رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

ما هى السعادة المرجوة؟، وهل بالفعل يتسم الإنسان برشادة وعقلانية خياراته الاقتصادية، مما يحقق له وللمجتمع السعادة؟ أم أن الطبيعة البشرية تؤثر فى إدراكنا للسعادة؟، وهل تتحقق السعادة بالعمل وزيادة الدخل وتراكم الثروة؟ وما هو تأثيرها فى المخرجات الاقتصادية من توظيف وإنتاجية وبطالة؟ .

إن محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة ــ على صعوبتها ــ يجب أن يبدأ بتناول ما المقصود بالسعادة،والتى يذهب العديد من الفلاسفة القدامى إلى أنها تعد بمنزلة غاية لذاتها، ومن ثم قد يمثل البحث عنها هدفاً للحياة يسعى الإنسان لتحقيقه، حيث إنها تمثل «النهاية التى صممت البشرية من أجلها» من وجهة نظر أرسطو، وتتحقق من خلال ضبط النفس واتباع الفضيلة كما يشير «سينكا». فهى ليست فى الثروات والملذات الجسدية كما يؤكد «توما الأكوينى»،1 وهى ترتبط بالإيمان كفكرة مجردة، حيث تكون السعادة فى الآخرة كجزاء عن العمل الصالح كما فى الفكر الإسلامى.2 ويفرق دانيال كانيمان DanielKahnemanبين الإحساس بالسعادة وهو أمر شعورى بالأساس، مرتبط بمشاعر المتعة والفرح، وغيرها من أحاسيس يكتسبها الإنسان فى خبراته الحياتية اليومية، والسعادة بمعناها الموضوعى من حيث  مدى جودة حياة الأفراد، وتطور ظروفهم المعيشية للأفضل، وإدراكهم لذلك،3 وهو التناول الذى يمكِّن من قياس السعادة، لاسيما فى علاقتها بالاقتصاد.

الطبيعة البشرية ومفاهيم العمل والسعادة:

تلعب الطبيعة البشرية للأفراد دوراً كبيراً فى إحساسهم بالسعادة، مع تأكيد عدم وجود اتجاه وحيد يتعامل مع الطبيعة البشرية، ويعبر الاتجاه البيولوجى فى تناول الطبيعة البشرية عن حتمية السلوك البشرى، ومن ثم فهو يراه بمنزلة نتاج لفطرة بشرية محددة سلفاً، حيث تأتى نظرية الداروينية الاجتماعية، والتى تأسست على يد «هربرت سبنسر»  HerbertSpencerلتؤكد أن «النجاح والفشل، والثروة والفقر محددان بيولوجيا»، حيث يكون البقاء للأصلح،4 ومن ثم يجب عدم التدخل والتلاعب فى عملية الانتقاء الطبيعى.   وهى الأفكار التى أثرت بشكل رئيسى فى نظرية الليبرالية التقليدية، ومن بعدها النيوليبرالية من حيث رفضها لتدخل الدولة فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم إعادة صياغة القيم التى يقوم عليها العمل، حيث تضمن آليات السوق (المحرك للنشاط الاقتصادى)  فرز تلك العناصر وتسكينها فى الطبقات الاقتصادية والاجتماعية، بما يكفل تحقيق الرخاء والسعادة، حيث يصبح السوق بمنزلة «قوانين الله»5 بتعبير  إدموند بيرك EdmundBurke، ومن ثم فهو يشكل أقدار الأفراد.

ويذهب «روبرت مالثوس» RobertMalthusإلى أبعد من ذلك فى طرحه لقانونه عن السكان، والذى يرجعه أيضاً لحقائق بيولوجية، وتوصل مالثوس إلى نتيجة، مفادها أن نصيب الفرد من الغذاء سوف يتناقص مع مرور الزمن، نتيجة الزيادة السكانية، ومن ثم تحمل المجاعات والأوبئة والحروب، التى تؤدى إلى انخفاض أعداد السكان أخبار سعيدة لباقى السكان الموجودين على قيد الحياة. وهنا يكون قانون العمل بمنزلة «قانون حديدى» غير قابل للمرونة، حيث لا فائدة من زيادة أجور العمال، أو تقديم دعم، أو إحسان للفقراء لتخفيف بؤسهم، حيث أن ذلك لن يحقق السعادة لهم أو لغيرهم، وسوف ينطوى على زيادة جديدة للسكان، ومن ثم انخفاض مستوى المعيشة من جديد.6 وتدنى أجور العمال، وتدهور ظروف العمل، وكذلك فقر الفقراء، ويكون تخفيض أعداد المواليد، وتحديد النسل هو المحاولة المباشرة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. وقد استمرت تلك الدعاوى فى الانتشار من قبل الرأسماليين من فترة زمنية إلى أخرى، نظراً لتحيزها الطبقى تجاه العمال والفقراء لمصلحة أصحاب رأس المال والدولة، خاصة مع انتشار سياسات النيوليبرالية مع سبعينيات القرن العشرين.

على خلاف التناول البيولوجى للطبيعة البشرية، هناك اتجاه أخر يرى أن البيئة الاجتماعية والخبرات الشخصية هى التى تشكل الطبيعة البشرية، حيث يطرح «جون ديوى» JohnDeweyما يمكن الإشارة إليه بالقول إن «سلوك الإنسان وليد ظروفه الاجتماعية»، حيث قد تتغير الطبيعة البشرية بتغير تلك الظروف، وينطبق ذلك على صياغة مفهوم العمل والقيم التى يؤسس عليها، والتى قد تأتى من افتقاد ذلك العصر لقيم معينة يسعى لتعويضها. ففى القرن الثامن عشر، ومع بدء زوال الحواجز الإقطاعية فى أوروبا، وتغير مفاهيم العمل والتعاون، أكد علماء الأخلاق أن النبل والإحسان هما «المنبع الأخلاقى الكامل للعمل»،7 ومن ثم يكون الفعل الاقتصادى هنا نتيجة لمشاعر تتعلق بالإحساس بالمسئولية نحو إسعاد الآخرين، وهو ما يعنى بشكل أو بآخر عدم خضوع السلوك الإنسانى، ومن ثم السلوك الاقتصادى لفطرة موجودة فى الطبيعة البشرية، بل أنه يأتى كتعبير عن بنية المجتمع مما يعطى مرونة للطبيعة البشرية، ومن ثم فرصة أكبر للقضاء على شرور الفقر والاضطهاد والعنصرية، وفتح المجال أمام فرص الترقى الاقتصادى والاجتماعى، ومن ثم تحقيق الثروة والشعور بالسعادة.

يذهب ماركس أبعد من ذلك، عندما يشير إلى «أن وعى البشر ليس هو الذى يحدد كينونتهم، لكن، على النقيض كينونتهم الاجتماعية هى التى تحدد وعيهم»8 ومن ثم يكون النظام الاقتصادى هو الذى يكيف الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية،9 حيث تمثل السعادة انعكاساً لأنشطة وممارسات قائمة على العمل، الذى يعد لدى ماركس بمنزلة «المصدر الوحيد للسعادة». 10

تثير كل هذه الأطروحات سؤالا رئيسيا حول علاقة الدخل والثروة بتحقيق السعادة، ومدى قدرة المال على شراء السعادة؟ خاصة مع تغير مفاهيم العمل فى ظل النيوليبرالية وتعظيم قيمة الربح بالنسبة للأنشطة الاقتصادية.

العمل والدخل وتحقيق السعادة: موت الإنسان الاقتصادي؟

يشير آدم سميث AdamSmithفى كتابه «ثروة الأمم» إلى أن الإنسان يسعى لتحقيق منافعه الخاصة، وأنه تحت شروط محددة، فإن المنافع الذاتية للأفراد، والتى تتصف بالعقلانية، سوف تحقق المصلحة العامة، وهو ما أطلق عليه «الإنسان الاقتصادى» HomoEconomicus.إلا أن هناك اتجاهات فى الفكر الاقتصادى ترفض فكرة «الإنسان الاقتصادى» والخيارات العقلانية المبنية على أساس حسابات اقتصادية، وذلك بالأساس من قبل «الاقتصاديين السلوكيين» BehavioralEconomistsالذين يؤكدون أن الأفراد العاديين لا يتصرفون فى الحياة برشادة وعقلانية اقتصادية، ومن ثم فليس بالضرورة أن يكون سلوكهم عقلانياً، بل يتأثر سلوكهم بالدوافع الشخصية، وكذلك القيم والأخلاق، بل والعوامل الجينية أيضاً.11

تشير نتائج معظم الدراسات التطبيقية، التى اهتمت بدراسة العلاقة بين الدخل والسعادة، إلى ضعف الصلات أكثر فأكثر بين الدخل والسعادة مع مرور الوقت، مما حدا بالبعض إلى إنكار وجود علاقة بين زيادة الدخل وتحقيق السعادة،12 وهو ما يشار إليه بـمفارقة الدخل أو «مفارقة إيسترلين»Easterlinparadoxنسبة لعالم الاقتصاد ريتشارد إيسترلين، الذى يعد أول من قام بدراسة بيانات السعادة وقياسها.وترجع تلك المعضلة فى العلاقة بين الدخل والثروة من ناحية، وتحقيق السعادة من ناحية أخرى إلى عدم خضوع «المشاعر» بالضرورة لمنطق السوق، ومن ثم فإن تحقيق السعادة، أو «الشعور» بها يرجع لأحاسيس ومشاعر الأفراد، وليست بالضرورة لقرارات اقتصادية رشيدة، حيث يمثل شعور الفرد بالسعادة أحاسيسه الحقيقية، وليس تحقيقه للثروة أو زيادة الدخل فى حد ذاتها.

كذلك يتم فى العديد من الأحيان تجاهل أن المصدر الرئيسى للدخل هو العمل، وزيادة الدخل تتطلب فى معظم الأحيان زيادة فى ساعات العمل والمجهود المبذول،13 ومن ثم فإن زيادة الدخل التى تعظم القوة الشرائية، وقد تؤدى للشعور بالسعادة يقودها أحاسيس متناقضة، نتيجة لزيادة ساعات العمل، والمجهود المبذول لكسب ذلك الدخل، مما قد يؤدى إلى تراجع الشعور بالسعادة.

تشير إحدى الدراسات الأمبيريقية التى تم إجراؤها على سكان من الولايات المتحدة الأمريكية، بلغ عددهم 450 ألفاً (عامى 2008 و2009)، بهدف قياس مدى سعادتهم بالمعنى الموضوعى المرتبط بالشعور بجودة الحياة وتطورها ارتباطا بالدخل تشير، إلى أن زيادة الدخل لا يعنى بالضرورة الشعور بالسعادة، بينما انخفاض الدخل مرتبط بالألم الشعورى. 14

تذهب «مفارقة اللذة» HedonisticParadox- التى تؤكد خطأ فكرة الإنسان الاقتصادي- إلى «أن الإنسان الاقتصادى، وكل شخص يسعى لتحقيق سعادته الشخصية لن يجدها، وإنما الشخص الذى يسعى لمساعدة الآخرين هو من يشعر بالسعادة»،15 ومن ثم ليس بالضرورة أن يكون العمل الإنتاجي/المادى الذى يوفر الدخل هو مناط الشعور بالسعادة، بل يرى البعض أن العمل التطوعى والإسهامات الخيرية، والخدمة العامة.. كل ذلك قد يكون لها الأسبقية فى الشعور بالسعادة على العمل بالمعنى المادى.  فهل يمكن أن يكون الإنسان سعيداً، وهو متعطل عن العمل؟ أم أن وجود العمل المادى أساساً يمكن الانطلاق منه نحو تحقيق السعادة. وأن الحديث عن العمل المادى والتوظيف يشير بالضرورة للإنتاجية؛ هل هى سابقة على السعادة، بمعنى أن الإنسان ينتج لأنه سعيد، أم أنه يسعى للإنتاج لكى يكون سعيداً؟

السعادة والتوظيف والإنتاجية: موت الإنسان الاقتصادى، أم الموت للعمل؟

يذهب بعض الباحثين إلى أن الفرق بين الموظف/العامل السعيد وغير السعيد فى العمل يرجع بشكل رئيسى إلى كيفية رؤيته لطبيعة العمل؛حيث يتم النظر على أنه «وظيفة»jobOrientationمن زاوية منافعه المادية فقط. فهو لشاغليه مجرد أعمال أداتية لكسب المال،16 والذى ينتظر فيها بفارغ الصبر الانتهاء من وردية عمله، وتكون فى الغالب شكلا من أشكال المراحل الانتقالية للموظف، ونادراً ما يقوم الموظف/ العامل بترشيح وظيفته للأصدقاء أو المقربين.

أما النظر للعمل على أنه «مجال للعمل» CareerOrientation، والذى ينتقل مع انتقال الموظف من وظيفة لأخرى فى نفس مجال عمله، فإن الموظف هنا يستمرىء بعض خصائص وظيفته ويستهجن البعض الأخر. فهو يراها خطوة لتحقيق المكانة، والوضع الاجتماعى الأفضل، وكذلك الكسب المادى.17  وهنا قد يرشح الموظف/ العامل مجال عمله للأصدقاء والمقربين وقد لا يحبذ ذلك.

فى حين أن النظر للعمل على أنه «نداء/رسالة» Callingorientationيجعل الأفراد سعداء. فهم فى حالة «حب» مع عملهم، حيث يشعرون أنهم يقدمون إسهاماً للعالم.18 ومن ثم، فإن العائد المادى ليس هو الهدف هنا، بل تصل الأمور فى بعض الأحيان إلى أن يقوم الفرد بأداء ذلك العمل متطوعاً بدون أجر.

جدول رقم (1): ثلاث خلفيات لإدراك العمل

 

وظيفة

مجال للعمل

رسالة

وقت الفراغ أهم.

يمكن أن يستمتع بالعمل.

يستمتع بالعمل.

الدافع الرئيس هو المال.

الدافع الرئيس هو الترقي في العمل.

الدافع الرئيس هو الشعور بالإسهام.

لا يقوم بترشيح عمله للآخرين.

يمكن أن يرشح عمله للآخرين.

يرشح عمله للآخرين.

يتطلع لانتهاء يوم عمله.

يفكر كثيراً في الأجازات.

يفكر في العمل حتى خارج أوقات العمل.

يقوم بما يطلب منه.

يقوم بمبادرات لإثارة إعجاب المشرفين.

أداء العمل علي أكمل وجه هو هدف في حد ذاته.

يعمل بجدية أكثر مع تزايد الحوافز النقدية.

يعمل بجدية للحفاظ على فرص ترقيته

يعمل بجدية نظراً إلى أن العمل يستحق ذلك.

 

 

 (مترجم من:

 DienerEdandBiswas-Diener٫ Robert, Happiness: Unlocking  the  MysteriesofPsychologicalWealth, BlackwellPublishing, 2008, p71.)

أى أن قيمنا وإدراكنا للعمل هنا يمثل عنصراً مهماً لمدى تحقيقنا للشعور بالسعادة تجاه العمل، والشعور بالسعادة بشكل عام. ومن ثم، فإن الطرح السابق يشير إلى أن من ينظر للعمل، فإنه على أنه مجرد وظيفة لا يشعر بالسعادة، ومن يراه كمجال للعمل يحقق سعادته بشكل جزئى، أما من يرى العمل على أنه رسالة يسعى لتحقيقها فهو إنسان سعيد.

تشير العديد من الدراسات إلى أن الموظفين والعمال السعداء ينتجون وينجحون فى عملهم أكثر من غيرهم. كذلك، فإن قدرتهم الإبداعية أعلى من غير السعداء. يظهر ذلك بشكل خاص فى الأعمال التى تتطلب خلق أفكار ووسائل جديدة للإنتاج، ولعل نجاح عدد من شركات تكنولوجيا المعلومات كـ «جوجل» فى خلق بيئة عمل غير صارمة، يتخللها أوقات ومساحات كبيرة للترفيه، يعد نموذجاً لإسعاد الموظفين رغبة فى إخراج قدراتهم الإبداعية.19وقد أظهرت نتائج عدد من الدراسات، التى أجريت على عدد من المدراء العاملين فى الحكومة الكندية، وكذلك عدد من مندوبى شركات التأمين ومشرفيهم فى تايوان لقياس العلاقة بين السعادة والإنتاجية، أن العاملين ينتجون بشكل أفضل عندما يكونوا أسعد، كما أن أداءهم يكون أكثر كفاءة على المستوى الذاتى، من حيث التعاون مع زملائهم.20

وتعد بيئة العمل الجاذبة لتحقيق السعادة للموظفين والعمال هى التى يتوافر بها علاقات صحية بين مختلف المستويات الوظيفية داخل مكان العمل، وذلك على ضوء وجود قواعد وسياسات تحقق مصالح الطرفين، ووجود آليات لحل المشكلات الداخلية، وكذلك لخفض نسب رغبة العاملين فى ترك العمل والانتقال لأماكن عمل أخرى.21 

تنطلق المدارس القديمة فى التعامل مع الموظفين والعمال،  التى تسعى للتحكم فى العاملين ومراقبتهم، بغية تحقيق إنتاجية أعلى، من مقدمة، مفادها أن العاملين لا يتحلون بقيم العمل من مثابرة واجتهاد، وإنما هم فقط يميلون للراحة وتحقيق الربح السريع بأقل مجهود، بخلاف الدراسات الحديثة، التى تؤكد أن العاملين الذين لديهم حرية أكبر فى إدارة وظائفهم، وقدر أقل من التحكم فى طريقة تأديتهم للعمل، وحل مشكلاته، هم العاملون الأكثر إنتاجية وسعادة، وأقل مرضاً.22وفيما يخص الأجور، خلصت دراسة أجريت على صغار الموظفين والنادلات فى «وال مارت» بالولايات المتحدة الأمريكية إلى أن العاملين لا يستطيعون تحقيق السعادة بمعناها الموضعى من حيث توافر فرص الحياة الجيدة من خلال تقاضيهم للحد الأدنى للأجور،23 وذلك نظراً لتعدد احتياجات هؤلاء العاملين وفقاً لإدراكهم المختلف لطبيعة الحياة الجيدة التى يرغبون فى عيشها.

تعد البطالة عنصراً مهماً فيما يتعلق بدراسات السعادة وعلاقتها بالعمل. وتشير أغلب الدراسات التى تدرس العلاقة بين السعادة والبطالة، إلى أن معظم المتبطلين عن العمل غير سعداء، بل يمتد الشعور بعدم السعادة لدى المتبطلين إلى ما بعد توظيفه، حيث تشير الدراسات أن البطالة تترك أثر نفسا لدى الأفراد يستمر لفترات طويلة حتى بعد حصولهم على عمل.24 كذلك فإن البطالة لا تؤثر فقط فى سعادة الأفراد المتبطلين عن العمل، بل تؤثر بشكل عام فى غيرهم، نظراً لما يحدث من زيادة فى أعباء وساعات العمل بالنسبة للعاملين، كذلك زيادة الشعور بعدم الأمان، فى ظل أوضاع الاقتصاد الذى يتأثر بزيادة معدلات البطالة.

فى الأخير، وعلى الرغم من أن إدراك السعادة قد يختلف باختلاف الطبيعة البشرية، ورؤيتنا للأمور، وأن الدخل وتحقيق المصالح الذاتية ليس بالضرورة طريقا نحو الشعور بالسعادة، فإن العمل يعد عنصراً مهما من عناصر إدراكنا للسعادة. فهو يمثل طريقا نحو تحقيق الأفراد لحياة أفضل، لاسيما عند توافر الأجور العادلة، وبيئة العمل الجاذبة، التى تنعكس على تحقيق معدلات إنتاجية مرتفعة. وعند توافر تلك الاشتراطات لا يصبح العمل مجرد طريق نحو البقاء، بل طريق نحو العيش الكريم، ومن ثم إدراك السعادة. 

هوامش:

1- Pasinetti, Luigi,Paradoxes of Happiness in Economics.  In: Bruni, Luigino and Luigi Porta,Pier (edt), Economics and Happiness: Framing the Analysis, Oxford University Press, New York, 2005, p. 337.

2- ورد الحديث عن السعادة “لفظا" في القرآن الكريم في سورة واحدة فقط هي سورة هود؛ قالتعالى: يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ(105) وقال: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَادَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108).

3- Kahneman, Daniel and Deaton, Angus, High income improves evaluation of life but not emotional well-being, PNAS, 2010.https://www.pnas.org/content/107/38/16489

4- أندرو هيوود، النظرية السياسية: مقدمة، ت: لبني الريدي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2013، ص 41.

5- في: المرجع السابق، ص 510.

6- جلال أمين، فلسفة علم الاقتصاد: بحث في تحيزات الاقتصاديين وفي الأسس غير العلمية لعلم الاقتصاد، دار الشروق، القاهرة، 2008، ص 83.

7- جون ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ت: محمد لبيب النجيحي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015، ص 155.

8- في: أندرو هيوود، مرجع سبق ذكره.

9- المرجع السابق.

10-Juan,He, Daojin, Sun, Enlightenment of Marxist Philosophy Happiness on Contemporary College Students' Happiness Education, Higher Education of Social Science, Vol. 6, No. 3, 2014, p. 148.

11 - for more details, see: short interview with Prof. Sam Bowles, a Research Professor at the Santa Fe Institute, about “Death of Homo Economicus”, You Tube:  https://www.youtube.com/watch?v=ParPPYMzfQM , Accesed 9-11-2018, 5.10 a.m.

12- Pasinetti, Luigi,Paradoxes of Happiness in Economicsop.cit, p. 336.

13- Pouwels, Babette and Others, Income, working hours, and happiness, Economics Letters, No.99, 2008, pp.72-74.

14- In: Kahneman, Daniel and Deaton, Angus, High income improves evaluation of life but not emotional well-being, PNAS, 2010.https://www.pnas.org/content/107/38/16489.

15- Konow, James and Earley, Joseph, The Hedonistic Paradox: Is Homo Economicus Happier? (April 2007). Available at SSRN: https://ssrn.com/abstract=978875 or http://dx.doi.org/10.2139/ssrn.978875.

16- Diener Ed and Biswas, Robert, Happiness: Unlocking the Mysteries of Psychological Wealth, Blackwell Publishing, 2008, p.70.

 

17- Ibid.

18- Ibid.

19- Ibid, pp. 74-75.

20- Piekałkiewicz, Marcin, Why do economists study happiness? The Economic and Labour Relations Review, 2017, Vol. 28(3), pp. 366–367.

21- Diener Ed and Biswas, Robert, op.cit, p. 76.

22- Ibid, p.77.

23- Ibid, pp.79-80.

24- Stutzer, Alois Frey, Bruno S., Recent Developments in the Economics of Happiness: A Selective Overview, , Institute for the Study of Labor, Discussion Paper No. 7078, December 2012, pp.7-8.

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 73 يناير 2019

افتتاحية العدد

1919.. لحظة وعى المجتمع بذاته د. هناء عبيد

حاملة لواء الليبرالية، الحدث السياسى الوحيد الذى يجمع عليه المصريون، لحظة الاستدعاء الأساسية للحديث عن الوحدة الوطنية، رافعة تكوين الرأسمالية الصناعية المصرية والسيادة الوطنية الاقتصادية، الموجة الأولى من الحركة النسوية المصرية، حاضنة سيد درويش ومختار وحقى، ثورة القومية المصرية

الأعداد السابقة