رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مقالات العدد

مئة عام مرت على ثورة 1919، الحدث السياسى الوحيد الذى يجمع عليه المصريون. لقد اختلفنا على تقييم ثورة عرابى، وما إذا كانت ثورة فعلا، أم أنها كانت هوجة قادها ضباط مندفعون قليلو الخبرة، انتهى بهم الأمر فى التسبب إلى احتلال الانجليز لمصر. اختلفنا على ثورة يوليو، وما إذا كانت انقلابا عسكريا أجهض فرص التطور الديمقراطى، وأدخل البلاد فى مغامرات خارجية، وتجارب أيديولوجية أهدرت رصيدا كانت مصر قد راكمته خلال العقود السابقة. على العكس من ذلك، فإن هناك إجماع، بين المصريين على ثورة 1919، حتى هؤلاء الذين يعتقدون أن الثورة لم تحقق وعودها، وأن المحصلة كان يمكن أن تكون أفضل لو كان على رأس الثورة قيادة مختلفة، أكثر ثورية وجذرية، حتى هؤلاء لا ينكرون على ثورة 1919 أنها مثلت خطوة كبيرة للأمام؛ ولا يذهب أحد منهم إلى القول أن الأمور كان لها أن تذهب إلى أفضل لو أن الثورة لم تقم.

هناك أسباب كثيرة للمكانة التى تحتلها ثورة 1919 فى تاريخ مصر، والوعى الجمعى للمصريين، من بينها أنها  أول ثورة قومية مصرية رغم التاريخ الطويل لمصر والمصريين. فعلى مستوى الإدراك، لم يسبق للوعى السياسى المصرى أن بلور مفهوما للهوية يربط فيه التاريخ، والعرق، والثقافة بالاستقلال التام كما حدث فى ثورة 1919. وبمقارنة التعبير الصريح عن الأمة والقومية المصرية فى الثورة باختلاط الوطنية المصرية بأشكال غامضة من الجامعة العثمانية أو الرابطة الشرقية والإسلامية لدى الزعيم الوطنى مصطفى كامل، يتضح حجم التغير الذى لحق بالوعى السياسى المصرى فى السنوات الفاصلة بين حقبتى مصطفى كامل وسعد زغلول. لقد عبر عبد العزيز بك فهمى، فى 13 نوفمبر 1919 فى أول لقاء للوفد مع المندوب السامى البريطانى رينالد وينجت، عن هذا الوعى القومى الجديد بقوله إن «لمصر تاريخا قديما باهرا، وسوابق فى الاستقلال التام، وهى قائمة بذاتها وسكانها عنصر واحد، ذو لغة واحدة وهم كثيرو العدد، وبلادهم غنية، وبالجملة فشروط الاستقلال متوافرة فى مصر»1. وفى خطبته السياسية الأولى، التى ألقاها فى الثالث عشر من يناير 1920 ، قدم سعد زغلول مفهوما أكثر تبلورا للأمة والقومية المصرية. استنكر سعد باشا التهرب البريطانى من إعطاء مصر حقها فى الاستقلال. فقال «هل أمة كمصر مدنيتها أقدم المدنيات، وفضائلها الاجتماعية التى تنتقل بالوراثة من جيل إلى جيل ظاهرة الأثر من حيث وداعة الأخلاق، وحب احترام القوانين، والتماثل التام فى الميول، يمكن أن يسأل فى أمر استقلالها من غير أن تجرح عواطفها المدنية بهذا السؤال؟، وهل أبناء المدنية الفرعونية والمدنية العربية غريب عليهم أن يستقلوا فيشاطروا فى تقدم المدنية فى خطواتها إلى الأمام»2. قِدم وعراقة الأمة المصرية وحضارتها، وأخلاقها النبيلة، وتوارث هذه الأخلاق عبر الأجيال فى استمرارية لا تنقطع، والانتساب بغير اضطراب للمدنيتين الفرعونية والعربية، والمفهوم العلمانى للهوية القومية، ومبدأ التقدم، ووحدة الإنسانية؛ كل هذه العناصر ضمَّنها سعد زغلول فى خطبته القصيرة، مؤكدا امتلاك قيادة الثورة لمفهوم ناضج للأمة والهوية القومية.أما التعبير الأهم عن وصول القومية المصرية إلى مرحلة النضج فقد ظهر فى وحدة النخبة والطبقة السياسية خلف قضية الثورة القومية، وفى التحاق كل طبقات الأمة وفئاتها بالثورة؛ كما سيأتى لاحقا.

من المقاومة التقليدية إلى المقاومة القومية:

لم تتوقف المقاومة ضد الاستعمار الأوربى منذ أن وطئت أقدام المستعمرين الأرض فى بلاد المستعمرات. غير أن هذه المقاومة لم تتحول إلى حركات قومية متبلورة إلا فى مرحلة متأخرة. وقد كانت حركة مقاومة الاستعمار فى مصر من أوائل حركات المقاومة التى تحولت إلى حركة قومية، وحسب الدكتور محمود الخفيف، فإن تاريخ مصر القومى بدأ فى مايو عام 1805، عندما ألبس السيد عمر مكرم، والشيخ عبدالله الشرقاوى، على رأس جمهرة من الناس، شارة الحكم لمحمد على، دون الرجوع إلى السلطان،3 وقد استغرق الأمر أكثر قليلا من مئة عام لكى تصل هذه البداية القومية المبكرة إلى ذروة تبلورها فى ثورة 1919.

لقد رفضت التكوينات الاجتماعية، والهويات التقليدية الاستعمار الأوربى منذ وصوله. حدث هذا فى الهند، والصين، وفيتنام، وبلاد المستعمرات الأخرى؛ عندما تصدى السلاطين، والأمراء والطوائف والقبائل للاستعمار دون جدوى، بسبب فجوة القوة بين جيوش حديثة، تستفيد من مجتمع جيد التنظيم عالى الكفاءة يقف خلفها، وجماعات محلية بسيطة التنظيم تستند إلى معارف ومعتقدات تقليدية. ولقد مرت المقاومة المصرية للاستعمار بمرحلة مماثلة. فكانت مقاومة المماليك والمشايخ المصريين لحملة نابليون من نوع المقاومة التقليدية، ومثلها كانت - فى مرحلة تالية - مقاومة الحركة المهدية فى السودان للاستعمار الإنجليزى، ومقاومة السنوسيين فى ليبيا للاستعمار الإيطالى.  لقد أنتجت المقاومة التقليدية ميراثا بطوليا ملهما وظفته حركات المقاومة القومية التى أتت فى مراحل تالية، فأصبح هذا الميراث جزءا لا يتجزأ من سردية قومية للمقاومة.

الفارق المهم بين المقاومة التقليدية والمقاومة القومية هو الشمول والقدرة التعبوية. ففيما كانت المقاومة التقليدية جزئية وفئوية لا تستنهض سوى قطاعات وفئات محدودة من السكان فى نطاق جغرافى ضيق، فإن المقاومة القومية تميزت باتساع النطاق والشمول، ومن هنا استمدت قدرتها على تعبئة حركة مقاومة شاملة غير مسبوقة. فى هذا السياق، يمكن أن نقرأ ما كتبه عبد الرحمن الرافعى، المؤرخ والكاتب الأبرز لسردية القومية المصرية، فى كتابه عن ثورة 1919: «لم تكن ثورة سنة 1919 ثورة دينية، ولا ثورة اجتماعية، ولحسن حظ مصر أنها لم تكن كذلك، فكلا النوعين من الثورات يفرق بين أبناء الوطن الواحد»4. كلمات عبد الرحمن الرافعى هذه ما هى إلا صدى لما كتبه عبد الرحمن فهمى، أحد زعماء الثورة الشبان وأحد أهم قادة الجناح الراديكالى فيها، والذى كتب «إن عقيدتى التى ألاقى بها ربى هى أن لا نجاح لمصر بغير توحيد كلمتها وجمع صفوف أبنائها»5. فثورة 1919 هى أو فعل سياسى يشارك فيه كل المصريون، بطبقاتهم وفئاتهم المختلفة، على امتداد الخريطة الجغرافية لمصر فى الوادى والدلتا، الأمر الذى جعل منها ثورة قومية بامتياز، وليس مجرد تعبير مجازى يستهدف تعظيم شأن حدث هو بكل المقاييس عظيم.

لقد اختلف دارسو القوميات كثيرا حول أى العوامل الموضوعية أكثر أهمية فى تكوين الأمة، وما إذا كان التأثير الأكبر هو من نصيب اللغة، أو الثقافة ،أو الدين، أو الاقتصاد والطبقات والأسواق. غير أن اتجاهات البحث حول الأمم والقوميات قد تغيرت منذ الإسهام الرائع الذى قدمه بندكت أندرسون، والذى لفت نظرنا إلى أهمية الوعى القومى، والعوامل الحاملة له. تأثّر أندرسون بالخبرة الأوروبية جعله يركز على «رأسمالية الطباعة» باعتبارها أهم روافع الوعى القومى، من خلال طباعة اللغة الدارجة، وتحويلها إلى لغة تفاهم، والترويج لرموز وتخيلات، ومجازات، ومناسبات، وصور تسهم فى توحيد الخطاب، ومن ثم توحيد الوعى. 6 لقد لعب انتشار التعليم والصحافة المطبوعة دورا فى كل الخبرات القومية فى أوروبا وخارجها، بما فى ذلك مصر. وبالتالى فإن أثر انتشار التعليم الحديث، منذ عصر محمد على باشا، وازدهار الصحافة المطبوعة، منذ عصر الخديوى إسماعيل، ورغم بعض التراجع الذى تلى وقوع البلاد تحت الاحتلال البريطانى، فإن أثر هذه العوامل كان رئيسيا. إلى هنا، تقف حدود المساعدة التى تقدمها نظرية أندرسون عن القومية لشرح صعود القومية المصرية. ففى عام 1919، عندما اشتعلت الثورة كانت الأغلبية من المصريين من الأميين، وكانت قراءة الصحف المطبوعة مقصورة على قطاعات محدودة بين النخب المتعلمة. مع هذا فإن هذا النقص لم يؤد إلى نقص فى القومية والوعى القومى بالنظر إلى الاتساع الجغرافى للأنشطة الثورية وشمولها قطاعات ريفية لم تتأثر إلا بشكل هامشى بالتعليم ورأسمالية الطباعة. تعويض هذا النقص جاء عن طريق خصائص معينة للنخبة السياسية، وقرارات استراتيجية اتخذتها هذه النخبة. وفى هذا المقال معالجة لثلاثة من هذه العوامل وهى: اكتمال عملية تمصير النخبة، والارتباطات الريفية للنخبة السياسية، والتمثيل السياسى الفعال.

تمصير النخبة:

كتب عبد الرحمن الرافعى فى تأريخه لثورة 1919 أن لحسين رشدى باشا وعدلى باشا يكن فضل كبير على الثورة.7 ترجع أصول رشدى ويكن إلى الأسر العثمانية التى أتت إلى مصر مع محمد على باشا، وكان عدلى باشا يكن حفيد لابن أخت محمد على باشا الكبير، وهو ما أورثه لقب يكن الذى يعنى بالتركية ابن الأخت. غير أن الأصول الألبانية للرجلين لم تمنعهما من العمل على إنجاح ثورة تطالب باستقلال مصر. فبحلول عام 1919، كانت النخبة المصرية المنحدرة من أصول عثمانية متنوعة، خاصة من أصول ألبانية وتركية، قد تمصرت بشكل كامل، ولم تعد مصريتها محل شك، وكفّت عن النظر بتعال عرقى للمنحدرين من الفلاحين والريف المصرى، وإن ظلت عوامل الانقسام الطبقى قائمة. لقد أدت سنوات الاحتلال البريطانى إلى إضعاف الصلة بين مصر والدولة العثمانية، وضعفت بالتالى صلة النخبة العثمانية فى مصر بالخزان البشرى والثقافى الذى أتت منه فى الأناضول والبلقان، ولم يبق أمام هذه النخبة سوى أن تتمصر بشكل كامل، وهو ما أسهم فى تعزيز صفوف النخبة المصرية التى قادت ثورة 1919.

كان لهذا التغير فى هوية النخبة المصرية أهمية كبرى، لأن سعد زغلول لم يكن لينجح فى قيادة جموع المصريين لولا أنه نجح أولاً فى تصدّر نخبة سياسية موحدة من الوجهاء والأعيان، لا تعانى من انقسامات إثنية تفرق صفوفها. لهذا العامل أهمية كبيرة فى الحالة المصرية، لأن نسبة كبيرة ممن يمكن اعتبارهم نخبة مصرية كانوا ينحدرون من أصول ألبانية وتركية، وقد مثل هؤلاء طبقة حاكمة بعد أن توارثوا مناصب الإدارة الرئيسية لعدة أجيال. ويمكن أن نتبين أهمية هذا العامل بمقارنة الوحدة، التى أظهرتها النخبة فى ثورة 1919، بانقسام النخبة إبان ثورة عرابى، خاصة وأن الانقسام الإثنى مثّل عاملا رئيسيا فى إضعاف وحدة النخبة فى الثورة العرابية؛ بل أن كثيرا من المؤرخين يذهبون إلى أن الأسباب المباشرة لتمرد عرابى وزملائه ترجع إلى التمييز الذى عانى منه الضباط القادمون من صفوف الفلاحين المصريين فى علاقتهم بالضباط القادمين من أصول ألبانية وتركية، خاصة أن الجنود المصريين لم يصبح بإمكانهم الترقى لرتب الضباط  إلا فى عهد الخديوى سعيد، قبل سنوات قليلة من الثورة.

الارتباطات الريفية للنخبة السياسية:

إن الأمة كتكوين اجتماعى سياسى، والقومية كعقيدة سياسية هى ظواهر مرتبطة بالتحديث، والمدن، والثورة الصناعية. هذا هو الحال فى بلاد أوربا، خاصة فى الغرب والوسط الأوروبى.  فيما وراء هذا النطاق لعب الريف والمكونات التقليدية، مثل المؤسسات الدينية والطائفية، دورا رئيسيا فى الحركة القومية. أما فى الحالة المصرية، فقد لعبت الارتباطات الريفية للنخبة المصرية دورا رئيسيا فى الحركة القومية، حيث نجحت النخبة الحضرية فى توظيف الصلات التى تربطها بالريف لتعبئة الفلاحين للمشاركة فى الثورة.

كان لتوسيع نطاق الثورة إلى الريف أثر حاسم فى تعزيز أثرها، وهو ما لاحظه عبد الرحمن الرافعى عند مقارنة ما حدث فى سنة 1919 بما لاقته دعوة الحزب الوطنى ومصطفى كامل التى كانت «لا يظهر صداها إلا فى دائرة ضيقة من الشباب، وفريق من المثقفين والأعيان والمزارعين والعمال»8؛ على عكس ما حدث فى ثورة 1919 التى التحقت بها كل طبقات الأمة، بما فى ذلك الفلاحين حيث «لم يكن أحد يتوقع أن الفلاح الساذج، البعيد بفطرته عن غمار السياسة وعواصفها، يندمج فيها إلى درجة الثورة، وخلع قضبان السكك الحديد، وقطع المواصلات، وبذل الروح فداء للوطن»9.

كان امتداد الاحتجاجات الثورية لثورة 1919 إلى الريف المصرى من أكثر المفاجآت غير السارة للإدارة الاستعمارية، وفى الوقت نفسه، كان من أهم علامات الطابع القومى الشامل للثورة. ورغم أن الريف المصرى كان خارج دائرة التأثر بالأفكار التحررية والقومية، التى عبرت عنها الصحف.إلا أن التحاق النخبة من ملاك الأراضى الزراعية الكبار والمتوسطين بقضية الثورة، والدور الرئيسى الذى لعبته الطبقة الوسطى المتعلمة من مدرسين، ومحامين، وبعض الموظفين، المنتشرين فى المدن والبلدات الإقليمية فى أنحاء مصر المختلفة، هذا الدور قد وفَّر الرابطة الضرورية للوحدة القومية بين أهل الحضر وأهل الريف، وبين القيادة القومية التحررية حديثة التوجه والريف التقليدى المحافظ، وهى الوحدة التى كانت ضرورية لإخراج الريف من عزلته، ودمجه فى تيار الوعى القومى العام.

من الجدير بالذكر فى هذا السياق ملاحظة أنه بينما أتى مصطفى كامل من خلفية مدينية بشكل تام، من دون أى روابط معروفة تربطه بالريف المصرى، فقد أتى أول زعماء ثلاثة للوفد من خلفية ريفية صريحة وقوية. فقد ولد سعد زغلول فى قرية إبيانة بمديرية الغربية، لعمدة القرية الميسور؛ ومثله عبد العزيز فهمى الذى ولد فى كفر المصيلحة بالمنوفية لأحد ملاك الأرض المتوسطين الموسرين؛ أما على شعراوى فهو ابن حسن شعراوى عمدة المطاهرة فى محافظة المنيا، وأمه هى أخت لمحمد باشا سلطان ذى الخلفية البدوية، وأحد أكبر أعيان صعيد مصر منذ عهد الخديوى توفيق. وقد تعمقت الرابطة بين المدينة والريف بدرجة أكبر فيما تلى من مراحل، عندما جرت توسعة الوفد ليصبح أكثر شمولا لمكونات الأمة المصرية.

التمثيل السياسى:

كانت قضية تمثيل الأمة حاضرة منذ اللحظة الأولى فى ذهن قادة الحركة القومية. ذهب سعد زغلول وزميلاه على شعراوى، وعبد العزيز فهمى لملاقاة المندوب السامى البريطانى، مطالبين بالسماح لهم بالسفر لباريس لعرض قضية استقلال مصر على مؤتمر الصلح.كان سعد زغلول هو الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية، فكان بهذا أعلى من حمل صفة تمثيلية بين المصريين فى ذلك الوقت. كان على شعراوى باشا، وعبد العزيز بك فهمى عضوين منتخبين فى الجمعية التشريعية أيضا؛ كان على شعراوى منتخبا عن دائرة فى محافظة المنيا بصعيد مصر، وكان عبد العزيز فهمى منتخبا عن دائرة فى محافظة المنوفية بدلتا النيل. أما سعد زغلول، فقد كان منتخبا عن دائرتين من دوائر العاصمة القاهرة. لقد حرص سعد زغلول ورفاقه على حسم مسألة شرعية وشمولية تمثيلهم للأمة منذ اللحظة الأولى، لكن هذا لم يكن كافيا لتخوليهم حق الكلام باسم الأمة المصرية، من وجهة نظر رينالد وينجث المندوب السامى البريطانى. 

رداً على طعن المندوب السامى البريطانى فى شرعية تمثيل سعد وزميليه للأمة المصرية، تم الشروع فى حملة جمع التوكيلات التى تخولهم التحدث باسم الأمة. كانت هذه هى المرة الأولى فى التاريخ التى يشارك فيها المصريون جميعا بشكل طوعى فى فعل واحد يشير إلى اشتراكهم فى هوية وقضية واحدة، وإلى اتفاقهم على قيادة تمثلهم وتتحدث باسمهم، دون أن يكون لهذه القيادة أى قدرة لإجبارهم على ذلك. إنه الميلاد الطوعى للأمة المصرية الذى كشفت عنه حركة توقيع وجمع التوكيلات. فرغم أن المصريين قد ذهبوا للانتخابات قبل ذلك أكثر من مرة لاختيار ممثلين لأهل الدوائر المختلفة فى هيئات تمثيلية، فإن هذه هى المرة الأولى التى يوكل فيها المصريون ممثلين عنهم للتحدث باسم الأمة المصرية قاطبة، وليس باسم دائرة معينة. كانت هذه هى المرة الأولى التى يضع فيها المصريون ثقتهم فى قيادات لم يروا أغلبهم، ولم يسمعوا بهم إلا منذ أيام قليلة، ولكنها الرابطة القومية المتخيلة  imaginedcommunityالتى تحدث عنها بندكت أندرسون، وقد بدأت تمارس أثرها السحرى. 

إلى جانب التوكيلات، فقد تم توسيع الوفد عبر عدة مراحل لتأكيد صفته التمثيلية. ضمْ ممثلين للأقباط المصريين كان خطوة مهمة لتأكيد الصفة القومية لحركة المطالبة بالاستقلال، حيت انضم للوفد بعض من أبرز أعيان الأقباط، منهم سينوت حنا، وجورج خياط، وواصف غالى، وكانت هذه هى المرة الأولى التى يشترك فيها مسلمون وأقباط فى هيئة سياسية واحدة.

على مستوى آخر، فقد كان الزعماء الثلاثة الذين تحدثوا للسير وينجت يوم الثالث عشر من نوفمبر من المحسوبين على حزب الأمة القومى المعتدل ذى الميول الليبرالية. ففيما كان فهمى وشعراوى من أعضاء الحزب المؤسسين، كان زغلول قريبا جدا من الحزب، وإن لم يكن عضوا فيه. تعزيز الصفة التمثيلية للوفد اقتضت توسيع عضويته، خاصة عبر ضم الجناح الآخر للحركة الوطنية المصرية، وهو الجناح الذى يمثله الحزب الوطنى، المنافس الأهم لحزب الأمة الذى أتى منه الآباء المؤسسين للوفد. فما أن قرر الزعماء البدء فى جمع التوكيلات، حتى اتفقوا على توسيع الوفد عبر ضم اثنين إضافيين من قيادات حزب الأمة هما محمد محمود، وأحمد لطفى السيد، واثنان من أعضاء الحزب الوطنى هما محمد على علوبة، وعبد اللطيف المكباتي؛ ليصبح الوفد مشكلا من سبعة أعضاء، وباسم هؤلاء الأعضاء السبعة صدر نداء الوفد، ووضع المصريون  توقيعاتهم على التوكيلات، التى ضمت أسماء القادة السبعة. وفى مرحلة لاحقة، تم توسيع الوفد للمرة الثانية ليضم المزيد من الأسماء المحسوبة على الحزب الوطنى، كان أهمهم مصطفى النحاس الذى خلف سعد زغلول فى قيادة الوفد، وقد أسهم الدور المتزايد لأعضاء الوفد القادمين من الحزب الوطنى فى إعادة توجيه الوفد فى المرحلة التالية.

بكل اليقين، يمكن القول إن ثورة 1919 هى ثورة قومية بالوعى والعقيدة، وهى ثورة قومية بالشمول الجغرافى والفئوى، وبالتالى، هى أكبر بكثير من مجرد مرحلة فى كفاح المصريين للتحرر من الاستعمار. لقد كانت ثورة 1919 هى الحدث المؤسس للقومية المصرية، وهى فى الوقت نفسه الإعلان الكاشف عن ميلاد الأمة المصرية.

 

المراجع:

1 ــ عبد الرحمن الرافعى، ثورة 1919: تاريخ مصر القومى من سنة 1914 إلى سنة 1921، الطبعة الرابعة، القاهرة، دار المعارف، ص113.

2 ــ المرجع السابق، ص 168.

3 ــ محمود الخفيف، فصل فى تاريخ الثورة العرابية، القاهرة، مؤسسة هنداوى، 2012، ص 25.

4 ــ عبد الرحمن الرافعى، ثورة 1919،مرجع سابق، ص66.

5 ــ عبد الرحمن فهمى، الأهرام، 6 يناير 1936. أورده محمد أنيس، دراسات فى وثائق ثورة 1919، الجزء الأول، المراسلات السرية بين سعد زغلول وعبد الرحمن فهمى، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ص 5.

6 ــ  BenedictAnderson, ImaginedCommunities, Reflectionsontheoriginandspreadofnationalism, London: Verso, 1991.

7 ــ عبد الرحمن الرافعى، ثورة 1919، مرجع سابق، ص 86.

8 ــ عبد الرحمن الرافعى، ثورة 1919، مرجع سابق، ص 107.

9 ــ المرجع السابق، ص 108.

 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 73 يناير 2019

افتتاحية العدد

1919.. لحظة وعى المجتمع بذاته د. هناء عبيد

حاملة لواء الليبرالية، الحدث السياسى الوحيد الذى يجمع عليه المصريون، لحظة الاستدعاء الأساسية للحديث عن الوحدة الوطنية، رافعة تكوين الرأسمالية الصناعية المصرية والسيادة الوطنية الاقتصادية، الموجة الأولى من الحركة النسوية المصرية، حاضنة سيد درويش ومختار وحقى، ثورة القومية المصرية

الأعداد السابقة