رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

قضايا مصرية

 جواز السفر الموسيقى:

 

 فى طريق عودتى إلى الوطن، وعلى متن طائرة مصر للطيران، كانت سماعات الطائرة تصدح بإحدى مقطوعات الموسيقار عمر خيرت الشهيرة ذات الألحان الشرق/غربية المميزة، باستخدامه المتفرد لألوان التوزيع الأوركسترالى فى مزيج متداخل من الإيقاعات والآلات الشرقية والغربية. وإلى جانب شعار إله الشمس عند قدماء المصريين، «حورس»، المتطلع إلى المستقبل وغيرها من الرسومات الفرعونية على جدار الطائرة من الداخل، بدت لى موسيقى خيرت جزءا لا يتجزأ من التعبير عن هوية شركة الطيران، وربما هوية موسيقية مصرية ما.. لماذا لم يقع الاختيار على عبد الوهاب أو أم كلثوم؟ هكذا تساءلت! اهتديت إلى إجابة طرحت بدورها أسئلة متعاقبة لا زالت تلاحقنى.  كانت الإجابة ببساطة أن عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم، وسائر الملحنين والمطربين المصريين هم «بطاقة شخصية» داخلية تحمل معنى الهوية الموسيقية فى الداخل، بينما عمر خيرت، أو هكذا تراه الشركة، ممثلة فى صاحب اتخاذ قرار الاستعانة بهذه الموسيقى، هو «جواز سفر» خارجى، يراه صاحب القرار، حتى لو كان موظفا بسيطا تصرّف من واقع خبرته وخلفيته الموسيقية والثقافية، تصرفاً لائقا بالتعبير الثقافي/الموسيقى عن مصر فى الخارج.

 ثقافة العشوائيات:

 فى 3 نوفمبر من العام 2018، خرج علينا المطرب الشعبى (وتحديدا مطرب موسيقى المهرجانات) مجدى مختار الشهير بـ «مجدى شطة» بمقطع فيديو مصور على موقع فيسبوك مدته ٣٧ ثانية ليعلن بكل قوة أنه لن يذهب إلى حفل «حمو بيكا» المقام فى الإسكندرية يوم الجمعة، بينما يحاول الأخير أن يسرق منه «الفانز» (المعجبين)، ويؤكد شطة أنه سوف يكون فى القاهرة لارتباطه بحفلات فى ترعة الغزالى بحى المطرية بالقاهرة. حظى هذا المقطع بمشاهدات تخطت حاجز المليون مشاهدة عدة أيام، ودخل المستخدمون من كل حدب وصوب، ليتعرفوا على قصة «مجدى شطة وحمو بيكا»، وليتعرفوا بالتوازى عن قرب على ثقافة المهرجانات، التى سادت وذاع صيتها فى الفترة الأخيرة، وسلط الإعلام داخليا وخارجيا الضوء عليها بوصفها ظاهرة فنية أثارت إعجاب البعض، وسخط البعض الآخر، وتساؤلات لا تنتهى حول الفن، والموسيقى، والهوية الموسيقية، وعلاقتها بالنسق الاجتماعى والخريطة الطبقية والجغرافية للمجتمع المصرى.  لم تتوقف شهرة مجدى شطة عند هذا الحد، وإنما وصلت إلى نقيب الموسيقيين الفنان هانى شاكر، الذى شعر بمسؤوليته المباشرة عما يراه «إسفافا» و«سقوطا مدويا» لقيم وأصول الفن الرفيع، فلجأ النقيب إلى سلطة الأجهزة الأمنية لتمنع هذا النوع من الثقافة «الضارة» بالمجتمع.

«دمقرطة» الثقافة:

 أثناء ترجمتى لأحد الأدباء الروس عام 2010، أطلق تصريحا وجدته آنذاك قاسيا وفجا، لكنه كان واضحا ومحددا: «إن دمقرطة الثقافة هى طاعون القرن العشرين». كان عليَّ أن أعبر سنوات من التضخم الشديد لنطاق تأثير مواقع التواصل الاجتماعى، وتحديدا فيسبوك ويوتيوب، وكان على أن أشاهد بأم عينى ثورتين خرج فيهما الشعب المصرى، وكل ما صاحبهما من ظواهر إعلامية وفنية وثقافية، وسائر مقاطع الفيديو، والأغانى الثورية والوطنية والحماسية والرسمية، التى أثرت ليس فى الواقع الثقافى والإعلامى فحسب، وإنما تخطى أثرها ليشمل السياسة الإقليمية والدولية. كان لابد أن يتبدى أمامى واضحا ما يمكن أن تحدثه مواقع التواصل، و«دمقرطة» الثقافة من تأثير مهول على وعى الجماهير والمشاهدين من جميع الأطياف والطبقات ومشارب الحياة، وكان على أن أرى موسيقى وثقافة المهرجانات تعزّز من حضورها وتأثيرها فى الساحتين الفنية والثقافية. لقد أصبحت تلك الثقافة جزءا لا يتجزأ من الخريطة السمعية والبصرية فى المسلسلات التليفزيونية والأفلام السينمائية، أصبحت سفيرا ثقافيا وفنيا لواقع العشوائيات بكل ما يحمله من نقص  فى الموارد، وغياب أو انهيار فى البنى التحتية، والخدمات والمرافق، والمسكن الصحى الملائم، والتهوية، وما صحاب ذلك من آليات وهياكل مجتمعية جديدة، ذات علاقات وقيم ومبادئ وقوانين أخلاقية جديدة، وإنسان مصرى جديد، على هامش المجتمع، بعيدا عن المركز، وبعيدا عن السلطة، يخوض معاناته اليومية مع الحياة، والذى يسعى فحسب إلى البقاء. 

  جاء انفتاح «السداح مداح»، بالتوازى مع ظهور تكنولوجيا الكاسيت، والفيديو، وازدهار المسرح التجارى، والملاهى الليلية فى شارع الهرم، بطابور طويل من المطربين والفنانين وأنواع الفن التى تستهدف استغلال الموهبة، وحرفة الموسيقى والفنون بجميع أنواعها فى الحصول على لقمة العيش على كل المستويات. جاء ذلك عقب انسحاب جزئى  من جانب الدولة فيما يخص الرقابة، فى ظل مناخ من «الحريات»، والانفتاح، واقتصاد السوق. فى تلك اللحظة التاريخية ظهر أحمد عدوية، رمزا للمرحلة.. وهو مطرب شعبى أصيل، يمتلك ناصية الموسيقى، ذو صوت رخيم، ومضمون واضح ومحدد، يخاطب طبقات بعينها.  وبغض النظر عن اختلاف أو اتفاق المثقفين مع رمز عدوية، إلا أنه كان بحق ممثلا للطبقات المتوسطة، والشعبية وما دونهما. كان التضخم مروعا، وتفسخت الطبقات بشكل كبير، وعبر ملايين المواطنين حاجز الطبقة المتوسطة، ليستقروا فى مناطق شعبية ولتتحول ثقافة الأجيال الجديدة من أبنائهم إلى ثقافة أخرى غير ثقافة الستينيات بما كانت تحمله من قيم العمل والإنتاج والوطنية, التى كانت الحروب الخارجية، وما صحبها من فن رسمى موجّه، تشحذها.

  «ثورة التطوير والتحديث فى مصر»:

هو المصطلح الذى ارتبط بتصريح رجل الأعمال أحمد عز، عن مفجر هذه الثورة جمال مبارك نجل الرئيس الأسبق، والذى بدأ مع رفاقه من الاقتصاديين ومؤسسى «جيل المستقبل»، و«الفكر الجديد» للحزب الوطنى الديمقراطى، توجها لخصخصة، وبيع القطاع العام، وانسحاب الدولة لمصلحة القطاع الخاص، فظهرت طبقات، ومجتمعات جديدة، وحدث تشرذم واسع فى المجتمع المصرى، بحيث أصبحت تولد على نفس الأرض المصرية أجيال لم يعد يتسنى لها رؤية الطبقات الأخرى أو مشاركتهم فى أى من قطاعات الدولة، سواء على مستوى قطاعات التعليم، أو الصحة، أو البنية التحتية، وبالتالى، وبطبيعة الحال، على مستوى قطاعات الثقافة والفنون. ومع امتداد الطرق، وتضخم العاصمة وسائر المدن الكبيرة، دخل إلى قاموس المجتمع ثقافة المستعمرات «الكومباوند»، والمجمع التجارى «المول»، ومعها دخل إلى القاموس أنواع من الفنون لتشبع الحاجات الفنية لدى تلك المجتمعات الجديدة، فى الوقت الذى تخضع فيه مجتمعات أخرى فى المدينة والعشوائيات والريف إلى مؤثرات مختلفة بالكامل، تتنوع بين موسيقى المهرجانات، وما يعد اليوم «تقليديا» و«محافظا»، مثل شعبان عبد الرحيم وعبد الباسط حمودة من جانب، ورمز «الأسطورة» محمد رمضان، الذى نحت بعناية شديدة، نموذج البطل الشعبى القادم من جذور أرض الوطن.

 أصبح واقعنا الموسيقى الراهن انعكاسا صادقا لما حدث من انتشار لثقافة العشوائيات، ودمقرطة الثقافة، والتفسخ الطبقى وتداعياته، وثورة التطوير والتحديث وما تلاها من تقطع أوصال اللُّحمة المجتمعية للأمة المصرية، فتقطّع الواقع الموسيقى الراهن بين الدولة الرسمية التى ترعى وتبارك توجهات مثل عمر خيرت من جهة، والفنون الشرقية الأصيلة، ممثلة فى التراث الشرقى من جهة ثانية، وممثلى جيل المخضرمين أمثال عبد الحليم حافظ، وصولا إلى الفرق الجديدة فى وقتها مثل «المصريين» و«الفور إم» ومحمد منير وعمرو دياب، من جهة ثالثة، والفرق الجديدة لـ «الأندرجراوند» من مسار إجبارى وكاريوكى واسكندريلا، مرورا بشعبان عبد الرحيم وعبد الباسط حمودة، وانتهاء بمجدى شطة وحمو بيكا وسائر موسيقى المهرجانات من جهة رابعة وأخيرة. فى ذلك الخضم الواسع والمتنوع والمتناقض فى الكثير من مواضعه، تبحث الأمة المصرية، عن أرضية مشتركة، وهوية قومية جامعة تربط أوصال مجتمعها، وترتبط بوجودها وبتاريخها وبجغرافيتها، وتعبّر عن ثقافتها وهويتها،  فى الوقت الذى يعبّر فيه عمر خيرت عن ثقافة شريحة بورجوازية رقيقة لا تقدر بنسبة، وإنما بأعداد، وتعبّر فيه الفرق الشرقية الأصيلة المتمسكة بأصول التراث والتقاليد الشرقية المحافظة العريقة، والتى تلاقى دعما من مؤسسات الدولة عن توجهات رسمية فوقية تفرضها اللوائح والقوانين، وأوامر المديرين والرؤساء وخريجى الأكاديميات الفنية، ويعبّر فيه جيل المخضرمين من المطربين عن مصالحهم المادية قبل الفنية، متعاقدين مع أكبر المنتجين من أجل شريط هنا، وزفاف هناك، وجولة فنية خارجية. وأحيانا ما يستخدم هؤلاء فى مهام رسمية لترسيخ رسالات رسمية، تذاع بكثافة على مختلف وسائل الإعلام. وتعبّر فيه فرق «الأندرجراوند» الحديثة عن شباب البورجوازيين والطبقات المتوسطة الذين ينظرون إلى المشهد الفنى الداخلى، وعينهم وواقعهم وتربيتهم وثقافتهم تطل على المشهد العالمى، فتلبّى تلك الفرق بأنماطها وقوالبها ومضامينها ومفرداتها الموسيقية الغربية احتياجات هذه الطبقة، فنسمع ألحان «الأندرجراوند» وصياغتها الغربية تتغنى بالعربية، وتطرح قضايا مصرية، ويعبّر فيه المطربون الشعبيون عن مصالح طبقاتهم الفقيرة المعدمة، فينحازون لقضاياهم، مع استخدامهم من قبل الدولة أحيانا فى تمرير رسائل أبوية بناءة. أما العشوائية الثقافية،  التى تمثل قطاعا كبيرا ومؤثرا من أهالينا المعدمين والمهمشين والمهملين، فهم يتعاملون مع الفن بوصفه ضرورة حياة، فى ظل ظروف معيشية صعبة، لكن الإبداع المصرى والرغبة الجامحة لممارسة الفنون والتعبير عن الذات.. أى فنون وأى ذات، تدفع بأبناء تلك الطبقة إلى مواقع التواصل الاجتماعى المتاحة والمفتوحة لكل البشر حول العالم، بعد أن لفظتهم الدولة ومؤسساتها، للتعبير عن هويتهم الثقافية والفنية. وأصبح هؤلاء ضيوفا على أرقى فنادق العاصمة وخارجها، فيما تستخدمهم طبقات أخرى بوصفهم «مقبلات ومشهيات فنية»، يتلمّزون ويسخرون منهم أحيانا، ويتندّرون بمضمون أغانيهم التى تبدو كأنها من عالم آخر.

 إلا أن هذا العالم الآخر قد جاء ليسود. فحالة الهيستيريا والرقص الجنونى، وحالة اليوفوريا المرتبطة بارتفاع مستويات الصوت إلى ما فوق طاقة الأذن البشرية.. بل قل ذلك الذوبان المؤقت بين الطبقات المتناقضة والمتصارعة، كل ذلك يجسّد سمة العصر، ليس فى مصر وحدها، وإنما على مستوى العالم، بعدما أصبحت دمقرطة الثقافة بحق واقعا نعيشه جميعا، حيث أصبحت تسيطر على عناوين الأخبار الفنية آخر تطورات المعركة بين حمو بيكا ومجدى شطة.

 فى رحلتى القادمة على مصر للطيران، لن أندهش أو أتوقف كثيرا إذا ما استمعت أثناء صعودى الطائرة إلى موسيقى المهرجانات، تعبيرا عن إحدى «الهويات الثقافية الواقعية الراهنة» للمجتمع المصرى.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة