رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

تقارير وانتخابات

لم تسفر الاحتجاجات السودانية السلمية الممتدة على مدى أربعة أشهر عن تغيير فى بنية السلطة السودانية،ولكنها نجحت فى وقف مشروع التمديد للرئيس عمر البشير لفترة رئاسية جديدة، عبر تعديلات دستورية تم تقديمها للبرلمان السودانى مطلع ديسمبر 2018. 
 
وتبدو العوامل الرئيسية فى استمرار الرئيس البشير على هرم السلطة فى السودان، ولو لفترة محدودة ،تتعلق بالعاملين الخارجى والداخلى ،إذ أن المخاوف من انهيار مؤسسات الدولة فى السودان ،أو الانزلاق إلى الفوضى مثَّلا محركات حاكمة لتصورات كل من الإقليم والإدارة الأمريكية بهذا الصدد. وبطبيعة الحال، فإن التفاعلات الداخلية المرتبطة بوزن الحركة الإسلامية السودانية؛ وطبيعة وجودها فى مفاصل الدولة قد لعبت دورا  فى تحجيم تأثير الحراك الاحتجاجى لمصلحة تغيير سياسى فورى، خصوصا أن النخب السياسية الحاكمة، عبر ٣٠ عاما ،مدانة بممارسات متشددة على المستوى السياسى،وبفساد مالى وثَّقه بعض من رموزها، بما يجعلها متمترسة فى السلطة، خشية المحاسبة من جانب باقى القوى السياسية السودانية، وبما يعنيه ذلك من إدانة لتجربة حكم الإسلام السياسى على المستوى الرمزى، خصوصا أن الإسلام السياسى فى السودان قد أتيحت له فرصة نادرة بالقدرة على الاستمرار فى الحكم لما يزيد على ربع قرن..
 
أولا ـ المشهد السياسى السودانى 2016-2018:
فى العاشر من أكتوبر 2016، عقدت الجمعية العامة لمؤتمر الحوار الوطنى الجلسة الختامية للإعلان عن اختتام الحوار، وقد وافق الاجتماع الذى رأسه عمر البشير على الوثيقة الوطنية الختامية للحوار والتى تم اعتبارها قاعدة لدستور دائم للبلاد .وقد وقَّع على هذه الوثيقة رؤساء الأحزاب السياسية السودانية المشاركة فى الحوار.وحضر الاجتماع الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى ورئيس تشاد إدريس ديبى، الذى ترأس الاتحاد الإفريقى وقتذاك، ورئيس أوغندا يورى موسيفينى. ورئيس موريتانيا محمد ولد عبد العزيز، والأمين العام للجامعة العربية، ونائب وزير الخارجية الروسى، وبعض من بين كبار المسئولين الآخرين فى المنطقة وخارجها.
 
وفى كلمته فى الجلسة الختامية، أعلن الرئيس البشير تمديد وقف إطلاق النار فى جنوب كردفان، والنيل الأزرق، ودارفور . كما دعا المجموعات السياسية والمسلحة التى لم تشارك فى المؤتمر بالتوقيع على وثيقته إذا رغبوا فى ذلك .
 
وقد جرى الحوار الوطنى  متضمنا ستة موضوعات هى:   السلام والوحدة، والاقتصاد، والهوية، والعلاقات الخارجية، والحرية والحقوق الأساسية، وقضايا الحكم، حيث اجتمع 648 عضوا فى اللجان 312 مرة، وناقشول 523 ورقة عمل، وقدموا ما يزيد على 900 توصية للتحول السياسى فى السودان، ولكن دون مشاركة الأحزاب، أو الحركات السياسية، أو المسلحة ذات الوزن النسبى، مثل حزب الأمة القومى ومعظم الاتحادات والحركات المسلحة التاريخية فى دارفور، والمعارضين المسلحين فى النيل الأزرق وجنوب كردفان . 
 
ووفقا لمخرجات الحوار، تم تعيين 64 عضوا برلمانيا جديدا من الأطراف والحركات التى شاركت فى الحوار، وأدى ذلك إلى زيادة عدد أعضاء البرلمان إلى 490 عضوا. أما بالنسبة للمجالس التشريعية فى الدولة، فقد تم تعيين أعضاء جدد لا تتجاوز نسبتهم 15٪ لكل مجلس، وفقا لحجم عضويته.
 
كما تم فى 11  مايو 2017، إعلان النائب الأول لرئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، بكرى حسن صالح، حكومة التوافق الوطنى بمن فى ذلك 31 وزيرا و 44 أمينا للدولة، مع عدد قليل من القادمين الجدد من حزب  د. حسن الترابى «المؤتمر الشعبى» وعدد من الأحزاب الصغيرة. ( فيصل محمد صالح، السودان بعد الحوار الوطنى، ورقة غير منشورة، جامعة إكسفورد ،2017).
وعلى الرغم من المجهودات التى بذلت فى الحوار الوطنى السودانى ،فإنه لم يسهم فى حل مشكلات المعادلة السياسية الداخلية، أو يحقق استقرارا كان مأمولا ،وذلك لعدد من الأسباب، منها عدم وضوح الإرادة السياسية بشأن إنجاز تحول يملك مصداقية سياسية واقعية، حيث تم استباق نتائج الحوار بتعديلات دستورية  جرت مطلع 2015 بلغت ثمانية عشر تعديلا على الدستور المؤقت لعام 2005، وشملت توسيع دور جهاز المخابرات والأمن الوطنى، وإضفاء الصبغة الشرعية على قيادة لقوات الدعم السريع التى برزت عام 2013، والسماح لها والشرطة بإنشاء المحاكم الخاصة، كما تم إدراج وثيقة الدوحة للسلام فى دارفور لعام 2011 فى الدستور، (التى لم توقعها فصائل دارفور فى جبهة تحرير السودان) كإطار للمحادثات مع متمردى دارفور؛ وأعطت للرئيس صلاحيات تعيين حكام الولايات الذين كان يتم اختيارهم بالانتخابات . يضاف إلى كل ذلك، أنه تمت هندسة وصناعة أحزاب وحركات سياسية جديدة كان هدفها الأساسى إيجاد حالة من الشتات والسيولة المفضية إلى عدم الوضوح، وهو ما انعكس على الصياغات النهائية للتوصيات، وتسبب فى عدم مشاركة المعارضة ذات الأوزان فيما عدا حزب المؤتمر الشعبى .كما سيطر حزب المؤتمر الوطنى الحاكم على آلية الحوار السياسية  (لجنة 7 + 7) التى أصر عليها مقابل اقتراح آخر باستحداث آلية فنية للحوار التى تشكلت من أكاديميين وتكنوقراط غير حزبيين.
 
 فى المقابل، فإن أحزاب المعارضة وبعض الحركات المسلحة قد مارست نوعا من أنواع الغموض السياسى  فى مواقفها أدى إلى الالتباس فى كثير من الأحيان، بمعنى تغيير بعض الأحزاب لممثليهم فى الحوار الوطنى، أو دخول انشقاقات عن الحركات المسلحة إلى الحوار، ثم انسلاخها مجددا .
 
 وقد أسهم إعلان الحكومة عن إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام ٢٠١٥ تحت إشرافها فى توفير المؤشرات المطلوبة للرغبة فى الاستمرار بالسيطرة على الحكم، وتجاهل أن تجرى هذه الانتخابات تحت مظلة حكومة انتقالية، طبقا للأعراف الديمقراطية، ومطالب قوى المعارضة السلمية والمسلحة، وفى المحصلة انسحبت أجسام حزبية وشخصيات عامة من الحوار الوطنى،  واعتبروا إن قرار الحكومة يعد انتهاكا لخريطة الطريق التى سبق وتم الاتفاق عليها .
 
فى هذا السياق، لم تعد البيئة السياسية حاضنة للحوار الوطنى السودانى خصوصا مع عمليات التعتيم الممنهجة على الإعلام، وعمليات مصادرة الصحف بعد طباعتها، واللجوء إلى أساليب التضييق على للمعارضين، ورموز المجتمع المدنى .وقد تزامن مع كل ذلك موقف البرلمان الذى عَّدة أن نتائج الحوار غير ملزمة له، وله الحق فى رفضها، طبقا لما صرحت به بدرية سليمان، نائبة رئيس البرلمان.
وهكذا لم ينتج الحوار الوطنى السودانى عملية تحول سياسى أو توافق وطنى، فظلت الاستقطابات السياسية على حالها، وجبهات الصراع المسلح مفتوحة بوقف مؤقت لإطلاق النار، دون الوصول لاتفاقات سلام؛ فجاءت المحصلة النهائية للمشهد حالة انسداد جديدة للأُفق السياسى ومارس الرئيس عمر البشير انفرادا بعملية صنع  القرار السياسى، وهو ماكان محل انتقاد على نطاق واسع داخل الدائرة الصغيرة المحيطة بالرئيس .
 
ثانيا  ـ لماذا اندلعت الاحتجاجات الشعبية: 
بدأ المسار الاحتجاجى يوم 19 ديسمبر، وهو يوم ذكرى قبول البرلمان السودانى، عام 1955، بالاستقلال عن دولتى الحكم الثنائى مصر والسودان،وقد جاء مسار الاحتجاجات عفويا وشعبيا بامتياز، وانطلق من مدينة عطبرة شمال شرق العاصمة الخرطوم، وذلك على خلفية مصاعب اقتصادية مرتبطة بندرة الخبز والوقود،وتراجع قدرة الدولة على توفير السيولة المالية، سواء كرواتب للموظفين،أو الحصول على المدخرات البنكية.
 
وخلال ثلاثة أيام عم الحراك معظم المدن السودانية، وامتلك زخما مفاجئا، جعل القوى السياسية تلتحق به، وتبدأ فى تنظيم نفسها على وقع تطوراته،كما تغيرت أهداف الحراك من الاحتجاج على الظروف الاقتصادية إلى المطالبة بإسقاط النظام السياسى الحاكم فى السودان.  وقد زادت متوالية الاحتجاجات لتطول مدن الغضارف، ومدنى، والربك، وبوتسودان، ثم الخرطوم.
أما على الصعيد السياسى، فقد كان لتحرك البرلمان، مطلع ديسمبر 2018، نحو تغيير الدستور، وفتح الباب أمام مدد رئاسية مفتوحة للرئيس عمر البشير، انعكاس  على تعميق واتساع حالة الغضب؛ خصوصا بعد عقد الحركة الإسلامية مؤتمرها التاسع مؤخرا، وتأييد ترشح البشير فى انتخابات 2020، حيث أعلن رئيس البرلمان السودانى، فى ٥ ديسمبر 2018، أحمد عمر، للصحفيين عن تلقيه «لمذكرة من 33 حزبا ممثلين بنحو 294 نائبا لتعديل الدستور فيما يتعلق بعدد المرات المسموح فيها بترشيح الرئيس».
 
ويمكن القول إن هذه الاحتجاجات هى شعبية بامتياز التحقت بها الأحزاب، وقد بدأت بطابع اقتصادى اجتماعى ولكنها سرعان ما بلورت مطالب سياسية تنادى بتغيير النظام السياسى، الذى تتهمه المعارضة  بمسئوليته المباشرة عن تردى الأحوال المعيشية، وفتح الطريق أمام حكم مفتوح وممتد للرئيس البشير، وهو ما دفع المتظاهرين لحرق مقار حزب المؤتمر الوطنى الحاكم فى كل المدن التى اندلعت فيها الاحتجاجات، وكذلك الاستيلاء على محتويات ديوان الزكاة من سلع ومواد تموينية وتوزيعها .
 
وعلى الرغم من تعطيل الحكومة للدراسة بكل مستوياتها فى كل من الخرطوم وولاية سنار إلا أن الاحتجاجات قد حافظت على إستمراريتها وإتساعها الكمى والجغرافى .
وقد برز، فى 24 ديسمبر 2018، أى بعد خمسة أيام من الاحتجاجات إتحاد المهنيين السودانيين الذى تبنى الإعلان عن تظاهرة فى ٢٥ ديسمبر، لتقديم مذكرة لرئاسة الجمهورية موضوعها الوحيد هو الطلب إلى الرئيس البشير التنحى عن الحكم. فى هذا السياق، عمم الاتحاد مذكرته هذه على ممثلى الاتحاد الأوربى وسفارات الكثير من العواصم العالمية، التى اندلعت فيها أيضا مظاهرات مؤيدة لتنحى الرئيس البشير، وذلك أمام السفارات السودانية حول العالم.
 
 ثم لحق مذكرة اتحاد المهنيين مذكرة  توافق للمعارضة السودانية، أعلنت فى مؤتمر صحفى تحت عنوان « إعلان الحرية والتغيير»، ورغم ذلك حافظ اتحاد المهنيين على موقعه كقائد للحراك الاحتجاجى خلال الأشهر الماضية، وهو تنظيم عابر لجيل الوسط السودانى فى جميع التنظيمات النقابية؛غير معروفة قيادته على الأرض باستثناء محمد ناجى الأصم، الذى تم اعتقاله فى الفترة الأولى من الحراك الاحتجاجى.  
ثالثًا  ـ مسار التفاعلات الداخلية وتأثيرها على فاعلية الحراك:
أسهم الحراك الاحتجاجى فى تغيير المعادلات السياسية الحاكمة فى السودان، وأصبح تاريخ 19 ديسمبر 2018 نقلة نوعية أثرت على مجمل الأوزان السياسية على الصعيدين الحكومى والمعارض.
أ- على المستوى الحكومى :
يمكن تقسيم التفاعل الحكومى مع الحراك إلى مرحلتين، المرحلة الأولى المنتهية فى ٢٢ فبراير 2018، وهى مرحلة الإنكار لتأثير الحراك فى القرار السياسى، وهى المرحلة التى تراوحت فيها مواقف الرئيس البشير بين وصف المتظاهرين بالعملاء للخارج والاعتراف بمشروعية أسباب الحراك، خصوصا على الصعيد الاقتصادى، وهى المرحلة التى سقط فيها ما يزيد على أربعين شهيدا، فضلا عن وجود حالات تعذيب مفضية إلى الوفاة فضلا عن الاعتقالات. أما المرحلة الأخرى، فهى التى افتتحها الرئيس البشير فى خطابه فى 22 فبراير 2018 واعترف فيها بتأثير الحراك فى المعادلات الداخلية فاتخذ قرارات أساسية، منها تعيين وزير الدفاع نائبا له، وتغيير حكام الولايات بقادة عسكريين،وإعلان حالة الطوارئ، والتنازل عن صلاحياته كرئيس للحزب الحاكم المؤتمر الوطنى لأحمد هارون والى كردفان، والإعلان عن وقوفه على مسافة واحدة من جميع الأطراف السياسية، وأخير الدعوة إلى حوار وطنى جديد، فضلا عن تجميد التعديلات الدستورية المفضية إلى تمديد فترات حكم الرئيس البشير. 
بطبيعة الحال، أسفرت هذه القرارات عن تحييد المؤسسة العسكرية كما ضمنت هذه القرارات قيادة الرئيس البشير للتفاعلات السياسية الداخلية لفترة قادمة، خصوصا أن إعلان حالة الطوارئ أسهم بالتأثير فى الحشود الجماهيرية للحراك الاحتجاجى، نتيجة الإجراءات القمعية.
 
يبدو المؤتمر الوطنى، الحزب صاحب الأغلبية الحاكمة، متماسكا حتى الآن، دون أن تنال الاحتجاجات من لُحمته على غرار ما حدث فى سبتمبر 2013، لكن حلفاءه يعانون الأمرين بدفع فاتورة التحالف معه ومحاولة احتواء المطالبات بفض الشراكة.
وظل حزب المؤتمر الشعبى الذى أسسه الراحل حسن الترابى صامدا منذ إجازة قانون الانتخابات، فى نوفمبر 2018، من دون توافق، ولم تسعفه الانتقادات التى ساقها حينها فى إبداء موقف من الاحتجاجات يباعد بينه وبين السلطة.
 
ورغم أن الحزب أيد التظاهر السلمى، وطلب فتح تحقيق فى مقتل المحتجين، فإن مواقفه تبدو متماهية مع غريمه السابق المؤتمر الوطنى، وهو ما دعا مجموعات شبابية داخله للدفع بمذكرة لقيادة الحزب تطالب بالانسحاب من الحكومة.
 
إلا أن مواقف الحلفاء المتماهية مع الحكومة تبدو داخل الحزب الاتحادى الديمقراطى الأصل أكثر إرباكا، لأن الاعتقالات طالت بعض قيادات هذا الحزب لمساندتها الاحتجاجات.   
وحتى عندما اصطحب رئيس قطاع التنظيم، محمد الحسن الميرغنى، خلفاء الطريقة الختمية للقاء الرئيس البشير فى داره، وصدر تعميم صحفى بمساندة الختمية للبشير، سارع شباب الطريقة لإصدار بيان مؤيد لحراك الشارع، قائلين إن الحسن التقى البشير بصفته الدستورية «كبير مساعدى الرئيس».
ومن ضمن حلفاء الحكومة مجلس أحزاب الحوار الذى يقوده عبود جابر، فضلا عن منبر أحزاب الحوار، ومجلس الحركات الموقعة على السلام، وهى كيانات تضم العشرات من القوى الصغيرة التى كانت جزءا من الحوار الوطنى. 
 
وقد شكّل خروج الجبهة الوطنية للتغيير، وحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل للمطالبة، عبر مذكرة، بتنحى الرئيس البشير، وتشكيل مجلس سيادة انتقالى، أبرز رد فعل للقوى السياسية المساندة للاحتجاجات التى قادها فى الغالب فئة  الشباب.
 
ويكتسى تحرك هذين الحزبين أهمية بالغة، لأنهما جزء من الأطراف المشاركة فى الحوار الوطنى وحكومة الوفاق، واليوم تغير موقفهما وباتا يطالبان برحيل الرئيس، صاحب مبادرة الحوار ورئيس آلية تنفيذ مخرجاته.
 
ولم يكن بروز الجبهة الوطنية للتغيير كتحالف وليد لحظة الاحتجاجات، لأنه بدأ فى التشكل، منذ أن اعتمد حزب المؤتمر الوطنى الحاكم على أغلبيته فى البرلمان لتمرير قانون الانتخابات 2018، ضاربا بشرط التوافق السياسى عرض الحائط.
 
وفى الأزمة الحالية، آثر حزبا الأمة، وحزب الإصلاح الآن بقيادة غازى صلاح الدين العتبانى المنضمان إلى الجبهة، الخروج من الحكومة.
وكان حزب الإصلاح الآن قد انشق عن حزب المؤتمر الوطنى، عقب احتجاجات سبتمبر 2013 التى سقط خلالها نحو 200 قتيل، بحسب منظمات حقوقية.
ب- على مستوى المعارضة:
من أبرز تحالفات المعارضة الموجودة فى الساحة السودانية، تحالف قوى الإجماع الوطنى وتحالف قوى نداء السودان، وعلى الرغم من أن التحالفين  مختلفان بشأن الموقف من الحوار والتفاوض مع الحكومة، فإنهما الآن متوحدان فى مساندة الاحتجاجات.
 
وقد تشكلت قوى تحالف الإجماع الوطنى فى العام 2009 من أحزاب عدة، منها الشيوعى، والأمة القومى، والمؤتمر الشعبى، والحركة الشعبية لتحرير السودان قبل انفصال جنوب السودان.
لكن خلافات عصفت بهذا الكيان الذى يرأسه فاروق أبو عيسى، وانسحب منه حزب الأمة بزعامة الصادق المهدى، وشارك مع حزب المؤتمر الشعبى بمبادرة الحوار مع النظام الحاكم.
وعقب إصرار الحكومة السودانية على إجراء انتخابات أبريل 2015 ليخوضها البشير مجددا، والإقدام على تعديل الدستور، قبل تنفيذ مخرجات الحوار الوطنى، آثر حزب الأمة اللحاق بفصائل الحركات المسلحة بالخارج، وتكوين تحالف «نداء السودان»، الذى انضم إليه عدد من قوى الإجماع الوطنى، أبرزها حزب المؤتمر السودانى،وأحزاب منشقة عن الاتحادى الديمقراطى الأصل، كما تتوزع أحزاب البعث والناصريين بين التحالفين المعارضين، فضلا عن منظمات مدنية منضوية تحت لواء كونفيدرالية منظمات المجتمع المدنى. 
وفى المحصلة انضوى كل هؤلاء تحت مظلة إعلان الحرية والتغيير الذى طالب بتنح فورى للبشير، وحكومة انتقالية، وتغيير للدستور، ولا يزال ينظم الاحتجاجات فى الشارع بإعلانات من جانب إتحاد المهنيين السودانيين لتحقيق هذه المطالب .
 
رابعا ـ الموقفان الدولى والإقليمى من الحراك الاحتجاجى: 
يلعب الموقع الجيوسياسى للسودان دورا حاسما فى تشكيل الموقفين الإقليمى والدولى من دعم الحراك الاحتجاجى. فمن ناحية، السودان يتمتع بشواطئ تصل لأكثر من ٦٠٠٠ كيلو متر على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات المائية المؤثرة فى حركة التجارة الدولية وهو بلد متاخم لإقليم الساحل الإفريقى الذى يعانى من إضرابات أمنية، وهو بلد يملك حدوداً مشتركة مع ليبيا ومصر. فى هذا السياق، فإن أى إضرابات مفضية إلى فوضى فى السودان تؤثر فى أقاليم الساحل الإفريقى، والبحر الأحمر، وحوض النيل، وهى تكلفة تبدو باهظة التكاليف. من هنا، فقد تبلور موقف الإقليم فى الضغط من أجل عدم استمرار البشير كرئيس للدولة، لكن مع قيادته لعمليات انتقال هادئة تكون المؤسسة العسكرية السودانية شريكا فيها، استقرت التفاعلات الإقليمية، رغم تناقضاتها المعروفة، خصوصا المترتبة على الانقسام الخليجى على عدم السماح بانتقال سريع، أو يسمح بفوضى فى السودان، وربما هذا ما يبرر تأخر ردود الفعل العالمية حتى على عمليات القمع والقتلى ضد المتظاهرين، حيث برز أول رد فعل دولى فى ٨ يناير، أى بعد 20 يوما من بداية الاحتجاجات من جانب الترويكا الأوروبية وقبلها، بأيام قليلة موقف لمنظمة العفو الدولية.
 
فى الأخير، إن السيناريوهات المطروحة لمسار الاحتجاجات فى السودان تبدو مرتبطة بتوازنات الصراع الداخلى الراهن، ومدى قدرة الاحتجاجات الشعبية على بلورة أجندة التغيير والتفاوض عليها، وفقا لمنظومة متماسكة.
 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة