رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

تقارير وانتخابات

    بسمة سعد

باحث مساعد- مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

أوضحت النتائج شبة النهائية في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، والتى أُجريت فى 6 نوفمبر 2018 سيطرة الكتلة الزرقاء الممثلة للحزب الديمقراطي على إحدى غرفتى الكونجرس، وهو مجلس النواب، بينما تمكن أصحاب الكتلة الحمراء الممثلة لنظيره الجمهوري من السيطرة على غالبية مقاعد مجلس الشيوخ الأمريكي؛ حيث كشفت النتائج الأولية عن  فوز الديمقراطيين بـ 223 مقعداً، بينما حصد الجمهوريون 197 مقعدا، أما بالنسبة لمجلس الشيوخ، فتراجعت عدد المقاعد الديمقراطية تحت أروقته لـ 46 مقعد مقابل 51 لنظيرتها الجمهورية.[1] ومن المتوقع ارتفاع عدد مقاعد الكتلة الزرقاء خلال الأيام القادمة لحين إعلان نتيجة السباق الانتخابي التى يرجع تأخرها لحالة الجدل الدائرة حول عملية فرز الأصوات في ولايتى فلوريدا وأريزونا والتى لاقت انتقاداً حاداً من قبل الرئيس "ترامب".[2]

وانطلاقاً مما سبق، يرمي هذا المقال للتطرق إلى الدلالات المعبرة عن تفرد انتخابات التجديد النصفي خلال هذا العام، والأسباب التى أضفت عليها حالة من التميز والتفرد، هذا إلى جانب طرح قراءة ثنائية الرؤي حول ما أفرزته عملية التصويت من نتائج، فضلاً عن محاولة التعرف على ما حملته انتخابات التجديد النصفي من رسائل لعام 2020 المقرر أن تعقد خلاله الانتخابات الأمريكية القادمة.

أولاً- دلالات وأسباب وراء تفرد انتخابات التجديد النصفي :2018

لا يمكن الاختلاف على تسجيل الإنتخابات الحالية للتجديد النصفي أرقاماً قياسية في عدة جوانب أولها أن نسبة التصويت في انتخابات التجديد النصفي خلال هذا العام هي أكبر نسبة مشاركة منذ عام 1966 [3]، والتى بلغت نحو 115 مليون صوت، ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل إن من بين نسبة الـ 16% الذين صوتوا للمرة الأولى جاءت أصوات غالبية الشباب لمصلحة الديمقراطيين،[4] كما صوت 60% من النساء لمصلحة الكتلة الزرقاء، لاسيما النساء البيض ساكنى الضواحي الثرية، فضلاً عن أنه بالرغم من أن ناخبي المدن الكبري والضواحى يمثلون حصناً قوياً للكتلة الحمراء فإن الديمقراطيين تمكنوا من ضمهم لصفوفهم.[5]

كما شهدت تلك الانتخابات ارتفاعاً في عدد المترشحات إلى مقاعد الكونجرس، لتصل إلى 237 مرشحة إلى عضوية مجلس النواب، يناظرها 23 مرشحة لعضوية مجلس الشيوخ، أفضي خلالها السباق الانتخابي، وفقاً للنتائج غير النهائية، بفوز 112 سيدة بمقاعد الكونجرس، من بينهم  95 عضوة ممثلة عن الحزب الديمقراطي، و17 عضوة ممثلة عن الحزب الجمهوري، وهو ما يعد تميزاً جديداً لانتخابات التجديد النصفي الحالية مقارنة بالحضور النسائي السابق تحت أروقة الكونجرس الأمريكي، والذي بلغ 84 سيدة في مجلس النواب بواقع 61 نائبة ممثلة عن الحزب الديمقراطي، و 23 نائبة من الحزب الجمهوري، بينما ضم مجلس الشيوخ 23 سيدة بواقع 17 من الحزب الديمقراطي و6 من نظيره الجمهوري،[6] وهو ما يدفع للقول إن عام 2018 عام المرأة الأمريكية لثانى مرة في تاريخ الكونجرس عقب عام 1992.[7]

كما شهد الكونجرس الأمريكي لأول مرة في تاريخه فوز امرأتين مسلمتين في الانتخابات أحداهما من أصل فلسطينى وأخري صومالية محجبة جاءت الأراضي الأمريكية كلاجئة، إلى جانب فوز أول أمريكية من السكان الأصليين للدولة، كما كان لقب أصغر عضو سناً في الكونجرس (29 عاماً) من نصيب امراءة تُدعي "ألكسندريا كورتيز".[8]

وانطلاقاً مما سبق، يمكن طرح جُملة من الأسباب التى كانت دافعاً أساسياً لتحديد موقف المواطن الأمريكي من المشاركة في انتخابات التجديد النصفي، وكذلك لتحديد أيا من مرشحي الحزبين يستحق الفوز بإحدى مقاعد الكونجرس الأمريكي، كالتالي:

1- اللهجة الحادة التى اعتاد الرئيس الأمريكي"دونالد ترامب" على الحديث بها عن الأجانب (المهاجرين واللاجئين)، وكذلك المسلمين، والتى كانت عاملاً مهما في تشكيل نتيجة الانتخابات التى توجت بفوز أول سيدتين مسلمتين في تاريخ الكونجرس.

فلقد تعمد الرئيس "ترامب" على توظيف قافلة المهاجرين المتجهة لواشنطن بشكل سياسي عبر إطلاقه تحذيرات للشعب الأمريكي من أن التصويت لمصلحة الكتلة الزرقاء سيسهم في تدافع المهاجرين على الحدود الأمريكية، وانتشار الجريمة المنظمة،[9] كما طلب "ترامب" من البنتاجون دعم الوحدات الرابطة على الحدود الأمريكية المكسيكية للتصدى لقافلة المهاجرين، وهو الطلب الذي قُوبل بالرفض في 26 أكتوبر الماضي[10]، لكن سرعان ما أعلن المتحدث باسم البنتاجون "روب مانينج أن" في 6 نوفمبر الجاري، أي في ذات موعد إجراء انتخابات التجديد النصفي، أن البنتاجون سيرسل 5200 عسكري إلى الحدود مع المكسيك، كما إنه سيغلق الحدود بأسلاك شائكة، وسيعمل على تأمين الدعم اللوجيستي لوحدات حماية الحدود، فضلاً عن الدفع بمروحيات عسكرية.[11]

ولم يكتف "ترامب" بذلك، بل وقع مرسوماً في 10 نوفمبر الجاري يتم بموجبه الرفض التلقائي لطلبات اللجوء المقدمة من المهاجرين الذين يخترقوا بشكل غير قانوني الحدود الأمريكية - المكسيكية، ويأتى هذا المرسوم عقب  يوم من تعليق قبول طلبات اللجوء التي يتقدم بها المهاجرون غير الشرعيين من قبل وزارة الأمن الداخلي الأمريكية.[12]

2- لم تتسق خطابات العنصرية للرئيس "ترامب" ضد الأقليات العرقية والدينية مع تاريخ واشنطن الطويل في الدفاع عن مبادئ الديمقراطية والإنسانية، فلقد كانت تلك الخطابات بمنزلة ضوء أخضر للحركات العنصرية المناصرة للقومية البيضاء للتعبير عن مواقفها المختلفة بأساليب عنيفة، فاختار المجتمع الأمريكي العصيان على تلك الخطابات التى دفعت يمينى أبيض متطرفيُدعي "روبرت باورز" بإطلاق النار على تجمّع للمصلين اليهود خلال أدائهم الشعائر الدينية في معبد "شجرة الحياة" في مدينة بيتسبيرج، مما أدى لسقوط 11 قتيلاً يهودياً قبل أيام قليلة من بدء التصويت في انتخابات التجديد النصفي.[13]

وإثر هذا الحادث، وجه اليهود اتهاماً مباشراً للرئيس"ترامب" بأن خطاباته العنصرية كانت محفزاً ودافعاً مباشراً لارتكاب مثل تلك الجرائم من قبل مناصري القومية البيضاء التى تعززت في المجتمع منذ وصوله للسلطة. ولم يكتف يهود المدينة بذلك، بل قاموا بنشر عريضة على الإنترنت عبروا من خلالها عن عدم ترحيبهم بزياره "ترامب" للمعبد لحين تراجعه عن دعم القومية البيضاء، وهي العريضة التى وقّع عليها 12 ألف أمريكي[14] أدركوا مخاطر تصاعد العنف في المجتمع على يد القوميين البيض وغيرهم من المتطرفين اليمينيين الذي ارتكبوا الكثير من عمليات القتل منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 مقارنة بالفئات الأخري المتطرفة في المجتمع الأمريكي، مثلما ورد بتقرير صحيفة "نيويورك تايمز" عقب أيام من وقوع حادث المعبد. كما أكد مركز مكافحة التشهير المترقب لأنشطة المتطرفين أن هناك 71٪ من حالات القتل المرتبطة بالمتطرفين والواقعة خلال الفترة (2008-2017) ارتكبها أعضاء من اليمين المتطرف،  أو حركات قومية بيضاء، بينما ارتكب المتطرفون الإسلاميون 26% من حالات القتل الواقعة.[15]

وعلى الجانب الآخر من حادثة المعبد اليهودي، يُمكن القول إن الهدف من ارتكاب الحادث في مثل هذا الظرف السياسي الأمريكي، لم يقتصر فقط على التعبير عن رفض وجود اليهود بالمجتمع، وإنما جاء أيضاً كمحاولة لترهيب مواطنى مدينة بيتسبيرج المؤيدة للحزب الديمقراطي،[16] لدفعهم للتصويت لمصلحة حزب الرئيس الجمهوري.

وإقراناً بحادثة المعبد اليهودي، وفي إطار ما يمكن أن يطلق عليه" العنف السياسي"، قام أحد مناصري القومية البيضاء، ومن أشد المتعصبين للرئيس"ترامب" يُدعي "سيزار سايوك"، بإرسال سلسلة من الطرود المشبوهة وصلت لأكثر من 15 طرداً، لعدد من الساسة الديمقراطيين، مثل الرئيس السابق "باراك أوباما"، والمرشحة السابقة لرئاسة الانتخابات الأمريكية "هيلاري كلينتون"، إلى جانب عدد من الشخصيات الأمريكية المعروفة أبرزهم الملياردير الأمريكي " جورج سوروس"،[17] فضلاً عن إرسال أحد الطرود لإحدى القنوات التليفزيونية المعارضة لـ"ترامب"، وهي شبكة " CNN". وفي المقابل، وبالتزامن مع سلسلة طرود "سايوك" السالف ذكرها، تم إرسال طرود أحدها للرئيس "ترامب"، وأُخري للبنتاجون مستهدفةً وزير الدفاع "جيمس ماتيس" ورئيس أركان القوات البحرية الأميرال "جون ريتشاردز"، إلى جانب إرسال طرد لعضو الحزب الجمهوري "تيد كروز.[18] واستناداً لما سبق، لا يمكن الاختلاف على أن اللهجة المترامية خلقت عنفاً سياسياً متبادلاً في المجتمع الأمريكي تزامن مع تصاعد الاتجاه الشعبوي في الدولة، وهو الأمر الذي ألقي بظلاله على انتخابات التجديد النصفي.

3-  يُعد ترشيح الرئيس "ترامب"، قاضي محكمة الاستئناف بواشنطن سابقاً والجمهوري اليميني المتشدد "بريت كافانو" لعضوية المحكمة العليا، عاملاً مهماً في تشكيل نتيجة انتخابات التجديد النصفي، وتسجيل مشاركة نسائية مرتفعة خلالها؛ حيث إنه بمجرد الإعلان عن ترشح "كافانو" لعضوية المحكمة العليا، واجه اتهامات بالاعتداء والتحرش الجنسي من عدة سيدات، وهي الاتهامات التى رفضها "كافانو" جملةً وتفصيلاً، كما أنها لم تقف حائلاً أمام تصديق مجلس الشيوخ  في 6 أكتوبر، وقبل شهر واحد من التصويت في الانتخابات، على تعيين "كافانو" عضواً بالمحكمة العليا[19] ليشهد عام 2018 عام المرأة الأمريكية للمرة الثانية بعد عام 1992  الذي شهد قفزة كبيرة في الحضور النسائي بالكونجرس الأمريكي وصل للضعف تقريبا، بعدما ثارت الشبهات حول أحد المرشحين للمحكمة العليا، مثلما هو الحال مع "كافانو".[20]

كما لا يمكن فصل دور المحكمة العليا في تشكيل نتيجة انتخابات التجديد النصفي، نظراً لطبيعة الاختصاص المنوط بها، حيث تختص المحكمة في الفصل في عدد من القضايا الحساسة التى أثارت جدلاً واسعاً، مثل قضايا الإجهاض، وحكم الإعدام، وسياسات الهجرة،[21] كما إنها المحكمة التى أيدت قرار "ترامب" المعنى بحظر سفر مواطني 7 دول إسلامية إلى واشنطن[22]، وهو القرار الذي على إثره شهد المجتمع الأمريكي حالة من الانقسام بين مؤيد له يرمي لتعزيز خطابات الكراهية والعنصرية مُتخذا من "أمريكاً أولاً" شعاراً له، وآخر معارض يهدف لإعلاء مبادئ الديمقراطية والإنسانية التى طالما طالبت واشنطن المجتمع الدولى بتطبيقها.

4- لعب الإعلام دوراً مهما في تلك الانتخابات في ظل انتهاج الرئيس "ترامب" سياسة هجومية تجاه العديد من وسائل الإعلام وصلت إلى حد اتهامه لها بالكذب، هذا فضلاً عن اتخاذ اليمينيين المتطرفين وسائل الإعلام كمنصة للإساءة إلى الأقليات العرقية،  لاسيما الذين قاموا بترشيح أنفسهم كحكام لعدد من الولايات الأمريكية في الانتخابات المنصرمة[23].

ثانياً- انتصار ضمنى أم نكسة المنتصف للجمهوريين:

عقب ظهور النتائج الأولية من انتخابات التجديد النصفي التى أشارت لسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، بينما سيطر الجمهوريين على نظيره مجلس الشيوخ، اتجهت غالبية الرؤي للحديث عن هزيمة الجمهوريين الانتخابية التى تعبر، في ذات الوقت، عن تراجع شعبيته عقب عامين من توليه رئاسة واشنطن، وبالتالي تراجع فرص توليه رئاسة واشنطن لفترة ثانية. وعلى جانب آخر، وردت بعض الرؤي التى تتحدث عن تحقيق الرئيس وحزبه الجمهوري انتصاراً ضمنياً سيضفي حالة من الشد والجذب بين غرفتي الكونجرس، كما إنه سيزيد من فرص "ترامب" في الفوز بولاية ثانية. انطلاقاً مما سبق، يمكن استعراض الرؤيتين على النحو التالي:

1- البطة العرجاء؛ نكسة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي:

على الرغم من فشل الديمقراطيين في السيطرة على مقاعد مجلس الشيوخ الأمريكي، فإن تمكُّن الكتلة الزرقاء، ولأول مرة منذ 8 سنوات، من السيطرة على مقاعد مجلس النواب ولجانه الفرعية وامتلاكها لجميع الأدوات الرقابية اللازمة لفحص أداء السلطة التنفيذية، دفع للحديث عن قدرة الديمقراطيين على تقييد التحركات الترامبية والنيل من نزاهة الرئيس إذا أرادوا إخضاعه لتحقيقات إضافية حول اتهامه بالتلاعب في نتيجة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عبر التواطؤ بين حملته الانتخابية وروسيا وهي  التحقيقات المعروفة باسم "تحقيقات موللر" نسبة لرئيسها "روبرت موللر"، وهو الأمر الذي أثار مخاوف "ترامب" فدفعه، عقب ساعات قليلة من ظهور النتائج الأولية للانتخابات، لإقالة وزير العدل "جيف سيشنز" الذي فضل النأي بنفسه بعيداً عن تلك التحقيقات وتعيين مدير مكتبه " ماثيو وايتيكر"، المعروف بعدائه لـ"موللر"، وزيراً للعدل بشكل مؤقت[24]، وهو القرار الذي يطرح توقعات بممارسة الأخير أساليب عدة لإعاقة "موللر" عن كشف الحقيقة [25].

وبالإضافة إلى تحقيقات "موللر"، فإن السيطرة الديمقراطية على مجلس النواب قادرة على تحريك تحقيقات للبت في صحة اتهام "ترامب" بالتهرب الضريبي، بعدما أقدمت صحيفة "نيويورك تايمز" على طرح جميع الأوراق التى تثبت عدم نزاهته مالياً.[26]

فضلاً عن أن التركيبة المتفردة لمجلس النواب تحمل في طياتها تحديات عدة أمام الرئيس "ترامب" وحزبه الجمهوري، من بينها أن الحضور النسائي المميز تحت أروقة الكونجرس الأمريكي قادر على توجيه دفة المجلس في عدة قضايا، مثل الإجهاض،  وأسلمة الإرهاب، وحق اللاجئين والمهاجرين في التنعم بحياة كريمة داخل المجتمع الأمريكي، وبالتالي لا يمكن إنكار القول إن سيطرة الديمقراطيين على مقاعد مجلس النواب ستعيق من تحركات "ترامب" خلال العامين القادمين، ليكون الكونجرس بذلك كالبطة العرجاء في إصدار التشريعات، في ظل غلبة الجمهوريين على مجلس الشيوخ.

2- الانتصار الضمني؛ سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ:

يتجه البعض للحديث عن أن "ترامب" وحزبه الجمهوري حققا انتصاراً كبيراً خلال انتخابات التجديد النصفي استناداً للنقاط التالية:

1-  من المعتاد خسارة حزب الرئيس الأمريكي غالبية مقاعد الكونجرس؛ فخلال جملة انتخابات تجديد نصفي ماضية تصل إلى (21) انتخابا، شهدتها واشنطن، لم يتمكن حزب الرئيس من السيطرة على مقاعد الكونجرس إلا خلال عهد 3 رؤساء فقط. كما إنه على الرغم من أن "ترامب"  كان الرئيس الأقل شعبية منذ ولاية "هاري ترومان" في عام 1950 فإن حزبه تمكن من السيطرة على غالبية مقاعد الكونجرس، بما في ذلك انتزاع مقعدين من الكتلة الزرقاء [27]، وهو ما يعد انتصاراً في حد ذاته.

2- أكسبت الامتيازات التى يتمتع بها مجلس الشيوخ الأمريكي، في شكل اختصاصات، الجمهوريين قوة مكنتهم من التصدى لأية محاولات ديمقراطية لتعطيل الأجندة التشريعية للرئيس في ظل حتمية الحصول على موافقة مجلس الشيوخ لتمرير التشريعات. كما يتفرد مجلس الشيوخ باختصاصات مهمة تتمثل في تثبيت التعيينات الرئاسية للمحكمة العليا، وللمحاكم الفيدرالية الأدنى، وللمناصب الرئيسية داخل الفرع التنفيذي [28]، وبالتالي فإن السيطرة علي غالبية مقاعده يعنى التحكم في العديد من المناصب المهمة في الدولة، فضلاً عن أن سيطرة الجمهوريين على مقاعد المجلس يعنى تبديد المخاوف الترامبية من اتخاذ إجراءات عزله وتعطيل التشريعات التى من شأنها التحقق من صحة اتهامه في العديد من الملفات أبرزها تحقيق "موللر" وهو ما تجسد في إيقاف الكتلة الجمهورية في مجلس الشيوخ قانوناً مقترحاً لحماية  تحقيق "موللر" فى 15 نوفمبر الجاري[29].

3- ستجبر السيطرة الجمهورية على مقاعد مجلس الشيوخ الديمقراطيين على التعاون مع الأقلية الجمهورية في مجلس النواب، لكي تتمكن الكتلة الزرقاء من جنى ثمار التعاون داخل أروقة مجلس الشيوخ في تمرير عدة تشريعات، وبالتالي كسر حالة الجمود التشريعي التى سيشهدها الكونجرس الأمريكي خلال العامين القادمين، ولو في أضيق الحدود. [30]

      ترتيباً على ما سبق، يمكن القول بأن الرئيس "ترامب" قد تمكن بالفعل من تحقيق انتصار يشوبه قلق مُحكم في الانتخابات المعنية، حيث يعود هذا الانتصار في -جانب منه - لقدرته خلال العامين الماضيين من ولايته الرئاسية على تمرير أبرز القضايا الخلافية كالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، إلى جانب اتخاذ قرار بنقل سفارة واشنطن في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، وغيرها من القضايا الخلافية الشائكة.[31] كما أظهرت انتخابات التجديد النصفي حجم الظهير الجمهوري والشعبوي القوي الذي يتمتع به الرئيس"ترامب" والذي من المتوقع أن يسجل دوراً مهما خلال انتخابات عام 2020.

ثالثاً- ماذا تحمله انتخابات التجديد النصفي لعام 2020 ؟

أضفت حالة التفرد التى تميزت بها انتخابات التجديد النصفي الحالية نوعاً من الغموض حول مصير الرئيس "ترامب" وحزبه في الانتخابات المقرر إجراؤها عام 2020، وهل سيتمكن بالفعل من الفوز بولاية ثانية من عدمه؟ وتعود حالة الغموض هذه لعدة أسباب:

1- خسر "ترامب" خلال الانتخابات المعنية دعم فئات مهمة سبق أن صوتت له خلال الانتخابات الرئاسية عام 2016، والتى يأتى على رأسها النساء البيض، هذا إلى جانب اتجاه غالبية الشباب الذين صوتوا للمرة الأولى خلال انتخابات التجديد النصفي للتصويت لمصلحة الكتلة الزرقاء،[32] وهو ما يدفع للتساؤل عن مصير تلك الأصوات في عام 2020، وهل سيتمكن "ترامب" من ضمها لصفوفه.

2- على الرغم من فوز الجمهوريين فى عدة ولايات محافظة معروفة بولائها للجمهوريين مثل ولايات جورجيا، وتكساس، وأريزونا، وآيوا، فإن خسارة منافسيهم الديمقراطيين جاءت بفوارق ضئيلة للغاية، وهو الأمر الذي يُعد بمنزلة مؤشر إيجابي للديمقراطيين يمكنهم توظيفه في حسم نتيجة الانتخابات القادمة. [33]

3- اعتمد الديمقراطيون خلال حملتهم الانتخابية للتجديد النصفي على ملفات داخلية مهمة تتعلق بالرعاية الصحية، وتحسن البنية التحتية، وغيرها من الملفات التى تمس المواطن الأمريكي وبالتالي فإن ما يمكن أن يحققه الديمقراطيون من انتصار خلال انتخابات 2020 يتوقف على إحراز تقدم في تلك الملفات، إلى جانب تفعيل دور مجلس النواب لمساءلة الرئيس وإدارته في أبرز الملفات المهمة مثل تحقيق "موللر"، و إجبار "ترامب" على تقديم كشف حسابه الضريبي.

4- عكست الانتخابات المعنية حجم الظهير الشعبوي الذي يتمتع به الرئيس"ترامب"،  لاسيما من قبل القوميين البيض واليمينيين المتطرفين، لكن في ذات الوقت يُعد منح الرئيس مساحة واسعة لتلك الفئة دون ضوابط محددة قد يقلب موازين القوي في انتخابات 2020.

صفوة القول، لا يمكن الاختلاف على أن انتخابات التجديد النصفي خلال عام 2018 أتت بالعديد من المفاجآت التى ستلقي بظلالها على سياسة "ترامب" خلال العامين القادمين وكذلك على مجري الانتخابات الأمريكية القادمة في عام 2020، لاسيما أنها وضعت مجموعة من القيود التشريعية التى قد تصيب الكونجرس الأمريكي بحالة من الجمود التشريعي الجزئي الذى يمكن تجاوزه عبر تحديد أبرز ملفات التعاون التى يمكن للحزبين الجمهوري والديمقراطي الاتفاق حولها.  

 

الهوامش:



[1]- الخليج أونلاين،" انتكاسة لترامب..كيف يهدد الديمقراطيون أجندة الرئيس عبر مجلس النواب؟"،(تاريخ الدخول 9 نوفمبر 2018، الساعة 10 مساءٍ)،متاح على الرابط

http://cutt.us/a5pi

[2]- مصراوي،"سباقان يؤجلان إعلان فوز الجمهوريين بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ الأمريكي"،(تاريخ الدخول 10 نوفمبر 2018، الساعة 5:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/GYARc

 

[3]- بي بي سي،"الأوبزرفر: أمريكا جديدة تتشكل بعد انتخابات الكونغرس"،(تاريخ الدخول 12 نوفمبر 2018، الساعة 3:10 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://www.bbc.com/arabic/inthepress-46167535

[4]- منال لطفي،"ماذا بعد انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى.. ترامب محاصر.. والشرق الأوسط أكبر المتأثرين"،(تاريخ الدخول 12 نوفمبر 2018، الساعة 3:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/3hmM6

[5]- مصراوي،"ماذا كشفت نتائج انتخابات الكونجرس النصفية الأمريكية؟"،(تاريخ الدخول 12 نوفمبر 2018، الساعة 4:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/ycPCZ

[6]- سكاي نيوز عربية،"إنجاز تاريخي للنساء في انتخابات الكونغرس الأميركي"،(تاريخ الدخول 10 نوفمبر 2018، الساعة 8:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/AYuo7

[7]- بي بي سي،"نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة: ما الذي تعنيه بالنسبة للنساء في الكونغرس؟"،(تاريخ الدخول 12 نوفمبر 2018، الساعة 4:00 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://www.bbc.com/arabic/resources/idt-sh/women_in_congress_arabic

[8]- جريدة الشرق الأوسط،"الأميركيون يختارون «كونغرس» منقسماً... وهذه أبرز ملامحه"،(تاريخ الدخول 12 نوفمبر 2018، الساعة 4:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/WqkZw

[9]- بي بي سي،"هل يخرج ترامب أقوى أم أضعف بعد انتخابات الكونغرس؟"،(تاريخ الدخول 12 نوفمبر 2018، الساعة 10:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://www.bbc.com/arabic/interactivity-46116963

[10]- محمد الأحمدى،"البنتاجون VSترامب.. وزير الأمن الداخلى الأمريكى يطلب حماية قواته قبل مواجهة المهاجرين.. وتقارير: تكلفة نشر القوات تبلغ 143 دولارًا لكل جندى يوميا.. والرئيس الأمريكى يتراجع عن إطلاق النار على اللاجئين"،(تاريخ الدخول 12 نوفمبر 2018، الساعة 10:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/yuOLl

[11]- قناة المنار،"البنتاغون: انتقال 5200 عسكري إلى الحدود مع المكسيك"،(تاريخ الدخول 12 نوفمبر 2018، الساعة 11:30 مساءٍ)،متاح على الرابط

http://www.almanar.com.lb/4482084

[12]- فرانس24،"ترامب يوقع مرسوما يمنع المهاجرين غير الشرعيين من التقدم بطلبات لجوء"،(تاريخ الدخول 12 نوفمبر 2018، الساعة 11:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/GLRje

[13]- اليوم السابع،"يهود أمريكا يعلنون رفضهم زيارة ترامب لمقر حادث المعبد اليهودى"،(تاريخ الدخول 14 نوفمبر 2018، الساعة 12:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/11mLF

[14]- معيان بن حامو،"اللاسامية في أمريكا.. هل يصب ترامب الزيت على النار؟"،(تاريخ الدخول 14 نوفمبر2018، الساعة 3:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/USdSM

[15]- إنجي مجدى،"تقرير أمريكى: القوميون المتطرفون مسئولون عن 71% من حوادث العنف فى أمريكا"،(تاريخ الدخول 14 نوفمبر 2018، الساعة 4:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/3e1mY

[16]- معيان بن حامو، مرجع سبق ذكره.

[17]- مصراوي،"ترامب يعلق على "الطرود المشبوهة": لن نقبل بالتهديدات السياسية في أمريكا"،(تاريخ الدخول 13 نوفمبر 2018، الساعة 11:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/la7nL

[18]- روسيا اليوم،"القبض على مرسل الطرود المشبوهة لترامب وماتيس"،(تاريخ الدخول 14 نوفمبر2018، الساعة 4 أكتوبر 2018، الساعة 11:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/LaW7M

[19]- بي بي سي،"مجلس الشيوخ الأمريكي يوافق على تعيين كافانو عضواً في المحكمة العليا"،(تاريخ الدخول 14 نوفمبر 2018، الساعة 11:00 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://www.bbc.com/arabic/world-45772141

[20]- بي بي سي،"نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة: ما الذي تعنيه بالنسبة للنساء في الكونغرس؟"، مرجع سبق ذكره.

[21]- بي بي سي،" من هو بريت كافانو مرشح ترامب للمحكمة العليا الذي يواجه اتهامات بالاعتداء الجنسي؟"،(تاريخ الدخول 14 نوفمبر 2018، الساعة 11:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://www.bbc.com/arabic/world-45679990

[22]- سبوتنيك عربي،"خبير: ترامب ضمن أغلبية "جمهورية " داخل المحكمة العليا الأمريكية"،(تاريخ الدخول 14 نوفمبر 2018، الساعة 11:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/aZ2VF

[23]- بي بي سي عربي،"هل يخرج ترامب أقوى أم أضعف بعد انتخابات الكونغرس؟"،(تاريخ الدخول 14 نوفمبر 2018، الساعة 11:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://www.bbc.com/arabic/interactivity-46116963

[24]- فرانس24،"وزير العدل الأمريكي يستقيل من منصبه بناء على طلب ترامب"،(تاريخ الدخول 15 نوفمبر 2018، الساعة 2:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/JNOor

[25]- منال لطفي، مرجع سبق ذكره.

[26]- غادة غالب،"القصة الكاملة لتحقيق "نيويورك تايمز" في ثروة "ترامب" والمعاملات الضريبية المشبوهة مع والده"،(تاريخ الدخول 15 نوفمبر 2018، الساعة 2:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/DZOXm

 

[27]- سالي إسماعيل،""مفاجآت وتحديات ومخاوف" بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس"،(تاريخ الدخول 15 نوفمبر 2018، الساعة 6:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/4wYFZ

[28]- سارة عرفة،"ما الفرق بين ضلعي الكونجرس الأمريكي؟"،(تاريخ الدخول 15 نوفمبر 2018، الساعة 6:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/jiiiB

[29]- مصراوي،"القيادة الجمهورية لمجلس الشيوخ الأمريكي توقف مشروع قانون يحمي تحقيق "مولر""،(تاريخ الدخول 15 نوفمبر 2018، الساعة 7:30 مساءٍ)، متاح على الرابط

http://cutt.us/uCDpQ

[30]- العين،"ترامب يخسر "النواب" ويفوز بالانتخابات"،(تاريخ الدخول 15 نوفمبر 2018، الساعة 7:15 مساءٍ)، متاح على الرابط

https://al-ain.com/article/trump-america-elections

[31]- نفسه.

[32]- منال لطفي، مرجع سبق ذكره.

[33]- نفسه.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة