رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

قضايا مصرية

لا يمكن تخيل القاهرة  بدون مقهى،  أو هكذا أظن  فهى واحدة من مدن عربية قليلة نهضت من أفق الحكايات ذات الطابع الأسطورى، واستمدت جوانب من ألقها ،استنادا إلى صور متعددة  كان المقهى فيها أحد أبرز العلامات  التى تشير إلى أنها  أقامت تاريخها على  (هبة التعددية)  وهذه الهبة  يراها المعنيون بشئون العمارة  السمة البصرية  الأبرز للقاهرة التى اعتزت دائما بقدرتها على امتلاك (هوية مرنة) تستوعب الجميع.

ولا أحد  بإمكانه اليوم أن يعرف ما إذا  كانت القاهرة مدينة «سعيدة أم تعيسة» ؟! فظاهر الأشياء يشير إلى أن التاريخ عاملها بكرم بالغ، وأتاح لها ما لم يتح لغيرها من المدن المجاورة . لكن هذه الإتاحة اقترنت بحالة من حالات (الاستباحة )، عرَّضت المدينة لدورات متعاقبة من التشوه، صعبت كثيرا من فرصها فى التعافى، وجعلت التاريخ يتجلى كعبء  وليس ميزة فريدة.1

 وفى الخمسين عاما الأخيرة   لم تصمد  المدينة أمام موجات التغيير المتعاقبة، وعانت من زيادة سكانية مطردة غيرت بالضرورة من سلوكيات الناس ووعيهم بالمكان الذى بدأ يتعرض هو الآخر  لاستباحة منظمة  تجلت بوضوح فى المحيط التجارى لمركز المدينة المسمى بـ«وسط البلد» وتتابع حتى بلغ  «مدن الصحراء» التى التفت حول معصمها .

وعبر  تغييرات متلاحقة وسريعة، تم انتهاك هذا الفضاء الساحر لوسط القاهرة، فبعد أن غمر رأس المال  الطفيلى المدينة  سعى لهزيمتها على أكثر من صعيد، لكن الأمر الواضح أنه  ربط قدرته  فى التوسع  العشوائى بنزعة انتقامية واضحة، سعت قدر الطاقة للتخلص من الماضى  بكل إرثه المتنوع  .  

واتسعت المسافة  بين ما كانت المدينة  تملكه من قيم، وما تعيشه من «واقع» قبيح  لم يكن بمعزل عن تخاذل الدولة،  الأمر الذى رشح القاهرة  للانضمام – فى رأيى- لطائفة (المدن المعاقبة)، حيث فقدت إلى - جانب هويتها البصرية - القدرة على الاحتفاظ بفضاءاتها   العمرانية المميزة  وتسابقت علاماتها فى التداعى،  مثل «قطع دومينو» وكان المقهى من أبرز تلك القطع التى تراجعت أمام صعود « الكوفى شوب»  الذى كان ظهوره علامة بديلة وإشارة دالة  على تحول اجتماعى وثقافى وعمرانى شامل خلقته سمات ما بعد الحداثة  التى اكتسبتها المدينة مع تنامى  شقها الاستهلاكى،  متمثلا فى صعود ثقافة « مراكز التسوق» أو «المولات».  وفى هذا العالم الجديد أصبح  الشعار السائد : « أنا أتسوق، إذن أنا موجود « وبدا الشراء هو التعبير المثالى عن الهوية،  انطلاقا من قول شائع هو : « أنت ما تشتريه». وبدلا من التسكع فى مدينة حقيقية وشوارع ممتدة أصبحت  المتعة  هى التسوق داخل فضاء  عمرانى مغلق .

من ناحية، بدأت عبر هذه المراكز عمليات خلق الماضى بشكل حنينى وتشوقى بوصفه شكلا لواقع بديل، واستدعاء لصورة تمتلك سحرها.  لذلك بدأت عملية نسخ لأسماء ورموز منتمية لهذا الماضى المكرس كماض جميل،  حيث تتكرر مسميات ( مقاهى الحرافيش، أو الفيشاوى، والسكرية، وليالى الحلمية ) فى الفضاءات الجديدة .

 ولنا أن نتخيل كيف غذت ثقافة عصر الاتصالات، وواقع العالم الافتراضى من تلك النزعة  الاستهلاكية التى جعلتنا ندفع أموالا لنتسلى باستهلاك تجارب وخبرات غير جديدة،  ولم يعد يوم العطلة  تقليديا سوى مناسبة لزيارة  تلك المراكز أو (الكاتدرائيات الاستهلاكية) وفق تعبير فالتر بنيامين، وأصبحت مواقع أساسية لقضاء وقت الفراغ، ويكفى  معها القيام بالرحلة دون  حتى حاجة للشراء، ولعل السمة الأوضح لهذا التحول هى نزع سبل الارتباط بعادات الماضى كلها بحيث «لم نعد نتوافق مع تقاليدنا المهنية القديمة واخترنا بدلا من ذلك  البحث عن أسلوب حياة جديدة ( لايف ستايل) والانتقال من الجوهر إلى الأسلوب، وأصبح هذا المصطلح رمزا للفردية أكثر من أى شىء  آخر .2

ومن الصعب اليوم حصر عدد المراكز التجارية التى ظهرت فى القاهرة خلال العشرين عاما، وإن كان بالإمكان تقديم إشارات دالة على ميلادها، فقد كان مركز اليمامة سنتر بالزمالك هو أول مركز تجارى يظهر فى عام 1989، وكان ظهوره فى فضاء تقليدى ينتمى للمدينة القديمة أمراً عاديا، مثله مثل المركز التجارى الثانى وهو البستان الذى ظهر فى عام 1991  فى قلب وسط المدينة أو القاهرة الخديوية وفيما يعيش هذان المركزان وضعا بائسا  لوجودهما فى المدينة القديمة تزدهر مراكز تجارية أخرى تتناسل على أطراف القاهرة فى هوامش المدن والتجمعات الجديدة المنسجمة مع هذا الوضع الاستهلاكى، مثل الشيخ زايد و6 أكتوبر والتجمع الخامس .

وفى دراستها المتميزة المعنونة: «خرائط جغرافيا القاهرة للمستهلك»3، تنقل منى أباظة ثلاث إشارات واضحة على ما أحدثته تلك المراكز فى تغيير العلاقات الاجتماعية والإسهام فى تشظيها  تعبيرا عن نمط من الاغتراب  ينسجم مع ما تطرحه ما بعد الحداثة على هذا الصعيد.  وكما تقول «الغربة والوحدة  فى هذا المكان، كانت ملهمة لإعادة ابتكار الفراغات الحضرية، واستعادة ما طرحه المنظِّر الألمانى البارز،  فالتر بنيامين، عن التسكع فى  أبعاده المتعددة» .

 وفى تصورى أن ظهور المقهى فى أوروبا بشكله القديم  (مقاهى الرصيف) لم يكن سوى استجابة لفكرة التجول (التسكع) فى المدينة  التى خلقتها عملية إعادة تخطيط المدن  فى القرن التاسع عشر، ففيما كتبه بنيامين عن تجربة شاعر، مثل شارل بودلير،  ثمة تأكيد على صحة  هذا الارتباط، فمع ظهور عمارة «البواكى» داخل العمارة الفرنسية  اصطفت المحلات التجارية  وأصبح كل رواق تجارى هو مدينة أو عالم مصغر بتعبيره، ففى هذا العالم يكون المتسكع فى داره، فهو يصبح  «المقام الأثير للمتنزهين والمدخنين، والملاذ المفضل لكل أنواع المهن الصغيرة، فالكل هنا يحصل على الدواء الناجع لذلك النوع من السأم،  ولذلك فإن بودلير يقول «أى شخص يستطيع السأم داخل زحام هو أحمق»،  وبالتالى يصبح الشارع  مسكنا للمتسكع الذى يشعر وهو بين  الواجهات أنه فى داره، بينما تكون شارات المحلات البراقة معادلة فى  جودتها كإطار لـ«اللوحات التصويرية» بالنسبة لبورجوازى فى صالونه، والجدران هى الطاولة التى يستند إليها وشرفات المقاهى هى بلكوناته التى يطل منها على أهل بيته»، أو كما كتب بودلير: «إن متعة الوجود فى  زحام هى تعبير غامض عن بهجة ناتجة من تضاعف الأعداد»  .

وعبر أشعاره المستمدة من تلك الحالة تحدث  كثيرا عن حالة الانتشاء الدينى للمدن الكبرى وعن لعنة من  يعيش فى العاصمة، وكذلك عما  سماه «دعارة روح السلعة»  تعبيرا عن كينونة جديدة يكتسبها المتسكع فى قلب السوق حيث يصبح الشخص سلعة  لأنه « قوة عمل» أيضا، وبالتالى ليست به حاجة إلى أن يحدد هوية نفسه على أنه سلعة،  وإنما يتعين عليه أن يترك الزحام يؤثر فيه، وداخل الزحام تمارس  الطبيعة حقها فى المدينة. 4

 وكما تشير أباظة «لا تقوم مراكز التسوق فحسب  بإعادة خلق الهوية، ولكنها تقدم مكونا مستقلا لتشكيلها، وهناك دراسات كثيرة تحاول تفسير الربط ببن الشخصية العرقية والاستهلاك، من خلال الاستخدام المختلف للأماكن العامة،  وموضع للهويات الاستهلاكية والممارسات الثقافية للتسوق. ففى عام 2003 كانت القاهرة تملك 24 إمبراطورية مِن إمبراطوريات الاستهلاك فى المراكز التجارية  التى وفدت لمصر ضمن أنماط من المحاكاة أوجدتها تجربة هجرة واسعة للمصريين سواء للغرب الأوروبى والولايات المتحدة الأمريكية،  أو الاستقرار فى الخليج» .

 ومما لاحظته دراسة أباظة ويمكن مراقبة انتقال تأثيره لـ «الكوفى شوب» داخل هذه المراكز أن أصحاب هذه المحال أو العاملين فيها لديهم أدوات لفرز العملاء  وتقسيمهم طبقيا، عبر الإصرار على الإفراط فى التحدث بمفردات أجنبية تم إقحامها على اللغة العربية، كما يتحدث آخرون عن زبائن «ستايل « لوصف جمهور الأثرياء الذى يرتاد هذه الأماكن مقابل جمهور العامة من «الدهماء». 5

 وبفضل نمو الأماكن العامة الجديدة  التى تيسر من وسائل الاستهلاك بدأت الحاجة لخلق فضاءات  للتفاعل الاجتماعى تعبر عن أفراد يمثلون طبقات مختلفة، فهذه المراكز بطبيعتها ترفع مستوى الطموح والآمال فى نفس الوقت الذى تزيد فيه من مشاعر الإحباط,  فمن المفارقات الدالة أن ثقافة الاستهلاك، كما يقول المنظِّر ما بعد حداثى الفرنسى، جان بودريار، «تؤدى إلى تحقيق التنمية، لأنه فى نهاية المطاف  ينتج عنها الفقر والغنى معا، وبنفس الدرجة من السرعة».

 وكما أوجدت  واجهات المحلات فى باريس القرن التاسع عشر دورا للمقهى أوجدت المراكز التجارية نمطا معاصرا للمقهى هو «كوفى شوب»  التى يبقى فيها الذكور غالبا لقضاء الوقت بالتدخين أو التسلية بالأحاديث، بينما تذهب النساء للمحلات بغرض الاستهلاك.

  وإذا كانت مقاهى القاهرة الخديوية  على الطراز القديم ولدت لمحاكاة  النمط الغربى الفرنسى تحديدا فإن مقاهى الألفية الحالية لم تعد فيها فرنسا هى معيار وأداة القياس  بفضل حمى الاقتداء بالنموذج الأمريكى، وتدريجيا أصبحت هذه الفضاءات متنفسا للشباب. فهى لا تسمح  بالاختلاط  بين الجنسين فحسب، وإنما تضمن أن يتم ذلك فى إطار  ضوابط، وتتيح مساحة لخلق صداقات دون توجس، وربما تشجع على الشعور بأننا فى عالم أفضل. 6

 ومن ناحية أخرى تمنح هذه الأماكن لمرتاديها مسحة من الديمقراطية الاجتماعية عبر التخيل بأننا يمكن أن نختلط كأنداد،  لكن الواقع لا يشير إلى أنها تتيح ذلك تماما. فهى أيضا واحدة من ساحات « الفرز الطبقى «حيث تبدو غالبية هذه المقاهى  مستمدة من نظير غربى أو أمريكى  مثل وأصبح  ارتيادها شكلاً من أشكال التمايز الاجتماعى من ناحية ووسيلة من وسائل الاندماج  مع الثقافة الغربية من ناحية أخرى.

  الملاحظ أن أغلب تلك المقاهى تضع قوائم للمشروبات والأطعمة باللغة الإنجليزية فحسب.  وفى أحسن الأحوال، فإن اللغة المستخدمة هى لغة هجين مما يعطى إشارة ضمنية لرغبة ملاكها فى مخاطبة نوعية معينة من العملاء والزبائن.

ومما  تلاحظه  أباظة  أن نمو هذه المساحات  فى الأحياء التقليدية ارتبط بصعود حركة «الدعاة الجدد «،  وفى سياق  ما تسميه  حركة «أسلمة»  الأماكن العامة التى جرت  فى تسعينيات القرن الماضى  مع صعود الحركات الإسلامية، وتزامنت  وانتجت استراتيجيات جديدة اتخذت أنماطا سلوكية تقوم على تخفيف التشدد فى القواعد بين تجمع  الشباب ضمن إطار المرجعية الإسلامية.

ومما يمكن إضافته فى هذا السياق أن تغييرات سوق العمل فى مصر فى الآونة الأخيرة أوجدت فئة من القادرين على ممارسة أعمالهم  عبر الإنترنت، دون حاجة لدوام وظيفى ثابت، سواء من داخل المنزل أو من داخل الكوفى شوب الذى يوفر خدمة الإنترنت عادة مما يجعل المقهى المعاصر بديلا أرخص من المكتب،  والأعباء التى تستتبع تجهيزه.

مما رصدته الباحثة فى معهد هولندا الملكى لدراسات منطقة جنوب آسيا والكاريبى،  الهولندية  آنوك دى كونينج، التى كانت تعمل على إنجاز رسالة دكتوراه من جامعة أمستردام  عن «أحلام العولمة، المكان والطبقة فى القاهرة: «إن  تلك المقاهى الراقية يمكن عَدَّها ظاهرة حديثة نشأت مع الألفية الثانية،  لكنها البرغم من حداثتها أصبحت جزءا من الروتين شبه اليومى للكثير من شباب الطبقة الوسطى العليا فى القاهرة، ويشار لهذه الأماكن بـ«الكوفى شوب» تمييزا لها عن المقاهى «البلدى» التقليدية،  وهذه المقاهى الحديثة هى أيضا بخلاف كونها نقطة لقاء، فهى علامة اجتماعية على انتماء معين، وبفضلها بزغت «ثقافة جديدة» للتنزه،  وبفضلها أيضا  أتيحت للنساء والفتيات فرصا للبقاء لفترة أطول خارج البيت.  وكان «حضور النساء أو الفتيات فى تلك المقاهى هو أحد الملامح المذهلة  للحياة الاجتماعية الجديدة المختلطة، التى لاحظتها كونينج، بينما كان الأمر مختلفا فى الماضى، حيث كان وجود النساء فى الأماكن العامة يحاط دوما بعلامات التحفظ والاعتراض، وأحيانا إثارة الشكوك.7

وقد أتاحت تلك الأماكن  للنساء  فرصة لإتاحة حياة اجتماعية خارج العائلة،  ونجحت كذلك  فى إرساء مشاعر الانتماء لعالم خاص تفادت فيه الارتباط بنمط الترفيه غير المقبول، فعدم وجود مشروبات كحولية أبرز «كوفى شوب» كفضاءات اجتماعية آمنة للتواصل الاجتماعى بين الجنسين.

وتستكمل آنوك دى كونينج ما لاحظته منى أباظة بشأن دلالة  استخدام لغة أجنبية أو لغة هجين داخل هذه المقاهى بحسبانه دلالة على وجود شرخ عميق داخل  ممثلى هذه الطبقة التى تريد عزل نفسها عن البيئة المحيطة،  سواء عبر السكن فى المنتجعات،  أو التحصن داخل مساحات مغلقة حتى  فى لحظات التنزه وتزكية الوقت ويزيد من هذا الانطباع وجود نظام «الحد الأدنى من المشروبات» minimum charge، وهو وسيلة زجر وإبعاد وانتقائية طبقية تسهم فى تحديد  وصناعة «سمعة المحل ».

 الهوامش:

1 ــ من مقال للكاتب  بعنوان « المتشبثون بالإقامة» ضمن كتاب مصور تحت الطبع لصالح شركة الإسماعيلية.

2 ــ دليل ما بعد الحداثة، الجزء الأول ما بعد الحداثة وتاريخها وسياقها الثقافى،  تحرير ستيورات سيم / ترجمة وجيه سمعان 2011، ص 88.

3 ــ  القاهرة مدينة عالمية..عن السياسة والثقافة والمجال العمرانى، شرق أوسط جديد فى ظل العولمة،  تحرير: دايان سينجمرمان، وبول عمار:  ترجمة: يعقوب عبد الرحمن، المركز القومى للترجمة ٢٠١٥ ، ص 390.

4 ــ  فالتر بنيامين، شارل بودلير شاعر غنائى فى حقبة الرأسمالية العليا، دار ميريت، 2004، ترجمة أحمد حسان، ص 35 ومابعدها

5 ــ دايان سينجمرمان، وبول عمار، القاهرة مدينة عالمية..عن السياسة والثقافة والمجال العمرانى، مرجع سابق، ص 393.

6 ــ  المرجع السابق، ص 369.

7 ــ المرجع السابق، ص . 403

 

 


 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة