رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

سميرة هى امرأة صعيدية فى عقدها الخامس، هاجرت فى سبعينيات القرن الماضى إلى القاهرة، حيث استقرت أسرتها فى حى شعبى بشمال العاصمة، تعمل منذ عشرين عاماً فى البيوت لتعيل أسرتها بالكامل بعد إصابة زوجها بمرض خبيث توفى على أثره منذ بضع سنوات. تستيقظ  سميرة يومياً مع أذان الفجر لتجهز الفطور لأبنائها الثلاثة، ثم تبدأ رحلة البحث عن «لقمة العيش»، حيث تعمل عند ثلاثة أسر مختلفة، تتوالى عليهم على مدار أيام الأسبوع: «تكنس، وتطبخ، وتمسح وتنظف». تقول سميرة أن الخدمة فى البيوت عمل متعب وموصوم اجتماعياً «عيب»، ولكنه الوسيلة الوحيدة التى تُمكِنها من تأمين دخل بسيط، ولكن شريف لأولادها.  وتستطرد: «أنا بشتغل فى خدمة الستات المبسوطين إنما إحنا غلابة وعلى باب الله»1.

وفقاً للمعجم الوسيط فى اللغة العربية، السعادة من السُعد، وهو اليُمن أى نقيض النحس. والسعودة خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة. ترى سيمون دى بوفوار أنه «من الصعب جداً قياس سعادة الآخر، ولكن من السهل جدا وصف الحالة التى نريد فرضها عليه بالسعادة أو بالتعاسة « (Beauvoir, 1949). ومن ثم، ارتبط النقد النِسوى للسعادة بالآليات التى يعمل من خلالها هذا المفهوم على تبرير وشرعنة بعض الأعراف الاجتماعية من خلال تقديمها كسلع اجتماعية مسببة للسعادة. ففى المجتمعات الرأسمالية الحديثة، تحولت السعادة إلى مجموعة من السلع التى تهدف إلى تحقيق الذات الفردانية، وفقاً لقيم وثقافة كل مجتمع. فيمكننا إذن الحديث عن رأسمالية مشاعرية (Illouz, 2006 (Emotionalcapitalismتقوم على نفس مبادئ الرأسمالية الحديثة، حيث يتنافس فيها الأفراد على تراكم المنافع المسببة للسعادة، وتقليل الإحباط والألم. ووفقاً لكانط «السعادة هى بالضرورة غاية كل إنسان عقلانى، وهى المحدد الأساسى لرغباته» (Kant, 1788) فالسعادة إذن هى رغبة وأمنية، بل وحاجة فردية فى المجتمعات الحديثة. (Ahmed, 2010)

تعتمد الرأسمالية المشاعرية على ركيزة أساسية، وهى التقسيم الاجتماعى للعمل على أساس الجنس: «فالتخصص النوعى للعمل الاجتماعى يبدو وكأنه يعتمد بالأساس على خصائص نفسية ومشاعرية «  (Tabet, 1979)، وتلك الخصائص النفسية تتغذى فى طياتها الكثير من الثنائيات والتناقضات، لاسيما ثنائية «الخاص والعام» وقوامها مفهوم «التكاملية الاجتماعية». وتبعا لهذا المفهوم يُبنى التقسيم الاجتماعى للعمل، والذى يحتكر من خلاله الرجال، فى سعيهم لتعظيم المنافع، وسائل الإنتاج المادى والاقتصادى فى المجال العام(Tabet, 1998)، بينما تُفرض مؤسسة الأسرة كنموذج وحيد للسعادة فى المجال الخاص، وتلعب فيها النساء دور «ربة المنزل السعيدة».

تصف بيتى فريدان فى كتابها الشهير «اللغز الأنثوى» معضلة ربة المنزل السعيدة، والتى من خلالها يفرض التقسيم الجنسى للعمل الاجتماعى على النساء مجموعة من الأدوار الاجتماعية فى سبيل التحقق الأنثوى الحقيقى:   «عاشت ملايين النساء حياتهن أسيرات تلك الصورة لربة المنزل السعيدة (...) يوصلن أولادهن إلى المدرسة، يبتسمن وهن يلمعن أرضية المطبخ النظيفة، يخبزن خبزهن بأنفسهن، يخيطن ملابسهن وملابس أبنائهن، يغيرن ملاءات الأسرة مرتين فى الأسبوع، كأن حلمهن الوحيد أن يكن زوجات وأمهات كاملات». (Freidan, 1963) بينما فى الواقع، ووفقاً لفريدان، يُخفى لغز ربة المنزل السعيدة فى باطنه نوع من التعاسة الأنثوية : والتى تتمثل فى المعاناة، والعبء، والمجهود البدنى والنفسى الشاق الذى تبذله النساء يومياً من أجل الإبقاء على صورتهن كربات منزل «سعيدات».

بالرغم من تحليل بيتى فريدان المتميز للتعاسة التى يخفيها لغز ربة المنزل السعيدة، فإن هذا النموذج ينطوى على العديد من القصور إذا ما أردنا تطبيقه على مجتمعاتنا الحديثة، حيث إنه يفترض أن تحرير جميع النساء من تلك التعاسة الأنثوية الخفية يكمن ميكانيكياً فى دفعهن إلى ساحة «العام» كما لو كان ذلك مسـألة اختيار فردى، وهو بذلك يغض النظر عن علاقات القوى التى تفرضها الهياكل الاجتماعية socialstructures ، والمستمدة من النظام الأبوى الرأسمالى، والتى تعيق وتحد من عمل النساء، ومن وصولهن إلى المجالين الاقتصادى والسياسى. كما أن هذا النموذج لا يأخذ فى الحسبان الحقيقة المادية لنسق التفاعل فى العالم الاجتماعى، حيث يفترض أن كل النساء يتحملن مسئولية العمل المنزلى وحدهن بينما فى الواقع قد يتنقل هذا العبء، كلياً أو جزئياً، من امرأة لأخرى، بينما تحتفظ الأولى بالمميزات الاجتماعية لتلك السعادة الأنثوية. بمعنى آخر، قد تجنى بعض النساء الثمار الاجتماعية لنموذج ربة المنزل السعيدة، بينما تتحمل أخريات تعاسته. بناءً على ذلك، يحاول هذا المقال فهم واقع نساء «تعيسات اجتماعياً»، لا سيما العاملات بالمنازل الفقيرات، مثل «سميرة» واللاتى لم يجدن سبيلاً للبقاء فى مدينة القاهرة سوى القيام «بعمل أنثوى تعيس».

السعادة الفردية ومشاعر تحقيق الذات :

ترتكز الرأسمالية المشاعرية على مبدأى الفردانية والمسئولية الذاتية، حيث تفترض وجود رابط مباشر بين الاعتماد على النفس والوصول إلى السعادة الكاملة، كما تعتمد على تعظيم الصورة المثالية «للإنسان العصامى الذى يبنى نفسه بنفسه». فالرأسمالية المشاعرية تهدف إلى إعادة تشكيل نظرة الإنسان لنفسه ولمحيطه الخارجى.  بمعنى آخر، تتغذى الرأسمالية المشاعرية على فكرة أن الفقر والغنى، والنجاح والفشل، والصحة والمرض وهى سلع اجتماعية فى متناول الجميع، يتحصل عليهم الأفراد بإرادتهم، ومن خلال المنافسة الحرة والمفتوحة. ووفقاً لهذا التحليل، فالسعادة هى إذاً نتاج إرادة الفرد وليس المجتمع: فلا يمكننا الحديث عن تعاسة بنيوية، ولكن عن معوقات فردية ونفسية للوصول إلى السعادة.

 فبالرغم من تناقضاته وصعوباته، تعتبر سميرة أن عملها يؤمن لها نوع مختلف من السعادة تصفه « بالرضا». فمع كونها تحس باستمرار بالإحباط الشديد والشقاء إن عملها يجعلها تشعر بنوع من «تقدير النفس وتحقيق الذات»: «بيقولوا إن الست زى الراجل ممكن تشتغل وتجيب فلوس، لكن أنا لو جوزى كان عايش وكويس عمرى ماكنت هتبهدل البهدلة دى،  ولاهشتغل أو أخرج من بيتى (...) الشغل بيحسسنى بالرضا، بشتغل وراضية لما بوصل بيتى، بأكل عيالى، وبدفع فلوس دروسهم، ومصاريف مدارسهم، بعمل جمعيات علشان ابنى فى ثانوية عامة (...) أنا راضية علشان عيالى مرتاحين ومش ناقصهم حاجة».  يُوفر إذاً العمل لسميرة نوع من التحقق النفسى والعاطفى  (Cabanas&Illouz, 2018)، بما يتضمنه من مشاعر الرضا  وتحقيق الذات، من خلال تأدية مهمة سامية، وهى توفير ظروف مادية وحياتية مستقرة لأبنائها.

ولكن يخفى هذا الرضا وهذه المشاعر فى الواقع فى طياته نوعاً من التعاسة والقهر البنيوى. وتبعا لتقرير حديث أصدره الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فإن نسبة قوة العمل للإناث من إجمالى قوة العمل فى عام 2015، لم تتخط الثلاثة وعشرين بالمئة. بينما أصدرت بعض الجمعيات الأهلية دراسات تُقدر عدد العاملات بالمنازل فى مصر بنحو اثنين مليون عاملة غير رسمية. استنبطت هذه الدراسات أن معظمهن يقطن الأحياء الشعبية وغير الرسمية بالمدن الكبرى ،كما أن أغلبهن يُعِلن أسرهن بالكامل. وبحسب دراسة نشرها المجلس القومى للمرأة، يُقدر عدد النساء المعيلات فى مصر باثنى عشر مليون امرأة معظمهن يقعن تحت خط الفقر.

تسرد سميرة الظروف التى أجبرتها على العمل لأول مرة بعد مرض زوجها: « إحنا ناس صعايدة الست عندنا مبتشتغلش.جوزى كان بيدينى مصروف أصرف منه وأدبر بيه الأمور، إنما بعد ما تعب صرفنا كل الفلوس اللى معانا على العلاج. وفضلت اشتغل من غير علم جوزى لحد ما مات (...) كنت بقوله أنا بستلف من الناس، وبعمل جمعيات، مكنش ينفع أقوله لأنه عيب (...) هو فى الآخر مين فينا الراجل ومين الست؟»

يعتبر جون ستيوارت ميل إن «السعادة هى أن يحب الإنسان ما يعمل» (Mill, 1869). ومن ثم تكون سميرة بالضرورة امرأة تعيسة، حيث إنها تقوم بعمل شاق وموصوم اجتماعياً: «شغلى متعب جداً طول اليوم شيل وحط وتنظيف وتصبين ومسح (...) والمعاملة سيئة من ستات البيوت، ومن أولادهم(...) فى الآخر إحنا خدامين والمجتمع بيعاقبنا على إننا كده. فى المناطق العشوائية بتاعتنا مقدرش أقول إنى شغالة الشغلانة  دى.. هيطلع عليا وعلى عيالى سمعة وحشة». تتلخص إذاً تعاسة سميرة فى كونها «عرضة للخزى»(Goffman, 1963) أى أن لديها وصمة اجتماعية تحاول أن تخفيها طوال الوقت وبجميع الطرق مثل إخفاء طبيعة عملها عن أسرتها فى القرية، وعن جيرانها فى المدينة، حيث تقوم سميرة يومياً باستحداث «استراتيجيات للتعامل وللتأقلم مع الوصمة». فتقدم مثلاُ نفسها للعالم الخارجى على أنها تعمل فى حضانة: « أنا قايله لكل الناس إنى بشتغل فى حضانة (...) وأنا نازله من بيتى، ببقى خايفة حد يشوفنى، أو حد من أهلى يسألنى أنا بشتغل فين». وبذلك تقوم سميرة بشكل مستمر بمحاولة السيطرة على كل المعلومات التى يريد الآخرون معرفتها عنها، مما يتطلب جهداً نفسياً ومعنويا شاقا جداً .

تتلخص أيضاً تعاسة سميرة فى كونها تشعر أنها تقوم بدور «لا تنتمى إليه»، حيث إن ظروفها الاقتصادية أجبرتها على العمل لأول مرة فى حياتها على الرغم من تنشئتها الاجتماعية فى أسرة تعتبر أن خروج المرأة من بيت زوجها أمراً غير مقبول اجتماعياً وثقافياً.ومثّل هذا التحول فى تصورات سميرة للأدوار الجندرية خللاً فى مفهومها عن ماهية الرجل وماهية المرأة، فتجد نفسها تلعب باستمرار دور «الرجال»: «أنا اللى فاتحه البيت».يخلق هذا الفرق بين الواقع الشخصى والعرف أو المعيار الاجتماعى نوعا من الإحباط النفسى، والشعور المستمر بخيبة الأمل، خاصة إذا كان الفرد مستبطناً لبنى تراتبيات المجتمع -الطبقية والجندرية والجنسية- ويعيد إنتاجها بطريقة غير واعية فى صورة Habitusهابيتوس، 2(Bourdieu,1980) ولذلك أخفت سميرة ــ مثلا ــ عملها عن زوجها لأنها تُشرعِن، بل وتعيد إنتاج النظام الاجتماعى القائم فى صورته الذكورية، مما يجعلها تُشكك فى مكانتها داخل الأسرة، وتتساءل باستمرار من هو الرجل، ومن هى المرأة؟ وبالتالى، فبالرغم من أن سميرة تقوم بدور اجتماعى مقصور على الرجال - بمعنى الإنتاج والعمل فى المجال العام- فإنها لا تتمتع بمميزاته الاجتماعية والسلوكية: الفخر بالعمل، واحتلال الساحات العامة، اولإحساس بالأمان النفسى والاجتماعى. .... إلخ.

أنوثة ولكن.... تعيسة:

عملت سميرة لأول مرة منذ عشرين عاماً كخادمة فى البيوت، لأنها لم تجد أى بديل آخر، حيث إنها امرأه أُمية، وليست لديها أى خبرة عملية مسبقة «دى الحاجة الوحيدة اللى بعرف أعملها». تعلمت سميرة من خلال تنشئتها الاجتماعية الأنثوية فى أسرتها الصعيدية كل ما يمكنها من إتمام وظيفتها على أكمل وجه: «من صغرى وأنا اللى بعمل شغل البيت وبساعد أمى وأخواتى البنات». فبالنسبة لسميرة: المرأة يجب أن تكون أولاً وأخيراً ربة منزل جيدة «ست بيت شاطرة». يمثل مفهوم سيدة المنزل قمة الأنوثة بالنسبة لسميرة، بل إنها تعتبر نفسها أحياناً أكثر أنوثة من السيدات اللاتى تعمل لديهن، حيث إنهن ينقصهن مهارة وفن «تدبير المنزل».

يرى إيميل دوركايم أن «التقسيم الاجتماعى للعمل هو بالضرورة حقيقة مادية»  (Durkheim, 1893) فيرتبط التخصص الاجتماعى للعمل بالأساس بآليات التنافس، والهيمنة، والصراع، والتى تخلق بنى التفاعل الاجتماعى وتحافظ عليها، بل وتعيد إنتاجها. ويستند البناء الاجتماعى فى المجتمع الرأسمالى الذكورى على مفهوم التراتبية الوظيفية، وفقاً للانتماء الطبقى والنوعى:   فالعالم الاجتماعى هو فضاء للتنافس والسيطرة على الموارد، بل وعلى المشاعر المسببة للسعادة. فتعتقد سميرة مثلاً أنها تعمل فى خدمة السيدات السعيدات «الستات المبسوطين»، على حد تعبيرها، بينما تشعر أنها على الرغم من اكتمال أنوثتها إلا إنها تنتمى إلى جموع «الغلابة» أى الأشقياء والتعساء بمعنى أن التفاوت الطبقى من وجهة نظر سميرة هو أيضاً تفاوت نفسى ومشاعرى. 

يمكننا القول إن سميرة تتمتع بأنوثة ولكن تعيسة: «صحيح أنا أشطر منهم فى شغل البيت، لكن همّ أجمل وأحلى. مهتمين بنفسهم، ولابسين كويس، وبياكلوا براحتهم ويناموا براحتهم». فالسيدات السعيدات اللاتى تعمل لديهن سميرة يمثلن فى الحقيقة نموذجا بيتياً فريدا لربة المنزل السعيدة، فهن سعيدات، بمعنى أن بيوتهن دائماً نظيفة ومرتبة، كما أنهن يتمتعن بجمال متميز، ورقى فى المظهر، وثقة فى النفس، بجانب الاستقرار الأسرى والمظهر الاجتماعى.  ولكن فى حقيقة الأمر أن سميرة ومثيلاتها يمثلن الأساس المادى الذى ترتكز عليه بُنى ونسق التفاعل فى العالم الاجتماعى والتى من خلالها يتم إعادة إنتاج نموذج الأنوثة البرجوازية: فالأنوثة الشقية/الفقيرة هى بالضرورة الوجه الآخر للأنوثة البرجوازية/السعيدة.

يمكننا إذاً استنباط الآتى:   إن الواقع الاجتماعى الرأسمالى والذكورى هو فضاء لإعادة إنتاج اللامساواة  القائمة على وجود صراع دائم على هيمنة الموارد والمنافع. بمعنى آخر، إن تقسيم العمل الاجتماعى يعتمد على ميكانيزمات اجتماعية ومادية للإقصاء والهيمنة، والتى من خلالها يتم إعادة إنتاج التراتبية الطبقية والنوعية. فالنساء «السعيدات» واللاتى يمتلكن رءوس الأموال -اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية- يستدعين نساء فقيرات للقيام بمهامهن الأنثوية، والتى فرضها عليهن المجتمع الذكورى من خلال مبادئ التقسيم الجنسى للعمل فى مقابل مبلغ مالى زهيد. وبذلك تقوم هذه المقايضة ليس فقط بإضفاء المشروعية على التمايز الطبقى، ولكن أيضاً بالإبقاء، بل وإعادة إنتاج التمايز الاجتماعى.

يعتبر مفهوم التمايز الاجتماعى (Bourdieu, 1979) مفهوماً محورياً لفهم ثنائية الأنوثة السعيدة والتعيسة كما تصفها سميرة. حيث يرتكز هذا المفهوم على مبدأى الصراع والهيمنة على رأس المال الرمزى، من أجل الاختلاف والتمايز الاجتماعى. فقد جعل بيير بورديو من مفهوم التمايز الاجتماعى معياراً جديداً لنقد معايير الجمال والأذواق، وفقاً للوضع الاجتماعى والطبقى للأفراد، حيث أوضح أن الممارسات الثقافية للأفراد، والتى قد تبدو أنها نتاج لتفضيلات شخصية وفردية، تخفى فى الحقيقة آليات اجتماعية وبنيوية للتقارب والتمايز والتى تتصارع فيها «أساليب حياة» مختلفة. وبالتالى، فإن الطبقات المهيمنة ثقافياً، فى سعيها للتمايز داخل الفضاء الاجتماعى، تمارس أنواعا متعددة من العنف الرمزى والبنيوى المُهيكل لإقصاء الطبقات المهمشة، والتى بدورها تتقبل هيمنتها، بل وتشرعنها: التمايز الاجتماعى يعكس علاقات الهيمنة الكامنة، من خلال الفاعلين حسب موقعهم الاجتماعى، ويستند إلى شرعية التراتبية الهيكلية والمنبثقة من التقسيم الاجتماعى للعمل.

لذلك، ليس من المستغرب أبداً أن تعتبر سميرة أن «أسلوب حياة» السيدات اللاتى تعمل لديهن هو بمنزلة «أنوثة سعيدة». فهى أنوثة مهيمنة، ومرغوبة، ومتميزة اجتماعياً على عكس أنوثتها التعيسة: «همَّ قاعدين فى بيوتهم ومبسوطين، أو حتى بيشتغلوا شغلانة كويسة ومبسوطين برضه، لكن إحنا مش زيهم». ولكن تظل سميرة ومثيلاتها من العاملات بالمنازل الفقيرات هن حجر الأساس الذى تستند إليه أنماط التمايز الأنثوى البرجوازى، فبدون تلك الطبقة الاجتماعية المهمشة من النساء لن تتحقق «الأنوثة السعيدة» لدى ربات عملهن.

لقد حاول هذا المقال تقديم نقد نسوى متقاطع (intersectionnel) للسعادة من وجهة نظر نساء فقيرات وتعيسات اجتماعياً. ومن ثم، كان الهدف الأساسى هو إعادة النظر فى مفهوم السعادة كسلعة اجتماعية يتنافس عليها الأفراد فى المجتمعات الرأسمالية الحديثة، وفقاُ لمبادئ الفردانية والنفعية. وقد حاولنا كشف المستور عن الدور الذى تلعبه علاقات القوى البنيوية - الطبقية، والنوعية، والجنسية- فى مسارات حياة الأفراد خاصة فى صراعهم على الموارد المادية والمشاعرية المسببة للسعادة. وأخيراً خلص المقال إلى أن تلك الطبقة المكونة من النساء الفقيرات والمهمشات هن فى الحقيقة الأساس المادى الذى يحافظ على ــ بل ويعيد ــ إنتاج أنماط ومعايير الأنوثة السعيدة لدى الطبقات المهيمنة فى المجتمع.

 

هوامش:

1 ــ يعتمد هذا المقال على عدة مقابلات مع «سميرة» -اسم مستعار-أتممتها فى عام 2015، وهى جزء من بحث إثنوجرافى مطوّل عن العاملات بالمنازل الفقيرات فى مصر بهدف الحصول على درجة الدكتوراه فى العلوم الاجتماعية.

2 ــ بمعنى بُنى ناظمة للسلوك ومنتظمة فى نفس الوقت.

 

 

المراجع:

BettyFreidan, TheFeminineMystique, Norton, 1963.

EmileDurkheim, Deladivisiondutravailsocial, (1893) Paris, PUF, 2007.

ErvingGoffman, Stigma: Notesonthemanagementofspoiledidentity, UpperSaddleRiver, 1963.

EvaIllouz, Lessentimentsducapitalisme, éditionsduseuil, 2006.

EvaIllouz& EdgarCabanas, Happycratie, PremierParallèle, 2018.

EmanuelKant, Critiquedelaraisonpratique, (1788), éditionsFlammarion, 2003.

JhonStuartMill, Thesubjectionofwomen, Longman, Green, ReaderandDyer, 1869.

PaolaTabet, LesMains, lesoutils, lesarmes. InLHomme, 1979, tome19 n°3-4. Lescatégoriesdesexeenanthropologiesociale. pp. 5 -61.

PaolaTabetLaConstructionsocialedelinégalitédessexes. Desoutilsetdescorps, LHarmattan, 1998.

PierreBourdieu, LeSenspratique, Paris, LeséditiondeMinuit, coll. « Lesenscommun », 1980.

PierreBourdieu, LaDistinction, éditionsdeMinuit,  1979.

SarahAhmed, Thepromiseofhappiness, DukeUniversityPress, 2010.

SimonedeBeauvoirLedeuxièmesexe, éditionsGallimard, 1949, renouveléen1976, réed. « FolioEssais», 2012

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 73 يناير 2019

افتتاحية العدد

1919.. لحظة وعى المجتمع بذاته د. هناء عبيد

حاملة لواء الليبرالية، الحدث السياسى الوحيد الذى يجمع عليه المصريون، لحظة الاستدعاء الأساسية للحديث عن الوحدة الوطنية، رافعة تكوين الرأسمالية الصناعية المصرية والسيادة الوطنية الاقتصادية، الموجة الأولى من الحركة النسوية المصرية، حاضنة سيد درويش ومختار وحقى، ثورة القومية المصرية

الأعداد السابقة