رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

تمهيد:

إن البحث عن طبيعة العلاقة بين السعادة والنظام الأمثل للحكم من الأسئلة التى كثيراً ما كانت موضعاً للاهتمام، سواء الضمنى أو الصريح، للعديد من المفكرين والفلاسفة على مر العصور. ولعل الحديث عن السعادة فى الفكر السياسى الممتد يبدأ من حيث انتهى إليه أرسطو من اقتران السعادة بالمدينة (Polis)التى تمثل المجتمع السياسى، وأن أعلى درجات السعادة ترتبط بالنظام الأكثر مثالية وقابلية للتطبيق، وهو النظام الديمقراطى الدستورى (Polity)، الذى يرتكز على سيادة القانون، وسيادة الطبقة الوسطى التى تعمد إلى تحقيق التوازن فى المجتمع، بالإضافة إلى كون المجتمع السياسى ذاته وسيطًا حتميًا لإدراك الفرد لكماله الأخلاقى الذى تتحقق به السعادة الفردية والمجتمعية.1 والجدير بالذكر أن تحديد معنى السعادة وطرائق تحقيقها كانت من الموضوعات التى انقسم الفلاسفة بشأنها إلى ثلاثة تيارات فلسفية رئيسية. فقد ركز التيار الأول بالأساس على المعنى المجرد للسعادة بحسبانها جوهرا داخليا يتأتى من خلال النمو الأخلاقى الراشد التام وتدور بالأساس فى فلك تحقق الفضيلة، وهو الأمر الذى لا يمكن أن يحدث إلا فى إطار بناء سياسى متكامل يمثله النظام السياسى «الدولة»،  كما سبقت الإشارة فى فكر أرسطو. أما الاتجاه الثانى فيمثله مذهب «المتعة» أو «التلذذية» «Hedonism» الذى يرى أن المعيار الأهم لتحقق السعادة هو زيادة «المتعة» ونقصان الألم، وقد يندرج تحت هذا التيار الفلسفة النفعية، وفلسفة روسو إلى حد ما، بينما ذهب الاتجاه الفلسفى الثالث الذى تمثله نظرية «إشباع الرغبات» «DesireTheory» إلى أن تحقق رغبات الإنسان هى غاية تحقق السعادة دون الأخذ فى الحسبان  المتعة المُحصلة أو الألم المنتقص جراء تحقيق تلك الرغبات، ويمكن إدراج ملمح من فلسفة كانط تحت هذا التيار.2

 ـ عند تقصى العلاقة بين السعادة والديمقراطية، على وجه التحديد، نجد أن الاهتمام الأكاديمى بهذه العلاقة قد بدأ منذ أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين، حيث أخذت بعض المفاهيم الجديدة ــ آنذاك ــ فى التبلور كتلك المتعلقة بالرفاهة الذاتية، والرفاهية الاجتماعية، وجودة الحياة.3وتُعَّرف الرفاهية الذاتية«Subjectivewell-beingSWB»بكونها تعبير عن تقييم الإنسان لذاته ومدى رضائه عن حياته بشكل عام. وقد قسم الباحثون فى هذا المجال الرفاهية الذاتية (SWB) إلى مكونين رئيسيين: الأول إدراكى  (cognitive)، وهو مدى وعى الفرد بإنجازاته الشخصية، ومدى تحصله على مقومات الحياة التى يرتضيها، والتى يمكن قياس جزء منها بشكل مادى إلى حد كبير، بينما أخذ المكون الآخر شكلاً عاطفياً سيكولوجياً(affective)  يتعلق بمقدار ما يشعر به المرء من «سعادة».4 إلا أنه قد تُثار  إشكالية هنا حول ماهية السعادة، وما إذا كانت تعد قيمة أصيلة(value) فى ذاتها، يمكن أن يُعَّرف بها النظام السياسى كقيم الحرية، والعدالة، والمساواة، على سبيل المثال، ومن ثم يجب السعى لتحقيقها. ومن خلال مدى وجودها أو انتفائها يمكن الحكم على جودة النظام السياسى الديمقراطى، أم أنها حالة (status) تستوجب شروطاً بعينها اقتصادية وثقافية ونفسية، قد تغيب أو تظهر تبعاً لسياقات معينة ولا تعد لصيقة بجوهر النظام السياسى ذاته، ولا معيارًا للحكم على مدى كفاءة الديمقراطية. بمعنى آخر، هل يمكن النظر للسعادة كقيمة ومحدد لجودة الديمقراطية، أم أنها لا تعدو كونها «حالة» قد تقترن أو لا تقترن بالنظام السياسي؟. وهذه الإشكالية تُمكننا من طرح تساؤلين آخرين عن مدى الارتباطية بين الديمقراطية وتحقق السعادة، أى ما إذا كانت هناك علاقة سببية (causality) بين الديمقراطية والسعادة وما إذا كانت الديمقراطية تؤدى إلى السعادة؛ وفى هذه الحالة أى نوع من النظم الديمقراطية أكثر ارتباطًا بتحقق السعادة. فى هذا الصدد، من الأهمية بمكان تناول ما قدمه المُنظر السياسى الأمريكى RonaldInglehart  عن العلاقة بين السعادة والديمقراطية وهو أحد أهم منظرى العلاقة بين الديمقراطية والسعادة، وكذلك التطرق إلى القياسات الدولية لمعدلات السعادة.

وبالتالى ستقوم هذه الورقة أولاً بعرض جانب من المقولات النظرية الخاصة بالسعادة والديمقراطية خاصة فيما طرحهInglehart  عن هذه العلاقة،  ثم ثانيا ستعرض الورقة لبعض نتائج التقرير العالمى للسعادة لعام 2018،  فى محاولة للإجابة عن التساؤلات التى تطرحها هذه الورقة عما إذا كان هناك ترابط بين الديمقراطية والسعادة، وكذلك أى أنواع الديمقراطية أكثر قدرة على تحقيق السعادة.

أولا- السعادة والديمقراطية وماهية العلاقة:

يطرح Inglehart  تساؤلات حول ماهية العلاقة بين الديمقراطية والسعادة وأيهما يسبب الآخر، أو أن العلاقة بين السعادة والديمقراطية هى علاقة غير مباشرة ابتداءً، تتطلب تحقق متغيرات، وسيطة كالمستويات المرتفعة من التنمية الاقتصادية على سبيل المثال. ومن ناحية أخرى، يربط Inglehart  بين السعادة ‘Happiness’ والشرعية ‘legitimacy’، فيرى أن الأنظمة السياسية، حتى السلطوية منها، لا يمكن أن تستمد شرعيتها من الترهيب والإجراءات القسرية فقط، إذ لابد أن تتضمن الشرعية بداخلها درجة من رضاء المحكومين، وتفترض ضمنيا قدرًا من سعادتهم أو قدراً من «الرفاهية الذاتية»، فى ظل هذا النظام القائم بما يضمن استمراريته على المدى الطويل.5

 ويؤكد Inglehart  على أن العلاقة المجردة بين الرفاهية الذاتية/ السعادة  والديمقراطية  تشتمل على نقاط تقاطع وخيوط متشابكة عدة تجعل من تحقق إحداهما مستلزماً لتحقق الآخر، وتتشابك هذه الخيوط وتتقاطع من خلال مفهوم «رأس المال الاجتماعى».6 ويعد الأخير  تعبيرا عن الثقافة التى تغلب عليها قيمة الثقة بالأساس وكذلك قيم التسامح والتعاون والغيرية بما يُمكن الأفراد من المشاركة الفعالة، وتكوين شبكات اجتماعية، طوعية والاندماج داخل مجتمعاتهم المحلية، بما يُمهد قيام مجتمع مدنى قوى.7  ومن الناحية السياسية، فإن غلبة مؤشرات رأس المال الاجتماعى فى ثقافة سياسية يعنى وجود قدر من الثقة فى السياسات الحكومية ومؤسسات الدولة،  وكذلك المشاركة السياسية الفعالة، وهذه مؤشرات يمكن من خلالها قياس جودة وفعالية النظام الديمقراطى.  وقد وجدت عدد من الدراسات أن هناك علاقة بين وجود ثقافة سياسية فعالة تسودها قيم رأس المال الاجتماعى داخل بناء ديمقراطى من جهة،وزيادة الرفاهية الذاتية بشكل عام والشعور بالسعادة بشكل خاص. من جهة أخرى ومن بين هذه الدراسات، عدد من الأبحاث الإمبريقية التى عمدت إلى تحليل المسوح الخاصة بالقيم، مثل مسح القيم العالمية «WorldValueSurvey»،  والمسح الأوروبى للقيم «EuropeanValueSurvey» والتى وجدت علاقة بالفعل بين الديمقراطية والسعادة.8

إلا  أن العلاقة بين الديمقراطية والسعادة ليست بتلك المباشرة والوضوح، كما يبدو للوهلة الأولى، فيشير Inglehartإلى أن النتائج الإمبريقية تدلل على أن مواطنى الديمقراطيات الراسخة يتمتعون بالفعل بقدر عالٍ من السعادة إذا ما قورنوا بالمحكومين داخل النظم السلطوية، بيد أن الوضع يختلف فى حالة الديمقراطيات الحديثة.  فالنتائج الإمبريقية لا تعزز العلاقة بين الديمقراطية والشعور بالسعادة فى الديمقراطيات الحديثة كالحال فى دول أوروبا الشرقية. ويعزو ذلك إلى تدنى الوضع الاقتصادى فى هذه الدول عقب تفكك الاتحاد السوفيتى.9 كما أن بعض الدراسات الأخرى قد أوضحت أن هناك تفاوتا بين مدى شعور المواطنين بالسعادة حتى داخل نظام ديمقراطى واحد، حيث يرجع ذلك بالأساس إلى عدة عوامل، منها العمر، والتعليم، والنوع الاجتماعى، وكذلك الحالة الاقتصادية وخاصة الحالة الوظيفية، ومدى القدرة على الإيفاء بالاحتياجات الأساسية.10وبالتالى لا يمكن الحديث عن علاقة مباشرة بين الديمقراطية والسعادة دون الأخذ فى الحسبان رأس المال الاجتماعى، والوضعية الاقتصادية للأفراد كمتغيرات وسيطة ذات دلالة. ورغم ذلك، يشير Inglehartإلى أن حرية الاختيار (freedomofchoice)، وهى قيمة وثيقة الصلة ولصيقة بالديمقراطية، قادرة فى ذاتها على توليد شعور بالسعادة على المدى الطويل حتى مع تدنى الأوضاع الاقتصادية.11

ثانيا-السعادة: أى نوع من الديمقراطية؟

مع تطرقنا للعلاقة بين السعادة والديمقراطية، سيكون من المفيد التطرق للدول الأكثر سعادة، وفى هذا الصدد، يعد «التقرير العالمى للسعادة» دليلاً دولياً جاداً لقياس السعادة. وهو يصدر سنويًا منذ 2012 عن الشبكة الأممية لحلول التنمية المستدامة (SDSN) التى تتبع الأمانة العامة للأمم المتحدة. وفى قياسه لمدى الشعور بالسعادة، يعتمد التقرير على تحليل البيانات الأولية  لاستطلاعات جالوب(GallupWorldPoll)، ثم ترجمتها لمؤشرات تقيس مدى الرفاهية الذاتية SWBوالسعادة تحديداً كتلك المؤشرات المرتبطة بالوضعية الاقتصادية، والحالة الصحية للأفراد فى كل دولة ومدى شعورهم بالحرية، والفعالية، والقدرة على التأثير فى المجالين العام والخاص، وكذلك مدى تفشى قيم رأس المال الاجتماعى، مثل الثقة، والغيرية، والدعم الاجتماعى.12 وطبقاً للتقرير العالمى للسعادة لعام ٢٠١٨، فقد احتلت فنلندا وبقية دول شمال أوروبا المعروفة بـ«Nordiccountries13»،  إلى جانب هولندا، وسويسرا، وكندا المراكز الأولى فى قائمة الدول الأكثر سعادة على مستوى العالم.وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدول عادةً ما تكون الأولى فى تقارير السعادة السنوية مع تفاوت فى الترتيب فيما بينها.14

ومن اللافت للنظر أن الولايات المتحدة قد احتلت المرتبة الثامنة عشرة فى هذا التقرير، تليها المملكة المتحدة فى المرتبة التاسعة عشرة ثم الإمارات العربية المتحدة فى المرتبة العشرين.15 وقد توصل التقرير إلى نتيجة تستحق التوقف عندها فيما يتعلق بالسعادة فى الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد. فرغم أن الولايات المتحدة هى الأعلى عالميًا فى الناتج المحلى الإجمالى GDPلعام 2017، ورغم أن متوسط دخول الأفراد فى الولايات المتحدة قد زاد ثلاثة أضعاف على أقل تقدير عما كان عليه فى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى فإن ذلك لم ينعكس على سعادة الأفراد بالإيجاب كما كان متوقعا، إذ بقيت نسبة شعور الأمريكيين بالسعادة اليوم كما كانت عليه أو حتى أقل مما كانت عليه فى السبعينيات.16 وهذا يؤكد الإشكالية المعروفة بـ «EasterlinParadox» فى دراسة اقتصادات السعادة. فقد توصل عالم الاقتصاد الأمريكى RichardEasterlinأن هناك علاقة طردية بين ارتفاع متوسط دخل الفرد وزيادة السعادة إلى أن يتم الوصول إلى نقطة تشبع ما، من بعدها لا تزيد السعادة بزيادة الدخل، بل قد تقل على المدى الطويل.17 علاوة على ذلك، فقد أشار التقرير إلى أن تراجع شعور الأمريكيين بالسعادة يرجع إلى تفشى ثلاثة أمراض رئيسية وهى الاكتئاب والسمنة وإدمان المواد المؤثرة على الحالة المزاجية، بما فيها المنبهات، والكحوليات، والمخدرات.18 إلى جانب ذلك، فإن أحد الأسباب الرئيسية التى أشار إليها التقرير لانخفاض معدل السعادة فى الولايات المتحدة ارتبط بالأساس بتراجع قيم رأس المال الاجتماعى، خاصة فيما يتعلق بانخفاض الشعور بالثقة فى الساسة، وصناع القرار، ومؤسسات الدولة. ويعد ذلك مؤشراً ذا دلالة ليس فقط على مدى ارتباطية الديمقراطية بالسعادة بل أيضاً فى مدى الارتباطية بين السعادة وإدراكات وتوقعات الأفراد عن النظام السياسى ذاته.

وإذا كان مواطنو دول شمال أوروبا «NordicCountries» هم الأكثر سعادة عالمياً، فإن ذلك يستلزم التساؤل حول طبيعة ونوعية الديمقراطية فى هذه الدول على وجه الدقة، وما إذا كان هناك اختلافا بين الديمقراطية فى هذه الدول عن الديمقراطية الأمريكية على سبيل المثال. فعلى الرغم من أن دول شمال أوروبا جميعا نظم ديمقراطية، فإن هناك بعض التفاوتات الملحوظة فيما بينها. فعلى سبيل المثال، فإن كل من النرويج، والدنمارك، والسويد تعد ملكيات دستورية تتبع النظام البرلمانى، فى حين أن فنلندا تتبع النظام الجمهورى، لكنها تتبنى أيضًا نظامًا برلمانيًا، بينما النظام السياسى فى أيسلندا أقرب إلى النظام الرئاسى.  إلا أن هذه الدول يجمعها قاسم مشترك يتمثل فى النموذج الذى تقدمه فى تطبيق الديمقراطية، وهو المعروف بالـ«NordicModel»، وما يميز هذا النموذج بالأساس هو تطبيقه للديمقراطية الاجتماعية (socialdemocracy)، ولفلسفتها فيما يتعلق بسياسات الرفاهة الاجتماعية (welfarepolicies) على وجه الخصوص.19

تقوم الديمقراطية الاجتماعية فى جوهرها بمحاولة الإبقاء على مزايا النظام الرأسمالى من جهة، دون الإخلال بالمزايا الاجتماعية التى يتحصل عليها المواطنون من جهة أخرى. ففى هذا الصدد، تقوم الدولة بدور إيجابى فاعل فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فتعمل على تقليص الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، والحد من الآثار السلبية المصاحبة للرأسمالية، وذلك بهدف حماية هؤلاء الأقل حظاً أو غير القادرين على مواكبة المنافسة فى ظل نظام الأسواق الحرة. ففى مقابل النظرة الليبرالية  الجديدة (neo-liberalism)، التى تحاول جاهدة الحد من دور الدولة إلى أقل قدر من المهام المنحصرة عادةً فى مهام تنظيمية وأمنية ودفاعية، تقف الديمقراطية الاجتماعية على طرف النقيض داعية إلى توسع  دور الدولة ومد نشاطها، خاصة فى المجالين الاقتصادى والاجتماعى.20 ومن خلال ذلك، لا تنظر الديمقراطية الاجتماعية إلى مفهوم الرفاهة (welfare)  من منظور كمى فقط يتعلق بحجم إنفاق الدولة على الحماية الاجتماعية، بل تهتم بالأساس بجودة مخرجات الرفاهة، ومدى تحقق العدالة الاجتماعية بشكل عملى، وذلك يشتمل على توفير ضمان اجتماعى، وتغطية اجتماعية، مثل مجانية التعليم، والعلاج، وتوفير رواتب تقاعدية مجزية.21 فى هذا الصدد،  يرى Esping-Andersen  أن الرفاهة تتحقق حينما يستطيع الأفراد وعوائلهم ضمان الحد الأدنى من المعيشة الكريمة بغض النظر عن حجم مشاركاتهم أو إسهاماتهم الاقتصادية، حيث تضمن لهم الدولة ذلك. ويُفهم من ذلك أن الأفراد لا يُنظر إليهم بالأساس باعتبارهم كائنات اقتصادية محض، بل كائنات اجتماعية وسياسية، أى مواطنين فى المقام الأول، ولذلك تهدف الرفاهة الاجتماعية من منظور الديمقراطية الاجتماعية إلى فك الارتباط بين الفرد كمواطن والفرد كمُنتِج فى إطار الرأسمالية.22

على صعيد آخر، فإن هناك معدلات مرتفعة من رأس المال الاجتماعى فى تلك الديمقراطيات الاجتماعية الأكثر سعادة، حيث أوضح تقرير السعادة العالمية لعام 2018 أن درجة ثقة مواطنى تلك الدول فى حكوماتهم، وفى نزاهة وشفافية العملية السياسية هى أعلى مما عداها فى الدول الأخرى، بما فيها الديمقراطيات الراسخة، مثل الولايات المتحدة، فيشعر المواطنون بأن الحكومة تعمل للمنفعة العامة، وتؤثر إيجابيًا فى جودة حيواتهم، بالإضافة إلى وجود معدلات مرتفعة من الثقة المجتمعية فى تلك المجتمعات، والتى يُستدل عليها من انتشار قيم بعينها، مثل الغيرية، والكرم، والإقبال على مساعدة الآخرين بشكل طوعى. 23

خاتمة:

سعى هذا المقال إلى البحث حول ماهية العلاقة بين السعادة والديمقراطية، وذلك بطرح عدة تساؤلات حول معنى السعادة وطبيعة العلاقة بينها وبين الديمقراطية، وأى أنواع الديمقراطية أقرب إلى السعادة. ومن خلال عرض موجز لأطروحات Inglehart، والذى يعد أحد أهم المنظرين المعاصرين للعلاقة بين السعادة والديمقراطية، وكذلك عرضا لبعض استخلاصات التقرير العالمى للسعادة لعام 2018، نجد أن العلاقة بين الديمقراطية والسعادة ليست علاقة سببية مباشرة، وهذا يعنى أن السعادة ليست قيمة لصيقة بالديمقراطية أو معياراً للحكم على مدى ديمقراطية نظام ما، بل إن هناك متغيرات وسيطة يجب تحقيقها لتحقق السعادة فى الأنظمة الديمقراطية ألا وهى وجود تراكم لرأس المال الاجتماعى،  بالإضافة إلى ضمان الفرد لأساسيات الحياة الكريمة من عمل، ودخل كافٍ، وتعليم، وعلاج، وهذا ينقلنا إلى استنتاج ذى أهمية؛ فبما أن تكوين وتراكم رأس مال اجتماعى يتطلب بيئة حاضنة تتيح لقيم الثقة، والتعاون، والغيرية الظهور والنماء، وأن ذلك أكثر قابلية للتحقق فى أطر ديمقراطية عما سواها من النظم، فإن ذلك يعنى أن السعادة أكثر ارتباطًا بالديمقراطية، شريطة أن يتحقق تراكم لرأس مال اجتماعى.

ويؤكد المقال على الطرح الخاص بارتباطية «الديمقراطية الاجتماعية» بالسعادة على وجه التحديد، ويدلل على ذلك نموذج دول أوروبا الشمالية التى نجحت فى تحقيق قدر ملموس ومؤثر من الرفاهة الاجتماعية والذى انعكس بدوره إيجاباً على الرفاهية الذاتية لمواطنى تلك الدول وعلى مدى شعورهم بالسعادة، وبالتالى فإذا ما تمسك النظام السياسى الديمقراطى بتطبيق العدالة الاجتماعية، وما إن ازدهر وتراكم رأس المال الاجتماعى، فإن احتمالية زيادة الرفاهية الذاتية والشعور بالسعادة تكون أكبر فى ظل هذا النظام.

 

هوامش:

1 ــ «Aristotle: Politics», InternetEncyclopediaofPhilosophy, https://www.iep.utm.edu/aris-pol/

2 ــ  للمزيد حول المذاهب الفلسفية المختلفة التى نظرَّت للسعادة، يرجى الاطلاع على:

MichaelRolf(2017), «HappinessinRousseauandKant», InMichealRolf(Ed.), TheModernTurn, CatholicUniversityofAmericanPress

3 ــ غالباً ما تتم الترجمة العربية لكل من مصطلحى «Well-being»  و «Welfare» عن معنى واحد متعلق بالرفاهة أو الرفاهية، بينما عادة ما تقترن الأولى بدرجة الرفاهية الذاتية، بينما الثانية تقترن بدولة الرفاهة أو ما تقوم به الدولة من سياسات لتحقيق الرفاهية الذاتية للأفراد.

4 ــ ReinetLoubserandCindySteenekamp(2017), «Democracy, Wellbeing, andHappiness: A10nationStudy.» JournalofPublicAffairs Vol. 17, pp. 1-12

5 ــ RonaldInglehart, DemocracyandHappiness: WhatCausesWhat?, Paperpresentedatconferenceonhumanhappiness, NotreDameUniversity

6 ــ  Ibid

7 ــ للمزيد حول مفهوم رأس المال الاجتماعى ووظائفه فى النظم الديمقراطية، يرجى الاطلاع على أعمال RobertPutnam،  مثل:

RobertPutnam(1993), MakingDemocracyWork, Princeton: PrincetonUniversityPress

 بالإضافة إلى:

FrancisFukuyama. (2001). «Socialcapital, civilsocietyanddevelopment». ThirdWorldQuarterlyVol. 22, No. 1, pp. 7-20

8 ــ  من هذه الدراسات:

RonaldInglehart, DemocracyandHappiness: WhatCausesWhat?,Paperpresentedatconferenceonhumanhappiness, NotreDameUniversity; TufanEkiciandSeldaKoydemir(2014), «SocialCapital, GovernmentandDemocracySatisfaction, andHappinessinTurkey: AComparisonofSurveysin1999 and2008», SocialIndicatorsResearch, Vol. 118, No. 3, pp. 1031-1053

9 ــ  RonaldInglehart, Op.cit.

10 ــ TufanEkiciandSeldaKoydemir, Op. cit

11 ــ  RonaldInglehart, Op.cit.

12 ــ  «WorldHappinessReport2018», http://worldhappiness.report/ed/2018/

13 ــ  وهى:   فنلندا، والنرويج، والدنمارك، والسويد، وأيسلندا.

14 ــ  BrionyHarris, (March16th, 2018), «ThesearethehappiestcountriesintheWorld», WorldEconomicForum, https://www.weforum.org/agenda/2018/03/these-are-the-happiest-countries-in-the-world/

15 ــ Ibid

16 ــ  JefferyD. Sachs(2018) «AmericasHealthCrisisandEasterlinParadox», WorldHappinessReport2018https://s3.amazonaws.com/happiness-report/2018/CH7-WHR-lr.pdf

17 ــ Beja,EdselL.,Jr(2014) «IncomeGrowthandHappiness: ReassessmentoftheEasterlinParadox», InternationalReviewofEconomicsvol. 61, no. 4, pp. 329-346.

18 ــ  JefferyD. Sachs, Op. Cit.

19 ــ  PopBlain(March, 23rd2017) «SocialDemocraciesaretheHappiestNationsonEarth», http://www.rifuture.org/social-democracies-are-happier/

20 ــ  AnthonyGiddens, (1998), TheThirdWay: theRenewalofSocialDemocracy, Cambridge: PolityPress

21 ــ AlexanderPacekandBenjaminRadcliff(2008), «AssessingtheWelfareState: ThePoliticsofHappiness»,

PerspectivesonPolitics, Vol. 6, No. 2, pp. 267-277

22 ــ  للمزيد حول مفهوم الرفاهة الاجتماعية، وعلاقته  الديمقراطية الاجتماعية ومحاولة تفكيك تشيئ الإنسان (decommodification)، يرجى الاطلاع على أعمال Esping-Andersen  خاصة:

Esping-Andersen, Gosta. (1985). PoliticsagainstMarkets: TheSocialDemocraticRoadtoPower. Princeton: PrincetonUniversityPress; Esping-Andersen, Gosta.  (1988). DecommodificationandWorkAbsenceintheWelfareState. SanDomenico, Italy: EuropeanUniversityInstitute; Esping-Andersen, Gosta. (1990). TheThreeWorldsofWelfareCapitalism, Princeton: PrincetonUniversityPress

23 ــ  WorldHappinessReport2018»,  http://worldhappiness.report/ed/2018/

 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة