رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

قضايا مصرية

كثيرًا ما نتحدث عن تغيرات جذرية تحدث فى المجتمع على إثر الانخراط الشديد فى عالم العولمة، وما يفرضه من انغماس شديد فى ثقافة الاستهلاك، والخضوع المتجدد لأساليب جديدة فى الاتصال، وسرعة انتقال البشر والأشياء والأفكار، عبر الفضاءات العالمية المختلفة. والحقيقة أن ثمة وجهًا آخر لهذا التغير لا يلقى نفس الاهتمام من الدرس البحثى، ذلك هو التغير فى عالم العمران، وتفاعلاته مع العوالم المتجددة للبشر. فقد صاحبت العولمة سرعة كبيرة فى تنقلات البشر عبر المكان، كما صاحبتها تمددات ضخمة فى العمران الريفى والحضرى، بحيث تلاشت إلى حد كبير الفروق الريفية الحضرية، وبدت على وجه العمران هنا، وهناك أشكال عديدة من التشوه العشوائى. 

على هذه الخلفية، تفترض هذه الورقة أن التغيرات التى حدثت فى وجهى العمران الريفى والحضرى لم ترتبط فقط بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التى شهدتها العالم، أو شهدتها مصر منذ منتصف السبعينيات، إنما ارتبطت أيضًا بالتغيرات فى بنية الطبقة الوسطى، وفى ثقافتها. لقد تحول الاقتصاد تحولًا جذريًا نحو سيطرة اقتصاد السوق، وتركت كثير من الأمور تتغير دون رقابة، وتحول سوق العقارات إلى سوق تتصدر كل الأسواق نموًا وريادة، وتزايدت معدلات الهجرة إلى الخارج ، وما يترتب عليها من تراكمات مادية أسرية، وأثرت هذه التغيرات فى بنية الطبقة الوسطى وثقافتها، فقد تغيرت ثقافتها نحو مزيد من التباين الداخلى (انحدار فئات إلى أسفل، وارتفاع فئة قليلة إلى أعلى، وبقاء فئات قليلة فى المنتصف)، كما تغيرت ثقافتها التى مالت نحو الانكفاء على الذات، وإعلاء المصالح الخاصة مقابل المصلحة العامة، واللامبالاة تجاه المشاركة الاجتماعية والتشبيك العام (انظر كتابنا حول رأس المال الاجتماعى لدى الشرائح المهنية من الطبقة الوسطى، مركز البحوث الاجتماعية، جامعة القاهرة، 2006). لقد صاحب هذه الثقافة انخفاض كبير فى الاعتبارات الجمالية للعمران، بل إنها هى نفسها قد أنتجت نمطًا من العمران يمكن أن نطلق عليه «العمران التجارى» أو «عمران الخوف والقلق»، فهو تجارى لأنه مادى صرف لا ينظر إلى الاعتبارات الجمالية إلا فى النذر اليسير، وهو خائف قلق لأنه لا يمتلك يقينًا فى المستقبل، ويعتمد على ثقافة التقليد السريع، وجله لا يلتزم التزامًا صارمًا بالمعايير القانونية والتنظيمية. على هذه الخلفية سوف يلقى المقال نظرة على العمران الريفى والحضرى، مركزاً على سمته العشوائى، وانحدار مستوى الحضرية فيه.

أولًا ــ القرية المصرية: تحول قلق وتحضر عشوائى:

لا بد أن نقر بداءة بأن القرية المصرية لم تعد متجانسة كما كانت من قبل، فقد انفتحت على العالم انفتاحًا كبيرًا، وأصبحت العلاقة بينها والمدينة مفتوحة، لا بل العلاقة بينها والعالم بأسره أصبحت مفتوحة. فأنت لا تستطيع أن تدخل فى حديث ما داخل القرية دون أن يأتى ذكر السفر. فأعداد المسافرين إلى الخارج فى دول الخليج، ودول عربية وأوروبية تتزايد يوماً بعد يوم. ولم تعد القرية تعتمد على إنتاجها من المحاصيل، بل أصبح جل اعتمادها على ما يأتيها من الخارج من أرصدة مادية، يعاد تدويرها داخل القرية، فتصنع للقرية حياة جديدة مختلفة ومن ناحية أخرى، لم تعد القرية متجانسة فى سكانها، فقد تشكلت فى القرية طبقة وسطى محددة المعالم من الموظفين، ورجال الأعمال، والتجار الذين أسهموا بأساليب حياتهم المختلفة فى تبديل حياة القرية الاجتماعية والثقافية. ولعل هذا التغير، إلىجانب التراكمات المادية الناتجة عن السفر، هو الذى أدى إلى هذا التمدد العمرانى الذى يحيط بالقرية من كل جانب، ويمتد إلى الأراضى الزراعية المجاورة مخترقًا لها، ومنذرًا بمزيد من التمدد فى المستقبل. ويتوازى التمدد مع نمط حضرى من العمران، يتمثل فى المبانى متعددة الطوابق، والفيللات، والبيوت ذات الطرز الحديثة، التى تتخللها المساجد ذات المآذن التى تتنافس فى ارتفاعها، وما تحمله من أنوار ذات ألوان متعددة، وما تحمله أيضا من مكبرات الصوت التى تسهم جميعا فى تذكير الناس بمواعيد الصلاة، وفى الإعلان عن حالات الوفاة وبعض الشئون العامة.

مقابل نمو الطبقة الوسطى القروية، يتزايد حجم الطبقة الفقيرة الناتج عن تكاثر سكانى كبير، وندرة كبيرة فى الموارد. ويلاحظ من يسعى فى شوارع القرية كيف تتجلى هذه المستويات من الفقر، وكيف تتقاطع مع طموحات الفئات الوسطى الناشئة فى إطار ثقافة متغيرة. سوف يأخذنا السعى إلى أن نقابل جموعًا من البشر يفوق الحد، وسوف نلاحظ هذا العدد من السيدات اللائى يكسبن قوت يومهن من بيع القليل من الخضراوات والفاكهة، وهذا العدد من محلات بيع السلع المختلفة، وذاك العدد من محلات بيع أدوات البناء، بحيث يبدو الأمر وكأن كل فرد فى القرية يبحث عن عمل إضافى.  كما سوف نلاحظ هذا الصخب الذى يصدر عن هذا العدد الكبير من الدراجات النارية، وسيارات النقل والجرارات الزراعية، وهو صخب يتقبله أهل القرية دون كثير عناء، رغم أنهم يتبارون أيضا فى صناعة مطبات على الطرق والشوارع الرئيسية. كما سنلاحظ أيضا هذا العدد الكبير من الأطفال والشباب حديثى السن الذى يجوب الشوارع لعبًا ولهوًا، أو انتظارًا وتسكعًا، وهذا العدد الذى يخرج كل صباح من القرية متجهًا إلى المدينة، أو إلى الأسواق القريبة. وإذا ما استيقظ المرء باكرًا، فسوف يرى ما تشهده القرية فى فجرها من جلبة تبدأ مع السيارات التى تقل عمال وعاملات يعملون فى المزارع الصحراوية فهذه سيارة تحمل فتيات صغار السن يتشحن بالنقاب لكى لا يعرفهن أحد، وتلك سيارة أخرى تحمل شبابًا وأطفالاً يفخرون بأنهم شبوا عن الطوق، وأصبحوا قادرين على العمل. وما أن تتحرك السيارات خارج القرية حتى تدب فى القرية حركة أخرى تتمثل فى أطفال يخرجون من المنازل هنا وهناك، متجهين إلى حيث توزع أنصبة الأسرة من الخبز، أو إلى بائعى الفول والفلافل (الذين يتكاثرون فى القرية بشكل عام)، لكى يجلبوا للأسرة إفطارها. وإذا شاء القدر أن تحضر أحد الأفراح، فسوف تلمس هذه المبالغة الشديدة فى طقوس الزواج؛ فالتنافس على أشده فى المهور، وفى كميات الذهب الذى يجب أن يهدى إلى العروسة، وأنواع المفروشات والأجهزة التى يجهز بها العريس مسكن الزوجية. ويصاحب ذلك مبالغات من نوع آخر، كالمبالغة فى الاحتفال بشاب حصل على منصب رفيع (فى النيابة أو الشرطة)، حيث تقام احتفالات الطعام، وتقديم التهانى للأهل، وأحيانا فى إقامة المآتم؛ والمبالغة فى استخدام الألقاب فى الخطاب. فضلًا عن ذلك جميعاً، فسوف لا يستريح النظر، وهو يرى الترع وفروع النهر، وقد امتلأت بالمخلفات الزراعية وغير الزراعية، ولن يستريح أيضًا، وهو يرى الشارع القروى، وقد تحول إلى بيئة غير مواتية للسير فيه من فرط التدخلات الفردية فى مجرى الشارع واستواء أرضه.

وتنبئ هذه الملاحظات عن حال القرية والتغيرات التى طرأت عليها، كما تنبئ عن ثقافتها الجديدة التى نزعت روح القروية ولبست روح المدينة بنمط تحضرها السريع، ونمط عمرانها العشوائى.  تبدو الحياة هنا وقد أصابها مَسْ السرعة والقلق، ولقد انتهت حياة الهدوء والبساطة الريفية، وبدت الحياة كأنها تسير إلى صخب وجلبة، يصاحبهما أشكال من التباين وعدم التجانس الذى يسم الحياة الحضرية، كما يصاحبهما صنوف جديدة من الاستهلاك، ومن التحايل على مشقة العيش من ناحية، أو المبالغة فى إظهار الرموز الطبقية الجديدة من ناحية أخرى. ومن المتوقع أن ينعكس هذا الوضع على نمط العمران الريفى الذى يكشف عن أهم خصائصه فى تمدده السريع. فقد تضاعف حجم القرى، وتوسعت توسعًا كبيرًا فى المحيط الزراعى الذى حوَّلها إلى درجة أن بعض القرى قد اقترب من البعض الآخر أو التصق بها. ويتخذ هذا التوسع العمرانى نفس النمط الحضرى العشوائى.  فلا خطة هنا ولا هدف، كل فرد يفعل ما يحلو له فى اختيار شكل البناء ولونه. هذا يأتى بتصميم من الخليج، وذاك يأتى بتصميم من إيطاليا، وثالث يصمم منزله بنفسه، ورابع يلجأ إلى مهندس محلى، وخامس يلجأ إلى صاحب خبرة من أهل القرية فى هذا المجال، وسادس يعيد البناء على النمط المعمارى القديم. يحدث هذا داخل القرية ذاتها، وفى تمدداتها فى محيطها الزراعى، فتكون النتيجة كتل من البناء الصامت غير المتجانس الذى يعبر عن صور مختلفة من الذائقة الجمالية. وقد يتخلل المحلات التجارية، والأنشطة الاقتصادية الخدمية الجديدة قليل من المقاهى، والمطاعم، وصالونات الحلاقة..إلخ، الأمر الذى يزيد الصورة تعقيدًا وعشوائية.

مجمل القول هنا، أن هذه التغيرات تتكاثف إلى جانب بعضها بعضاً لتخلق عالمًا جديدًا لا هو بالقرية، ولا هو بالمدينة، عالم تختلط فيه الألوان والمشاعر والأهواء، عالم يكافح من أجل الحياة؛ ومن أجل البقاء بأساليب مختلفة، وطرائق متناقضة تتدفق كل يوم بتراكمات جديدة ودماء جديدة، ولكن هل تنقل تلك التراكمات وذاك والدم القرية إلى مستقبل جديد. قد لا يتفاءل المرء بعشوائية التغير وعدم اتساقه، كما قد لا يتفاءل بالنزوع المادى المصفد الذى تتجه إليه حياة القرية، وقد لا يتفاءل بشكلانية الحياة وعدم عمق معانيها، ولكن كل هذه الجوانب لا تدعو إلى القلق كثيرًا،  إذا ما وضعت فى ظروف التغير العامة فى المجتمع المصرى.  ولكن القلق الأكبر قد يأتى من أن كل هذه التغيرات الخارجية، وما يصاحبها من اهتمام بالتعليم والحرص عليه، تتزامن مع زيادة التوجه نحو عالم الخرافة، والغيبيات الأسطورية؛ فكل المشكلات والكوارث التى تلحق بهم مصدرها الحسد، والبغضاء، والعين الشريرة، ومصدرها السحر والشعوذة وقوة عالم الجن. أما الخير، فإنه لابد أن يحصن ضد العيون الراصدة والحاقدة. تبدو الحياة هنا مليئة بتناقضات ثقافية لافتة للنظر (خوف وتوجس من الحسد والعين الشريرة، ومبالغة شديدة فى المدح والتقارب عبر الكلام، ومبالغة شديدة فى التفاخر، وإعلاء رموز المكانة والسلطة). ماذا عسانا أن يكون المستقبل إذاً؟ ولمن يكون الشارع؟ ألا يشكل المشهد الذى أمامنا خوفاً من تدفق الغريزة وتصادم الأجساد التى ترفع مهمتها نحو السلطة، والمكانة، والاستهلاك، وتضع عقلها حيث تكون الخرافة، والسحر، وعالم الغيب الأسطورى.  وعند هذه النقطة يغدو الحديث عن المستقبل مطروحًا لأى احتمال...

ثانيًا ــ المدينة: عمران الطبقة الوسطى ازدهارًا وانكسارًا:

إذا انتقلنا إلى أحوال المدينة المصرية، فسوف نصادف صورة أخرى من النمو الحضرى العشوائى الذى يحول المدينة إلى ركام من العمران الذى لا لون له ولا هوية. ونفترض هنا أن التمددات العمرانية للمدينة المصرية كانت تتوازى مع تمددات طبقية فى تركيبها الحديث والمعاصر، تحيط به أنماط من العمران تعكس من ناحية، التداخلات بين الطبقة الوسطى والطبقة العاملة، وتعكس ــ من ناحية أخرى ــ التداخلات بين الطبقة العاملة وجموع المهاجرين من الريف ممن ينخرطون فى أنشطة مختلفة فى القطاعين الرسمى وغير الرسمى.  لقد عكس العمران الحضرى هذه الأطياف الطبقية المختلفة، وتداخلت أطرافه، كما تداخلت أطراف هذه الجماعات الطبقية.

ومن ناحية أخرى، فقد عكس العمران الحضرى ثقافة هذه الطبقات، خاصة ثقافة الطبقة الوسطى، التى تميل الطبقات الأخرى إلى تقليدها. فقد ازدهر العمران الحضرى، عندما كانت هذه الثقافة مزدهرة، مع نهضة الطبقة الوسطى، وصفاء ذوقها والتفافها حول مبادئ وقضايا عامة، وتدهور هذا العمران وجنح نحو العشوائية والتريف، مع تدهور ثقافة الطبقة الوسطى، وجنوحها نحو التفكك، والتفافها حول مصالح شخصية ومادية ضيقة. وسوف نحاول فى هذا الجزء أن ندلل على هاتين الفرضيتين، من خلال اقتراب إمبيريقى من مدينة القاهرة كنموذج للمدن المصرية.

1 ـ القاهرة: عمران الطبقة الوسطى والجماعات الطبقية المحيطة

لقد كانت القاهرة (أسسها المعز لدين الله الفاطمى عام 969 بعد أن توطدت أركان الدولة الفاطمية فى حكم مصر) من أهم الحواضر فى العالم الإسلامى. فهى عاصمة مصر، البلد الذى يقع فى قلب الدنيا، وهى مكان للحكم والإدارة لعدد من الخلافات الإسلامية، وهى عاصمة البلد الأغنى والأوفر سكانًا، والأقدم حضارة بين البلدان التى شكلت العالم الإسلامى.  ويمكن أن نتعرف على مكانة القاهرة وحضورها التاريخى من أوصاف المؤرخين لها. فقد وصفها ابن خلدون فى القرن الرابع عشر بأنها «حاضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم من البشر، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام وكرسى الملك، تلوح القصور والأواوين فى جوه، وتزدهر الخوانق والمدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه». كما وصفها ابن بطوطة فى ذات القرن بأنها من «البلاد الأريضة المتناهية فى كثر العمارة المتناهية بالحسن والنضارة» وهى «مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر».

إن هذه الأوصاف تكشف حال القاهرة فى المجتمع التقليدى بوصفها حاضرة عامرة، دالة بشكل كبير على حال المجتمع المصرى.  ولقد ظلت القاهرة فى المجتمع الحديث تعبر عن هذا الازدهار، بل إن التحول العمرانى الذى حدث بها إبان القرن التاسع عشر، بتأثير من السياسات العمرانية للخديوى إسماعيل ( 1830 - 1895) قد حولها إلى حاضرة حديثة تضم المدينة القديمة التى تمتد من جنوب القاهرة إلى شمالها الشرقى، والمدينة الحديثة التى تضم سكن الطبقة الوسطى الناشئة والتى تجمل مركزها بعمارات بنيت على طراز أوروبى متميز، وشوارع واسعة، وأسواق تجارية حديثة.

لقد ظلت القاهرة تتنفس شهيقًا وزفيرًا مع كل تغير يطرأ على المجتمع. فمع قدوم الاستعمار، والتوسع فى الأجهزة البيروقراطية للدولة، واشتداد عود الطبقة الوسطى التى بدأت مع مطلع القرن تضطلع بدور فى عمليات التحديث، كان من الطبيعى أن تتمدد القاهرة الخديوية فى أحياء جديدة تناسب تطلعات الطبقة الوسطى التى أصبحت أكثر قوة مع بداية القرن العشرين. فقد كانت الأحياء المتميزة لسكنى هذه الطبقة هى التى توجت التمددات العمرانية للمدينة مطلع القرن العشرين، حيث نشأت أحياء مصر الجديدة، والزمالك، وجاردن سيتى والمعادى. 

لكن التحول الكبير قد جاء مع بداية ثورة 1952، التى فتحت أفقًا لتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى وتضخمها، من خلال التوسع فى التعليم العام والتعليم الجامعى وضمان مجانيته، وكذلك التوسع فى التوظيف الحكومى لخريجى الجامعة، والتوسع الصناعى فى منطقتى شبرا وحلوان. أدى كل ذلك إلى وجود طلب كبير وملح على السكن داخل المدينة، فكان التوسع العمرانى ضروريًا. وبدأ التمدد غربًا فى منطقة الدقى والمهندسين، والمنطقة الممتدة حتى أهرامات الجيزة، وبدأ التمدد شمالًا وشرقًا فى مدينة نصر. لقد نمت هذه المناطق سريعا، وشكلت أماكن لسكنى الطبقة الوسطى الجديدة. ولقد اتخذت طابعًا عمرانيًا مختلفًا، فبدأت تظهر العمارات ذات الطراز المعمارى المختلف، الذى لا يبالى كثيرًا بالأبعاد الجمالية والمساحات الخضراء. ومن التغيرات الأخرى المهمة، انتشار الأحياء المكتظة بالسكان على أطراف القاهرة الجنوبية، والغربية، والشمالية. لقد لبَّت هذه الأماكن احتياجات المهاجرين الجدد من العمال، والفئات الأدنى من الطبقة الوسطى، وكان التمدد لهذا النمط العمرانى كبيرًا وسريعًا. لقد هجمت هذه الأحياء على الأرض الزراعية فالتهمت أجزاءً كبيرة منها لتقام عليها أحياء تستوعب كل يوم أفواجًا جديدة من المهاجرين من الريف، أحياء ذات شوارع ضيقة ومبانٍ ذات طوابق متعددة، بحيث أصبحت القاهرة محاطة بكتل عمرانية مكتظة بالسكان، وذات طابع حضرى متخلف إلى حد كبير، تخللها مناطق عشوائية كان أساسها السيطرة على أرض الدولة، وضمت مستوى متدنيًا من العمران الذى لا يلتزم بأى شكل من أشكال التخطيط، كما تخللتها قرى قديمة تحولت هى الأخرى إلى مناطق أعمق عشوائية وأكثر تخلفًا.

مع دخول حقبة السبعينيات من القرن العشرين، وبداية سياسة الانفتاح الاقتصادى، بدأ النمط العمرانى للمدينة يأخذ شكلًا جديدًا. لقد حدثت تغيرات مهمة فى بنية سوق العقارات، وأصبحت تجارة العقارات أكثر صنوف التجارة ربحًا، كما أصبحت ملكية العقارات (الأرض، أو المبانى السكنية الكاملة، أو الوحدات داخل المبانى أو المحلات التجارية) إحدى الوسائل المضمونة لتحقيق مزيد من الأرباح والعوائد. لقد أسست سياسة الانفتاح الاقتصادى ثقافة جديدة (تبنتها الطبقة الوسطى بسرعة) تقيّم كل شىء  بسعره النقدى، وتضرب عرض الحائط بكل الحسابات العاطفية والمعنوية. وعلى خلفية هذه التغيرات، وعلى خلفية الطلب المتزايد على الحصول على سكن، أو على عقارات للمتاجرة وجنى الأرباح، تشكلت حول المدينة وداخلها تمددات جديدة بنمط عمرانى جديد، وتمثلت هذه التمددات فى إنشاء مدن جديدة حول المدينة طوقت المدينة من كل الاتجاهات تقريبًا، وقدمت هذه المدن نمطًا عمرانيًا جديدًا يقوم على اتساع الشوارع، وانخفاض ارتفاع المبانى، لكنه يقدم صورة نمطية لعدم التجانس فى الشكل المعمارى الجمالى وألوان المبانى، فضلًا عن التباين داخل كل حى من أحياء المدينة فى مساحات الوحدات السكنية، ومساحة الفضاءات الخضراء داخل المدينة. صاحب هذا التمدد فى المدن الجديدة عمليات هدم لبعض الفيللات فى أحياء الطبقة الوسطى الأقدم، وإعادة بنائها فى أبراج سكنية عالية. ولقد حول هذا السياق فى الهدم والبناء القاهرة بأحيائها المختلفة إلى كتل من العمران الأسمنتى ذى الألوان الترابية الذى يفتقر إلى أدنى معايير الجمال؛ عمران أسمنتى يتماشى ويتوافق مع ثقافة الطبقة الوسطى الجديدة المادية وعلاقاتها المصفّدة.

لكن الظاهرة العمرانية الأكثر بروزًا فى هذا التمدد العمرانى الجديد تتمثل فى بناء التجمعات المسيجة داخل هذه المدن الجديدة، وأصبح الطموح الأكبر لأبناء الطبقة الوسطى، خاصة الشريحة المتميزة منها، أن تحصل على مسكن داخل هذه المجتمعات المسيجة، والتى يشكل كل منها عالمًا مستقلًا بذاته، لا يلتقى سكانه مع بقية سكان المدينة إلا فى السوق. ولقد صاحب هذا التغير فى النمط العمرانى ظهور أنماط جديدة من الأسواق المعولمة، التى انتشرت على أطراف المدن الجديدة، أو فى قلب الأحياء الأقدم. وتشكل هذه الأسواق مراكز تجارية ضخمة يمكن للمستهلكين فيها أن يحصلوا على ما يرغبون فيه من ماركات عالمية، أو أطعمة مختلفة الألوان والأسعار، أو سلع ومستلزمات منزلية، كما يمكن لهم أن يستمتعوا بأوقات للترفيه، أو التنزه والتسوق فى آن واحد.

لقد تفاعلت القاهرة مع التحولات التاريخية الحديثة، التى استغرقت أكثر من قرنين من الزمان، تمددت شرقًا، وغربًا، وجنوبًا، وشمالًا، واتسعت أرضها لبشر مختلف الأطياف، وتنوعت فيها الهويات والثقافات. وعلى قدر ما أصابها من توسع وازدهار بقدر ما أصابها من عطب. فالعمران هو البشر الذين يقيمون  فيه اجتماعهم الإنسانى، وهو دالة وجودهم وسمت حياتهم. وعندما ننتقل من الحجر إلى البشر فى تباينهم واختلافهم، أو فى تفاعلاتهم وصراعاتهم، وفى علاقاتهم غير الحميمة مع البيئة الحضرية المحيطة بهم، فسوف يكون لنا حديث آخر.

2 ـ القاهرة: انحدار العمران ملازم لانحدار الثقافة:

إذا انتقلنا من الحجر إلى البشر فى التعرف على مدينة القاهرة، فإننا سوف نلتفت إلى التدنى الهائل الذى يطل علينا من التمدد العمرانى، والتركز الشديد للأسواق، والتعقد الكبير فى منظومة الخدمات، والنمو الطاغى لأعداد السكان وتباين أنشطتهم وثقافتهم. هذا التحضر الهائل يقابله على الوجه الآخر انخفاض شديد فى مستويات السلوك الحضرى، والثقافة الحضرية، الذى يشير إليه علماء الاجتماع بمفهوم الحضرية Urbanism. هنا ينصرف الذهن إلى أساليب الحياة الحضرية، التى تتباعد عن أساليب السلوك الحديثة، وتترك المدينة تتردى فى حالة من التريف، الذى يبدو للعيان عندما نشاهد سلوك البشر وتصرفاتهم فى علاقاتهم بالمكان  أو العمران، ومدى التزامهم بالأسس التى تقوم عليها الحياة فى مجتمع المدينة صاحب الدرجة العالية من التعقيد. وسوف نحاول فيما تبقى من المقال أن نوضح جوانب هذه الحالة من التريف، وأن نفسر وجودها، فى ضوء ثقافة الطبقات الاجتماعية التى تقطن المدينة.

تبدو المدينة فى حالة التريف كأنها قرية كبيرة، لم تنقلها عمليات التحضر الكبيرة إلى مدينة يتفاعل فيها السكان، فى ضوء معايير مدينية، أو ثقافة حضرية تقوم على العلاقة المتوازنة مع المكان، والتجانس العمرانى، واحترام الخصوصية والفردية، بحيث يبدو الأمر، وكأن ثقافة السكان الريفية هى التى تطغى عليهم، أو أن المنتج العمرانى الإنسانى الذى يخلفونه وراءهم جراء تفاعلاتهم يكون أقرب إلى الطابع الريفى، وأكثر بعداً عن الطابع الحضرى.

ثمة مظاهر عديدة تكشف عن وجود هذه الحالة. من أول هذه المظاهر العلاقة غير المتوازنة مع الحيز الحضرى أو المكان الحضرى، خاصة الفضاءات المكانية العامة كالشوارع أو الأماكن العامة. فهذه الأماكن يتم التعامل معها على أنها أماكن متروكة لا صاحب لها. ولذلك فإنها عرضة لأن تستملك، وأن تلقى فيها كل صنوف المخلفات البشرية، وعلى صاحبها أن يقوم باستعادتها إذا استملكت، أو بتنظيفها إذا اتسخت لتكون سلة مهملات عريضة.

ليست مشكلة لدى الباعة الجائلين فى احتلال الأرصفة، وبعض الشوارع العامة، أو فى تمدد المحلات التجارية والمقاهى إلى أرصفة الشوارع، أو فى تعطيل حركة المرور بالسيارات التى تصطف أمام المطاعم لتناول الوجبات، ولا بتكديس الشوارع بمخلفات المطاعم، والمقاهى، والمحلات التجارية، ومخلفات البناء أحياناً، أو فى إلقاء بعض المخلفات بطريقة عشوائية  من نوافذ السيارات أحياناً، أو حتى التخلص من المخلفات العضوية البشرية فى بعض الأماكن. ثمة لامبالاة قاسية تجاه الحفاظ على المكان نظيفاً، وفقدان المسئولية المشتركة حول الحفاظ على المكان العام وتركه مفتوحاً لكل الفاعلين . وبإمكاننا هنا أن نوسع دائرة التفسير، فلا يقتصر أمر هذه الثقافة على العلاقة بالمكان العام، بل على العلاقة بكل ما هو «عام». فإذا ترك المكان العام مهدراً أو مستملكاً، فهكذا كل مستويات «العام»، إما أن نستملكه ونأخذ منه نصيباً أو نتركه وشأنه، وقد أسرف بالقول إننا بحاجة إلى التأمل فى هذه الخصوصية فى ثقافة الطبقة الوسطى المصرية، التى أصابها تفكك كبير فى بنيتها الداخلية صاحبه انحدار كبير لقيم العمومية، مقابل القيم الخصوصية وما يتبعها من إعلاء للمصالح الخاصة، والانكفاء على الهموم والمصالح الشخصية، والانصراف عن هموم الوطن ومشكلاته.

ثمة مظهر آخر من مظاهر التريف أو التردى الحضرى يتمثل فى فقدان الخصوصية التى يتميز بها سكنى المدن، ونستطيع أن نبين نماذج عديدة  لهذه الحالة من فقدان الخصوصية، أولها المبالغة فى استخدام مكبرات الصوت فى الأفراح والمآتم، وفى افتتاح المحلات التجارية، وإقامة الاحتفالات الشخصية فى الشوارع العامة، والآخر  احتلال أماكن سكنى الطبقة الوسطى بالمحلات التجارية، واحتلال شوارع هذه المناطق بأعداد كبيرة من العمالة غير الرسمية من البوابين، وحراس السيارات، والسائقين، وعمال المحلات الموجودة بالشارع، والباعة الجائلين. ويبدو هذا الوضع الأخير (أعنى احتلال الشارع) وكأنه احتلال حقيقى، إلى درجة أن الأمر يبدو كأن هناك فى هذه المناطق مجتمعين أو ثلاثة مجتمعات، الأول: هو مجتمع السكان القاطنين فى هذه العمارات الشاهقة من أحياء الطبقة الوسطى. الثانى: هم أصحاب وعمال المحلات بالمنطقة. الثالث والأخير: هم سكان الشوارع من هؤلاء الذين يؤدون خدمات مساعدة للسكان. هنا يتخلق فى الشارع هنا مجتمع مختلف له قوانينه الخاصة، وله توزيع خاص للأدوار والمكانات وممارسات القوة، ولكنه مجتمع يطور قوانينه الخاصة، لا يوجد التزام هنا بقواعد العيش المشترك، بل يتصرف البشر داخل الشارع كأنهم يملكونه بحق، فنجدهم يتحدثون بأعلى الأصوات، ويمارسون صوراً من البلطجة والعنف، أو يسهرون إلى وقت متأخر يتبادلون الأحاديث بصوت عال، ويتشاجرون عندما تهدد المكانات أو ممارسات القوة، لا حرمة هنا للسكان أو للمكان، ولا يتدخل السكان كثيراً فى شئون مجتمع الشارع، على أساس أنهم صنف مختلف من البشر. بل إن البعض من السكان يقيمون معهم علاقات لتحقيق مصالح شخصية (مثل المساعدة فى بيع العقارات أو تأجيرها). يبدو الشارع فى هذه الأحياء كأنه شارع ريفى، تحتله ثقافة لاحضرية، ويبدو سكان الأحياء وكأنهم تعودوا على هذه الثقافة أو أنهم يستمرئونها ربما لأنها تمنحهم القوة والشعور بارتفاع القيمة والقامة إزاء هذه الجموع المغلوبة على أمرها التى تسيطر على الشارع وتحتله لحسابها. تلتقى هنا ثقافتان تتعايشان، وقد تسيطر أحدهما على الأخرى، لكن النتيجة فى النهاية هى مزيد من التريف والتردى الحضرى.

وأخيراً، فإننا لا نستطيع أن ندع هذا الموضوع دون أن نشير إلى مستوى الجمال الذى وصل إليه العمران فى المدينة. هل قل الجمال؟ يجب أ لا نبحث عن كلمة بديلة، لأن العمران الذى اختارته طبقات المدينة المختلفة لا يتناسب مع أى مستوى من الحضرية، عمارات شاهقة، وتكدس للسكان على نحو كبير، وواجهات أسمنتية مختلفة الألوان والأذواق، تنتشر على أسطحها أطباق الفضائيات، وعلى جوانبها أجهزة التبريد (التكييف). لا تشى العمارة بأى مستوى من الجمال، حتى وإن كانت هناك بؤر جمالية فإنها تختفى وتضيع فى خضم هذا الزخم الكبير من اللاجمال. يبدو الأمر هنا وكأن القيم المادية، التى سيطرت على عقلية الطبقة الوسطى، منذ الدخول فى سياسة الانفتاح الاقتصادى، انعكست على تدنى ذائقة الجمال لدى الفنيين والمهندسين وصانعى المعمار، بل وعموم السكان، بحيث أصبحت عمارة الطبقة الوسطى لا تختلف كثيراً عن العمارة التلقائية التى يصممها الناس العاديون فى الأحياء المكتظة بالسكان. واقع الامر  أنها أحياء أكثر تطوراً، وأكثر حظاً فى خدمات المياه والصرف والكهرباء،  لكنها لها نفس الثقافة، ونفس المستوى الفاقد لأى درجة من الجمالية ،ولعل هذا – إلى جانب عوامل أخرى سبقت الاشارة إليها - هو الذى يحول هذه الأحياء إلى أحياء طاردة، وهو أيضا  الذى يجعل بعض سكانها يفرون إلى المدن الجديدة، والمجتمعات  المسيجة.

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة