رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مكتبة الديمقراطية

 

الناشر: «شبكة حلول التنمية المستدامة» التابعة للأمم المتحدة

المؤلفون: جون إف هيلويل، وريتشارد ليارد، وجيفرى دى ساتشس

عرض/ هانى عبدالخالق

يؤكد تقرير السعادة  العالمى لعام 2018، الذى تصدره «شبكة حلول التنمية المستدامة» التابعة للأمم المتحدة، على حقيقة أساسية، مفادها أن مستوى سعادة السكان فى بلد ما يكاد يتطابق مع مستوى سعادة المهاجرين الذين يعيشون فى هذا البلد. لذا، اختار هذا التقرير أن يلقى مزيدا من الضوء على هذه الحقيقة، فخصص خمسة فصول من أصل سبعة لتناول موضوع الهجرة. ويشير التقرير إلى أن كثيرا من المهاجرين لديهم رغبة فى التوجه إلى بلدان الشمال الأوروبى، لأنها تحتل المراكز الأولى بصورة مستمرة فى مؤشر السعادة، ولأنها توفر لهم دعما اجتماعيا واقتصاديا يفتقدونه فى أوطانهم، بالإضافة إلى وجود برامج ووسائل مختلفة تساعدهم بها تلك الدول للاندماج فيها.

ولا غرو أن تحتل فنلندا، إحدى دول الشمال الأوروبى، المركز الأول فى هذا التصنيف السنوى، وتأتى بعدها النرويج، والدنمارك، وآيسلندا. وتتبادل أربع دول أوروبية المركز الأول فيما بينها، خلال السنوات الأربع الماضية، وهى الدنمارك، وسويسرا، والنرويج، وفنلندا. ويعتمد هذا التقرير على ستة عوامل رئيسية يرى القائمون عليه أنها تسهم بشكل أو بآخر فى تحديد مستوى سعادة الناس فى بلد ما، وهى:   مستوى دخل الفرد، والدعم الاجتماعى، ومتوسط العمر المتوقع، والحرية، والسخاء، ومستويات الفساد. وقد اعتمد هذا التقرير فى نتائجه على استطلاعات الرأى التى أجرتها مؤسسة جالوب بين عامى 2015 و2017، وشملت آلاف المشاركين.

ويقول معدو التقرير إن معظم الدول العشر الأوائل فى هذا التصنيف تتبنى أفكارا تميل نحو ما يعرف بالديمقراطية الاجتماعية، وهو ما يعنى أن هذه الدول تولى اهتماما أكبر لتوفير نظم اجتماعية لدعم ومساندة مواطنيها والمقيمين فيها، وكذلك لتقديم خدمات عامة عالية الجودة،وتنفق مبالغ كبيرة من أموال الضرائب لتحقيق ذلك. 

ويحمل تقرير السعادة العالمى 2018 الكثير من النقاط المضيئة فيما يتعلق بمدى اندماج المهاجرين فى أوطانهم الجديدة التى توفر لهم الرعاية الاجتماعية والاقتصادية التى تمنحهم شعورا بالسعادة يكافئ شعور السكان الأصليين. فقد توصل التقرير إلى أن تصنيف الدول وفقا لسعادة المهاجرين الذين يعيشون فيها هو تقريبا نفس تصنيف السعادة بالنسبة لبقية السكان، وهو ما يعنى أن الدول التى توفر السعادة لسكانها توفرها أيضا للمهاجرين المقيمين على أرضها.

ووفقا لأحدث تقرير حول سعادة المهاجرين، والذى أعدته مؤسسة جالوب، وشمل الفترة من 2005 إلى 2017، وشمل 117 دولة، تحتل الدول العشر الأولى فى هذا التقرير نفس المراكز الأولى تقريبا فى تصنيف السعادة العالمى لعام 2018، والذى يضم 156 دولة.

وتحتل فنلندا المركز الأول فى التصنيفين لأسعد السكان، وأسعد المهاجرين. لذا، يؤكد التقرير على أن ذلك يظهر أن سعادة المهاجرين تعتمد بشكل أساسى على نوعية وجودة الحياة التى يعيشونها. فسعادة المهاجرين، مثل سعادة السكان الأصليين، تتوقف على نوعية المجتمع الذى يعيشون فيه، حيث يتقبل الناس بعضهم بعضا رغم الاختلافات الثقافية أو الاجتماعية، وتقدم لهم الدولة الدعم المطلوب. كما يتوقف الأمر على خصائص وسمات النسيج الاجتماعى الموجود فى بلد ما، مع تجاوز التركيز على فكرة الدخل المرتفع، والتى كان يُعتقد أنها العامل الأساسى فى سعادة المهاجرين. فالدول التى تضم أكثر المهاجرين سعادة ليست بالضرورة هى الدول الأغنى عالميا، لكنها الدول التى توفر مجموعة متوازنة من أشكال الدعم الاجتماعى، من أجل توفير حياة أفضل، وليس فقط من أجل توفير دخل مرتفع.

ووفقا لمؤشر جالوب لقبول المهاجرين، والذى يقيس اتجاهات السكان المحليين نحو المهاجرين، فإن الدول التى يتمتع سكانها بقيم أعلى فيما يتعلق بقبول المهاجرين، هى فى الغالب دول تحتل مراكز متقدمة فى مستويات كل من سعادة سكانها، وسعادة المهاجرين المقيمين فيها، وبنسب متساوية تقريبا.

ويشير التقرير إلى أن الهجرة الدولية زادت بصورة كبيرة فى السنوات الأخيرة بسبب العولمة والانفتاح العالمى.  ففى عام 1990، كان هناك نحو 153 مليون مهاجر فى العالم ممن انتقلوا للعيش خارج البلاد التى وُلدوا فيها، وبحلول عام 2015، زاد هذا العدد إلى 244 مليون مهاجر حول العالم، ومنهم 10 فى المئة ممن كانوا من اللاجئين. ولذا، فقد زاد عدد المهاجرين الدوليين خلال الربع الأخير من القرن الماضى بنحو 90 مليون شخص. إضافة إلى ذلك، هناك إحصاء بأن هناك نحو 700 مليون شخص آخر يرغبون فى الهجرة من بلد لآخر، لكنهم لم يقوموا بذلك.

أمريكا اللاتينية: قوة الروابط العائلية والسعادة:

بينما ركز التقرير فى الفصل الرابع على الهجرة الداخلية فى الصين على وجه الخصوص، وتأثيرها على مستويات السعادة لدى المهاجرين داخليا من الريف إلى الحضر، يستعرض الفصلين الخامس والسادس تجربة المهاجرين من منطقة أمريكا اللاتينية. إذ يشير التقرير إلى أن مؤشرات السعادة لا تتغير كثيرا لدى سكان أمريكا اللاتينية. فقد لوحظ أن المهاجرين من منطقة أمريكا اللاتينيةإلى دول أخرى، مثل كندا على سبيل المثال، يكونون أكثر سعادة عند مقارنتهم بمهاجرين قادمين من دول أخرى فى البلد المضيف. وفى محاولة للبحث وراء هذه الظاهرة، توصل التقرير إلى أن أبناء أمريكا اللاتينية المهاجرين ينتمون فى الأساس إلى دول تتمتع بمستويات سعادة أكثر مقارنة بغيرها. فما سر هذه السعادة لدى سكان دول أمريكا اللاتينية؟

يقدم التقرير الإجابة عن هذا السؤال فى الفصل السادس تحديدا، مشيرا إلى أن هناك خصائص اجتماعية وثقافية تميز دول أمريكا اللاتينية، تتلخص فى الشعور بالرضا عن الحياة. وهذا الشعور أعلى مما هو متوقع فى مثل هذه الدول عند النظر إلى أمور أخرى، مثل تدنى نسبة الدخل، أو مستوى الفساد، أو الأمور التى من شأنها أن تسهم فى تراجع مستوى سعادة السكان.

ولذا، يؤكد التقرير فى هذا الفصل على أهمية ودور العلاقات الأسرية الدافئة فى تغذية مشاعر الرضا والسعادة، وهو أمر شائع بين سكان دول أمريكا اللاتينية على وجه التحديد، مقارنة بالكثير من الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة.

هذا يعنى أن مصدر السعادة «الزائدة»وغير المتوقعة لدى سكان أمريكا اللاتينية يكمن فى دفء العلاقات العائلية، والترابط بين أفراد الأسرة،   والأقارب، والمساندة التى توفرها العائلة لأبنائها، سواء فى السراء والضراء، بالإضافة إلى الأهمية الكبيرة التى يوليها سكان أمريكا اللاتينية للحياة الاجتماعية بشكل عام.

معضلة أمريكا: لماذا تتراجع السعادة رغم ارتفاع الدخل؟

يستعرض التقرير فى الفصل السابع والأخير المعضلة التى تعانى منها الولايات المتحدة الأمريكية، والتى لا تحتل مركزا متقدما كما يتوقع كثيرون فى تصنيف السعادة العالمى لعام 2018، إذ تحتل المركز الثامن عشر. وتتلخص الحقيقة «الصادمة» بشأن مؤشر السعادة فى الولايات المتحدة فيما يعرف بـ «مفارقة ايسترلن» (نسبة إلى أستاذ الاقتصاد الأمريكى ريتشارد ايسترلن)، والتى تشير إلى أنه رغم زيادة دخل الفرد فى أمريكا لأكثر من الضعف منذ عام 1972، لا تزال مستويات السعادة (أو الرخاء الفردى)  دون تغير ملحوظ تقريبا، وربما تتراجع.

وقد ظهرت العديد من النظريات والتفسيرات التى تشرح هذه المفارقة أو التناقض العجيب، من أبرزها التفسير الذى يؤكد أن تراجع رأس المال الاجتماعى فى الولايات المتحدة الأمريكية هو السبب. ويقول معدو التقرير إن الرخاء الفردى يتراجع هناك بسبب ثلاثة أمراض؛ وهى البدانة، وتعاطى المخدرات ( وخاصة إدمان الأفيون ومشتقاته)، ومشاعر الإحباط والكآبة.

ويعد التفسير المحتمل بالنسبة لمفارقة استرلن هو أن هناك محددات أخرى للسعادة فى الولايات المتحدة لا تتعلق بدخل الفرد، وهى تشهد تراجعا ملحوظا رغم زيادة مستوى الدخل، مما يقلل من مكاسب ذلك الرخاء الفردى الذى يتزايد بشكل طبيعى مع تحقق النمو الاقتصادى. 

وقد حدد التقرير خمسة متغيرات رئيسية - غير دخل الفرد- يمكنها أن تكون مسئولة عن مؤشر السعادة فى البلاد، وهى صحة السكان، وقوة الشبكات والمؤسسات الاجتماعية، والحرية الشخصية، والثقة الاجتماعية (التى تقاس عبر إدراك الناس لمستوى الفساد فى مؤسسات الحكومة والشركات)، والسخاء العام. وهذا يعنى أن سكان الولايات المتحدة يمرون بفترات من الضغوط والتوترات التى تؤثر فى مستويات السعادة، والشعور بالرضا عن الحياة لديهم، حتى مع استمرار ارتفاع دخل الفرد، وهو ما يعد أمرا مثيرا للقلق، ويتطلب نظرة فاحصة فى النواحى الاجتماعية التى تحتاج إلى تحسين وتطوير، وإلى تعزيز مستوى الثقة فى الحكومة، فقد تراجعت الولايات المتحدة أربعة مراكز مقارنة بتقرير السعادة العالمى لعام 2017، وتراجعت خمسة مراكز مقارنة بتقرير عام 2016.

وعلى الرغم من قوة الاقتصاد الأمريكى، وارتفاع الدخل، تحتاج المعايير الاجتماعية فى الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم، خاصة مع زيادة نسب الانتحار، وتفاقم مشكلة تعاطى المخدرات، وزيادة الشعور بعدم المساواة، وتراجع الثقة فى الإدارة الأمريكية. ورغم أن الولايات المتحدة تحتل مركزا متقدما فيما يتعق بمؤشر قبول المهاجرين، ظهرت بعض المشكلات فى الفترة الأخيرة تتعلق بسياسات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب التى تهدف إلى تشديد الإجراءات والقوانين المتعلقة بالمهاجرين الراغبين فى السفر إلى الولايات المتحدة.

تغير إيجابى

وينتهى التقرير إلى أن هناك فجوات كبيرة فى مؤشر السعادة بين الدول، وهذا سوف يؤدى إلى ضغوط كبيرة تدفع الناس إلى الهجرة بحثا عن حياة أفضل. لكن بعض هؤلاء المهاجرين سوف يحققون مكاسب جيدة، بينما سيخفق آخرون فى ذلك. لكن بشكل عام، سيحقق من يذهبون إلى بلدان أكثر سعادة من بلدانهم مكاسب جيدة، بينما سيخسر من يذهبون إلى البلدان الأقل سعادة من بلدانهم.

وسوف تستمر الهجرة فى توفير فرص أفضل، لكن ستكون لها تكاليف أيضا. فالأشخاص الذين ينتقلون إلى مجتمعات ترحب بهم، وتقدم لهم الدعم الاجتماعى، وتساعدهم فى الاندماج فيها، ستحقق لهم الهجرة ما يحلمون به، كما أن وجود مزيد من التسامح تجاه المهاجرين فى البلد المضيف سيضحى له تأثير إيجابى فى كل من المهاجرين والسكان الأصليين. ويرى معدو التقرير أنه ستكون هناك قيود تتعلق بعدد المهاجرين سنويا، لأنهم سيحتاجون إلى أماكن إقامة، ومؤسسات لتوفير الرعاية والخدمات الأساسية، دون التأثير فى نسيج المجتمع فى البلد المضيف.

بالتالى، فإن أحد الحلول المقترحة هو رفع مستوى السعادة لدى الناس فى بلدانهم الأصلية التى يهاجرون منها، وربما يكون ذلك من خلال توفير وسائل المساعدة التقليدية من المساعدات الأجنبية، وإتاحة الفرصة لمنتجات تلك الدول للدخول إلى أسواق الدول الغنية، بالإضافة إلى مساعدة تلك الدول فى زيادة مستويات الثقة، وتراجع مستويات الفساد، وإنشاء مؤسسات كتلك التى لها سابق تجربة فى توفير حياة أفضل فى الدول الأكثر سعادة. 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 73 يناير 2019

افتتاحية العدد

1919.. لحظة وعى المجتمع بذاته د. هناء عبيد

حاملة لواء الليبرالية، الحدث السياسى الوحيد الذى يجمع عليه المصريون، لحظة الاستدعاء الأساسية للحديث عن الوحدة الوطنية، رافعة تكوين الرأسمالية الصناعية المصرية والسيادة الوطنية الاقتصادية، الموجة الأولى من الحركة النسوية المصرية، حاضنة سيد درويش ومختار وحقى، ثورة القومية المصرية

الأعداد السابقة