رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مقالات العدد

عشرة أعوام منذ انفجار الأزمة المالية العالمية فى 2008، وإفلاس كبرى المؤسسات المالية، وفقدان الملايين من الوظائف وما ترتب عليه من تغير فى المشهد السياسى عالميا، من عودة الخطاب الشعبوى القومى، وصعود اليمين المتطرف فى معاقل الليبرالية الغربية، والذى كان من أهم نتائجه حتى الآن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وإعتلاء ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.

ولعل من أحدث تجليات الأزمة المالية تلك الاضطرابات التى تعصف بالأسواق الناشئة حاليا والتى تعانى من ارتفاع حجم الديون الخارجية فى الوقت الذى يتجه فيه الدولار الأمريكى فى الارتفاع، وتتباطئ حركة التجارة الدولية، مما أدى إلى تسارع فى خروج رؤوس الأموال الأجنبية من تلك الأسواق، وهو ما يعرضها إلى مخاطر مالية واقتصادية جمة.

ولا يجب قراءة تلك التحديات بمعزل عن:  السياسات النقدية التوسعية التى انتهجتها كبرى البنوك المركزية فى العالم وعلى رأسها البنك الفيدرالى الأمريكى لمواجهة الكساد الكبير بعد 2008. وبدون التطرق إلى  التغير الهيكلى فى أساسيات الاقتصاد الصينى.

والحقيقة لن يجد أنصار النظرية القائلة إن التاريخ يعيد نفسه بأفضل من الأزمات التاريخية للاقتصادات الناشئة لإثبات صحة نظريتهم. فثمة تشابه كبير بين الأسباب والمسببات المؤدية لتلك الأزمات فى العقود الأخيرة، فقد بدا معظمها بسياسات نقدية مختلفة ساعدت على التوسع فى الاقتراض الخارجى،  إما عن طريق تثبيت قيمة العملة أو ربطها بالدولار كما كان فى السابق، أو عن طريق تضخيم المعروض النقدى، وخفض أسعار الفائدة الحقيقية كما حدث بعد زلزال الديون العقارية فى 2008، واجتذاب أموال المحافظ الاستثمارية، أو ما يطلق عليه بالأموال الساخنة، إما لتمويل استثمارات البنية التحتية أو لتغطية عجز الموازنة والميزان التجارى،  ثم تنقلب دورة الائتمان رأسا على عقب مع ارتفاع الدولار وتباطؤ التجارة الدولية، وارتفاع تكلفة خدمة الدين الخارجى لتقع الدول المقترضة فى أزمات مالية، مع هروب رءوس الأموال إلى ملاذات آمنة وعدم قدرتها على الوفاء بالالتزامات المالية، ثم تدخل صندوق النقد الدولى لتمويل برامج الإصلاح بعد الأزمة بشروط مالية واقتصادية صارمة وتكاليف اجتماعية باهظة.

 تاريخ الأسواق الناشئة مع الدولار وأسعار الفائدة الأمريكية:

تاريخيا، كان لصعود قيمة الدولار الأمريكى نتائج وخيمة على اقتصادات الدول الناشئة، وتسبب فى العديد من الأزمات المالية، مثل أزمة أمريكا اللاتينية فى الثمانينيّات، أو ما يسمى بالعقد الضائع، بعد قيام البنك المركزى الفيدرالى الأمريكى بقيادة بول ولكر برفع سعر الفائدة على الدولار بشكل كبير لتصل إلى 20 % لمواجهة التضخم الكبير الناتج عن ارتفاع أسعار البترول وقتها، وهو ما أدى إلى كساد اقتصادى وتباطؤ فى التجارة الدولية. وقد أدى ارتفاع أسعار الفائدة على الدولار مع تباطؤ عجلة الاقتصاد الدولى إلى أزمة مالية كبيرة لدول أمريكا اللاتينية، وخاصة البرازيل، والأرجنتين، والمكسيك، وتشيلى،  والتى كانت قد استدانت بكثافة من أسواق المال الخارجية لتمويل بنيتها التحتية ورفع معدلات النمو، مستغلة فوائض السيولة فى النظام العالمى وسياسة تثبيت سعر الصرف المحلى أمام الدولار، وهو ما أعطى حافزا للاستهلاك والاستدانة الخارجية. فقد ارتفعت الديون الخارجية فى أمريكا اللاتينية من 27 %  من الناتج المحلى عام 1980 إلى أكثر من 50 %  عام 1985. ومع ارتفاع تكلفة خدمة الدين وتباطؤ حركة التجارة الدولية، سارعت رؤوس الأموال الأجنبية فى الهروب من أسواق تلك الدول التى وجدت نفسها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الدائنين. وقد أدى ذلك إلى انهيار اقتصادى كبير فى أمريكا اللاتينية، وانخفض دخل الفرد بمتوسط 33 %  من عام 1981 إلى 1984، مع ارتفاع معدل البطالة ونسبة الفقر فى تلك الدول، والتى لجأت بعدها إلى صندوق النقد الدولى للاستدانة، وتطبيق خطط إصلاحية وتقشفية للخروج من الأزمة، والتى خلفت تغييراً جذرياً فى المشهد الاقتصادى والسياسى فى القارة.

وفى عام 1997، اندلعت الأزمة المالية الآسيوية أيضا بعد أن أفرطت الدول الآسيوية الناشئة فى الاقتراض من الخارج مدعومة بسياسة تثبيت سعر الصرف أمام الدولار واستخدمت أسعار الفائدة المرتفعة لجذب الاستثمارات الساخنة فى أدوات الدين الحكومى. ومع ارتفاع الدولار أمام اليوان الصينى، والين اليابانى،  نتيجة تحسن أساسيات الاقتصاد الأمريكى بعد أعوام من بقاء معدلات الفائدة منخفضة نسبيا فى عهد الآن جريسبان، رئيس البنك الفيدرالى فى ذات الوقت، بدأت الأموال الساخنة فى الخروج سريعا من الأسواق واندلعت الأزمة فى تايلاند التى توقفت عن الوفاء بالتزاماتها المالية، واضطرت الحكومة إلى تعويم العملة وإنهاء ربطها بالدولار، ثم سريعا ما انتقلت إلى الأسواق الأخرى فى شرق أسيا، مثل إندونيسيا، وماليزيا، وكوريا الجنوبية والفلبين. ونتج عنها تدهور اقتصادى كبير، وارتفاع فى نسبة البطالة، وتراجع الدخل الحقيقى للمواطنين، نتيجة انهيار العملات، وأيضا تغيرات سياسية، كان أبرزها تنحى الرئيس سوهارتو عن رئاسة إندونيسيا بعد 30 عاما من الحكم.

ولا تختلف كثيرا أسباب ومسببات أزمة الأسواق الناشئة حاليا عما سبقها من أزمات، وإن اختلفت الآثار المترتبة عليها وحدة تأثيرها على الاقتصاد العالمى.

فبعد أزمة الرهن العقارى فى الولايات المتحدة عام 2008، اتجه البنك الفيدرالى الأمريكى، وتبعه كبرى البنوك المركزية بتبنى سياسة التيسير الكمى وتم خفض معدلات الفائدة بشكل كبير، وضخ كميات هائلة من النقود فى النظام المالى، بهدف تحفيز النمو. وقد أدت الزيادة المضطردة فى المعروض النقدى إلى رفع أسعار السلع والطاقة، وتحفيز عجلة الائتمان من جديد، والتوسع فى الاقتراض من قبل الحكومات والشركات على حد سواء، وحدث أن تضاعف الدين الخارجى للأسواق النامية والناشئة مجتمعة منذ 2008.

 

تطور حجم المعروض النقدى M2  فى الولايات المتحدة الأمريكية

 

والآن، بعد عشرة سنوات من الأزمة، تعود أسعار الفائدة الأمريكية إلى الارتفاع مجددا، حيث يبدأ الفيدرالى الأمريكى دورة الانكماش النقدى (monetarytightening)  لسحب السيولة الكبيرة التى خلفتها سياسة التيسير الكمى،  بعد تحسن أساسيات الاقتصاد الأمريكى، وانخفاض البطالة إلى أقل مستوى منذ عام 2001، واقتراب معدل التضخم من المستوى المستهدف، فيرتفع الدولار الأمريكى من جديد، وتعانى الأسواق الناشئة التى توسعت معظمها فى الاقتراض الخارجى جراء ارتفاع تكلفة خدمة ديونها، وبسبب هروب رءوس الأموال إلى الملاذ الآمن، وهو ما أصاب عملاتها بالانهيار ووضعها فى مأزق سداد التزاماتها المالية القادمة.

قراءة أعمق فى أزمة الديون الخارجية

يتجه بعض المحللين بالتقليل من أسباب الهزات العنيفة التى تضرب الأسواق الناشئة حديثا، معللين ذلك بأن نسبة الديون الخارجية إلى الناتج المحلى لا تزال فى وضع مقبول، إذا ما نظرنا إلى معدل  النمو الاقتصادى فى تلك الدول.

 والحقيقة أن هذا الرأى لا يأخذ فى الحسبان أن نموذج النمو الحالى فى تلك الدول يعتمد فى الأساس على استمرار دورة الائتمان بنفس المعدل وبدون توقف وهو ما لا يمكن تصوره خاصة مع تفاقم حجم الديون الخارجية إلى مستوى غير مسبوق.

تطور حجم الدين الخارجى للأسواق الناشئة

وهو ما يجعلنا نعتقد أن قياس الدين الخارجى كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى يقلل من شأن المخاطر المالية المترتبة عليه، والأفضل أن يتم قياس حجم الديون الخارجية كنسبة مِن احتياطى النقد الأجنبى أو من إجمالى الصادرات. فنسبة الدين الخارجى فى الصين ــ مثلا ــ تمثل 11 %  من إجمالى الناتج المحلى، ولكن قد تختلف قراءتك إذا علمت أن هذه النسبة تمثل 60 %  من إجمالى احتياطات النقد الأجنبى لدى الصين، و 50 %  من إجمالى الصادرات السنوية تقريبا.

بينما يبلغ إجمالى الدين الخارجى لدول الأسواق الناشئة الآن نحو 7 تريليونات دولار أمريكى، وهو تقريبا ضعف ما كان عليه إبان الأزمة المالية العالمية عام 2008، وتمثل الصين نسبة 25 %  من هذه الديون، أى نحو 1.8 تريليون دولار.

وطبقا لبيانات صندوق النقد الدولى ووكالة بلومبرج، تمثل الديون السيادية للحكومات 30 %  من إجمالى الديون الخارجية (50 %  فى الصين) بينما تمثل الـ 70 %  الباقية حجم الاقتراض الخارجى للمؤسسات المالية وقطاع  الشركات.

وتكمن الخطورة الحقيقية فى حالة انكشاف المؤسسات المالية أو عدم استطاعة الشركات الوفاء بالالتزامات الخارجية، خاصة مع انخفاض أسعار السلع والمواد الخام التى تصدرها معظم الأسواق الناشئة باستثناء الصين ودول شرق آسيا. ويزيد مُعامل المخاطرة إذا ما كانت الشركات المقترضة من الخارج ليست لها أنشطة تصديرية أو عائدات بالدولار الأمريكى. وتقترب الديون المستحقة على المدى القصير إلى تريليونين دولار، نصفها تقريبا فى الصين.

والحقيقة إن البيانات  المتاحة عن نسبة تعرض القطاعات الاقتصادية المختلفة للديون الخارجية لا تكفى لتكوين رأى موضوعى عن عمق الأزمة، ولكن بالنظر إلى سوق السندات الدولية، نجد أن شركات القطاعين العقارى والمالى تستحوذ على نحو 40 %  من مؤشر جى بى مورجان لسندات الأسواق الناشئة، وهنا مكمن الخطورة عندما تكون إيرادات الشركات بالعملة المحلية، بينما المديونيات المستحقة عليها بالدولار الأمريكى،  فإذا ارتفعت أسعار الفائدة على الدولار ارتفعت تكلفة خدمة الدين، وإذا انخفضت العملة المحلية يتأزم الوضع المالى لتلك الشركات التى قد تجد نفسها فى حاجة إلى إعادة هيكلة.

الاقتصاد الصينى والخيارات الصعبة، عندما يتعارض الإصلاح مع النمو:

بعد الإصلاح الاقتصادى فى أواخر التسعينيات، وانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية فى مطلع الألفية الثانية، استطاعت الصين تحقيق معدلات نمو مرتفعة للغاية، مدعومة بالزيادة المضطردة فى إنتاجية القطاع الصناعى الذى استهدف الأسواق الخارجية للتصدير. وارتفع الناتج الصناعى فى الصين بمتوسط 14 %  بين 2003 و 2008، وكان قد وصل إلى ذروته عام 2007 ليصل إلى 20 %. وقد كان للنمو الكبير فى الصين آثار إيجابية على الأسواق الناشئة الأخرى فى شرق آسيا وخارجها، حيث أسهم النمو الصينى فى ارتفاع الطلب على السلع والمواد الأولية ورفع أسعارها بشكل غير مسبوق، وهو ما أعطى الدول المصدرة للمواد الأساسية والمعادن دفعة اقتصادية كبيرة واستقرار مالى،  فتمثل الصين وحدها قرابة الـ 50 %  من إجمالى استهلاك المعادن والمواد الأولية.

وبعد انهيار الطلب العالمى مع الكساد الذى خلفته أزمة الرهن العقارى فى 2008، انهارت أسعار السلع والمعادن ولجأت البنوك المركزية لطباعة كميات هائلة من النقود لمواجهة الأزمة، وأدت هذه السيولة المختلقة، وسنوات من الفائدة المنخفضة على الدولار إلى زيادة كبيرة فى  رفع أسعار الأصول السائلة، والسلع ،والمواد الأساسية فعادت إلى مستواها قبل الأزمة فى أقل من عامين. وقد أعطى هذا بعض الانتعاش الوقتى للأسواق الناشئة حتى شارفت دورة التيسير الكمى على الانتهاء، وبدأ البنك الفيدرالى الأمريكى فى دراسة رفع أسعار الفائدة من جديد، وسحب السيولة الزائدة تدريجيا من الاقتصاد، وقد بدأ هذا فى عام 2015، مما أدى إلى تقلبات عنيفة فى أسواق المال الناشئة بسبب ما يمثله أى صعود محتمل للدولار من مخاطر مالية واقتصادية. ففى أقل من عام خسرت الصين ربع الاحتياطى النقدى تقريبا فى محاولة لحماية اليوان أمام الدولار، وأطلقت حزمة من القرارات لمواجهة هجرة رءوس الأموال إلى الخارج. وفى هذه الأثناء أطلقت الحكومة المركزية فى الصين برنامج تحفيز اقتصادى تبعه ضخ كبير للسيولة من قبل بنك الشعب الصينى وهو ما أسهم فى الاستقرار النسبى للأسواق وأسعار الأصول مع  تحسن متوسط بيانات النمو فى 2016، ولكن من جهة أخرى أدت هذه السياسة إلى تراكم أكثر للديون المحلية والخارجية حتى أصبح إجمالى الدين العام يمثل 265 %  من الناتج المحلى الإجمالى الآن.

وقد كانت هذه السياسات بمنزلة مسكنات مؤقتة غطت على الحقائق المنسية، أو لو شئت فقل المتناساه، فى التغير الهيكلى لأساسيات الاقتصاد الصينى، والذى بدوره يعد المؤشر الأكبر والأهم لباقى الأسواق الناشئة:

الحقيقة الأولى هى أن نموذج النمو الصينى فى العقدين الماضيين قد أتى بكل ثماره واستنفد قدرته على الاستمرار بنفس الزخم بعد التغير الهيكلى فى أساسيات الاقتصاد. فبعد سنوات عديدة من الاستثمار بلا حدود فى الطاقات الإنتاجية المحلية, واستغلال معدلات الادخار المرتفعة لبناء البنية التحتية للصناعة, وتوجيه دعم كبير مباشر وغير مباشر للأنشطة التصديرية، مما أسهم فى رفع أسعار جميع السلع والمعادن عالميا منذ 2005 كما أشرنا سلفا. تعانى الصين حاليا من وجود فوائض إنتاجية غير مستغلة فى العديد من القطاعات، خاصة قطاعى الصناعات الأساسية والتحويلية، حيث تراجعت نسبة الاستغلال (utilizationrates) فى هذه القطاعات بشكل كبير بعد نمو العرض بمعدل أكبر من الطلب العالمى. وبدأت إنتاجية القطاع الصناعى، والذى يسهم بالنسبة الأكبر فى عملية التوظيف داخل الصين، فى التراجع تدريجيا إما لأسباب دورية مثل تباطؤ حدة هجرة العمالة إلى الحضر (urbanization)  واتجاه الأجور إلى الارتفاع نسبيا عما كانت عليه عند بداية برنامج الإصلاح، والتغير الديموجرافى الذى صاحب هذه الهجرة وما له من أثار على أساسيات الاقتصاد، وإما لأسباب هيكلية منها الإفراط فى بناء طاقات إنتاجية وتوجيه الموارد المحلية لقطاعات غير قابلة للتداول (nontradablesector)، مثل قطاع الإنشاءات والقطاع العقارى، بهدف خلق وظائف جديدة وتكييف السياسات المالية والنقدية لتحقيق هذا الهدف. ولا نقول إن الصين قد فقدت ميزتها التنافسية فى الأسواق العالمية، ولكننا نشير إلى أن نموذج النمو الصينى يحتاج الآن إلى إعادة توازن نحو اعتماد أكبر على الطلب المحلى والقطاع الخدمى بجانب القطاع الصناعى. وسينعكس هذا بلا شك على معدل النمو الحقيقى، وهى حقيقة اقتصادية وتاريخية لا شك فيها. وليكن فى أزمة الفقاعة السعرية فى اليابان فى مطلع التسعينيات المثل والعبرة.

أصبح مستوى الدين العام المحلى والخارجى فى الصين غير قابل للاستمرار. فلم يعد مجديا الاستمرار فى السياسات النقدية التوسعية على حساب الأساسيات الاقتصادية، فى كل مرة يتباطأ فيها النمو الاقتصادى أو تظهر بوادر أزمات مالية، نظرا لما خلفته تلك السياسات من تشوهات فى العملية الإنتاجية، وبعد بلوغ حجم المعروض النقدى والديون العامة مستويات باتت تهدد استقرار النظام المالى. فعلى سبيل المثال، تضاعف إجمالى عرض النقود فى الصين منذ 2008 وحتى الآن بأربعة أضعاف ليتعدى 200 %  من الناتج المحلى. وتحتاج الصين إلى عكس سياساتها السابقة، تجاه بعض الانكماش النقدى لتقليل الديون تدريجيا deleveraging  ومواجهة الفوائض الإنتاجية وهذا سيأتى حتما على حساب معدل النمو الاقتصادى.

وندلل على ذلك بالتناقض الواضح فى سياسة صنع القرار فى الصين، حيث كان بنك الشعب الصينى قد بدأ حديثا برنامج انكماش نقدى تدريجى لمواجهة الزيادة المضطردة فى حجم الدين العام، وتنامى الفقاعة العقارية، وأتى هذا متزامنا مع إعلان الحكومة المركزية التزامها بمواجهة المضاربات على الأصول، ومواجهة فائض الطاقة الإنتاجية الكبير فى البلاد بعد سنوات من سياسات التحفيز الاقتصادى. ولكن لم يحتمل صانع القرار تبعات هذا القرار، وبعد أن أظهرت البيانات الاقتصادية بعض التباطؤ فى نمو الاقتصاد، سارع بنك الشعب فى الآونة الأخيرة بالبدء فى ضخ سيولة إضافية مرة أخرى عن طريق تقليل نسبة الاحتياطى القانونى للبنوك التجارية لدى البنك المركزى وخفض سعر الفائدة على اليوان. وفى هذا تناقض صريح مع السياسة المعلنة لمواجهة المضاربات، والفقاعات العقارية، وأزمة تفاقم الديون. الآن تعود الأزمة على السطح من جديد، فهل تبدأ الصين حزمة جديدة من التحفيز الاقتصادى والتيسير النقدى؟

 يبدوهامش أسعار الفائدة فى الصين قليلاً مقارنة بمعدلات الفائدة الحالية والمتوقعة على الدولار، وبالنظر للفروق الجوهرية فى الظروف الاقتصادية لكلتا الدولتين فى الوقت الحالى، يستطيع أى مراقب لأسواق المال العالمية التكهن بارتفاع كبير فى الفائدة على اليوان الصينى، وهذا سيرفع تكلفة خدمة الدين على قطاع الشركات التى تواجه حاليا تباطؤ فى نمو الأرباح مقارنة بالقنوات السابقة، ولكنه سيساعد فى مواجهة الفقاعات والمضاربات فى الاقتصاد، وخفض نسبة الدين على المديين المتوسط والطويل، وأيضا سيأتى هذا على حساب النمو. وإذا أرادت الصين إبقاء معدلات الفائدة على ما هى عليه الآن، فسيعنى هذا انخفاض كبير فى قيمة اليوان وإلا ستضطر لاستنزاف جزء كبير من الاحتياطى النقدى الأجنبى لديها.

تطور حجم المعروض النقدى M2  فى الصين

المعروض النقدى M2  فى الصين كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى

تتزامن عملية إعادة التوازن الاقتصادى فى الصين مع فترة تتباطأ فيها التجارة الدولية، ويرتفع فيها الدولار الأمريكى، وهى علاقة عكسية تاريخية ترتبط بدورة الاقتصاد العالمى،  ويزيد من حدة هذا التباطؤ صعود موجة الحماية الاقتصادية التى يتبعها الرئيس ترامب، والذى فرض تعريفات جمركية على بضائع صينية بقيمة 200 مليار دولار. وقد ردت الصين بقرار مشابه فيما ينذر بحرب تجارية فى وقت دقيق من دورة الاقتصاد الدولى قد يدفع ثمنها هذا الاقتصاد بشكل عام والأسواق الناشئة بشكل خاص، حيث الاعتماد والتشابك مع الاقتصاد الصينى بدرجة أكبر وأعمق. وقد أظهرت البيانات الأخيرة بالفعل تباطؤا ملحوظا فى التجارة الدولية، واتجاه معدل نمو الصادرات ومؤشرات مديرى المشتريات فى الأسواق الناشئة إلى الانخفاض.

إن تباطؤ معدلات النمو الصينى والتجارة الدولية له انعكاسات سلبية على أساسيات الاقتصادات الناشئة، والتى إما تعتمد على الصين للتصدير (أو إعادة التصدير) أو تعتمد على أسعار السلع والمعادن والمواد الأولية، والتى ستتأثر سلبا بلا شك فى حالة انخفاض سعر صرف اليوان.

ما هى الدول الأكثر تعرضا للأزمة المالية؟

يمكن تقدير حجم المخاطرة المالية لكل دولة عن طريق قياس الفجوة التمويلية الخارجية. من خلال تحديد الديون والأعباء الخارجية لكل دولة، بالإضافة إلى عجز (أو فائض) الميزان التجارى كنسبة مِن إجمالى الاحتياطى النقدى الخارجى لديها. وهذا أشمل وأدق مِن مقارنة الدين الخارجى كنسبة مِن الناتج المحلى الإجمالى كما سبقت الإشارة . وكلما زادت النسبة زادت المخاطرة المالية. وكما هو واضح من الرسم البيانى التالى،  فإن تركيا، والأرجنتين، وجنوب أفريقيا، وباكستان هىالأكثر تعرضا حيث تزيد نسبة الفجوة التمويلية عن 100 % ، أى أكثر من الاحتياطى النقدى الخارجى لها.

 

نسبة الدين قصير الأجل والميزان الجارى إلى إجمالى الاحتياطى النقدى

نسبة الدين قصير الأجل إلى  إجمالى الاحتياطى النقدى

الخلاصة:

تعانى الأسواق الناشئة فى الوقت الراهن من ارتفاع الدين الخارجى حيث، وصل إلى أربعة أضعاف ما كان عليه فى 2008، ويأتى هذا فى وقت ترتفع فيه قيمة الدولار مع البدء فى رفع أسعار الفائدة الأمريكية بعد سنوات من برنامج التيسير الكمى، والذى طبع كميات هائلة من النقود، وأبقى أسعار الفائدة منخفضة بشكل غير مسبوق لمواجهة الأزمة المالية منذ عشر سنوات. ومع ارتفاع الدولار، تتباطأ التجارة الدولية، وتعانى الصين من فوائض إنتاجية، وفقاعات سعرية، خاصة فى القطاع العقارى، وهو ما يلزم قيام بنك الشعب الصينى برفع معدلات الفائدة وتطبيق سياسة الانكماش النقدى لمواجهة الأزمة، وسيأتى هذا على حساب معدل النمو، وهو ما جعل صانع القرار مترددا فى مواجهة الأزمة لفترة طويلة. فإذا أرادت الصين الإبقاء على معدلات الفائدة منخفضة، يجب عليها إما السماح بتخفيض سعر صرف اليوان أو استنزاف الاحتياطى النقدى الأجنبى لديها، والتى كانت قد فقدت 25 % منه عام 2015. وسيكون لانخفاض سعر اليوان نتائج سلبية على أسعار الطاقة، أى السلع والمواد الأساسية عالميا.

إن مواجهة التشوهات الاقتصادية والمالية فى النظام العالمى له ثمن يجب تحمله إما الآن أو لاحقا. وتستطيع الحكومات والبنوك المركزية شراء بعض الوقت، مثلما فعلت سابقا، ولكن ذلك سيرفع من فاتورة الإصلاح لاحقا، وسيتسبب فى أزمات أخرى أعمق وأكثر تأثيرا.

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة