رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ثقافة ديمقراطية

مقدمة1:

بشكل دورى، يتجدد السجال المحتدم بشأن قضايا الأسرة، خاصة مع ارتباط هذا السجال بمناقشة أوسع حول الشريعة الإسلامية، وعلاقتها بالقوانين الوضعية والممارسة القانونية. والحقيقة أن هذا السجال عادة ما يدور فى دائرة مفرغة ما بين اتجاهين متنازعين؛ أحدهمت يرى الشريعة عائقا جوهريا أمام تحديث قوانين الأسرة، وفق معايير المساواة النوعية GenderEquality، بينما يرفض الاتجاه الآخر إصلاح هذه القوانين تحت أى اعتبار إلا فى إطار من المحافظة على الخصوصية Particularismالقانونية والأخلاقية، التى تعكسها مبادئ الشريعة، أو أحكامها القطعية على الأقل. ولا شك فى أن صدور «تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة»2 المشكَّلة بقرار من رئيس الجمهورية التونسية، المكلفة ببحث الإصلاحات القانونية المتعلقة بالموضوع الأكثر إثارة للجدل، وهو المساواة فى الميراث ما بين النساء والرجال، يفتح أفقا واسعا لمعالجة قضية المساواة النوعية فى البلدان العربية، خاصة فى تونس ومصر.

والحقيقة أن الاتجاهين المتنازعين حول محتوى الإصلاحات القانونية وحدودها يتجاهلان أهمية الوقائع الاجتماعية SocialFactsبالنسبة لتحديد سلامة القوانين ValidityofLawsأو مشروعيتها، لصالح التركيز على معايير الحقوق الطبيعية من جانب والإلحاح من جانب آخر على العلاقة ما بين الأخلاق والشريعة الإسلامية، وهو الاتجاه السائد فى الدوائر الأكاديمية الغربية ويمثله ــ على سبيل المثال ــ وائل حلاق3 WaelHallaqوطلال أسد4 TalalAsad. وبالعكس، نحاول فى هذه الورقة إعادة النظر فى علاقة المقابلة/ التضاد ما بين الشريعة الإسلامية والوضعية القانونية أو الأطروحة التى ترى وجود القانون ومحتواه يعكسان بشكل أو بآخر الوقائع الاجتماعية. كما نناقش، تطور عائلة القوانين العربية المعاصرة ما بين محاولات إحياء الشريعة الإسلامية واستقبال القوانين الغربية/ الأوروبية. وأخيرًا، نناقش الفرضية الأساسية فى هذه الورقة، وهى أن مشروعية القوانين، بغض النظر عن مصادرها الأخلاقية، وترتبط بملاءمتها لدرجة تطور الوقائع الاجتماعية، مع ملاحظة أن هذا العلاقة ما بين القانون والوقائع ليست علاقة مطاوعة وانقياد، وإنما علاقة جدل وسياسة انعتاق.

أولا ـ الشريعة الإسلامية مقابل الوضعية القانونية:

هل يجب وضع مدرسة الشريعة الإسلامية مقابل Versusمدرسة الوضعية القانونية باعتبارهما متعارضين بشكل جوهرى كما جرت العادة على ذلك؟ يروى عمرو الشلقانى بطريقة سردية جذابة، قصة تعرفه لأول مرة  على مفهوم القانون الوضعى PositiveLawفى كتابه «ازدهار وانهيار النخب القانونية المصرية»، وكيف أن الدراسة فى كلية الحقوق لا تتيح للطلبة إحاطة نظرية كافية بهذا المفهوم، مما اضطره لسؤال أحد القضاة من أصدقاء عائلته ليعرف منه أن هذا المفهوم مقابل لمفهوم أحكام الشريعة الإسلامية. فبينما القانون من (وضع) الإنسان Man-made، فان الشريعة إلهية المصدر5. وهذا الفهم الذى لا تقف خلفه بحوث متعمقة، والشائع بين أوساط الدارسين والمشتغلين بالقانون هو فى الواقع يركز على جانب واحد من جوانب الشريعة، وهو أيضا مصدرها الخالص. وبطبيعة الحال، هذا الفهم غير واف، ويعكس مدى سطحية التفكير فى ماهية الشريعة، حيث يتجاهل حقيقة أنها كانت منبثقة من (وَضع)، أى واقع المجتمعات الإسلامية التى توافقت حول صلاحية الاحتكام إليها6.

ويطرح حلاق أبرز محاولات تأصيل المقابلة مابين الشريعة والوضعية فى كتابه «الدولة المستحيلة»، حيث يعتبر التناقض الجوهرى ما بين الشريعة الإسلامية والدولة الحديثة هو التناقض بينها وبين الوضعية القانونية؛ إذ إن الوضعية فى نظره تعتبر نموذج القانون الحديث ومصدرها السيادة السياسية. أما الشريعة الإسلامية فبالعكس، تمثلها قواعد متجذرة فى نهاية الأمر فى ضرورة أخلاقية كونية مطلقة7. الحقيقة أن هذا الرأى يعكس بوضوح آفة النرجسية لدى المنظرين الإسلاميين المعبرين عن النزعة الأخلاقوية. إلا أن ما هو أفدح، عجز هذا الاتجاه، الذى يلح على العلاقة ما بين الشريعة ومنظومتها الأخلاقية المفارقة، عن تفسير علاقة الشريعة بالوقائع، وهى العلاقة التى تلخصها قاعدة ممارسة الشريعة الإسلامية الأبرز «الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته»، حيث تكون الواقعة وفق هذه القاعدة هى العلة أو سبب الأحكام.  

وهذه القاعدة، التى لم يغفل تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة الإشارة إليها، على الأرجح، لمحاولة كسب التعاطف مع الاقتراحات الواردة فى التقرير، وعلى رأسها المساواة فى الميراث ما بين النساء والرجال8، تعكس العلاقة المحايثة Immanentأو الملازمة ما بين الشريعة والوقائع الاجتماعية. فالحقوق الشرعية ليست مستسقاة من أى نظام طبيعى مفترض بشكل مسبق للحقوق، إنما مرتبطة بالوقائع، التى تعتبر مصدر الحق، وعلة أو سبب الحكم فى الشريعة الإسلامية9. لهذا، فان الحق فى الميراث لا ينبثق من مصادر طبيعية مطلقة، إنما ينبثق مباشرة من واقعة اجتماعية، وهى واقعة القرابة ما بين الوارث والمورث. فمحصلة الوقائع الحادثة تعكس محتوى العلاقات الاجتماعية مثل التكافل أو الرعاية الأبوية.. إلخ.  وما يمكن استنتاجه من ذلك أن التفاوت فى أنصبة الميراث لا يرجع لأى أسباب أخلاقية أو كونية مطلقة، وإنما تبرره فحسب شبكة العلاقات التى كانت تربط الوقائع الاجتماعية بعضها بعضا.

والقول بغير ذلك من شأنه ترسيخ فكرة التعارض ما بين الشريعة الإسلامية والمساواة النوعية ما بين النساء والرجال على أساس أن التفاوت بينهم مسألة طبيعية أو أخلاقية، وهذه النتيجة لا شك فى كونها متطرفة وغير مقبولة، وهو ما سنعود لمناقشته بتفصيل أكثر فى المبحث الأخير. ما يهمنا بالتحديد هنا، هو أن الشريعة الإسلامية لا يمكن أن تكون متناقضة بشكل جوهرى مع الوضعية القانونية، حيث يشتركان فى إعطاء الأهمية نفسها للوقائع الاجتماعية، مع ملاحظة أن الشريعة الإسلامية مثلها فى ذلك مثل سائر الأنظمة القانونية المعروفة عبر التاريخ. وقد يعترض البعض على هذا الرأى من زاوية أن الوضعية بشكل عام تفصل ما بين الوقائع وما تعكسها من قيم أخلاقية بعكس الشريعة. إلا أن هذا الاعتراض مردود عليه بحجتين:  الأولى أن الوضعية فى صيغتها التقليدية فقط تفصل بشكل كامل ما بين الوقائع والأخلاق، حيث تجاوزت نظرية المعرفة الاجتماعية هذه الصيغة المتشددة من الوضعية. الثانية كما أن مفهوم الأخلاق الحديث لم يكن معروفا خلال المراحل التاريخية المختلفة لتطور الشريعة الإسلامية، حيث اقتصر مصطلح الأخلاق على الإشارة إلى السلوك القويم، ومن المستبعد أن هذا المصطلح كان يشير فى هذه المراحل إلى ثمة نظام من القيم العليا10.

وأهم أسباب الاعتقاد بأن هناك تعارضا جوهريا ما بين الشريعة الإسلامية والوضعية القانونية عند حلاق وغيره؛ هو معالجة تاريخ تطور الشريعة باعتباره هو نفسه تاريخ تطور الأدبيات الفقهية أو تاريخ الشريعة «كما يجب ان تكون» «Ought»، بينما تظل غير متاحة تلك البحوث المنصبة على دراستها «كما كانت بالفعل»، أى تطبيقها أو ممارستها من خلال القضاة والمحاكم. ويرجع ذلك بطبيعة الحال لندرة البحوث الإمبريقية/الوضعية حول تطبيق الشريعة قبل القرن التاسع عشر، رغم جهود المؤرخين الجدد الذين يحاولون بجهود حثيثة إثراء هذا الحقل من البحوث11. ومع ذلك، وبينما نضع أيدينا على أغلب تاريخ نظرية الشريعة الإسلامية، لا نعلم إلا القليل جدًا عن تاريخها كممارسة قانونية. وهو ما يسمح فى الواقع بتعميمات حلاق السهلة حول الشريعة باعتبارها نموذجا Paradigmلمجتمع متخيل حسن التنظيم لم يكن موجودًا ولن يوجد قط.

ولقد كانت رؤية جوزيف شاخت Josephــ  Schachtأحد أبرز الدارسين المتخصصين فى تاريخ الشريعة الإسلامية فى القرن العشرين، أعمق بما لا يقارن بحلاق، حيث كان ينظر إلى فقه المعاملات فى الشريعة الإسلامية (خاصة فقه الحنفية) باعتباره نظامًا من القانون الوضعى المستجيب للشروط الاقتصادية والاجتماعية السائدة من خلال توظيف الحيل الشرعية لسد الفجوة ما بين النظرية والتطبيق12. ورغم أننا  ــبخلاف شاخت ــ نفضل أن نضع حدودا واضحة ما بين الشريعة «كما يجب أن تكون» والشريعة «كما كانت بالفعل» أو باعتبارها ممارسة قانونية (وضعية) إلا أننا نوافق على أن بعض الفقه كان يستجيب لمتطلبات الممارسة القانونية، ويتماهى معها كواقع، ويعمل على تبرير مشروعيتها. على سبيل المثال، كان شمس الأئمة السرخسى، وهو أحد أبرز فقهاء الحنفية من القرن الخامس الهجرى، يقول فى الدفاع عن الشريعة كممارسة قانونية: «فمن كره الحيل فى الأحكام، فإنما كره فى الحقيقة أحكام الشرع، ويقع مثل هذا من قلة التأمل»13         

 وعلى أعتاب القرن العشرين، مع ظهور إرهاصات حركة الإحياء الإسلامية، كانت الأمور تسير فى اتجاه الابتعاد عن الشريعة «كممارسة قانونية» لصالح جوانبها النظرية الخالصة. حيث دشن تقرير محمد عبده عن إصلاح المحاكم الشرعية نهاية إمكانية التوفيق ما بين الشريعة «كما يجب أن تكون» والشريعة «كما كانت بالفعل»؛ فبعد انتقاد عبده اللاذع لقضاة المحاكم الشرعيين، فى أكثر من موضع بالتقرير لدرجة اتهامهم الصريح بضعف الكفاية الشرعية، يدين استجابتهم وثناءهم على الحيل الشرعية التى كان المحامون الشرعيون يجعلونها أساس مرافعاتهم14. والأرجح أن ما جاء بتقرير عبده ما كان ليعجب السرخسى، خاصة أن الحيل الشرعية أى الطرق المسلوكة لتحقيق مصالح الناس الشرعية15 كانت جوهر الشريعة الإسلامية كممارسة قانونية، حيث أخذها بالقبول الواسع القضاة الشرعيون عبر التاريخ وحتى أواخر القرن التاسع عشر، مع ملاحظة أن الحيل، بعكس ما يصورها الأصوليون المعاصرون، ليست انحرافات شكلية، أو إجرائية، إنما كانت مخارج واقعية، حيث عالجت الإشكاليات القانونية التى خلفتها الرؤية المثالية معيارية الأحكام الشرعية المجردة.     

ثانيا ـ القوانين العربية ما بين الإحياء والاستقبال:

لا شك فى أن عائلة القوانين العربية ArabLawsتمثل مدرسة قانونية مستقلة ومتفردة، حيث يتمازج القانون الحديث مع الشريعة الإسلامية بشكل مدهش، وتعتبر مصر مركز هذه المدرسة المتقدم16. ولقد جرت العادة على التأريخ لنشأة هذه المدرسة القانونية من بداية استقبال Receptionالقوانين الأوروبية الحديثة، فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، والعمل بها من خلال نظام محاكم أوروبية الطراز بدورها، مثل المحاكم المختلطة والأهلية. والحقيقة أن استقبال القوانين الأوروبية ينظر له على نطاق واسع باعتباره نتيجة سياسة استعمارية عملت ــ حسب أسد ــ على التفرقة الاستراتيجية ما بين القانون والأخلاق التقليدية. ويتساءل الأخير: كيف يمكن لافتراضات القانون «العلمانى» SecularLawالحديث واتجاهاته التفسيرية، أن تشتبك مع حساسيات الأخلاق الدينية وتهيئتاها المعروفة، إذا أضحت مفاهيم العدالة التقليدية، المتجسدة فى تجربة المعايشة غير الواعية، ليست ذات صلة بتوكيد سلطة القانون. ساعتها، ستعتمد هذه السلطة على قوة الدولة التى تعبر عنها بحسب قوانينها المدونة»17

ورغم أن منطق الفرضية التى يدافع عنها أسد يبدو لأول وهلة متماسكاً من الداخل، خاصة فيما يتعلق بالنتيجة التى انتهى، إليها وهى متعلقة فى الواقع بانبثاق سؤال المشروعية القانونية من جدلية الدولة والمجتمع. إلا أن هذا التحليل فى المجمل لا ينجو من فخ الأداتية Instrumentalist، أى التركيز على وظيفة القانون الحديث «تغيير أخلاقيات المجتمع18» وليس على تفاعلاته المادية مع الوقائع الاجتماعية. والحقيقة أن استقبال القوانين الأوروبية الحديثة لم يكن مباغتة غير مستجيبة بالكامل لحساسيات الخصوصية القانونية والأخلاقية وتهيئتها، كما يفترض أسد، بقدر ما كان نتيجة لتحولات اقتصادية واجتماعية يستحيل تجاهلها أو عدم الاستجابة لها. ويمكننا الجزم بأن استقبال القوانين الحديثة بنجاح كان مرتبطا بملاءمتها لتنظيم -على الأقل- مساحة واسعة من شبكة العلاقات الاجتماعية الجارى تحديثها، وهو ما سمح بتوافر غطاء من المشروعية الاجتماعية لهذه القوانين الوافدة19.

وترى لمى أبو عودة LamaAbu-Odehأن دوائر الأكاديمية القانونية بالولايات المتحدة تتجاهل بالكامل دراسة ما تسميه الإذراع القانونى LegalTransplantأو استنساخ القانون الحديث فى البلدان العربية والإسلامية بسبب سيطرة الأكاديميين المعبرين عن النزعة الأخلاقوية بتنويعتها النظرية ونظرتهم للإذراع القانونى باعتباره جريمة سياسية وأخلاقية بما يستوجب نبذه والتعامل معه وكأنه «زائدة دودية» لا تستحق الدراسة الأكاديمية20. ونوافق بشدة على ما تراه أبو عودة، ونزيد أن الدوائر الأكاديمية العربية تدور بدورها فى نفس الأفلاك رغم مفارقة عدم ارتباطها العضوى بنظائرها فى الولايات المتحدة. ذلك مع تحفظنا على مصطلح «الإذراع» لما يتضمنه من إيحاء بأن القوانين الحديثة غرست فى تربة غير مهيأة لها، بينما كانت المجتمعات العربية/الإسلامية قد تحدثت نسبيًا ــ على الأقل ــ وانفتحت على العالم الحديث وارتبطت به بصلات ووشائج قوية مما أهلها لـ «استقبال» القوانين الحديثة.         

وعائلة القوانين العربية الحديثة رغم نشأتها المرتبطة بالاستعمار (وهنا لا نتحدث عن الاستعمار بنماذجه القومية، إنما الاجتماعية) نجحت مبكرًا فى أن تتطور بشكل مستقل عن عائلة القوانين الأوروبية، من خلال ما يعرف بإحياء Revivalالشريعة الإسلامية ودمجها بالقوانين الحديثة. ولقد لعبت ما نصطلح على تسميته مدرسة القاهرة القانونية21 دورا محوريا فى تدشين المسار المستقل الذى تطورت القوانين العربية من خلاله. حيث كان عميد مدرسة الحقوق الخديوية إدوارد لامبرت EdouardLambert، أحد أبرز فقهاء القانون الاجتماعيين ما قبل الحرب العالمية الثانية، قد لفت الانتباه بشدة لأهمية إدماج خصوصية الشريعة الإسلامية فى القوانين العربية الحديثة.22 وهو ما أصبح مشروع عبد الرزاق السنهورى خلال العقود التالية والذى كان من أنصار استقلال الفقه العربى، ويعتقد بإمكانية أن تكون الشريعة الإسلامية قوام القوانين العربية المدنية ومستقبل تطورها23. ورغم ذلك، فيرونيكا كوركودل VeronicaCorcodel، التى نفت عن لامبرت تهمة الاستشراق القانونى LegalOrientalism(الزعم بأن الشريعة الإسلامية غير قادرة على التطور بسبب خصائصها الجوهرية)، ترى أن وعده بمراعاة خصوصية الشريعة لم يكن كافيا، ببساطة لعدِّه جزءا من سياسة انعتاقية24.

والحقيقة أننا نتفق مع هذه النتيجة ذات الشقين «لا استشراق ولا انعتاق». ولكن نختلف مع مقدمتها لأن مشكلة نموذج لامبرت/السنهورى، أو نموذج تحديث الشريعة والبحث عن مكان لها فىالقانون المقارن، لا تكمن فى كون أن هذا النموذج لا يضع الشريعة على قدم المساواة مع القوانين الفرنسية French-like، إنما يلحقها بها كمادة خام يجرى إعادة تشكيلها كما يفهم من تحليل كوركودل. بينما مشكلة التحديث أن من شأنه تغيير خواص الشريعة الإسلامية، وأهمها على الإطلاق، مرونتها أو قدرتها على تعديل أحكامها كممارسة قانونية بما يتناسب مع الوقائع الاجتماعية كما سبقت الاشارة، وهو ما يفسر من وجهة نظرنا لماذا تبدو مشكلة المساواة النوعية ما بين النساء والرجال مشكلة عصية على الحل. (ولهذا نزعم أن قوانين الأسرة العربية، قوانين ما بعد تقليدية Post-traditionalلأن الإحياء بشكل عام هو إعادة التعبير عن التقليد بطريقة حديثة)، وتبرز تلك المشكلة أكثر فيما يتعلق بقوانين الأسرة التى لم تنظمها القوانين المدنية العربية وتركت كمجال لسيطرة النزعة الإحيائية.

عندما أصبحت أحكام الشريعة قانونا مَسْنونا EnactedLawمشبعا بأفكار «النظام» و»السيادة»، وجرت عملية إحيائها بنجاح، وجدت أزمة القوانين العربية كأزمة مشروعية مزدوجة، لأن إحياء الشريعة أو إعادة التعبير عنها «كما يجب أن تكون» أو كتقليد يتمتع بالمصداقية الشعائرية ــ كان على حساب إنهائها ــ «كما كانت بالفعل»، كممارسة قانونية مستقلة تتمتع بخصائصها المتفردة، وهو ما تم من خلال وضعها بالقوالب الحديثة، حيث تلعب أفكار «النظام» و»السيادة» دورا حيويا بالنسبة لتبرير إلزامية القوانين والإكراه على الامتثال لها، وهو ما لم تعرفه الشريعة من قبل، حيث اعتمدت تاريخيًا على توافق المجتمعات ما قبل الحديثة على صحة الاحتكام إليها. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن إصلاح المحاكم الشرعية المختصة بالفصل فى منازعات الأسرة من وجهة نظر الإحيائيين كان مساويا لتحديثها، أو بالأحرى، تجريدها من قدرتها على الاستجابة لمعطيات الواقع المتغير، وهو ما جعل الإبقاء عليها غير ذى مغزى، بعد إعادة تنظيمها وإلزامها بتطبيق القوانين المسنونة على الطريقة الحديثة، مما مهد الطريق لإلغائها.

ثالثا ـ المشروعية القانونية والوقائع الاجتماعية: 

القوانين الوضعية الحديثة بشكل عام ليست جامدة، حيث يمكن تعديلها بالإجراءات العادية لسن القوانين كلما تغيرت الأوضاع أو الوقائع الاجتماعية، وهذا ما يكسب هذه القوانين مشروعيتها. إلا أن هذا لا ينطبق على قوانين الإحياء الإسلامى، مثل قوانين الأسرة العربية، إلا على نحو محدود، وهو ما يعكس بالأساس ما نعتبره أزمة مشروعية. حيث قامت المحاكم الدستورية العليا فى مصر وبعض البلدان الإسلامية المتأثرة بعائلة القوانين العربية، مثل باكستان، باستيراد مفهوم الأحكام قطعية الثبوت والدلالة من تراث الفقه الإسلامى لمزجها بفكرة النظام العام [OrdrePublic] الفرنسية (مفادها «القواعد الآمرة» أو ما لا يجوز الاتفاق على مخالفته)، وهى الفكرة الحيوية بالنسبة للإكراه على الامتثال للقانون ليقطع الطريق على إمكانية تعديل قوانين الأسرة العربية إلا فى حدود الاختيار ما بين بدائل فقهية مستوحاة من التراث، وبشكل لا يتعدى الأحكام القطعية. وهو ما يعتبر من وجهة نظرنا أضيق تفسير للمادة الثانية من الدساتير المتعاقبة منذ سنة 1980 .25، والحقيقة أن مفهوم الأحكام القطعية، سواء من ناحية الثبوت أو الدلالة لم يكن أداة إكراهية مرادفة لفكرة النظام «العام»، إنما كانت قاعدة فقهية تفسيرية وترجيحية تستخدم لاستخراج الأحكام من النصوص.

والحقيقة أن الشريعة الإسلامية ليست عائقا جوهريا أمام المساواة النوعية، لأن التفاوت ما بين النساء والرجال، كما أشرنا فيما سبق ــ ليست مسألة معيارية «طبيعية وأخلاقية»، إنما مسألة وقائعية «اجتماعية واقتصادية» مرتبطة بأدوار النوع الاجتماعية فى المجتمعات الأبوية التقليدية. ولم تكن مسألة المساواة النوعية مطروحة قبل أن يطرأ تغيير جذرى على أدوار النساء بالمجتمعات الحديثة، حيث أصبحت جزءا من قوة العمل LaborForceبالمعنى الحديث، أى العمل خارج نطاق العائلة أو المشترك الفلاحى (وهى نطاقات العمل التاريخية)، مما أسفر عن ظواهر غير مألوفة بالنسبة للمجتمعات ما قبل - الحديثة، مثل الأسرة المتكافئة (اشتراك الزوجين فى أعباء الإعالة)، والمرأة المعيلة أو الأم الثيب إلخ. وهذه الشروط الاجتماعية والاقتصادية الحديثة كان يجب أن تستجيب لها القوانين الحديثة أو تجد لها حيلة خاصة مع تكريس قانون الميراث الحديث للتفاوت ما بين النساء والرجال، وضعف شبكة الإعالة الأبوية التى تحولت بدورها لنظام بغرضه القانون26. ومع هذا التجأ الناس فى كثير من الحالات لحيل شرعية، ولكن، للمفارقة، حيل «غير قانونية» كمخرج من مشكلة عدم المساواة مثل البيع الصوري27.   

والجدير بالذكر أن الميراث لم يكن مسألة ملحة فى المجتمعات ما قبل الحديثة، حيث لم تكن الملكية كما نفهمها اليوم معروفة فى ظل أنماط الإنتاج ProductionPatternsالخراجية أو ما قبل الرأسمالية. والحقيقة أنه حتى عقب التحولات الرأسمالية الحديثة ظلت مسألة الميراث متوارية فى الخلف، لأن مفهوم الملكية (العقار) ظل غير مستقر حتى وقت قريب مع استمرار أشكال من المشترك الفلاحى والملكية المشاعية. وعادة ما كان محل الميراث هو الثمار والمنقول وليس الأرض والعقار. وتعرف الشريعة نظام الوقف الأهلى أو الذرى، وهو نظام يقرر بمقتضاه الواقف حجب تركته عن الورثة نظير استحقاقهم أنصبة من ثمار التركة الموقوفة. واستمر هذا النظام قائما وفعالا، وتوسعت فى استخدامه الطبقات الوسطى والميسورة حتى منتصف القرن العشرين، وكان من الشائع أن تستحق النساء والرجال أنصبة متساوية من هذه الثمار28 (مما ينفى شبهة التعارض الجوهرى ما بين الشريعة والمساواة)، إلى أن تم إلغاء هذا النظام ضمن إجراءات ما عرف وقتها بالإصلاح الزراعي29. ومع بزوغ حقبة الدولة التدخلية InterventionistStateعوضت الدولة النساء عن نصيبها الناقص فى التركات أو الميراث، من خلال شبكة نظام الحماية التأمينية أو التغطية التأمينية30. وهو ما ارتبط بسياقين هما؛ اتساع طبقة العاملين المدنيين بالدولة على نحو غير مسبوق «الطبقة الوسطى الجديدة»، وتمتعها بالحماية التأمينية، وهى الطبقة التى تعانى من الانحصار والتراجع اليوم. وضعف فاعلية شبكة الإعالة الأبوية «نظام النفقات» نتيجة تضعضع النظام الأبوى ذاته.    

وبالعودة لمسألة المساواة النوعية، وصيحة إلغاء التفاوت ما بين الرجال والنساء فى الميراث «المساواة فى الإرث حق وليس مزية»، نسمع من تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة أصوات متنافرة تعكس بطبيعة الحال أنه نتاج عمل لجنة مشكلة من خلفيات متباينة. فبينما نسمع لحنا هادئا يحاول التقريب ما بين المساواة والشريعة، مدللا على ذلك بقاعدة «الحكم يدور وجودًا وعدمًا..»، كما أشرنا فيما سبق، إلا أنه يظل صوتاً باهتاً وضعيفاً حيث لا يحيط بأزمة القوانين العربية القائمة إحاطة كاملة. نسمع كذلك نغمة عالية ترفض إقحام الشريعة من الأساس باعتبار أن الحق المتساوى فى الميراث من الحقوق الدستورية وحقوق الإنسان الطبيعية31. ويلحق بهذه الاعتبارات الحقوقية الاعتبارات السوسيولوجية كتابع لها32. وهذا الصوت الأخير يعكس بشكل واضح ما يمكن أن نعتبره النزعة التنويرية Enlightenmentالاستشراقية فى التحليل الأخير (حيث تستبطن الاعتقاد بأن الإسلام عائق أمام التقدم). ومع ذلك، يعتدل التقرير فيما يطرحه من بدائل أمام المشرع، حيث يقترح ثلاثة مقترحات33: أولا: ضمان المساواة بالقانون قسرًا، أى جعلها من النظام العام أو القواعد الآمرة. ثانيا: ضمان المساواة بالقانون، مع تمكين المورث من الاعتراض عليها، أى جعلها من القواعد المكملة أو ما يجوز مخالفته. ثالثا٬ ضمان المساواة بالقانون بشرط اختيار الوارثة، أى أن يحق لها التنازل عن نصيبها المتساوى. وما يمكننا الجزم به أن الاقتراح الثانى على الأقل متوافق بشكل كامل مع الشريعة الإسلامية لأنها لا تعرف من الأصل فكرة النظام العام أو القواعد الآمرة.

 ورغم أن تقرير الحريات الفردية والمساواة يعد من أكثر محاولات تنشيط المساواة النوعية ما بين الجنسين جدية، ليس فيما يتعلق بالميراث فقط، إنما كذلك فيما يتعلق بمسائل متنوعة، مثل الجنسية والحضانة، والإعالة والأعباء الضريبية،، إلخ، فإنه غير كاف لتحقيق ما نصبو إليه من سياسة انعتاقية أو ديمقراطية «جذرية» «Radical»، وهو من غير الممكن بدون حلحلة أزمة القوانين العربية المعاصرة عن طريق تحريرها من اكراهات النظام والسيادة بشكل كامل، وهوأيضاً  ما نعتبره برنامج إعادة تأسيس عائلة القوانين العربية. ولتحقيق هذا الأمر، يجب تخليص الشريعة من الإكراهات التى فرضها الإحياء «التحديث» عليها عن طريق إلغاء جميع القوانين المسنونة المستوحاة منها (قوانين الأسرة العربية) بشكل يحررها كممارسة قانونية أمام المحاكم. وهذه الدعوة ــ بطبيعة الحال ــ ليست دعوة لهجر الشريعة، إنما دعوة لاستعادتها. ولفهم هذا الاقتراح على نحو أفضل علينا أن نعود لخطة القانون المدنى «الاستراتيجية» كما رسمها السنهورى.

وهذه الخطة تضع فى اعتبارها إمكانية تطبيق الشريعة كممارسة قانونية حرة، وهو ما نقترح الالتزام به وتعميمه فى كل ما يتصل بمسائل الأسرة. حيث تجعل المادة الرابعة من القانون المدنى الجديد، الصادر سنة 1948، من الشريعة الإسلامية مصدرا رسميًا ثالثا للقانون المدنى بعد التشريع والعرف يحكم بها القضاة قبل الحكم بالقانون الطبيعى وقواعد العدالة. بهذا الشكل يرى السنهورى أن دراسة الشريعة لن تكون مهمة فحسب من الناحية النظرية، إنما كذلك من الناحية العملية التطبيقية «فكل من الفقيه والقاضى الآن مطالب أن يستكمل أحكام القانون المدنى، فيما لم يرد به نص ولم يقطع فيه عرف بالرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامي34». وهكذا فور إلغاء جميع قوانين الأسرة (مجلة الأحوال الشخصية) المستوحاة من الشريعة الإسلامية يمكن استعادتها كممارسة قانونية محررة يلعب فيها المحامون والقضاة أدوار الفقهاء Juristsالجدد، وبما يساعد فى حل المشكلات العملية العالقة، مثل مسائل الأحوال الشخصية لغير المسلمين.35  وهو ما يتطلب أخيرًا، إلغاء جميع تقنيات السيادية الإكراهية المرتبطة بها؛ مثل الإلزام بإثبات الحالة العائلية، وتوثيق الزواج والطلاق، وقواعد تسجيل المواليد والنسب.. إلخ، وهو ما سوف يساعد على تحرير العلاقات الشخصية والعائلية من قيود النزعة المحافظة الإحيائية، ويساعد المجتمع برمته على الانفتاح والانعتاق.

وهذه السياسة الديمقراطية الجذرية يجب استكمالها بـ «استقبال» باب جديد يضاف إلى القانون المدنى (المجلة المدنية) بعنوان «نظام الأسرة» يكون الاحتكام إليه «اختياريًا»، سواء بالنسبة للمسلمين أو غير المسلمين36، بحيث ينظم القانون الجديد العلاقات الشخصية والعائلية على أساس المساواة النوعية الكاملة فى الحقوق والواجبات، بما فى ذلك تنظيم أحكام، مثل الذمة المالية المشتركة، والزواج الأحادى، والميراث المتساوى.. إلخ، مع ملاحظة أن ذلك منسجم مع الشريعة الإسلامية أو ــ على الأقل ــ غير متعارض معها لأن أحكام الشريعة يجوز الاتفاق على مخالفتها فى كل هذه المسائل كما أوضحنا فى أكثر من موضع بهذه الورقة. كما أن الخضوع لأحكام القانون المدنى فيما يخص نظام الأسرة لن يكون خضوعًا قسريًا أو سلطويًا مستقى من ضرورة ثمة نظام طبيعى مفترض، إنما استجابة ذاتية/مستقلة لمقتضيات الوقائع الاجتماعية المتغيرة. وعلى الأرجح ان النظامين سوف يتعايشان بنجاح بشكل يجعلهما معًا عتبة مجتمع جديد.         

الخلاصة:

حاولنا فى هذه الورقة توضيح أن مدرسة الشريعة الإسلامية لا يجب وضعها مقابل مدرسة الوضعية القانونية باعتبارهما متعارضين بشكل جوهرى كما جرت العادة على ذلك، حيث يشتركان فى إعطاء الأهمية نفسها للوقائع الاجتماعية مع ملاحظة أن الشريعة الإسلامية مثلها فى ذلك مثل سائر الأنظمة القانونية المعروفة عبر التاريخ. وما يدعوا للاعتقاد بخلاف ذلك هو معالجة تاريخ تطور الشريعة باعتباره هو نفسه تاريخ تطور الأدبيات الفقهية أو تاريخ الشريعة «كما يجب أن تكون»، بينما تظل غير متاحة تلك البحوث المنصبة على دراستها «كما كانت بالفعل»، أى تطبيقها أو ممارستها من خلال القضاة والمحاكم. وهناك علاقة المحايثة ما بين الشريعة والوقائع الاجتماعية. فالحقوق الشرعية ليست مستقاة من أى نظام طبيعى مفترض بشكل مسبق للحقوق، إنما مرتبطة بالوقائع، والقول بغير ذلك من شأنه ترسيخ فكرة التعارض ما بين الشريعة الإسلامية والمساواة النوعية ما بين النساء والرجال على أساس أن التفاوت بينهم مسألة طبيعية أو أخلاقية، وهذه النتيجة لا شك فى كونها متطرفة وغير مقبولة. ولهذا، فإن الحق فى الميراث لا ينبثق من مصادر طبيعية مطلقة، إنما ينبثق مباشرة من واقعة اجتماعية.

وعائلة القوانين العربية الحديثة، رغم نشأتها المرتبطة بالاستعمار، نجحت مبكرًا فى أن تتطور بشكل مستقل عن عائلة القوانين الأوروبية، من خلال ما يعرف بإحياء الشريعة الإسلامية ودمجها بالقوانين الحديثة. ولقد لعبت، ما نصطلح على تسميته مدرسة القاهرة القانونية، دورا محوريا فى تدشين المسار المستقل الذى تطورت القوانين العربية من خلاله. مشكلة التحديث من شأنهه تغيير خواص الشريعة الإسلامية وأهمها على الإطلاق، مرونتها أو قدرتها على تعديل أحكامها كممارسة قانونية بما يتناسب مع الوقائع الاجتماعية، كما أوضحنا، هو ما يفسر من وجهة نظرنا لماذا تبدو مشكلة المساواة النوعية ما بين النساء والرجال مشكلة مستعصية على الحل. ولهذا نزعم أن قوانين الأسرة العربية هى قوانين ما بعد تقليدية، لأن الإحياء بشكل عام هو إعادة التعبير عن التقليد بطريقة حديثة. وتبرز تلك المشكلة أكثر فيما يتعلق بقوانين الأسرة التى لم تنظمها القوانين المدنية العربية، وتركت كمجال لسيطرة النزعة الإحيائية. فعندما أصبحت أحكام الشريعة قانونا مَسْنونا مشبعا بأفكار «النظام» و«السيادة»، وجرت عملية إحيائها بنجاح، وجدت أزمة القوانين العربية كأزمة مشروعية مزدوجة.

ورغم أن تقرير الحريات الفردية والمساواة يعد من أكثر محاولات تنشيط المساواة النوعية ما بين الجنسين جدية ليس فيما يتعلق بالميراث فقط، إنما كذلك فيما يتعلق بمسائل متنوعة، مثل الجنسية، والحضانة، والإعالة، والأعباء الضريبية.. إلخ. إلا أنه غير كاف لتحقيق ما نصبو إليه من سياسة انعتاقية أو ديمقراطية «جذرية»، وهو من غير الممكن بدون حلحلة أزمة القوانين العربية المعاصرة عن طريق تحريرها من إكراهات النظام والسيادة بشكل كامل. وهو ما نعتبره برنامج إعادة تأسيس عائلة القوانين العربية. ولتحقيق هذا الأمر، يجب تخليص الشريعة من الإكراهات التى فرضها الإحياء «التحديث» عليها عن طريق إلغاء جميع القوانين المسنونة المستوحاة منها بشكل يحررها كممارسة قانونية أمام المحاكم. وهذه الدعوة بطبيعة الحال ليست دعوة لهجر الشريعة، إنما دعوة لاستعادتها. وهذه السياسة الديمقراطية الجذرية يجب استكمالها بـ «استقبال» باب جديد يضاف إلى القوانين المدنية بعنوان «نظام الأسرة» يكون الاحتكام إليه «اختياريًا»، سواء بالنسبة للمسلمين أو غير المسلمين.  

 

الهوامش:

1 ــ  نتوجه بالشكر للكاتب هيثم أبو زيد المتخصص فى شئون الجماعات الإسلامية على مراجعة هذه الورقة.

2 ــ  (2018) تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة. الجمهورية التونسية: رئاسة الجمهورية، بتاريخ أول يونيو «جوان»، 2018.

3 ــ   WaelHallaq(2012) TheImpossibleState: Islam, Politics, andModernityMoralPredicament. NewYork: ColumbiaUniversityPress. (2012 [2009]) Sharīa: Theory, Practice. (2009) AnIntroductiontoIslamicLaw. Cambridge: CambridgeUniversityPress

4 ــ  TalalAsad(2003) «ReconfigurationsofLawandEthicsinColonialEgypt» inFormationsoftheSecular: Christianity, Islam, Modernity. Stanford: StanfordUniversityPress.

5 ــ  عمرو الشلقانى (2013)، ازدهار وانهيار النخب القانونية المصرية: 1805- 2005. القاهرة: دار الشروق، الطبعة الأولى، ص 36.

6 ــ  الشريعة الإسلامية مصدرها الخالص محايد أو غير مؤثر فيما يتعلق بتحديدها كممارسة قانونية، حيث لا يتصور أنها حكمت المجتمعات ما قبل الحداثية إلا فى وضعين؛ إما أن يعتنق أغلبية السكان الإسلام، وهو ما يفترض  ــضمنًا ــ توافق هذه الأغلبية حول صلاحية الاحتكام لشريعة الإسلام، وإما أن تكون قد فرضت بمعرفة سلطة ما على هذه المجتمعات والأرجح أن الوضعين قد تداخلا فى التجربة التاريخية.

7 ــ WaelHallaq(2012) p74:96. 

 8  ــ (2018)  تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة. ص  14.

9 ــ  محمد خليل خير الله (2011) الواقعة: سبب من أسباب الحقوق والالتزامات فى الشريعة الإسلامية والقانون. بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ص 17. 

10 ــ  يعترف حلاق بأن مفهوم الأخلاق كما نفهمه فى الحداثة لم يكن موجودًا فى الإسلام ما قبل الحديث ومع ذلك يصر على أنه لم يكن من الممكن التمييز ما بين القانونى والأخلاقى فى الشريعة، ولاسيما القرآن. والحقيقة أننا هنا بصدد مغالطة فجة، فكيف يمكن من الأساس التمييز أو عدم التمييز ما بين مجالين أحدهما غير موجود. WaelHallaq(2012) p84.  

11 ــ  لمزيد من التفاصيل انظر: عمرو الشلقانى (2013) ص 57.

12 ــ   JosephSchacht(1982 [1964]) AnintroductiontoIslamiclawOxford: OxfordUniversityPress, p76:84.

13 ــ   محمد بن أحمد بن أبى سهل شمس الأئمة السرخسى (المتوفى: 483هـ) المبسوط. بيروت: دار المعرفة، الجزء الثلاثون، كتاب الحيل، ص 210.    

14 ــ  محمد عبده (2008 [1899]) «تقرير إصلاح المحاكم الشرعية» وارد فى الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده فى الكتابات الاجتماعية. تحقيق وتقديم: محمد عمارة. القاهرة: دار الشروق، ص 284. 

15 ــ  ويقول السرخسى بعد ذكر أدلة شرعية الحيل: «تعليم الحيلة والآثار فيه كثيرة، من تأمل أحكام الشرع وجد المعاملات كلها بهذه الصفة، فان أحب امرأة إذا سأل فقال: ما الحيلة لى حتى أصل اليها؟  يقال له تزوجها، وإذا هوى جارية فقال: ما الحيلة لى حتى أصل إليها؟ يقال له: اشترها، وإذا كره صحبة امراته فقال: ما الحيلة لى فى التخلص منها قيل له طلقها. وبعد ما طلقها إذا ندم وسأل الحيلة فى ذلك قيل له راجعها، وبعد ما طلقها ثلاثًا إذا تابت من سوء خلقها وطلبا حيلة قيل لهما الحيلة فى ذلك أن تتزوج بزوج آخر» شمس الأئمة السرخسى (المتوفى: 483هـ) ص 209، 210. ولا شك فى أن مد منطق الحيل على استقامته ينسف من الأساس فكرة أن الشريعة تعكس منظومة أخلاقية مطلقة. 

16 ــ  LeonardWood(2016) IslamicLegalRevival: ReceptionofEuropeanLawandTransformationsinIslamicLegalThoughtinEgypt1875 1952. Oxford: OxfordUniversityPress. p1.

17 ــ  TalalAsad(2003) p240.

18 ــ  من وجهة نظر أسد، تعمل قوة الدولة البازغة، وما يمثلها من قوانين حديثة تفصل ما بين مجال الأخلاق ومجال القانون على تعليم الذوات Subjectsأخلاق عامة جديدة. انظر: Ibid, p240, 241. ووجه الخلاف مع أسعد وحلاق بدرجة أكبر انما يقع بسبب رفضنا الانصياع لفكرة وجود نظام أو نظم أخلاقية مطلقة أو طبيعية، حيث نصر بدورنا على أن الأخلاق تواصلية أو تنحصر فى التفاعلات الواقعية داخل العالم المعيش، أنظر: 

 - JürgenHabermas(1983[1992]) «MoralConsciousnessandCommunicativeAction». TranslatedbyChristianLenhardt& other. Cambridge: TheMITPress, Pp116:194.   

19 ــ  على سبيل المثال، لم يكن نظام الفائدة [Intérêt] المعمول به مع صدور التقنين المدنى القديم، سنة 1876 المنقول عن التقنين المدنى [CodeCivil] الفرنسى، الصادر سنة 1803 والمعروف باسم تقنين نابليون، نظامًا شاذًا أو غريبًا بالنسبة للمجتمعات الإسلامية، لاسيما المجتمع المصرى. رغم تحريم الربا فى الشريعة الإسلامية. حيث استخدمت الحيل الشرعية أو الشريعة كممارسة قانونية للإقرار بصحة أشكال من الفائدة استجابة لمقتضيات التجارة، خاصة الدولية، فى ظل تصاعد نفوذ ما كان يعرف بالامتيازات الأجنبية. والجدير بالذكر أنه مع إصدار قانون التجارة الجديد، سنة 1999 وافق الأزهر الشريف على صحة وشرعية نظام «الفائدة» تحت مسمى «العائد». لمزيد من التفاصيل، انظر: JosephSchacht(1982 [1964]).     

20 ــ  LamaAbu-Odeh(2017) WhoCaresAboutIslamicLaw? GeorgetownLawCenter:

at: http://scholarship.law.georgetown.edu/facpub

21 ــ  ترتبط عائلة القوانين العربية ارتباطاً وثيقاً بإسهام الدارسين Schoolersالأجانب والعرب الذين أقاموا أو عملوا بالقاهرة بمدرسة الحقوق الخديوية (سنة: 1868) قبل أن تتحول إلى كلية الحقوق (سنة: 1925) وإلحاقها بالجامعة المصرية، ثم جامعة فؤاد الأول، والآن جامعة القاهرة. ويمكننا القول بأن «مفهومنا عن القانون» تحدد على نحو كبير على ضوء تطور هذه المدرسة العلمية.      

22 ــ  VeronicaCorcodel(2016) ComparativeLawandImperialism: RepresentationsofIslamicLawintheScholarshipofEdouardLambert. ParisSciencesPoLawSchool, WorkingPepper, p4, 7,13.

23 ــ  انظر: عبد الرزاق السنهورى (1998 [1952]) الوسيط فى شرح القانون المدنى. تنقيح وتحديث: أحمد مدحت المراغى الجيزة: نقابة المحامين، الجزء الأول، ص7، 8. 

24 ــ  VeronicaCorcodel(2016) p24.

25 ــ  تنص المادة الثانية من دستور سنة 2014 على أن «الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع» وكانت المحكمة الدستورية العليا فى أحكام متواترة قد قضت بأن مفاد نص المادة الثانية من الدستور عدم مخالفة القوانين للأحكام قطعية الثبوت والدلالة فى الشريعة الإسلامية. 

26 ــ  ويصل الأمر فى حالة عدم تنفيذ أحكام النفقة، وبغض النظر عن أسباب عدم التنفيذ لحبس الملزم بالنفقة من الرجال، وهو مما لا شك فيه وضعية شاذة تعكس مقدار ما وقع من تشويه للشريعة بسبب تشبعها بأفكار النظام والسيادة.

27 ــ  رغم أن قانون الوصية رقم 71 لسنة 1946 على أن: «تصح الوصية بالثلث للوارث وغيره وتنفذ من غير إجازة الورثة» إلا أن صعوبة تسجيل الوصية يجعل التحايل على أحكام الميراث من خلال البيع أكثر واقعية، ويلجأ لهذه الحيلة فى أغلب الحالات المورث الذى لا يوجد من أولاده ذكر يعصِّب الإناث. 

28 ــ  تظهر على سبيل المثال الفتوى رقم 36 من مجموعة «فتاوى فى الأوقاف والميراث والمشكلات المالية» أن وقف أحمد طاهر باشا كانت الاستحقاقات فيه طبقة بعد طبقة، الطبقة العليا تحجب الطبقة السفلى وتكون القسمة عليهم بالسوية لعدم اشتراط التفاضل» انظر: محمد عبدة (2008 [1899]) «فتاوى فى الأوقاف والميراث والمشكلات المالية» وارد فى الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده فى الكتابات الاجتماعية. مرجع سابق، ص 532. 

29 ــ  ألغيت الأوقاف الأهلية أو الذرية بموجب القانون رقم 180 لسنة 1952، وكان الهدف من هذا الإلغاء مصادرة الملكية الزائدة عن مئتى فدان وأيلولتها إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعى لتوزيعها على صغار المزارعين.

30 ــ  ينص القانون رقم 79 لسنة 1975 على أن ترث النساء معاش والديها فى أى وقت بشرط أن تكون غير متزوجة ولا تعمل.

31 ــ  الإشارة هنا لاتفاقية مناهضة جميع أشكال التمييز ضد النساء CEDAW.

32 ــ  وجاء بالتقرير «إن كانت المعطيات السوسيولوجية التى تأسس عليها نظام المواريث قد تغيرت بهذا الشكل الجذرى، فإنه يكون من غير المعقول إنكارها والتشبث بتطبيق قواعد لم تعد صالحة زمانا ومكانا» ومع ذلك نرى أن الاعتبارات السوسيولوجية التى ساقها التقرير كانت غير وافية، حيث يظل التركيز على الاعتبارات الحقوقية بالأساس. انظر: تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة  (2018) ص 180.

33 ــ  تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة  (2018) ص 180: 185. 

34 ــ  عبد الرزاق السنهورى (1998 [1952]) ص 46.

35 ــ  تطبق الشريعة الإسلامية فى مسائل الأحوال الشخصية لغير المسلمين إذا اختلفت الملة أو الطائفة ما بين الزوجين باعتبارها النظام العام، وهو نفس السبب الذى يلزم غير المسلمين فى مصر بتطبيق قواعد الميراث الإسلامى. ويخالف ذلك ما استقر عليه الفقه الذى يرى أن غير المسلمين لهم الحق فى الاحتكام لشرائعهم فيما يتعلق بمسائل الأحوال الشخصية، وهو ما نصت عليه أخيراً المادة الثالثة من دستور سنة 2014.

36 ــ  تعتبر لبنان من أكثر البلاد العربية التى عرفت المطالبة بقانون يتيح الزواج المدنى، حيث يضطر الكثير من اللبنانيين من الطوائف المختلفة إلى اللجوء إلى هذا النوع من الزواج خارج البلاد، حيث تعترف المادة 25 من لائحة نظام الطوائف الدينية الصادرة سنة 1936 على أنه « إذا عقد فى بلد أجنبى زواج بين سورى ولبنانى أو بين لبنانى وأجنبى وكان صحيحاً إذا احتفل به وفقا للأشكال المتبعة فى هذا البلد: إذا كان نظام الأحوال الشخصية التابع له الزوج لا يقبل بشكل الزواج ولا بمفاعيله كما هى ناتجة عن القانون المحتفل بالزواج وفقا له فيكون الزواج خاضعا فى سوريا ولبنان للقانون المدنى.»

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 73 يناير 2019

افتتاحية العدد

1919.. لحظة وعى المجتمع بذاته د. هناء عبيد

حاملة لواء الليبرالية، الحدث السياسى الوحيد الذى يجمع عليه المصريون، لحظة الاستدعاء الأساسية للحديث عن الوحدة الوطنية، رافعة تكوين الرأسمالية الصناعية المصرية والسيادة الوطنية الاقتصادية، الموجة الأولى من الحركة النسوية المصرية، حاضنة سيد درويش ومختار وحقى، ثورة القومية المصرية

الأعداد السابقة