رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

قضايا ديمقراطية

سألتنى ابنتى ذات الثمانية أعوام لدى عودتها من المدرسة: كيف اختفى كوكب بلوتو من النظام الشمسي؟! أدهشنى السؤال، فلم أكن أعلم أن تغيراً طرأ على مجموعتنا الشمسية! أجبتها بأننى سأبحث فى الموضوع وأعود لها بإجابة شافية. وبالبحث وجدت أن بلوتو لا يزال فى موقعه ولم يتغير، وإنما ما تغير هو الخصائص المحددة لتصنيف الكواكب، ومنها الحجم، والمدار، ومكونات جسم الكوكب، وبناء على تلك المحددات اتفق العلماء على فصل بلوتو عن باقى كواكب المجموعة الشمسية تماماً فى الرابع والعشرين من أغسطس عام 2006!

نحن نعيش فى عالم متغير، تتجدد فيه العلوم كل يوم، بحيث لم تعد هناك قواعد ثابتة أو حقائق مسلم بها، كل المعارف قابلة للتجديد والتطوير والتحديث. إذن كيف نخطط للتعليم فى عالم متغير؟ كيف نبنى نظماً تعليمية قادرة على التحديث الذاتي؟ كيف نعد متعلما قادراً على التعلم الموجه ذاتياً والمستمر مدى الحياة؟ كيف نربط التعليم بتنمية المجتمع، أو بالأحرى، كيف نربط التعليم بالتنمية المستدامة للمجتمع؟

اصطلحت هيئة الأمم المتحدة، عام 1956، على تعريف التنمية بأنها «العمليات التى بمقتضاها توجه الجهود لكل من الأهالى والحكومة لتحسين الأحوال الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية فى المجتمعات المحلية لمساعدتها على الاندماج فى حياة الأمم، والإسهام فى تقدمها بأفضل ما يمكن».

إذن التنمية بمفهومها العام، تتضمن تطوير الأرض، والمدن، والمجتمعات، وكذلك الاقتصاد، والأعمال التجارية، والمشروعات، والأنشطة، واستهلاك الموارد، وما يصحب ذلك من زيادة فى عمليات الإنتاج فى المجالات المختلفة. وقد سار العالم بخطى حثيثة فى هذا الاتجاه من التنمية لسنوات طويلة قبل أن يكتشف الأثر السلبى لتلك الأنشطة على كوكب الأرض، حيث واجه العالم خطورة التدهور البيئى وتناقص الموارد، مما أدى إلى انتشار الفقر وعدم العدالة، وكان سببا فى العديد من المواجهات العنيفة بين الدول المتصارعة على الموارد المحدودة. كما كان لتدهور حالة الكوكب مظاهر مخيفة، مثل ثقب الأوزون، وتغير المناخ، والتصحر، وغيرها. لذا أصبح من الواضح أن الاستمرار فى وتيرة «التنمية» بهذه الطريقة سيحرم الأجيال التالية من أى فرص عادلة للحياة على كوكب الأرض، ومن هنا نشأ مفهوم التنمية المستدامة، والتى تعرف بأنها «التنمية التى تلبى احتياجات الأجيال الحالية، دون المخاطرة بقدرة الأجيال القادمة على تحقيق احتياجاتها هى الأخرى».

وقد ورد مفهوم التنمية المستدامة للمرة الأولى بشكل رسمى فى تقرير صادر عن اللجنة العالمية للتنمية والبيئة عام 1987 بعنوان «مستقبلنا المشترك OurCommonFuture»، وكان الغرض الرئيسى لتلك اللجنة هو دراسة تأثير السياسات التصنيعية والاقتصادية لدول العالم فى الموارد الطبيعية، والتى لايمكن - باعتبارها ملكاً مشاعاً- أن تهدره الأجيال الحالية كيفما تشاء، بل يعد بمزلة وقف تستفيد منه الأجيال الحالية وتحافظ عليه فى ذات الوقت لمصلحة الأجيال القادمة. ثم ورد فى مؤتمر ريو دى جانيرو، المنعقد فى عام 1992، أن البشر هم جوهر التنمية المستدامة، وأن من حقهم أن يحيوا حياة صحية ومنتجة فى وئام مع الطبيعة. ويعتبر إعلان «ريو»، الذى شاركت فيه 178 دولة، الركيزة الرسمية لمفهوم التنمية المستدامة، حيث أكد على أن جودة البيئة وسلامة الاقتصاد يرتبطان ببعضهما بعضا على نحو لا ينفصل.

وقد استحوذ مفهوم التنمية المستدامة على اهتمام العالم، حيث كان التأكيد على العلاقة بين التنمية من جهة، والاعتبارات البيئية من جهة أخرى كاستجابة طبيعية لتنامى الوعى البيئى العالمى بأن عملية التنمية ما لم تسترشد بالاعتبارات البيئية، والاجتماعية، والثقافية، والاخلاقية، فإن كثيرا منها سوف يأتى بنتائج غير مرغوبة أو ربما يفشل تماماً.

أيضًا فى صدر هذا المضمار، عن مؤتمر القمة العالمى للتنمية المستدامة الذى انعقد فى جوهانسبرج فى جنوب إفريقيا فى عام 2002، وضّم، إضافة إلى رؤساء الدول والحكومات، عددًا كبيرًا من المنظّمات الإقليمية، والوكالات الدوليّة المتخصصة، والمنظّمات غير الحكومية إعلان جوهانسبرج بشأن التنمية المستدامة، والذى شدّد على إقامة مجتمع عالمى إنسانى متضامن لمواجهة مجمل التحدّيات العالمية، مثل القضاء على الفقر، وتغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة، وحماية قاعدة الموارد الطبيعية وإدارتها من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وردم الهوة العميقة التى تقسم البشرية إلى أغنياء وفقراء، ومنع تدهور البيئة العالمية، وتراجع التنوع البيولوجى والتصحر، وسد الفجوة المتزايدة بين العالمين المتقدم والنامى، ومعالجة تلوث المياه والهواء والبحار، فضلاً عن التحدّيات الجديدة التى فرضتها العولمة على التنمية المستدامة، ولاسيما تكامل الأسواق السريعة، وحركة رؤوس الأموال، والزيادات المهمة فى تدفقات الاستثمار حول العالم، وذلك من أجل ضمان مستقبل الأجيال القادمة. وقد تم وضع خطة لتنفيذ جميع أهداف التنمية المستدامة –سبعة عشر هدفا- بالتكاتف بين جميع دول العالم بنهاية عام 2030. وقد أصدرت مصر خطة عمل لتحقيق الأهداف بمؤشرات أداء تعكس مقومات الوضع الحالى فى مصر فى مؤتمر قومى حمل اسم «رؤية مصر 2030».

إذن، كيف يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة بشكل عام، ووفق رؤية مصر 2030 بشكل خاص من خلال نظام التعليم؟

هناك اتجاهات عالمية عديدة يمكن تبنيها وتطبيقها، وصولاً لنظام تعليمى يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ومنها:

إعادة توجيه المقررات الدراسية نحو الاستدامة:

تتضمن التنمية المستدامة ثلاثة أبعاد رئيسية؛ أولها البعد البيئى، والذى يتضمن حفظ الموارد الطبيعية والبيئية من أجل الأجيال القادمة، من خلال إيجاد حلول قابلة للاستمرار اقتصاديًا للحد من استهلاك الموارد، وإيقاف التلوث، وحفظ المصادر الطبيعية. ويمكن إدخال مفاهيم، مثل التنوع الحيوى، والأنواع المهددة بالانقراض، وتغير المناخ، وتلوث الأنهار والبحار والمحيطات، والتصحر، والأنماط الرشيدة للاستهلاك، وغيرها ضمن أنشطة هذا البعد.

البعد الثانى للتنمية المستدامة هو البعد الاقتصادى،والذى يعنى بالممارسات الاقتصادية العادلة التى تهيئ النمو المسئول الطويل الأمد، مع ضمان عدم تخلف أى دولة أو مجتمع،. ويمكن إدخال مفاهيم التجارة العادلة، والاستهلاك الرشيد للموارد، وحماية الصناعات الصغيرة، وغيرها ضمن أنشطة هذا البعد.

 البعد الثالث هو البعد الاجتماعى،والذى يعنى بحاجة جميع شعوب العالم إلى العمل، والغذاء، والتعليم، والطاقة، والرعاية الصحية، والماء، بالإضافة الى احترام النسيج الثرى الذى يمثله التنوع الثقافى والاجتماعى، واحترام حقوق العمال، وتمكين جميع أعضاء المجتمع من أداء دورهم فى تقرير مستقبلهم. وفى المجمل، فإنه لايمكن تطبيق استراتيجية ناجحة للتنمية المستدامة من دون ملاحظة متطلبات التنمية للجوانب الثلاثة «البيئية والاقتصادية والاجتماعية».

وعليه، يجب أن يتم التخطيط لإدخال الموضوعات الخاصة بالأبعاد الثلاثة فى دروس ومناهج مراحل التعليم المختلفة، واعتماد طرق التدريس القائمة على العمل وممارسة الأنشطة، كما يقول المثل الشهير: أسمع فأنسى، أرى فأتذكر، أفعل فأفهم. ومن أمثلة المشروعات التى اعتمدت تلك الطريقة مشروع RUCASالذى تم فى الفترة من 2010 إلى2013بتمويل من الاتحاد الأوروبى، وتم فيه إعادة توجيه المقررات الجامعية نحو الاستدامة فى عدد من الجامعات المصرية بشراكة وتدريب عدد من الجامعات الأوروبية.

ومن الأمثلة الناجحة أيضا مشروع EduCampالممول أيضا من الاتحاد الأوروبى بشراكة جامعات أوروبية ومصرية، والذى رمى إلى تعزيز المناهج الحالية للمرحلة ما قبل الجامعية بمجموعة من الأنشطة التى تغطى الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة. نتج عن هذا المشروع ستة مجلدات للأنشطة التى تم وضعها، بحيث تتسق مع مناهج الدراسة من الصف الرابع حتى الصف الثالث الإعدادى. وقد تم تدريب بعض معلمى تلك المراحل على تطبيق الأنشطة، لكن كانت هناك عقبة توفير الموارد اللازمة لتحقيق ذلك. وكمثال، من أجل تعليم الأطفال مفهوم الأثر البيئى للمقارنة بين السلع المنتجة محليا والسلع المستوردة، تم تقسيم الأطفال إلى فريقين يمثل أحدهما المنتج المحلى والآخر المنتج المستورد. وتم تحديد أدوار كل فريق، بحيث كانت دورة حياة المنتج المحلى (تفاح) تتضمن الفلاح، الموزع بالجملة، والموزع بالتجزئة، وأخيرا المستهلك، أى أنها سلسلة من 4 مراحل فقط. تم وضع لون مائى مختلف فى يد كل طفل، وقام كل طفل بإعطاء التفاحة للذى يليه، وهكذا تلطخت التفاحة بثلاثة ألوان، مما يعكس مفهوم الأثر البيئى بشكل ملموس. أما فى حالة المنتج المستورد، فقد تضمنت عددا أكبر بكثير من الأطراف، بدأت بالفلاح، وبائع الجملة، والمُصدر، والناقل عبر البحار، والمستورد، والبائع بالجملة فى الدولة المستوردة، والبائع بالتجزئة، وأخيرا المستهلك. فى هذه الحالة تصل التفاحة إلىيد المستهلك (الطالب) ملطخة بالكثير من الألوان/ الأثر البيئى. وهكذا، يتكون لدى الأطفال مفهوم القرارات الاستهلاكية الرشيدة، بمعنى أن ما تختار أن تشتريه يعكس مدى اهتمامك بالكوكب، وبالأثر الذى يمكن أن تتركه من بعدك.

أحد الأفكار المهمة فى هذا السياق أيضا هى التمييز بين الحاجات والرغبات، وكيف أن السعى لامتلاك أشياء ليس لنا بها حاجة حقيقية يقلل من احتمال أن تصل تلك الأشياء للأشخاص الذين يحتاجون إليها فعلا ويعتمدون عليها للنجاة، وليس فقط للتباهى بامتلاك أكبر عدد من المنتجات ذات العلامات التجارية باهظة الثمن.

 هذا النوع من الوعى يمكن أن يتطور بتطور الطفل ونموه عبر المراحل الدراسية المختلفة، شريطة أن يستمر تقديم مثل هذه الأنشطة إليه، مما يؤدى فى المحصلة النهائية إلى تكوين المواطن الكوني/العالمى الذى يدرك الارتباط بين أفراد المجتمعات، وبين الدول، وكيف أن كل سلوك يقوم به يمكن أن يؤثر فى باقى سكان الكوكب بشكل أو بآخر.

توفير منصات تعليمية مفتوحة:

فى ظل التطور التكنولوجى، وتسارع النمو السكانى الذى يتوقع أن يصل إلى 11.2 مليار شخص بحلول عام 2100، يظل التحدى الأكبر هو إمكانية توفير التعليم للجميع، التعليم القائم على تنمية المهارات، وتعزيز الابتكار، مع الاحتفاظ بالقيم التى تعزز التعايش السلمى بين جميع سكان الكوكب. ومن أهم الطرق التى تساعد على تحقيق ذلك، وتعزيز إمكانية التعلم المستمر مدى الحياة هى توفير منصات تعليمية مفتوحة فى مجالات المعرفة المختلفة. وتتميز تلك المنصات بتنوع المحتوى العلمى، ومرونة النظام التعليمى، بحيث يمكن للفرد أن يختار الوقت الذى يناسبه لحضور المحاضرة، أو أداء المهمة، أو المناقشة مع الزملاء أو مع المعلمين. وتتوافر لدينا حاليا فى الوطن العربى العديد من منصات التعلم الناجحة، مثل منصة «إدراك» التى أسستها الأميرة رانيا من الأردن، ومنصة «رواق». كما يوجد هناك منصات أخرى تهتم بمشاركة الفرص فى التعلم، فتعلن عن المنح، والزمالات، وفرص التوظيف والتدريب، وتقدم المشورة فى مهارات كتابة السيرة الذاتية، وخطاب الدافع، وغيرها من المهارات اللازمة للتوظيف. وتعتبر منصة «فرصة»، ومنصة «مرجع» من أشهر المنصات التى ساعدت العديد من الشباب العربى على استكمال أهداف التعلم والتميز والترقى.

هناك نوع  آخر من المصادر المتاحة للتعلم وهو ما يعرف بـ MOOCSويعنى المقررات الموسعة المفتوحة مجاناً، وقد أصبحت الجامعات الكبرى فى العالم تتنافس فى وضع مثل هذه المقررات فى موضوعات حيوية مهمة، مثل تغير المناخ، والزراعة المستدامة، والتكنولوجيا الحيوية، وغيرها. ويتم تقديم هذه المقررات عبر المواقع الرسمية للجامعات التى صممتها، ويمكن لعشرات الآلاف من الطلاب دراسة المقررات فى نفس الوقت، كل وفق وقته المتاح، ووفق درجة استيعابه!

يجب إذاً التركيز على أن التعليم المستمر فى جوهره يعمل على نقل مهارات التعلم من المعلم الى المتعلم، والتدريب على أساليب التفكير المختلفة، وأساليب حل المشكلات. فى هذه الحالة، لا يكون التركيز على نقل معارف محددة، مثلما يحدث فى المناهج الدراسية الثابتة، وإنما يكون التركيز على مهارات اكتساب المعرفة، وتحديد طرق مبتكرة لإكساب تلك المهارات للطلاب. وهكذا، لا يعانى الطالب إذا تغير المحتوى المعرفى، أو تم تحديثه، لأنه ببساطة يستطيع تعلم المحتوى الجديد بنفسه، وبدافع ذاتى للتعلم.

تدريب المعلمين على مهارات تبسيط العلوم:

تعد مهارة تبسيط العلوم من المهارات الأساسية فى التعليم لتحقيق التنمية المستدامة، حيث يتم تبسيط المفاهيم المجردة الصعبة وتقديمها فى صورة أنشطة وألعاب تبسط المفهوم وتقربه للفهم، دون إخلال بالدقة العلمية. وبينما يبدو ذلك يسيرا، إن التطبيق ليس بتلك السهولة، إذ يتطلب الأمر درجة عالية من اتقان المادة العلمية، وقدرا لا يستهان به من الابتكارية ليستطيع المعلم تصميم نشاط ممتع ينقل المادة العلمية بدقة للمتعلم. ومن المبادرات الجيدة فى هذا المجال «مختبر الشهرة» الذى نشأ فى بريطانيا فى عام 2005، ثم امتد لمصر من خلال الشراكة مع المجلس الثقافى البريطانى فى 2009، ويشارك فى فعالياته آلاف الطلاب من كل الجامعات المصرية، وفى كافة التخصصات بإشراف مباشر من أساتذة متخصصين من الجامعات والمراكز البحثية. وبعد سنوات من تطبيق هذه المبادرة، أصبح لدينا الآن عدد غير قليل من الفيديوهات التعليمية التى تبسط أكثر المفاهيم العلمية تعقيدا فى دقائق معدودة، ويمكن الاستعانة بهذه الأفكار فى تدريس العديد من المواد الدراسية فى المرحلة الجامعية وما قبلها.

الربط بين التعليم وتنمية المجتمع المحلى والدولى:

يعد ربط النظام التعليمى ومناهجه ومحتوى أنشطته بالمجتمع أحد التوجهات الناجحة لخلق خبرات تعليمية ذات معنى. حيث يتم تشجيع الطلاب على إيجاد حلول مبتكرة للمشكلات الفعلية للمجتمع الذى يعيشون فيه، على أن يكون تحديد المشكلات إحدى المهام التى يقوم بها الطلاب أيضا بصفتهم مواطنين فى المقام الأول. كما أنه من المهم جدا للأنشطة التنموية أن تكون موجهة بحسابات المجتمع المحلى وأولوياته. فى عام 2015، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتمويل أحد المشروعات الساعية لتحسين الصحة العامة فى مصر ، وتم تحديد هدف المشروع من قبل الباحثين فى الولايات المتحدة، وهو الحد من انتشار مرض فيروس نقص المناعة المكتسب HIV. وقتها، تقدم الباحثون من الجانب المصرى بمقترح تحويل هدف المشروع للتوعية بطرق انتشار العدوى بفيروس سى، حيث إنه الأكثر انتشارا فى مصر، وهو أحد الأعباء الثقيلة على الدولة، ليس فقط بسبب تكلفة علاج المصابين، بل أيضا بسبب الحالات الجديدة التى تضاف كل عام وتتطلب العلاج هى الأخرى. وقد قوبل ذلك الاقتراح بالإيجاب، وكان لهذا المشروع دورا قوميا فى نشر الوعى بطرق العدوى بفيروس سى، وتقليل عدد المصابين الجدد كل عام.وهكذا، يجب أن توجه البرامج الدراسية المختلفة بحسابات واحتياجات المجتمع المحلى أولا، ثم التوسع بعد ذلك بالتوجه والحسابات والأولويات العالمية.

يمكن أيضا أن يحدث الربط بين التعليم والتنمية من خلال إشراك ممثلى الهيئات الصناعية وأصحاب الأعمال فى عملية تطوير التعليم، ويقوم العديد من الجامعات الكبرى فى العالم بإشراك أصحاب المصلحة أو stakeholdersفى تحديد المعارف والمهارات التى يريدون أن يتعلمها الخريج حتى يمكنهم ضمه لسوق العمل. من أجل تحقيق ذلك تلجأ العديد من الجامعات والمؤسسات لإنشاء مراكز حاضنات أعمال businessincubationيتم فيها تدريب الطلاب على استحداث الأفكار المبتكرة، وتوفير الدعم العلمى والفنى لتصميم المشروع، ووضع خطة التنفيذ والمساعدة فى تسويق المنتج. وعادة ما يتم الربط بين تلك المراكز والمجتمع المحلى الحاضن لها.

فى أثناء تدريس مقرر فى كلية الزراعة بإحدى الجامعات المصرية، قام مجموعة من الطلاب فى السنة الثانية بتصميم مقترح لآلة قاموا بتصميمها لحصاد السمسم، حيث إنه أحد المحاصيل التى يتم حصادها يدوياً، مما يحدث هدرا فى المحصول، بالإضافة إلى إمكانية تلوثه ــ قاموا بالتصميم ووضع خطة لإنتاج نموذج أولى للآلة تحت إشراف الكلية، وفى انتظار أن يحصلوا على التمويل الكافى لإنتاج أول آلة تحصد السمسم، وتستفيد ببقايا النبات بتحويله الى سماد عضوى. هنا يأتى دور حاضنات الأعمال التى تتبنى الأفكار المبتكرة، وتساعد على تنفيذها، وتسويقها، وتحويلها إلى مشروع قابل للنمو والتطور.

استحداث درجات فى التخصصات البينية interdisciplinarystudies:

فى ظل التطور السريع فى العلوم والتأثيرات المتبادلة بين المعارف المختلفة، وبسبب الطبيعة التكاملية للعلم، لم يعد من المفيد التمسك بالتخصصات الدقيقة التى تعطى حاملها معارف فى مجال واحد لا يمكنه الربط بينه وبين التخصصات الأخرى. نحن نعيش فى أكثر العصور تقدما من الناحية التكنولوجية والتقنية، حيث الاستعانة بالذكاء الاصطناعى، والرقمنة تتزايد كل يوم حتى أصبح العديد من المهن غير مطلوب بشكله التقليدى. بينما تم استحداث العديد من المهن التى لم تكن موجودة فى السابق، مثل محللى بيانات رواد مواقع التواصل الاجتماعى على الإنترنت، والتى نتج عنها ثورة حقيقية فى التسوق الإلكترونى، وتحديث التطبيقات، وتطوير البرامج، وغيرها.

 ويشير المنتدى الاقتصادى العالمى WEFإلى أن الوتيرة التى يحدث بها التطور التكنولوجى قد تؤدى فى المستقبل القريب لتفوق الآلة على الذكاء الإنساني! وهو ما ينبغى معه أن تركز الدرجات والتخصصات المستحدثة فى العلوم المختلفة على القيم التى تميز الإنسان عن الآلة، حيث نحتاج إلى أن نعلم أبناءنا –بالإضافة للمعارف والمهارات- قيم الصبر، والإخلاص، والاحترام، والتواصل الإنسانى، والحب، والتعاطف، وغيرها من القيم التى تحافظ على وحدة سكان الأرض كبشر، مقابل الآلة.

لكى لا يكون هناك تضاربا بين التجارب المختلفة فى دول العالم المختلفة الساعية لتطوير نظم التعليم لديها، بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة، قدم اليونسكو فى عام 2012 إطار عمل يمكن تطبيقه لتحقيق ذلك، وتضمن هذا الإطار خمسة أبعاد أساسية هى:

تعلم أن تعرف: يتم التركيز على المعارف والمهارات التى يلزم أن يتعلمها الفرد ليستطيع الاستمرار فى الحياة فى العالم، وتتضمن تعلم القراءة والكتابة والحساب والتفكير الناقد والمعارف العامة.

تعلم أن تفعل: يتم التركيز على اكتساب المهارات التطبيقية المرتبطة بالنجاح فى الحياة العملية والنجاح فى ممارسة المهن المختلفة.

تعلم أن تعيش مع الآخرين: يتم التركيز على تنمية المهارات الاجتماعية، والقيم، مثل الاحترام، والاهتمام بالآخرين، وتقدير التنوع الثقافى.

تعلم أن تكون: يتم التركيز على خبرات التعلم التى تسهم فى تشكيل هوية الفرد العقلية، والجسمية، والروحية. كما تتضمن مهارات مهمة، مثل الابتكارية، واكتشاف الذات، وغيرها، وذلك من خلال القراءة، ومصادر التعلم على الإنترنت، والأنشطة الرياضية والفنية.

تعلم أن تغير نفسك ومجتمعك: عندما يكتسب الفرد أو الجماعة المعارف، والمهارات والقيم فقد أصبح /أصبحوا مستعدين بالذهنية والأدوات اللازمة لينشأ التغيير فى أنفسهم، ومؤسساتهم، ومجتمعاتهم الصغيرة والكبيرة.

مثل هذه الأبعاد الخمسة لا يمكن أن تنفذ إلا من خلال نظم اجتماعية داعمة تتضمن دورا فعالا للمعلم والمجتمع وبيئة التعلم، حيث إن التعلم البناء الذى يسعى لبناء المتعلم هو عملية اجتماعية نشطة تتضمن دورا نشطا للمتعلم، وليس الدور السلبى كمتلقى للمعرفة من المعلم أو من الكتاب.

وعند تبنى هذه الفلسفة فى التعليم يمكن أن تتحقق العديد من النتائج الإيجابية، ومنها: إظهار الشغف للتعلم، وتقدير القيمة الذاتية للطلاب، والتركيز على التعلم القائم على تطبيق المعارف والاستفادة منها فى حل المشكلات الفعلية للمجتمع، والتشارك فى الخبرات، واكتساب المهارات التكنولوجية فى التعليم، وخلق بيئة تعلم تحترم المتعلم، وتتضمن جميع الفئات، وتشجيع التعلم المستمر التحويلى، وتيسير خبرات التعلم الأصيلة، المتحدية، التعاونية والنشطة،و تشجيع النزاهة الأكاديمية، والمشاركة الفعالة فى مجتمع التعلم.

على سبيل المثال، تعد فنلندا نموذجا للدول التى انتهجت نظما شبيهة للتعلم، وانتقلت بها لمستوى قمة العالم فى التعليم، وقد فاجأت فنلندا العالم فى عام 2000، بأن طلابها حصلوا على أعلى درجات فى اختبارات الأداء العالمية. وقد اعتمد النظام المستحدث على تقليل المناهج القائمة على حفظ واستظهار المعارف، وانتقل لتدريب المهارات، وقلل من ساعات اليوم الدراسى، وألغى الواجبات المنزلية. كما اهتم بالصحة العامة للطلاب، من خلال تقديم وجبات صحية لجميع الطلاب، مع توفير العناية الصحية للجميع أيضا. ونتيجة لذلك، أصبح الأطفال أكثر اعتمادا على التفكير الابتكارى، وتم تشجيعهم على التفكير بشكل ناقد فى المعارف المختلفة، وفى مواقف التعلم التى يمرون بها، كما تعززت رغبة الطلاب فى التعلم الذاتى، وفى توجيه العلم وفقا لميول واهتمامات كل منهم.

مثل هؤلاء الطلاب، بما لديهم من درجة عالية من الوعى البيئى، والاقتصادى، والاجتماعى، أى ما يمثل أبعاد التنمية المستدامة، سيكونون هم قادة المستقبل ومتخذى القرارات، وتنمية الوعى لديهم يضمن مستقبلا مستداماً يدرك فيه القادة عواقب سياساتهم وقراراتهم، كما يدرك فيه المواطنون مسئولياتهم وحقوقهم، بما يدعم نمو المجتمع بشكل صحى شامل. كما يأمل العالم أنه إذا تم ترسيخ قيم العدالة فى التنمية المستدامة لدى الأجيال القادمة, سوف يضمن ذلك -إلى حد كبير- مستقبلا أفضل خاليا من النزاعات.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة