رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

شكلت «السيادة الشعبية»، باعتبارها المظهر لسلطة الشعب المطلقة، الفكرة التأسيسية الجوهرية للديمقراطية التمثيلية الغربية الحديثة، إذ عولت القوى الفاعلة فى مسار تشكيل الدولة الغربية الحديثة على «السيادة الشعبية» كآلية للخروج من النظام القديم ومثالبه، لاسيما بعد الثورات على الأنظمة الملكية الحاكمة، على غرار الثورة الفرنسية، أو حتى الثورة على الأنظمة الاستعمارية، حال الثورة الأمريكية، وإعلان استقلالها، ففى خضم هذه الثورات تم الاستعاضة عن السيادة المطلقة للحاكم، والسلطة الاستعمارية بالسيادة الشعبية.

 لقد كانت هذه الفكرة حاضرة لدى النخب السياسية والثقافية فى مرحلة ما بعد الثورات، خصوصاً مع استدعاء أطروحات مفكرى «العقد الاجتماعى»، ومحاولة شرعنة ممارسة السلطة من جانب الحكام الجدد. فى هذا الإطار، تم تخليق الديمقراطية التمثيلية ذات الطابع الليبرالى وصياغة إطار للتوفيق بينها والسيادة الشعبية؛ فالشعب بما أنه صاحب السيادة الفعلية، يقوم بتفويض سلطته إلى مؤسسات تمثله وتنوب عنه لحسابات عملية ترتبط  بصعوبة تطبيق الديمقراطية المباشرة فى ظل اتساع مساحة الدولة وزيادة عدد المواطنين.

وباتت مع استمرار الممارسة الديمقراطية فى المجتمعات الغربية عبر عقود، الديمقراطية التمثيلية موضع انتقادات عديدة خاصة من منظور علاقتها بالسيادة الشعبية. فالكثير من الدراسات النقدية للديمقراطية التمثيلية أمست تفترض أن هذه المؤسسات التمثيلية تتجاوز مساحة التفويض الشعبى لها، كما أنها لم تعد تمثل بشكل أو بآخر مصالح الشعب، وبالأخرى تركز على مصالح فئات بعينها. وهكذا ظهرت حركات وقوى جديدة خلال السنوات الأخيرة تطمح إلى إعادة صياغة العلاقة بين السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية، بل إن البعض تعاطى معهما، بمنظور أكثر راديكالية، كطرفين متقابلين.

وفى هذا الصدد، يحاول هذا المقال تحليل العلاقة بين السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية، من خلال التعرض إلى تطور العلاقة بينهما والتحولات التى مرت خلال مرحلة التوفيق بينهما، واستخدام السيادة الشعبية كمبدأ تأسيسى للديمقراطية التمثيلية، والانتقال بعد ذلك إلى مرحلة أكثر  تعقيداً تتسم بدرجة كبيرة من الشكوك حيال قدرة الديمقراطية التمثيلية على التعبير عن السيادة الشعبية.

السيادة كمدخل تأسيسى:

بالرغم من تعددية مقاربات السيادة الشعبية؛ فإن ثمة جانباً مشتركاً فى تعريف السيادة الشعبية بحسبانها السلطة الأعلى وليست سلطة مشتقة (1)، وهو ما يعنى رد جميع السلطات إلى مصدرها الأصيل، وهو الشعب فى هذه الحالة. فشرعية مؤسسات الدولة، وفقاً لهذا الطرح، تنشأ عن إرادة وموافقة الشعب، وهذه المؤسسات لا يتعين لها الخروج على إرادة الشعب، وإذا خرجت عنها تكون بذلك فاقدة لشرعيتها ومسوغ وجودها.

ارتبطت فكرة السيادة الشعبية، وعلاقتها بالديمقراطية التمثيلية، بفلاسفة العقد الاجتماعى، خاصة «جون لوك»، و«جان جاك روسو»، إذ عارض «جون لوك» فكرة الحق الإلهى للملوك، التى كانت مدخلاً للاستبداد والحكم المطلق. ومع معارضته للحكم المطلق أكد «لوك» على السيادة الشعبية التى تلتقى مع الديمقراطية التمثيلية فى الحكم البرلمانى بحيث تستقر السيادة فى يد البرلمان والذى يعد رقيباً على سلطة الحاكم. على الجانب الآخر، كان «جان جاك روسو» واحداً من أهم المفكرين السياسيين الذين صاغوا مبدأ السيادة الشعبية وجعلها المدخل لإنتاج «الإرادة العامة» التى تعبر عن «الجماعة ككائن معنوى مستقلة عن الأفراد، وبالتالى التعبير عن إرادة ومصالح الجماعة ككل»، ووفقاً لهذه الإرادة العامة تعمل مؤسسات الدولة(2).

تفاعلت هذه الأفكار بشكل أو بآخر مع الثورات التى قامت فى الدول الغربية خلال القرن الثامن عشر، خاصة الثورتين الفرنسية والأمريكية، حيث كانت السيادة الشعبية حاضرة وموضع جدال سياسى واسع فى السياق الثورى، ومن ثم تبلور موقف عام مؤيد للسيادة الشعبية، واتخاذها مدخلاً تأسيسياً للديمقراطية التمثيلية. فى هذا الإطار، كان «جيمس ويلسون»، وهو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة يعتقد أنه «فى جميع أنواع الحكومات، أياً كان شكلها، يجب أن تكون هناك سلطة قائمة ونهائية ليس لها استئناف...وهذه السلطة قائمة فى الشعب وتزدهر معه»(3).

اعتقد الكثير من القوى الثورية أن السيادة الشعبية يجب أن تحل محل سيادة الحاكم المطلقة حتى إن مفكر وسياسى من طراز «إيمانويل سياس»، الذى عاصر الثورة الفرنسية، كرس لهذه الفكرة وأشار إلى أن «الأمة توجد أولاً وهى مصدر كل شىء ، إرادتها هى دائماً شرعية، هى القانون بعينه... ولا تمارس الحكومة سلطة حقيقية إلا بمقدار ما هى دستورية... وليست الإرادة الوطنية (بالمقابل) بحاجة إلا إلى واقع وجودها كى تكون دائماً شرعية، إنها مصدر كل شرعية»(4).   

فى هذا السياق، ومع التأكيد على صعوبة تطبيق الديمقراطية المباشرة، ووجود بعض الأصوات المتخوفة من الفوضى المجتمعية، أضفيت الشرعية إلى مؤسسات الديمقراطية التمثيلية، خصوصاً بعد صياغة الدساتير التى نصت على سيادة الشعب. وأكد «توماس بين»، كأحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، على أهمية الدستور كحلقة وصل بين السيادة الشعبية ومؤسسات الدولة، حينما ذكر أن «الدستور هو ليس فعل الحكومة، بل فعل شعب يكون حكومة»، ومن ثم، مثَّل الدستور الوثيقة التى تثبت حق السيادة للشعب، وكذلك تفويض سلطته للمؤسسات الحاكمة لإدارة شئون الدولة (5).

السيادة الشعبية وحقوق الأقليات:

مثلت قضية حقوق الأقليات إحدى  القضايا الجوهرية فى إطار العلاقة بين السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية. إذ إن إقامة نظام يقوم على الديمقراطية التمثيلية استلزم إيجاد صيغة لضمان عدم تحول السيادة الشعبية إلى أداة طيعة فى يد الأغلبية للاستبداد والافتئات على حقوق الأقليات. وبالرغم من الصعوبات التى كشفتها الممارسة العملية، والمشكلات التى واجهتها الأقليات فى المجتمعات الغربية، فإنه تم استدعاء مدخلين أساسيين للحفاظ على حقوق الأقليات فى النظام الديمقراطى الغربى.

يرتبط المدخل الأول بالمنظومة الفكرية لليبرالية، والتى رافقت السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية فى النظم السياسية الغربية، واعتمدت هذه المنظومة على عدد من المباديء المركزية، مثل الحرية الفردية والمساواة بين جميع المواطنين بمن فيهم الأقليات، وقد انعكست هذه المباديء فى الثوابت السياسية الضرورية للحكومة الديمقراطية التمثيلية الحديثة والتى تتضمن، بحسب «روبرت دال»، المواطنة الشاملة بحيث لا يمكن حرمان أى مواطن من حقوقه وحرياته، ناهيك عن أهمية الدستور فى حماية حقوق الأقليات(6).

لقد حرصت الليبرالية الغربية على تطوير مقاربة التعاطى مع حقوق الأقليات لتلافى الإشكاليات العملية الناجمة عن التجربة، ولهذا ظهرت العديد من الأطروحات حول الاستيعاب والعدالة الحاكمة لأفراد المجتمع، والتى يصفها «جون راولز» ضمن مجموعة من المباديء «التى يختارها الأشخاص الذين يحرمون مؤقتاً من المعلومات المتعلقة بهوياتهم من أجل تنظيم حياتهم معاً»، وبالتالى، لكى تكون الحلول عادلة للقضايا المطروحة، فإنها يجب أن تحظى بموافقة الجميع، مهما تكن سماتهم الشخصية، ومواهبهم، والتزاماتهم(7).

فى سياق متصل، افترضت «آيريس يونج» أن المبادىء الليبرالية عن المساواة فى المعاملة «تتصل على نحو معقد بالاستيعاب كمثل أعلى»، ويتحقق هذا الاستيعاب، من خلال «خلق حالة معينة لا يمثل فيها العرق والجنس بعد الآن فئات لها دلالة اجتماعية». بوجه عام، فإن الإطار المؤسسى الليبرالى المشترك يؤطر أدوار جميع الأفراد بشكل متساو، ولعل هذا ما جعل «بريان بارى» يقول «إن الليبراليين سيرفضون بالتأكيد أن يكون للأفراد الذين يعيشون فى مجتمع عادل، وينتمون إلى جماعات مختلفة حقوق والتزامات سياسية مختلفة، وأن تكون المنافع المؤسسية المهمة متاحة للبعض وغير متاحة للبعض الآخر»(8).

يرتهن المدخل الثانى بتصميم مؤسسى ضامن لحقوق الأفراد والأقليات فى ظل الديمقراطية التمثيلية، وعادة ما تستدعى الأدبيات هنا النموذج الأمريكى، ورغبة أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة «جيمس ماديسون» فى إنشاء أجهزة الدولة بالشكل الذى يحول دون استبداد الأغلبية، عبر استخدام السيادة الشعبية المتبلورة فى مؤسسات الديمقراطية التمثيلية. ودعا «ماديسون» إلى «جمهورية ممتدة»extendedrepublicتعبر عن العديد من المصالح المتنوعة، بحيث يكون من الصعب على، فصيل الاستبداد بالرأى، وتضمنت هذه الجمهورية أيضاً مقترح إنشاء مؤسسات متنافسة داخل الحكومة لتحقيق قدر معقول من الضبط والتوازن(9).

إشكالية الصراع:

ثمة اتجاه انتشر فى الأدبيات الغربية، خلال السنوات الأخيرة، يتعاطى مع السيادة الشعبية من منظور أكثر أفقية، فى ظل الاتجاهات الهيكلية، والثقافية والسياسية وممارسات التعاون والاتصال المبتكرة، حيث إن هذه الاتجاهات تمنح لجموع من الأفراد والحركات الفرصة للتعبير عن نموذج جديد من الحكم الذاتى القائم على المشاركة والحكم الشعبى. ويتوجس هذا الاتجاه  خيفة من سلطة الدولة الراهنة ومدى صلاحية الديمقراطية الليبرالية التمثيلية(10).

استبطن هذا الاتجاه الطوباوى Utopiantrend، وفقاً لتعبير «بول عمار»، حالة من الصراع، أو على أقل تقدير التباين، بين السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية، فخلال العقود الماضية تزايدت الشكوك فى السياسة الغربية حيال فاعلية نموذج التوافق بين السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية، وارتبطت هذه الشكوك بعدد من المتغيرات، البعض منها ارتبط بقضايا الأنظمة الغربية، فيما  اتصل البعض الآخر ببزوغ عدد من القوى السياسية، وحركات الاحتجاج التى أظهرت الأزمات الكامنة فى الديمقراطية الغربية، على النحو الآتى:

1 - صلاحية المنظومة الليبرالية :

تلقت المنظومة الليبرالية العديد من الانتقادات، خلال العقود الأخيرة، باعتبارها الحاضنة التى تشكلت فى داخلها الأنظمة الغربية الحديثة. وكان من شأن هذه الانتقادات التشكيك فى صيغة التوافق بين السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية التى كانت، بشكل أو بآخر، نتاجاً لأطروحات مفكرى الليبرالية. فى هذا المضمار، طالت الانتقادات صلاحية الليبرالية فى بعديها السياسى والاقتصادى.

ارتكزت انتقادات البعد السياسى لليبرالية على مقولات الحقوق والحريات المنقوصة، وعدم كفاية النصوص الدستورية لحماية حقوق الأقليات، ناهيك عن الإشكاليات المنهجية الخاصة بتعريف المواطنين فى ظل الخلفيات التاريخية للعنصرية فى العديد من المجتمعات الغربية، وبالتبعية فقدت السيادة الشعبية، ومعها الديمقراطية التمثيلية، الكثير من جاذبيتها، خاصة أنها (السيادة) لم تعد تؤدى الوظيفة المفترضة لها بحسبانها المبدأ التأسيسى لمجتمع عادل(11)

ربما طُرح العديد من المقاربات حول المواطنة، والاندماج، والاستيعاب، بيد أن الممارسة العملية أظهرت عدة إشكاليات فيما يتعلق بحقوق الأقليات. فعلى سبيل المثال, يشير «روبن فيلدز» إلى أنه بالرغم من التصريحات والمواقف الرسمية بشأن التزام الولايات المتحدة بمفهوم «عدم التمييز اللونى» colorblindness، والمساواة الجماعية؛ فإن ثمة اختلافاً قائماً حول ماهية «المواطنة المتساوية» فى خضم تراجع قيمة وأهمية مصالح الأقليات الموجودة فى نظام ديمقراطى مركزه الأغلبية (12).

عطفاً على ما سبق، باتت أطروحات الاستبعاد تحظى بحيز مهم فى الأدبيات الغربية. فالاستبعاد يعبر عن أحد أشكال الانغلاق الاجتماعى، وفقاً لتوصيف «ماكس فيبر»، حيث المحاولة التى تقوم بها جماعة لتؤمن لنفسها مركزاً متميزاً على حساب جماعة أخرى من خلال عملية إخضاعها. وأكد «بريان بارى» على معضلة الاستبعاد فى ظل الديمقراطية التمثيلية بقوله «أن المجتمع الذى يتميز بالجمع بين اقتصاد السوق والمؤسسات الديمقراطية الليبرالية عرضة لأن يكون به عتبتان للاستبعاد الاجتماعى. وتفصل العتبة السفلى هؤلاء الذين يشاركون عادة فى المؤسسات ذات النشاط العام عن أولئك الموجودين خارجها. وتفصل العتبة العليا الموجودين فى منطقة الوسط عن أولئك الذين بإمكانهم أن يفصلوا أنفسهم عنها»(13).

بموازاة هذه الانتقادات للبعد السياسى لليبرالية، تعرض الوجه الاقتصادى لليبرالية أيضاً لانتقادات حادة, لاسيما مع الإشكاليات التى بدت فى النظام الاقتصادى الليبرالى, حيث تعاظمت اتجاهات تركيز الثروة, وتفاوت الدخول، بينما فى الوقت نفسه أصبحت الضرائب على الدخل والمكاسب الرأسمالية أقل تصاعداً، وتزايدت الضغوط على الطبقة المتوسطة فى العديد من البلدان الغربية(14).

دفع هذا الإطار المأزوم البعض فى الغرب إلى الحديث عن صعود ما يطلق عليه «اشتراكية جيل الألفية»  (15)MillennialSocialism, إذ تنامى التأييد للتحول نحو الاشتراكيين لدى الكثيرين فى الغرب.ويعتمد هذا التيار على سرديات عدم المساواة الخارجة عن السيطرة، وتحول الاقتصاد إلى أداة لخدمة مصالح فئات بعينها. ويشير هنا استطلاع للرأى أجرته مؤسسة جالوب عام 2018 إلى أن نحو 51 % من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عاماً لديهم رؤية إيجابية تجاه الاشتراكية(16).  

2 - أزمة المؤسسات التمثيلية

تجلت هذه الأزمة خلال العقود الماضية، عبر عدد من المؤشرات، من أهمها: تنامى عدم الرضا بين المواطنين فى المجتمعات الغربية بشأن أداء المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة فى تلك المؤسسات ووسائل الإعلام التى تلعب دوراً فى تأييد هذه المؤسسات وبالتبعية التلاعب بالرأى العام، وتقويض مبدأ السيادة الشعبية. من هذا المنطلق، لم يكن لافتا أن تُظهر استطلاعات الرأى العام تراجع ثقة المواطنين فى الديمقراطية التمثيلية وقدرتها على الاستجابة للمطالب والمصالح الشعبية(17).

تكتسب الشكوك تجاه فاعلية المؤسسات التمثيلية الغربية ميراثاً تاريخياً وهو ما ظهر ــ على سبيل المثال ــ فى الولايات المتحدة مع تيار التقدميين progressivismالذى عزز فرضية «الأحزاب»، كإحدى ركائز الديمقراطية التمثيلية، ضد «الشعب». فالأحزاب من وجهة نظر هذا التيار لا تعبر فى واقع الأمر عن الشعب لاسيما مع ارتباط اسمها بعدد من المصطلحات الشائنة مثل المحسوبية، والفساد، والتلاعب من أجل الحصول على أصوات الناخبين، أو بمعنى آخر فإن الأحزاب لا تعدو أن تكون أداة لتقليص قوة الشعب والسيطرة عليه لمصلحة فئات  محددة (18).

دمجت أطروحات النقد المعاصرة للديمقراطية التمثيلية، وعلاقتها بالسيادة الشعبية، بين هذا الإرث والإشكاليات الناجمة عن المنظومة الليبرالية لتدعيم سردية المؤسسات التمثيلية المعبرة عن مصالح المجموعات المسيطرة على حساب المجتمع ككل. فقد أصبح النظام الليبرالى أداة لخدمة أقلية مسيطرة وهو ما أسهم فى تهافت المغزى من الديمقراطية التمثيلية والسيادة الشعبية فى الوقت ذاته، ولعل هذا ما عبرت عنه «نورينا هيرتس» فى كتابها «السيطرة الصامتة»، حينما ذكرت أن المجتمعات الغربية تشهد بزوغ عالم «السيطرة الصامتة» فى الألفية الجديدة، حيث «أيدى الحكومات تبدو مقيدة، واعتمادنا على الشركات فى ازدياد، والمؤسسات الصناعية والتجارية هى التى تتولى عملية القيادة»(19).

3 - الشعبوية السياسية:

شهدت المجتمعات الغربية خلال، السنوات الماضية، صعوداً ملحوظاً لتيار الشعبوية السياسية، الذى اتخذ ملمحا مؤسسياً بتشكيل أحزاب، وإعداد قيادات تستفيد من هيكل الفرص المتاحة فى النظام الديمقراطى من أجل التعبير عن مشروع سياسى شعبوى. ويدعى تيار الشعبوية فى الغرب أنه يمثل السيادة الشعبية فى صراعها القائم ضد الديمقراطية التمثيلية التى لم تعد تفى بغرضها الرئيسى، وتحولت إلى أداة لخدمة نخبة لها سمات اقتصادية وسياسية معينة.

وبعيداً عن الجدل التنظيرى حول مفهوم «الشعبوية»، فإنه يمكن عدَّا  «مجموعة من الأفكار التى تتأسس على التمييز الأخلاقى بين الشعب والنخبة»، أو بمعنى آخر، فهى «فلسفة سياسية متكاملة تُعلى من شأن الجماهير وتوجهاتهم فى مواجهة النخب السياسية»(20). وتعتمد الشعبوية على نماذج للخطاب السياسى للتعبئة السياسية للجماهير، بهدف الطعن فى المؤسسات السياسية القائمة والأفكار والقيم السائدة فى المجتمع. وتتعرض هذه المؤسسات لهجوم التيار الشعبوى، نظراً لفسادها وافتقارها للمساءلة الفعالة أمام الناس، ناهيك عن اهتمام النخب بتمثيل مصالحها الخاصة والتخلى عن مصالح وقيم وآراء المواطن العادى(21).

برغم صحة  مقولة إن  الشعبوية تستحضر السيادة الشعبية كمفهوم مركزى فى خطابها، فإنها تثير عددا من الإشكاليات للسيادة الشعبية فى الوقت ذاته وخاصة مع ارتباط أطروحات الأحزاب والقادة الشعبويين فى الغرب بالاستقطاب الحاد داخل المجتمع سواء بين المواطنين والنخب، أو حتى بين المواطنين وبعضهم والبعض، إذ تعتقد الشعبوية أن الشعب يمثل كتلة متجانسة وبالتالى معارضة التعددية والقوى المختلفة، وهكذا يظل تعريف الشعب، الذى يتمتع بالسيادة، موضع خلاف فى ظل الشعبوية ولا يمكن بالتحديد تعريف من هو الشعب وهل يضمن ذلك حقوق الأقليات والمجموعات ذات التوجهات والأفكار المغايرة(22)

4 - حركات الاحتجاج :

تكشف الإحالة إلى كتابات العديد من منظرى حركات الاحتجاج الاجتماعية فى الغرب عن حالة راديكالية من الصراع بين السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية. فالكثير من الحركات الاحتجاجية التى بزغت خلال السنوات الماضية خارج الإطار المؤسسى، بخلاف الأحزاب الشعبوية، رفعت شعار «نحن» مقابل «هم»، أى السيادة الشعبية مقابل المؤسسات التمثيلية القائمة، وتتعاطى هذه الحركات مع السيادة الشعبية كمشروع تحررى يسمح بإعادة صياغة الإطار السياسى للمجتمع وجعله أكثر انفتاحاً، ومساواة، وديمقراطية لتجاوز إخفاقات المؤسسات التمثيلية(23).

ينتج عن هذه الرؤية للسيادة الشعبية رؤية أخرى معارضة للديمقراطية التمثيلية القائمة فى المجتمعات الغربية لأن روح الديمقراطية الحقيقية، من وجهة نظر أغلب حركات الاحتجاج، هى «تلك المرتبطة بالنظرة الأفقية المساواتية وليست الرأسية، وهى تلك المحفزة على تطوير الاستقلالية والتعبير الفردى وليست تلك المرتبطة بالخضوع لسلطة»(24). أو بمعنى آخر، فإن «مشروع السيادة الشعبية» لحركات الاحتجاج يستدعى نماذج جديدة للمشاركة والديمقراطية المباشرة.  

تجلى التعبير عن مشروع السيادة الشعبية فى حركة «احتلوا وول ستريت» الأمريكية على سبيل المثال. فالحركة تؤكد إنها حركة تحظى بالقبول العام، وبالتالى التعبير عن السيادة الشعبية، حتى أنها تعرف نفسها «بأنها حركة مقاومة بلا قائد تجمع أناساً من مختلف الألوان والأنواع والآراء السياسية. الشىء الوحيد المشترك بيننا هو أننا الـ 99 % الذين لا يقبلون أبداً بجشع وفساد الـ 1 %»(25). واستناداً إلى هذا، بدت الحركة تهديداً لشرعية النظام الأمريكى ككل لأنها رفضت هذا النظام وطالبت بإعادة ابتكار الديمقراطية الأمريكية بالكامل، بالإضافة إلى سعى أعضاء الحركة إلى صياغة الحركة كنموذج للديمقراطية المباشرة البديلة، بحيث تتخذ القرارات من خلال جمعية عمومية يحضر فيها جميع الأعضاء وتناقش فيها الآراء المختلفة (26).

ظهرت أيضاً أطروحات الديمقراطية المباشرة لدى حركات أخرى مثل ائتلاف «laclasse»، الذى تشكل فى أغسطس 2011 عقب دعوة ائتلاف من اتحادات الطلاب، فى كيبيك بكندا، لحملة ترفض خلالها زيادة تكاليف التسجيل فى الجامعات المقررة من قبل الحكومة، وتأسس هذا الائتلاف وفقاً لنموذج الديمقراطية المباشرة حيث لم يكن له قائد، ولكن «تم تقديمه من خلال متحدثين ناطقين بلسان الائتلاف استناداً إلى تفويض مجمل أوكل لهم من قبل مجالس عامة تجتمع بصورة دورية»(27).

وقدمت حركة «السترات الصفراء» فى فرنسا هى الأخرى نموذجاً للحركات المطالبة بديمقراطية مباشرة. فالحركة التى نشأت اعتراضا على أوضاع اقتصادية، ضمَّنت فى مطالبها من السلطة بنوداً متعلقة بالنظام الديمقراطى القائم، وطلب إدخال الاستفتاء الشعبى إلى الدستور وحق المواطنين الحق فى تقديم مقترحات بقوانين، سواء بتقديم تشريع أو تعديل وإلغاء تشريعات سارية، وفى حال حصول المقترح على 700 ألف توقيع من المواطنين، يلزم على الجمعية الوطنية مناقشة المقترح وتقديمه للتصويت العام من جانب جميع المواطنين الفرنسيين (28).

مستقبل السيادة الشعبية:

يثير الاستدعاء المكثف للسيادة الشعبية فى السياق الغربى الراهن عدداً من القضايا الجدلية؛ فالعلاقة بين السيادة الشعبية والديمقراطية أمست إشكالية فى حد ذاتها، فى ظل اعتقاد الكثيرين بأن المؤسسات التمثيلية لم تعد تعبر عن السيادة الشعبية، بيد أن الفصل بين السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية، وإعادة تصميم الديمقراطية الغربية، أمر يتطلب ــ بدايةً ــ حسم قضية «ماهية الشعب» باعتبارها القضية المنهجية الأولية، ناهيك عما يتفرع عنها من قضايا التنوع الثقافى، والعرقى، وحقوق الأقليات.

ثمة قضية أخرى تتصل بحدود سلطة وسيادة الشعب، بما فى ذلك فى الأوضاع الاستثنائية، التى تحدث عنها الفيلسوف الألمانى «كارل شميت»، حينما رأى أن الحاكم السيادى هو الذى يقرر فى الحالات الاستثنائية(29). ومثل هذا الطرح يعنى ضرورة حسم العلاقة بين الشعب والسلطة فى جميع الأوقات لاسيما فى الأوقات الاستثنائية، وحدود إمكانية التذرع بالسيادة الشعبية للاعتراض على القرارات الصادرة عن السلطة. 

من جهة أخرى، فإن مراهنة مشروع السيادة الشعبية، الذى ترفعه بعض الحركات الاجتماعية على الديمقراطية المباشرة كبديل للديمقرطية التمثيلية، أمر محفوف بالتحديات، لاسيما أن تجارب الديمقراطية المباشرة ارتبطت بمناطق محدودة من حيث السكان والمساحة، كما أن نجاح الديمقراطية المباشرة ربما يستلزم درجة أكبر من الوعى الجماهيرى للتغلب على عملية التلاعب التى يمارسها عدد من الفاعلين لخدمة مصالح بعينها.

ختاماً، ليس من اليسير استشراف مستقبل العلاقة بين السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية فى السياق الغربى، الآنى والمحكوم بسيطرة اقتصاد السوق، والتداخل بين النخب السياسية، ورجال الأعمال. وعليه، فإن مآلات التفاعل الراهن بين المطالب الجماهيرية، المتمترسة خلف السيادة، والمؤسسات التمثيلية، والنخب المسيطرة، هى التى ستحدد ما إذا كانت المجتمعات الغربية ستشهد إعادة ابتكار نظامها الديمقراطى بصورة جذرية، أم ستكتفى بمجرد إدخال إصلاحات على النظام القائم لتستمر الديمقراطية التمثيلية، بعد إضافة أبعاد جديدة للمشاركة الشعبية.

 

الهوامش

1 ــ  كارل شميت، «اللاهوت السياسى»، ترجمة: رانية الساحلى وياسر الصاروط، (بيروت: المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، يناير 2018)، ص 24. 

2 ــ  حورية توفيق مجاهد، «الفكر السياسى من أفلاطون إلى محمد عبده»، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة السابعة، 2017)، ص ص 379 -  422.

3 ــ  MichaelA. Dawson, «PopularSovereignty, DoubleJeopardy, andtheDualSovereigntyDoctrine», TheYaleLawJournal, Vol. 102, No. 1, Oct., 1992, p.284.

4 ــ  حنة أرندت، «فى الثورة»، ترجمة: عطا عبد الوهاب، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، سبتمبر 2008)، ص 224.  

5 ــ  المرجع السابق، ص 206. 

6 ــ  روبرت دال، «عن الديمقراطية»، ترجمة: سعيد محمد الحسنية، (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2014)، ص ص 108 – 109،ص 1566. 

7 ــ  بريان بارى، «الثقافة والمساواة: نقد مساواتى للتعددية الثقافية»، ترجمة: كمال المصرى، (الكويت: المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، نوفمبر 2011)، ص ص 120-121.

8 ــ  المرجع السابق، ص ص 121 – 124. 

9 ــ  NelsonKasfir, «PopularSovereigntyandPopularParticipation: MixedConstitutionalDemocracyintheThirdWorld», ThirdWorldQuarterly, Vol. 13, No. 4 (1992), p.p592 -593.

10 ــ  PaulAmar, «NEWPARADIGMSOFPOPULARSOVEREIGNTYINTHEWAKEOFTHEARABUPRISINGS», TheArabStudiesJournal, Vol. 23, No. 1 (Fall2015), p.267.

11 ــ  KarmaNabulsi, «Nomaps, nomanuals: retrievingradicalrepublicanism, restoringpopularsovereignty», 1 October2015, accessibleat, https://www.opendemocracy.net/en/can-europe-make-it/no-maps-no-manuals-retrieving-radical-republicanism-restoring-popul/

12 ــ  RobinM. Fields, «InSearchofDemocracy: ReconcilingMajorityRule, MinorityRights, andGroupRightsinSouthAfricaandtheUnitedStates», BostonCollegeThirdWorldLawJournal, Volume16, Issue1, (Jan, 1996), p.p71- 72.

13 ــ  بريان بارى، «الاستبعاد الاجتماعى والعزلة الاجتماعية»، فى:   جون هيلر وآخرون (محررون)، «الاستبعاد الاجتماعى: محاولة للفهم»، ترجمة: محمد الجوهرى، (الكويت: المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، أكتوبر 2007)، ص 50.

14 ــ  بريان بارى، «الثقافة والمساواة: نقد مساواتى للتعددية الثقافية»، مرجع سابق، ص 112. 

15 ــ  theeconomist, «Millennialsocialism», Feb14th2019, accessibleat, https://www.economist.com/leaders/2019/02/14/millennial-socialism

16 ــ   FRANKNEWPORT, «DemocratsMorePositiveAboutSocialismThanCapitalism», AUGUST13, 2018, accessibleat, https://news.gallup.com/poll/240725/democrats-positive-socialism-capitalism.aspx?g_source=link_newsv9&g_campaign=item_243362&g_medium=copy

17 ــ  RobertoStefanFoaandYaschaMounk, «TheSignsofDeconsolidation», journalofdemocracy, Volume28, Number1, January2017,p.p. 5 -6.

18 ــ  EthanJ. LeibandChristopherS. Elmendorf, «WhyPartyDemocratsNeedPopularDemocracyandPopularDemocratsNeedParties», CaliforniaLawReview, Vol. 100, No. 1 (February2012),p.p76- 80.

19 ــ  نورينا هيرتس، «السيطرة الصامتة: الرأسمالية العالمية وموت الديموقراطية»، ترجمة: صدقى حطاب، (الكويت: المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، فبراير 2007)، ص 14.

20 ــ  رغدة البهى، «populism: صعود موجة جديدة من الشعبوية عبر العالم»، دراسات المستقبل، (أبو ظبى: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، العدد الخامس، فبراير 2019)، ص7. 

21 ــ  KoenAbtsandStefanRummens, «PopulismversusDemocracy», POLITICALSTUDIES, VOL55,  June2007, p.p407 -408.

22 ــ  Ibid, p.408.

23 ــ  GianpaoloBaiocchi, «We, theSovereign», (UK: Politypress, 2018), p.xi

24 ــ  ألبرت أوجيان وساندرا لوجييه، «مبدأ الديمقراطية: دراسة حول الأشكال الجديدة للشأن السياسى»، ترجمة: يسرا عمر الفاروق، (القاهرة: المركز القومى للترجمة، 2018)، ص83.

25 ــ  المرجع السابق، ص22. 

26 ــ  ديفيد غريبر، «مشروع الديمقراطية: التاريخ، الأزمة، الحركة»، ترجمة: أسامة الغزولى، (الكويت: المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، نوفمبر 2014)، ص 63، ص 103.

27 ــ  ألبرت أوجيان وساندرا لوجييه، مرجع سابق، ص 44. 

28 ــ  opendemocracy, «DemandsofFrancesyellowvestsasuploadedbyFranceBleu, November29», 7 December2018, accessibleat, https://www.opendemocracy.net/en/can-europe-make-it/demands-of-frances-yellow-vests-as-uploaded-by-france-bleu-november-29/

29 ــ  كارل شميت، مرجع سابق، ص23.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة