رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ثقافة ديمقراطية

هل حاولت يوماً -عزيزى القارئ- بأن تقوم بالبحث، سواء فى أحد المعاجم، أو كتب الصحة النفسية، أو حتى محركات البحث الإلكترونى، عن تعريف أو مفهوم واضح للسعادة ووجدته مناسباً لك ؟!. وإذا قمت -فرضاً- بذلك فى يوم من الأيام؛ فهل وجدت أن ذلك التعريف النظرى يتفق كاملاً مع اعتقادك ومفهومك المبنى على تجاربك الذاتية، أم أنه يتفق فى بعض المناحى، ويختلف فى الأخرى ؟!.

فإن لم تجد تعريفاً نظرياً للسعادة يتفق كاملاً مع اقتناعاتك أو تجاربك الشخصية فلا تتعجب عزيزى القارئ، وذلك لأن مفهوم السعادة هو واحد من أكثر المفاهيم التى تختلف من مجال إنسانى إلى آخر، ومن فرد إلى فرد، ومن مجتمع إلى مجتمع آخر. ويحتل مفهوم السعادة مكانة خاصة فى علوم عدة؛ كعلم الأخلاق، وعلم النفس، ويتصل بعلم التربية والقانون، وبالعلوم السياسية، وبعلم الاقتصاد وعملية صنع القرار، فهذه العلوم يبحث بعضها مباشرة فى مفهوم السعادة كعلم الأخلاق، وعلم النفس «خاصة علم الصحة النفسية»، والبعض الآخر يبحث فى مفاهيم مشابهة كمفهوم المنفعة والقيم والإشباع.

ومن خلال المفاهيم المتعددة الخاصة بالسعادة، يُعرف البعض حال السعادة بضدها ويقولون: «بضدها تتميز الأشياء»، والأحوال التى هى ضد السعادة كثيرة، ومنها: الألم، والهم، والغم، والضيق والكرب، والعسر، والحسرة، والاكتئاب، والحزن، والقلق، والقنوط، والتوتر، والضجر، والملل، والسأم، والخوف، والإحباط، والأسف، والخزى، والعار، والوحدة، والغربة، والشعور بالحقارة، والدونية، والشك، والتشاؤم، فالسعادة عندهم هى خلو الإنسان من هذه الأحوال، ويعرف هذا المفهوم للسعادة بالمفهوم السلبى مقابل المفهوم الإيجابى، وهو كون حال المرء فى غبطة، وسرور، وبهجة، وابتهاج، وارتياح، وانشراح، ولذة أو طمأنينة، واستقرار بال، أو رضا أو قناعة.

وعند ذلك المفهوم الرومانتيكى -الذى قد نتفق أو نختلف عليه- نكتشف أن العديد من صُناع السينما قد وجدوا فيه ملاذهم المحفز لصناعة أفلام تتحدث عن السعادة، وذلك لأن السينما بطبيعة حالها -سواء كانت روائية أو تسجيلية- دائماً ما تبحث عنما هو قادر على استثارة مشاعر المتلقى، ومن خلال «مفهوم السلبى المقابل للمفهوم الإيجابى» قد حاول المبدعون إيصال فكرة بحثهم عن السعادة بشكل أوضح .

ففى مثال سينمائى يعتمد على مفهوم «السعادة بضدها» نرى الفيلم الأمريكى «السعى للسعادة» Thepursuitofhappiness– 2006 للمخرج الإيطالى جابريل موتشينو GabrieleMuccino، والممثل الأمريكى ويل سميث willsmith، والمأخوذ عن السيرة الذاتية لرجل الأعمال، ومدرب التنمية البشرية الأمريكى، كريستوفر جاردنر ChristopherGardner، والذى تدور أحداثه فى إطار درامى تراجيدى حول (كريس) الذى يحاول بشتى الطرق توفير سبل الراحة لأسرته الصغيرة، وبعد أن تهجره زوجته بسبب الفقر، يقرر أن يتعلم مهنة جديدة ليحصل منها على المال الكافى ليسعد به ابنه الصغير، وبعد كثير من المعاناة، ينجح أخيرا فى الوصول لهدفه، ويحصل على وظيفة جيدة بالبُورْصَة .

فعلى الرغم من أن اسم الفيلم هو «السعى (أو البحث) إلى السعادة» إلا أن أحداثه تدور فى إطار تراجيدى، وحبكة تصاعدية تعرض كل ما هو ضد «للسعادة» من خلال عدم وجود الأمان والاستقرار والراحة فى حياة كريس وابنه، وذلك حتى يصل المتلقى فى نهاية الفيلم إلى مفهوم السعادة، وذلك من خلال إذلال كريس لجميع الصعاب التى تقف أمامه حائلا لكى يصل إلى الاستقرار والراحة، وهذا ما قد جعل العديد من النقاد والمشاهدين يعتبرون الفيلم من أفلام التنمية البشرية التى تسعى إلى حث الإنسان وتحريضه على البحث عن السعادة بأشكالها المختلفة.

أما عن فيلم الكوميديا السوداء الأمريكى «السعادة» TheHappiness1998 للمخرج/المؤلف ToddSolondz، والذى يتناول حياة ثلاث شقيقات وعائلاتهن ومن حولهن، والذى حصل على جائزة FIPRESCIفى مهرجان كان السينمائى عام 1998 «لتناوله للموضوعات المعاصرة المثيرة للجدل، واحتوائه على مجموعة من الخطوط الدرامية الفرعية ذات الطبقات الغنية، وسيولة رائعة من الأسلوب المرئى»، و هذا ما جعل فريق الممثلين ينال جائزة المجلس الوطنى للاستعراض لأفضل أداء جماعى.

تكمن غرابة -وجاذبية- الفيلم فى تناوله جميع الحوادث والأفكار لكل ما هو ضد ومغاير. فعلى الرغم من أن جميع الشخصيات التى تظهر فى الفيلم تتظاهر بالسعادة، فإنه مع تأمل الدراما بشكل أكثر تركيزاً سنكتشف بأن الشخصيات لا تمت للسعادة بصلة، وهذا ما يجعلنا نعتبر الفيلم «دراسة» فى حد ذاتها لمفهوم السعادة، من خلال علم «الصحة النفسية»، وذلك لأن معظم شخصيات الفيلم تتسم بحالة من حالات الشذوذ النفسى والفكرى، وهذا ما يربط الفيلم  بمفهوم «السعادة» فى علم الصحة النفسية. ذلك العلم عادة ما يعرف على أساس أنه يهدف إلى تحقيق السعادة للإنسان، فأحد تعريفات  الصحة النفسية هى  أنها تستهدف معونة كل فرد وتدريبه على العيش السعيد المنتج فى بيئة اجتماعية. وكذلك تعتبر السعادة مقياساً للصحة النفسية، فتقاس الصحة النفسية للفرد بمدى قدرته على التأثير فى بيئته، وقدرته على التكيف مع الحياة، بما يؤدى به إلى قدر معقول من الإشباع الشخصى والكفاءة والسعادة. وما يذكر عن مؤشرات الصحة النفسية هو نفس ما يذكر عن مؤشرات السعادة، ومن هذه المؤشرات تقبل الفرد الواقعى لحدود إمكاناته واستمتاع الفرد بعلاقاته الاجتماعية، ونجاح الفرد فى عمله ورضاه عنه.. والإقبال على الحياة بوجه عام، وكفاءة الفرد فى مواجهة إحباطات الحياة اليومية.. وإشباع الفرد حاجته ودوافعه.. وإثبات اتجاهات الفرد.. والاتزان الانفعالى. . وتصدر الفرد لمسئولية أفعاله وقراراته. فالفيلم يتناول مفهوم السعادة من منظور الصحة النفسية، ولكن هذه المرة بشكل معاكس، وذلك ما يجعله أكثر جاذبية عن ما إذا تم تناوله بالشكل المعتاد.

أما فى السينما العربية، فنجد على سبيل المثال؛ أن واحدا من أشهر مخرجى السينما المصرية فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى وأحد رواد حركة الواقعية الجديدة فى السينما المصرية، وهو المخرج «خيرى بشارة» قد حاول أن يجد إجابة عن تساؤل «ماهية السعادة»، وذلك من خلال لعبة «التضاد» التى توضح المعنى وتقويه، والتى تبناها فى فيلمه «حرب الفراولة» الذى تم إنتاجه عام 1994، وشارك فى تأليفه «مدحت العدل»، والذى تدور أحداثه حول شخصية «ثابت وجدى الدهشورى» رجل الأعمال الثرى الذى يمتلك عدة مصانع ويعيش وحيدًا فى قصر كبير، لكنه فى نفس الوقت يفتقد السعادة بعد موت ابنه الوحيد، وذلك حتى يتعرف على البائع المتجول «حمامة فاضل السوهاجى» ويدعوه لزيارته هو وخطبيته « فردوس- فراولة»  فى قصره، ليفاجئه بسؤاله عن معنى السعادة، ثم يقدم له عرضا بأن يساعده فى البحث عن السعادة مقابل مئة ألف جنيه، ومن هنا تبدأ رحلة بحث «بشارة» وأبطال فيلمه عن «السعادة» ..

اعتمد النصف الأول من فيلم «حرب الفراولة» فى بنائه الدرامى على خطين أساسيين: هما «حياة ثابت الثرية»، والتى لا ينقصها شئ -على المستوى الظاهرى- ولكنها على المستوى الخفى، ينقصها البهجة والرضا والاستقرار وراحة البال. فى المقابل، نجد حياة «حمامة» التى لا يوجد بها أى حالة من حالات الاستقرار المادى، لكنها تمتلك مقومات السعادة، وذلك حتى يصل المشاهد إلى النصف الثانى من الفيلم، والذى يختلط فيه حياة «ثابت» بحياة «حمامة» فى خط  درامى واحد، والتى تنتهى بنهاية مأساوية بقتل «حمامة» لـ»ثابت» بسبب زواج «ثابت» من خطيبة «حمامة»، وذلك ليكشف لنا «بشارة والعدل» وجهة نظرهما فى مفهوم السعادة، والتى تتلخص فى أن السعادة ليست بالمال، وإنما براحة البال، ذلك المفهوم الذى خلصت إليه مقدمة كتاب «السعادة كما يراها المفكرون» للكاتب سيد عبد الفتاح، بأن «السعادة من المفاهيم التى ترتبط بالرضا والراحة؛ حيث تجد النفس البشرية الهدوء وراحة البال التى يلجأ إليها الناس من مثيرات العالم الخارجى الصاخبة والمليئة بالحروب والصراعات. فالسعادة هى مفهوم من غير الممكن رؤيته ولمسه، بل يظهر على الفرد الذى يعيش داخل محيطها» .

أما عن التجربة السينمائية الرابعة التى نتعرض لها هنا، وتتناول مفهوم «السعادة» بشكل مغاير، سواء على مستوى الأفكار أو حتى على مستوى تقنيات السرد، فهى الفيلم الوثائقى «سعيد» Happy2011 للمخرج/المؤلف الأمريكى «روكو بيليك» RocoBelic، والذى من خلاله يقوم بيليك برصد العديد من الآراء المتخصصة وغير المتخصصة التى ترى السعادة بأشكال مغايرة، والتى تعتمد -هى أيضاً- على فكرة «التضاد»، وذلك حيث إن فكرة الفيلم فى الأساس طرأت على ذهن منتجه «توم تشاديك»  TomShadyac، عندما قرأ تقرير يشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تحتل المركز الثالث والعشرين فى الدول الأكثر سعادة، وذلك على الرغم من وجود العديد من الدول ذات معدلات دخل للفرد أقل بكثير، فإنها تسبق الولايات المتحدة فى ترتيب السعادة.

اعتمد الفيلم فى بنائه على التنوع فى وجهات النظر،  التى ترصد آراء مجموعة من البشر من العديد من الدول ذات الثقافات المتنوعة، منها ما هو مُتخصص وما هو غير مُتخصص، وأكدت جميعاً فى النهاية أنه لا يوجد تعريف واضح يُمكن الإجماع عليه للسعادة.

هذا ما يجعلنا فى النهاية نُدرك أنه على الرغم من وجود العديد من التجارب السينمائية – سواء كانت روائية أو تسجيلية- التى تناولت فكرة «البحث عن السعادة» من نفس المنطلق المفاهيمى، وهى «تعريف السعادة بالضد» فإننا تأكدنا بأن كل عمل اتخذ شكل السعادة بطريقة مختلفة، وهذا ما تؤكد الفكرة الأساسية التى تناولناها فى مقدمة مقالنا، والتى تُحث على أن السعادة تختلف من مجال إنسانى إلى آخر، ومن فرد إلى فرد، ومن مجتمع إلى مجتمع آخر.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة