتصادية للعولمة نتيجة تضررها من المنافسة الاقتصادية، وحركة الهجرة ورؤوس الأموال، وهو ما أدى لتصاعد القبول للروايات التى تطرحها التيارات اليمينية، بغض النظر عن مصداقيتها، نتيجة تركيزها على مخاوف الأفراد وتفضيلاتهم، ومن ثم ارتبطت أزمة الحقيقة بسياقات متداخلة تتمثل أهم معالمها فى الآتى: 

1 - تراجع المرجعيات المعرفية: شهد عصر «التواصل الاجتماعى» تراجعاً فى قدرة المعرفة على تقويم وضبط توجهات الأفراد، حيث يرى توم نيكولاس فى كتابه«موت الخبرة: الحملة ضد المعرفة العميقة ولماذا هى مهمة؟» أن شيوع أدوات الوصول إلى المعلومات أدت لانحسار حجية المعرفة ورفض آراء الخبراء والنخب، وهو ما عبر عنه وزير العدل البريطانى، مايكل جوف، فى مقاله المنشور بصحيفة وول ستريت جورنال فى يونيو 2016 بقوله «لقد اكتفى الشعب من الخبراء»، تعبيراً عن رفضه لرؤى خبراء الاقتصاد محول  مخاطر الانفصال عن الاتحاد الأوروبي(19).

ولم تعد المعرفة العلمية، أو الخبرة والتخصص، أو حتى التفكير العقلانى المنطقى مسوغات كافية لنفى المعلومات المغلوطة، ويصف نيكولاس هذه الحالة بقوله إن «النظام التعليمى بات يعامل المدرسين كمحترفى تقديم خدمات، وليس كأفراد يعرفون أكثر من طلابهم، والصحفيون يتم دفعهم لتقديم ما يريده الجمهور، وليس ما ينبغى أن يعرفوه، وهو ما ترتب عليه تآكل الحدود الفاصلة بين الحقيقة والكذب»(20).

فى المقابل، تصاعدت أهمية القدرة على المناظرة، والجرأة فى الحوار ومهارات صياغة الحجج، وتوظيف المعلومات فى سياقات مغايرة للواقع لإقناع الجمهور، ودافعت بعض الاتجاهات بأن المساواة وحرية التعبير تعطى الحق للأفراد لمعارضة الحقيقة، وطرح بدائل تعتمد على تفضيلاتهم وآرائهم، بغض النظر عن مخالفتها للواقع والحقائق المثبتة، مع نفى السلطة المعرفية عمن يمكنهم مراجعة دقة هذه المعلومات(21).

وفى هذا السياق، أكد ستيفن سلومان، وفيليب فيرباخ أن إتاحة المعلومات عبر الإنترنت قد تسببت فى انتشار الوهم لدى الأفراد بمعرفة كل شىء ، وهو ما يتنافى مع اعتبارات التخصص المعرفى واستحالة المعرفة الموسوعية المطلقة، فى ظل التباين الحاد بين المعرفة، السطحية المُبسطة التى يمكن للفرد الوصول إليها عبر محركات البحث، والمعرفة العلمية العميقة وشديدة التخصص التى تتطلب دراسة أكاديمية وممارسة عملية لسنوات ممتدة(22).

2 - تصاعد تأثير النوازع الفردية:أدت النزعة الفردية المتصاعدة فى المجتمعات (Individualism) لتصاعد أهمية العوامل النفسية والإدراكية فى تشكيل تفضيلات الأفراد ورؤيتهم للواقع. ففى كتابها المعنون «ملكية الخوف»، تبين الباحثة مارثانوسباوم أن العاطفة أصبحت المحرك الأساسى لقرارات الأفراد فيما يتعلق بالسياسة بالمقارنة بتراجع تأثير الحقيقة فى التوجهات السياسية للأفراد.

وتؤكد الباحثة أن هيمنة الخوف على المجتمع الأمريكى، نتيجة لتداعيات العولمة الاقتصادية، أدت لتصاعد توجهات الكراهية والغضب لدى قطاعات مجتمعية واسعة، وهو ما تطور لاحقاً إلى اتهام الآخر والرغبة فى الانتقام منه، سواءً كان من المهاجرين، أو الأقليات، أو النخب السياسية والثقافية، وهو ما حفز التصويت العقابى ضد التيارات السائدة، مما أدى لانتخاب ترامب ومرشحين من خارج النخب السياسية التقليدية والتيارات السائدة(23).

على سبيل المثال، تمكن تنظيم «داعش» من توظيف وسائل التواصل الاجتماعى فى نشر أفكاره، والترويج لمعتقداته، واستقطاب عناصر من المتعاطفين لصفوفه، واستغل فى ذلك أن التفاعل عبر المنصات الافتراضية يعزز من التوجهات المتطرفة لدى الأفراد ويدفعهم للانتماء للمجموعات التى تتشابه مع آرائهم وتوجهاتهم، بالإضافة إلى تلبية احتياجات نفسية، مثل الاعتراف، وتقدير الآخرين، وتحقيق الذات، والانتماء للجماعة، وهى المُحفزات التى ركز عليها كل من خطاب التنظيم ومقاطع الفيديو التى ينشرها(24).

3 - الاندماج فى «المجال الافتراضى»: أدى الاتصال الدائم للأفراد بالإنترنت، والانخراط الكامل فى وسائل التواصل الاجتماعى إلى تراجع قدرتهم على التعامل النقدى مع المعلومات، والاعتماد الكامل على المجال الافتراضى فى الحصول على المعلومات والاستسلام لتكنولوجيا المعلومات، وهو ما أدى لتراجع المعرفة بأبسط القضايا، وتآكل القدرات التحليلية والإدراكية فى التعامل مع المعلومات(25).

وفى المقابل، استغل بعض الأفراد والفاعلين من غير الدول هذا المجال المفتوح الذى لا تحده أى قيود تعرقل التدفق الحر للمعلومات فى بناء منصات للإعلام البديل تقوم بنشر المعلومات بسرعة شديدة على نطاق واسع معتمدةً على تقنيات التلاعب بمستويات المتابعة والانتشار.

يرتبط ذلك بالتقدم فى تقنيات صياغة المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وأساليب صياغة العناوين الجاذبة، ومخاطبة اهتمامات قطاعات واسعة من الجمهور، بالإضافة لتوظيف حزم البيانات الضخمة (BigData) فى صياغة معلومات مضللة تتفق مع تفضيلات المواطنين. يستدل على ذلك بتورط شركة «كامبريدج أناليتيكا» فى الاستيلاء على بيانات ملايين المستخدمين بوسائل التواصل الاجتماعى وتوظيفها فى تحليل توجهات الناخبين(26).

4 - انتشار الانقسامات الفكرية والتطرف: أسهمت وسائل الإعلام الجديدة فى تصاعد انعزال الأفراد ونشأة «مجتمعات افتراضية مغلقة ومنعزلة» عن الواقع، وتغذية الانقسامات والتطرف فى التفكير وانحسار ثقافة التوافق والتفاوض والحلول الوسط.

يفسر كاس سنشاين هذه الظاهرة فى كتاب «وسم الجمهورية: الديمقراطية المُقسمة فى عصر وسائل التواصل الاجتماعى» بأن وسائل التواصل الاجتماعى منحت الأفراد القدرة على تهيئة تدفق المعلومات وفق قناعاتهم ومعتقداتهم، مع إمكانية استبعاد الحقائق والرؤى التى لا يتفقون معها، واستبعاد من يطرحون هذه الرؤى من دوائرهم الشخصية، مما يؤدى لتشكل جزر منعزلة وسجون معرفية (EpistemicPrisons) للأفراد المتشابهين فى التوجهات(27).

5 - صعود القبلية الجديدة:يؤكد فرانسيس فوكوياما أن الاقتصاد والأيديولوجية فقدا مكانتهما كمحدد للتفاعلات السياسية مقابل صعود هوية الجماعات التى تحدد خريطة التوجهات السياسية، فبالمقارنة بدفاع اليسار عن الأقليات والمهاجرين والجماعات المهمشة، فإن التيارات اليمينية تدافع عن الهوية القومية المرتبطة بالجماعات السائدة عرقياً ودينياً فى المجتمع.

إذا تسيطر على مواقف الجماعات الفرعية فكرة الدفاع عن الكرامة والتصدى للمهانة، فحركة «حياة السود مهمة» فى الولايات المتحدة تحتج على إهانة الشرطة للمواطنين من أصول أفريقية. كذلك الحال بالنسبة لناشطى الدفاع عن المرأة، وحقوق الأقليات الدينية. فى المقابل، تدافع تيارات القوميين عن الإرث الثقافى للأغلبية فى مواجهة المهاجرين، وهو ما يؤدى لسيادة «الحرب الثقافية» على العلاقات بين المجموعات المختلفة التى تتحول لما يشبه القبائل فى المجتمعات التقليدية(28).

وقد طرحت إيمى شوا الفكرة ذاتها فى تفسيرها لانتخاب ترامب، حيث ربطتها بشعور الأغلبية البيضاء فى الولايات المتحدة بالتهديد من فقدان سيطرتهم على الدولة مما دفعهم للتكتل كقبيلة منعزلة تسعى للدفاع عن مصالحها فى مواجهة النخب الاقتصادية والأقليات، وهو ما يعنى أن غريزة القبيلة كانت الدافع الرئيسى لانتخاب ترامب من جانب الطبقة العاملة البيضاء للتصدى للجماعات التى تضعها فى موقع التهديد(29).

6 - تنامى الشعبوية السياسية:لا تنفصل ظاهرة ما بعد الحقيقة عن هيمنة خطاب الشعبوية (Populism) على المشهد السياسى فى العالم. فقيادات نخب اليمين باتت تطرح القضايا المعقدة بصورة شديدة التبسيط تتوافق مع رؤى مؤيديهم، مع الإفراط فى منح الوعود بتحقيق التطلعات الاقتصادية والاجتماعية لهم باتباع سياسات مُبهمة تتسم بالغموض والجاذبية، على غرار وعود ترامب خلال حملته الانتخابية بإقامة جدار على الحدود الأمريكية – المكسيكية للتصدى للهجرة، وزاد ترامب على ذلك بأن المكسيك سوف تتحمل تكلفة هذا الجدار دون أن يوضح لمناصريه كيفية تطبيق هذا الهدف(30).

لا يكترث الخطاب الشعبوى كثيراً بحسابات المنطق والعقلانية والحقائق المُثبتة، بل يهتم فقط بمخاطبة عواطف ومشاعر المؤيدين، واستغلال الاستقطاب والانقسام، وإثارة مشاعر الغضب والعداء للآخر، والتلاعب بإدراك الجماهير للواقع لحشد تأييدهم السياسى، والحصول على أصواتهم(31).

وتعادى التيارات الشعبوية المؤسسات الراسخة، مثل الأحزاب، والبيروقراطية، والمؤسسات القضائية والتشريعية، وترى ضرورة تفكيكها وعدم جدوى وجودها ومسؤوليتها عن تردى الأوضاع الاقتصادية، وهو ما ينطبق على المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، واليونسكو ومنظمة التجارة العالمية، وكذلك مؤسسات التكامل الإقليمى، مثل الاتحاد الأوروبى، والتى يتم تحميلها مسئولية تباطؤ النمو الاقتصادى، وتصاعد البطالة والفقر فى المجتمعات(32).

لقد أصبح الحوار فى ظل الشعبوية مرادفاً لانعدام الجدوى فى ظل الاستقطاب الحاد فى المواقف والتعصب فى طرح الآراء وتشبث كافة الأطراف بمواقفهم، كما تتسم اللغة المستخدمة فى السجالات السياسية بالتدنى الشديد، وغلبة السخرية والتهكم، والإهانات، والاتهامات، على الخطاب مع الخصوم السياسيين، وهو ما يلقى قبولاً من مؤيدى الشعبوية(33).

ختاماً، على الرغم من أن تجاوز الحقيقة لا يشكل فى حد ذاته اتجاهاً جديداً لارتباطه بالنسبية التى تهيمن على إدراك البشر للواقع، واختلاف المنظورات والتفسيرات التى يعتقدون فى صحتها، وشيوع الكذب والتضليل فى ممارسة السياسة، فإن «ما بعد الحقيقة» تتجاوز مجرد الاختلافات الإدراكية للأحداث لتؤسس لحالة انفصال كامل بين الفرد والحقيقة تفقد فيه الحجج المعرفية، والبراهين المعلوماتية، وحسابات الرشادة والمنطق مكانتها ووزنا لمصلحة  العاطفة، والاعتقاد، والانحيازات الشخصية، وغيرها من النوازع شديدة التقلب والتغير وهو ما يؤدى لهيمنة الغموض، وانعدام اليقين، والعشوائية على التفاعلات السياسية.

الهوامش:

1 ــ JosephS. Nye٫ «CyberPower»٫ Cambridge٫ MA: BelfercenterforScienceandInternationalAffairs٫ HarvardKennedySchool٫ 2010٫pp.4- 12

2 ــ EricAlterman٫ «Whenpresidentslie: thehistoryofofficialdeceptionanditsconsequences»٫ London: PenguinBooks٫ 2004٫ p.10

3 ــ JohnJ. Mearsheimer٫ WhyLeadersLie: TheTruthaboutLyingandInternationalPolitics٫ Oxford: OxfordUniversityPress٫ 2013٫ pp.46 -48.

4 ــ  OxfordDictionariesWordoftheYear2016 isPost-Truth٫ OxfordDictionaries٫ November16٫ 2016٫ accessibleat:https://www.oxforddictionaries.com/press/news/2016 /12 /11/WOTY-16

5 ــ  Ibid.

6 ــ IgnasKalpokas٫ APoliticalTheoryofPost-Truth٫ NewYork: PalgraveMacmillan٫ 2018٫ pp.11-12

7 ــ  Ibidpp.103 -104 .

8 ــ  GabyHinsliff٫ HowTwitterisshapingthenewpolitics٫ TheGuardian٫ July31٫ 2016٫ accessibleat: https://goo.gl/mRGZnY

9 ــ   ChristopherPaul٫ MiriamMathews٫ TheRussian«FirehoseofFalsehood» PropagandaModel: WhyitMightWorkandOptionstoCounterit٫ SantaMonica٫ CA: RandCorporation٫ 2016٫ accessibleat: https://goo.gl/fnS8zs

10 ــ   SoroushVosoughi٫ DebRoy٫ SinanAral٫ Thespreadoftrueandfalsenewsonline٫ ScienceMagazine: Vol.359٫ No. 6380٫ pp.1146- 1151.

11 ــ ChristopherPaul٫ MiriamMathews٫ TheRussian«FirehoseofFalsehood» PropagandaModel: WhyitMightWorkandOptionstoCounterit٫Op.Cit

12 ــ  IgnasKalpokas٫ Op.Citpp.17- 18 .

13 ــ AnthonyReuben٫ RealityCheck: WouldBrexitmeanextra£350maweekforNHSBBC٫ April15٫ 2016٫ accessibleat: https://www.bbc.com/news/uk-politics-eu-referendum-36040060

14 ــ  MaggieHaberman٫ DonaldTrumpAccusesTedCruzsFatherofAssociatingwithKennedyAssassin٫ NewYorkTimes٫ May3٫ 2018٫ accessibleat: https://www.nytimes.com/politics/first-draft/2016/05/03/donald-trump-ted-cruz-father-jfk/

15 ــ  KellyanneConwaysaysDonaldTrumpsteamhasalternativefacts.’ Whichprettymuchsaysitall٫ TheWashingtonPost٫ January22٫ 2017٫ accessibleat: https://goo.gl/LY6ojk

16 ــ  Mueller: Russiaisstillmeddlinginourelections٫ TheNewYorkPost٫ June12٫ 2018٫ accessibleat:https://goo.gl/Ph5zSf

17 ــ  AlinaPolianskaya٫VillagerslynchivemeninIndiaoverchildkidnapgangclaimsspreadonWhatsApp٫ Independent٫ July2٫ 2018٫ accessibleat: https://goo.gl/JUsiSM

18 ــ   BenWestcott٫Dupedbyfakenewsstory٫ PakistaniministerthreatensnuclearwarwithIsrael٫ CNN٫ 26 December2016٫ accessibleat:

http://edition.cnn.com/2016/12/26/middleeast/israel-pakistan-fake-news-nuclear/

19 ــ  JosefJoffe٫ TheBacklashThatBecameBrexit٫ WallStreetJournal٫ June27٫ 2016٫ accessibleat: https://www.wsj.com/articles/the-backlash-that-became-brexit-1467059094

20 ــ  TomNichols٫ «TheDeathofExpertise: TheCampaignAgainstEstablishedKnowledgeandWhyitMatters»٫ NewYork: OxfordUniversityPress٫ 2017٫ pp.86-87

21 ــ  ShivVisvanathan٫ «Knowledge٫ JusticeandDemocracy»٫ in٫ MelissaLeach٫ IanScoones٫ BrianWynne(eds.)٫ «ScienceandCitizens: GlobalizationandtheChallengeofEngagement»٫ NewYork: ZedBooks٫ 2005٫ pp.83- 87

22 ــ  StevenSloman٫ PhilipFernbach٫ «TheKnowledgeIllusion: WhyWeNeverThinkAlone?»٫ NewYork: RiverheadBooks٫ 2017٫ pp.255- 260

23 ــ  MarthaC. Nussbaum٫ TheMonarchyofFearAPhilosopherLooksatOurPoliticalCrisis٫ NewYork: Simon& Schuster٫ 2018

24 ــ  نور سلمان، عصر ما بعد الحقيقة: اتجاهات التضليل والأخبار المزيفة فى عصر الإعلام الرقمى، اتجاهات الأحداث: العدد 19، يناير-فبراير 2017، ص ص 43-44 

25 ــ  NIcholasCarr٫ « AllCanBeLost: TheRiskofPuttingOurKnowledgeintheHandsofMachines»٫ TheAtlanticMagazine٫ November2013٫ accessibleat: https://goo.gl/jhRHBb.

26 ــ  TheCambridgeAnalyticaFiles٫ TheGuardian٫ 2018٫ accessibleat: https://www.theguardian.com/news/series/cambridge-analytica-files.

27 ــ  CassSunstein٫ #republic: DividedDemocracyintheAgeofSocialMedia٫ Princeton: PrincetonUniversityPress٫ 2017.

28 ــ  FrancisFukuyama٫AgainstIdentityPolitics: TheNewTribalismandtheCrisisofDemocracy٫ ForeignAffairs: September/October٫ 2018٫ pp.99-102 .

29 ــ  AmyChua٫ TribalWorldGroupIdentityIsAll٫ ForeignAffairs: July/August2018٫ p.25- 33.

30 ــ   DavidGoodhart٫ «TheRoadtoSomewhere: ThePopulistRevoltandtheFutureofPolitics»٫ London: Hurst٫ 2017.

31 ــ  محمد عبدالله يونس، «القوى المحركة: المفاهيم العشرة الأكثر تحكما فى تفاعلات العالم 2017»، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 29 ديسمبر 2017، موجود على الرابط التالى:   https://goo.gl/xUATF2

32 ــ  كارن أبو الخير، «تأثيرات أسلوب ترامب على تماسك النظام الأمريكى»، اتجاهات الأحداث: العدد 23، سبتمبر- أكتوبر 2017، ص ص 86 – 89.

33 ــ  PeterOborne٫ TomRoberts٫ «HowDonaldTrumphasCheapenedtheLanguageofPoliticsThroughTwitterandRight-WingMediaAllies»٫ TheIndependent٫ June29٫ 2017٫ accessibleat:https://goo.gl/1QwyyZ

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة