رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

واجهت الديمقراطية التمثيلية فى الدول الغربية فى العقد الأخير، خاصة منذ الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، أزمات متتالية وضغوطا شعبية متزايدة من أجل  مشاركة المواطنين بشكل أكبر فى عملية صنع القرار، وإضفاء مزيد من الشفافية على إدارة الحكم، وجعل الحكومة أكثر مسئولية عما تتخذه من سياسات. وتعالت الأصوات المطالبة بإعادة هيكلة صنع القرار الديمقراطى، كسبيل لمعالجة نقاط الخلل التى تعانى منها الديمقراطية التمثيلية. انطلاقاً مما سبق، يهدف المقال لتناول مظاهر أزمة الديمقراطية التمثيلية فى المجتمعات الغربية، والأسباب الكامنة ورائها، ثم التطرق لمجموعة من المفاهيم الديمقراطية البديلة التى تنطوى على حزمة من الآليات المقترحة، التى تهدف إلى «مقرطة الديمقراطية»، أو تعميق عملية صنع القرار الديمقراطى.   

وقد تضمنت هذه المفاهيم مفهوم الديمقراطية المباشرة، والديمقراطية الترابطية، والديمقراطية التشاركية، وأخيرا الديمقراطية التداولية، وبالرغم من وجود تشابك وتقارب بين هذه المفاهيم  فإن كلا منها تطرح أفكار مختلفة من أجل توسيع وتعميق عملية صنع القرار الديمقراطى.    فمفهوم الديمقراطية المباشرة يركز على فكرة وضع آليات تسمح للمواطنين بالمشاركة بشكل مباشر فى عملية صنع القرار، وتعد آلية الاستفتاء الشعبى على القرارات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية المحورية من أهم الآليات التى يدعو لها أنصار هذا المفهوم. أما مفهوم الديمقراطية التشاركية، فهو يركز على تطوير آليات تسمح بمشاركة المواطنين فى عملية صنع القرار، من خلال الدعوة لتجمعات ومنتديات شعبية منظمة تسمح للمواطنين بمناقشة السياسات والتشريعات المقترحة، وتقديم ملاحظاتهم لصناع القرار، كى يتم الاستعانة بها فى عملية صنع القرار الديمقراطى. أما مفهوم الديمقراطية الترابطية، فيركز على الربط بين مؤسسات صنع القرار من ناحية، والجمعيات الأهلية، وجماعات المصالح من ناحية أخرى، وذلك من خلال إشراك هذه المنظمات فى عملية صنع القرار بشكل مباشر. وأخيرا يشير مفهوم الديمقراطية التداولية الى أهمية وجود حوار ديمقراطى فى المجال العام حول السياسات والتشريعات يشارك فيه أهل الخبرة، والمواطنين، وصناع القرار، وكذلك أهمية ربط منظمات المجتمع المدنى بعملية صنع  القرار. وتسعى جميع هذه المفاهيم إلى تعميق وتوسيع عملية صنع القرار الديمقراطى، من خلال تجاوز احتكار الأحزاب السياسية لعملية صنع القرار السياسى، وإشراك المواطنين فى عملية صنع القرار بشكل أوسع، من خلال آليات مباشرة، مثل الاستفتاء الشعبى، أو من خلال منظمات وسيطة، مثل الحركات الاجتماعية، والجمعيات الأهلية، أو منتديات منظمة، من أجل استطلاع آراء المواطنين فى قضايا بعينها، على أن تصب مدخلات هذه العمليات التشاركية والتداولية فى عملية صنع القرار الديمقراطى.    إلا أنه فيما عدا آلية الاستفتاء الشعبى لا تزال العديد من الأفكار المطروحة حول تعميق وتجذير الديمقراطية فى مرحلة التنظير والتجريب، ولم يتم بعد تطوير آليات مؤسسية تسمح بترجمة هذه الأفكار إلى واقع معيش، وتضمنيها داخل المنظومة الديمقراطية التقليدية. كذلك هناك بعض المحاولات المهمة، خاصة على مستوى الدول الأوروبية، ومؤسسات الاتحاد الأوروبى لتطوير آليات جديدة لتعميق الديمقراطية، منها المقترحات والآليات الخاصة بإشراك المواطنين الأوروبيين بشكل أوسع فى عملية اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبى. وكذلك التنسيق والتشابك المتزايد بين الحركات الاجتماعية الجديدة فى أوروبا، وبعض الأحزاب اليسارية واليمينية الصاعدة، ومنها أحزاب سيريزا فى اليونان، وبوديموس فى إسبانيا.

أولاً- مظاهر وأسباب أزمة الديمقراطيات الغربية:

1 - مؤشرات على ما تواجهه الديمقراطيات الغربية من أزمة:

تتعدد المؤشرات التى يُستدل من خلالها على أن الديمقراطيات الغربية تشهد أزمة حقيقة، يتمثل أولها في؛ تراجع نسب المشاركة فى العمليات الانتخابية لتلك البلدان1. ثانيها: تراجع نسب الانتماء الحزبى، وهو ما يعكس فشل الأحزاب السياسية فى التواصل الفعال مع المواطنين وتأهيل قيادات جديدة للمشاركة فى الحياة السياسية، فكان الحال هو تراجع شعبية الأحزاب التقليدية على يمين الوسط ويسار الوسط، فى المجتمعات الغربية، بعد أن تمكنت من الهيمنة على الحياة السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية2.

فى المقابل، تصاعدت شعبية التيارات الراديكالية على أقصى اليسار واليمين فى تلك الديمقراطيات، لاسيما التيارات الشعبوية اليمينية، ليس فقط من حيث حصدها للعديد من الأصوات خلال العمليات الانتخابية فى بلدان، مثل السويد وألمانيا وهولندا، ونجاحها فى دفع المملكة المتحدة للتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبى، بل إنها تمكنت من الوصول للسلطة فى العديد من البلدان الغربية، مثلما هو الحال فى الولايات المتحدة، والمجر، وإيطاليا، والبرازيل، وبولندا، والنمسا، وبالتالى تصاعدت المخاوف من إمكانية تراجع الديمقراطية الليبرالية فى المجتمعات الغربية، وانتشار نظم ديمقراطية غير ليبرالية ذات طابع شعبوى 3«illiberaldemocracy».

ثالث تلك المؤشرات، فيتمثل فى انخفاض مستوى الثقة فى السياسيين، نظراً لإفراطهم فى إطلاق الوعود، واتهام الكثير منهم بالفساد. رابعها: يتعلق بانخفاض مستوى الاهتمام بالمعرفة والعمل السياسى لدى قطاع كبير من المجتمع4. خامسها: تصاعد الأصوات المعارضة الشعبية للمنظومة الاقتصادية والاجتماعية المهيمنة فى الدول الغربية، ونظيرتها الرافضة للعولمة، ومشاريع التجارة الحرة، ومشاريع الاندماج الاقتصادى، والمطالبة بسياسات اقتصادية حمائية، والانسحاب من اتفاقيات التجارة الحرة، ومن مشروعات الاندماج الاقتصادى، مثل الاتحاد الأوروبى واتفاقية نافتا5.

سادس تلك المظاهر، هو تصاعد الأصوات الرافضة لارتفاع نسبة الأقليات العرقية والدينية فى المجتمعات الغربية، وكذلك المطالبة بفرض سياسات تحد من ارتفاع معدل الهجرة بما يشمله من عدم تضمين تلك الفئات فى شبكات الحماية الاجتماعية، وأيضا من طرح سياسات تمييزية إيجابية موجهه لها، سابعا وأخيراً، تراجع دور المنظمات النقابية والعمالية فى العديد من الدول الغربية، وهو ما تزامن مع ارتفاع موجة الاحتجاجات والحركات غير الرسمية كحركة “السترات الصفراء” فى فرنسا 6.

2 - أسباب أزمة الديمقراطيات الغربية:

تتعدد أسباب أزمة الديمقراطيات الغربية، والتى يتمثل أولها فى: فشل الطبقة السياسية فى تحقيق متطلبات وطموحات  المجتمع وارتباط الكثير منهم بالعديد من قضايا الفساد. ثانيها: التحول فى دور وصورة الدولة، حيث كانت تتولى الدولة عملية الحفاظ على نظام الرفاه والرعاية الاجتماعية، وهو ما لم يُعد بالشكل المعهود فى العصر النيوليبرالى، ثالثها: ما تشهده المجتمعات حالياً من تطورات تكنولوجية وعلمية  تعكس فى مجملها حجم تأثر المجتمعات بالعولمة، والحداثة، وغلبة الطابع الفردى، وما يتبعها من تدفق فى الأفكار والثقافات أدت إلى تعقيد مفاهيم الهوية لدى المواطنين.  رابع الأسباب يتمثل فى سيطرة البعد الليبرالى المرتبط بالحريات والحقوق السياسية والاقتصادية على نظيره الديمقراطى المرتبط بحكم السيادة الشعبية، حيث تحولت العديد من الديمقراطيات الليبرالية فى المجتمعات الغربية إلى نظم ليبرالية شبه ديمقراطية اتخذت من الغرف المغلقة مصدرا لصنع واتخاذ القرارات المصيرية، ولعبت فيها مؤسسات غير منتخبة كالبنوك المركزية، والاتحاد الأوروبى، وصندوق النقد، والبنك الدولى دورا أهم من الإرادة الشعبية، مثلما هو الحال فى التجربة اليونانية التى تمكن فيها حزب “سيريزا” اليسارى من الوصول للسلطة، عقب اعتماده على برنامج رافض لسياسات التقشف فى حملته الانتخابية. إلا أن الأمر قد انتهى به إلى قبول هذه السياسات التى فرضتها الترويكا الأوروبية، رغم الرفض الشعبى الواسع لها. وتعود هيمنة البعد الليبرالى على نظيره الديمقراطى إلى حزمة من العوامل، أبرزها:

1 - هيمنة نخبة حزبية ضيقة، ذات توجهات اقتصادية متقاربة، على العملية السياسية فى البلدان الغربية، منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وظلت تتسم بتكوين اجتماعى متجانس إلى حد بعيد، على الرغم من تزايد تنوعها الداخلى كارتفاع نسبة النساء والأقليات.

2 - أسلوب الحكم التفاوضى والتوافقى الذى تبنته الديمقراطيات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذى أدى إلى انتقال عملية صنع القرار من الهيئات المنتخبة إلى الغرف المغلقة على المدى الطويل، وبالتالى تبلور شعور متزايد لدى المواطنين بعدم أهمية الإرادة الشعبية.

3 - تصاعد دور التكنوقراط، والمؤسسات غير المنتخبة، وجماعات المصالح فى حسم العديد من القضايا الخلافية والمحورية، لاسيما دور القضاء، والبنوك المركزية، والهيئات المتخصصة، والمنظمات المالية الدولية.

5 - تصاعد دور جماعات المصالح فى عملية صنع القرار، من خلال تزايد دور المال السياسى فى حسم السباقات الانتخابية فى العديد من النظم الديمقراطية، وهو ما يتجلى بشكل واضح فى النظام السياسى الأمريكى، خاصة فيما يتعلق بالقوانين المنظمة لحمل السلاح، حيث أدت هيمنة “الجمعية الوطنية للبنادق” على الحزب الجمهورى إلى معارضة أى محاولة جادة لتنظيم عملية حمل السلاح فى الولايات المتحدة رغم وجود طلب شعبى متزايد على ذلك.

ثانياً- مفاهيم ديمقراطية جديدة وآليات بديلة:

ثمة أربع مفاهيم ديمقراطية جديدة، يصعب التمييز بينهما على المستوى المفاهيمى، تطرح نفسها فى ساحة المجتمعات الغربية، فى ضوء ما تشهده من أزمة فى نُظمها الديمقراطية ذات الآلية التمثيلية، ينطوى كل منها على آليات تعزز من مشاركة المواطنين فى عملية صنع واتخاذ القرار، وتتسق مع المطالب المتصاعدة بإعادة هيكلة عملية صنع القرار الديمقراطى، حتى وإن كان يغلب عليها الطابع الاستشارى، وليس الإلزامى، وهى الديمقراطية المباشرة، والديمقراطية التشاركية، والديمقراطية الترابطية، والديمقراطية التداولية، والتى يُمكن استعراضها على النحو التالى:

1 - الديمقراطية المباشرة  DirectDemocracy

 ترتبط  الديمقراطية المباشرة  بالنموذج “الأثيني” فى شكلها التقليدى الذى يشارك فيه جميع المواطنين فى إطار جمعية Assemblyيتم خلالها إدارة نقاش مفتوح للقضايا، واتخاذ القرار بالأغلبية فى حالة فشل اتخاذ القرار بالإجماع، ويكون القرار حينئذ ملزماً للجميع. وحالياً، يُمكن تطبيق هذا النموذج التقليدى الديمقراطى فقط، فى المستويات المحلية، فى العديد من البلدان تحت مُسمى “جمعيات المواطنين” citizensassemblies، ولكن بدرجات مختلفة من حيث مشاركة المواطنين فى عملية اتخاذ القرارات.7

أما فى عهدنا الحالى، فتعنى الديمقراطية المباشرة فى المقام الأول التصويت الشعبى على قضايا محددة، وهنا لا يمكن إغفال دور مواقع التواصل الاجتماعى التى تطرح القضايا المتعددة (سياسية، واقتصادية، واجتماعية،...) للنقاش العام، ولكن ليس بالنمط المعروف للمناقشات والمداولات الجماعية المتسقة مع الشكل التقليدى للديمقراطية المباشرة، وبتصاعد حجم التفاعل معها يزداد تأثيرها، ويتسع نطاقها المجتمعى وتُعد بمنزلة  أداة ضغط فعالة على صانعى ومتخذى القرار. ووفقاً للطابع الجديد من نموذج الديمقراطية المباشرة، تتعدد الآليات التى تُعزز من مشاركة المواطنين، وهي8:

أ ــ الاستفتاء referendum: هو التصويت الشعبى على قضايا معينة، وهى الآلية التى اتسع نطاق استخدامها خلال الفترة الأخيرة، سواء على المستوى الوطنى للدولة، مثل تصويت بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبى “بريكست”، خلال عام 2016،  أو تصويت أيرلندا على تقنين عمليات الإجهاض. كما ينص الدستور الاتحادى الألمانى، وكذلك دساتير ولاياتها على أن الاستفتاء إحدى أدوات الديمقراطية المباشرة، علاوة على التجربة اليونانية فى إجراء الاستفتاءات القومية، والتى بلغت ثمانية استفتاءات قومية فى تاريخها.

ب -  مبادرات المواطن CitizensInitiatives: هى التصويت الشعبى على قضية مقترحة من قبل المواطنين، مثل تلك المبادرات بشكل متكرر فى د،لة إستراليا على سبيل المثال، لاسيما أن عتبة قبول تلك المبادرات منخفضة، مما يجعلها آلية مهمة لتعزيز النفوذ السياسى للأقليات بها، فضلاً عن تطبيقها بشكل واسع على المستوى المحلى لدولة المجر.

ج - مبادرات الأجندة  AgendaInitiatives: هى طرح قضايا معينة من قبل المواطنين ووضعها على أجندة اهتمامات صانع القرار السياسى، مثلما هو الحال فى التجربة الأسترالية والمجرية.

د - استدعاء التصويت  recallvote: هو التصويت الشعبى لإنهاء فترة ولاية مسئولين منتخبين، وهو ما شهدته التجربة البولندية  لما يقرب من 23 مرة على مستوى المقاطعات.

2 - الديمقراطية التشاركية ParticipatoryDemocracy

يختلف هذا المفهوم عن نظيره التمثيلى القائم على أساس التصويت العام فى كون هذا المفهوم يقوم على أساس المشاركة الفردية فى جميع  آلياته، مما يتيح للمواطن الانخراط المباشر فى تسيير شئونهم والتوصل لنقطة توافق حول القضايا المثارة فى المجتمع، وهو ما يُمكن أن يُطلق عليه “دمقرطة الديمقراطية”.  فى إطار هذا المفهوم، تتعدد آليات الديمقراطية التشاركية التى تعزز من مشاركة المواطن فى عملية صنع القرار، من بينها:

    أ- Charrette: تهدف لإجراء حوار مكثف بين مجموعة من الأفراد (مجموعة مركزية) تُمثل مجموعات فرعية من المجتمع، حيث تتولى الأخيرة مناقشة القضية محل النقاش من جوانب مختلفة، وتقدم تقارير دورية للمجموعة المركزية لتقييمها، ثم توجه المجموعة المركزية التقرير مرة أخرى للمجموعات الفرعية، وتتكرر الدورة النقاشية حتى يتم التوصل إلى توافق حول القضية المعنية خلال فترة زمنية قصيرة تمتد من أربعة أيام إلى أسبوعين، وهو ما يُطلق عليه  Charrette  9، وهذا نموذج مطبق فى ألمانيا على المستوى المحلى.

ب- لجنة تحكيم المواطنين Citizens  jury: تُعد بمنزلة آلية لمساهمة المواطنين فى اتخاذ القرارات السياسية؛ حيث تتألف اللجنة من 12 إلى 24 مواطناً، يتم اختيارهم عشوائياً، ويتم دعمهم بالمعلومات اللازمة من قبل مجموعة من الخبراء يُطلق عليهم “الشهود”، ثم تُجرى اللجنة عملية مداولات حول القضية المعنية، وفى الغالب تلجأ لتشكيل مجموعات فرعية لتناول القضية من جوانب مختلفة، ثم تقوم اللجنة بإصدار قرار أو تقديم توصيات تأتى فى شكل تقرير “مواطن”، ويُطلب من الجهة المسئولة سواء الحكومة المركزية، أو السلطة المحلية، الرد على التقرير إما بتنفيذه أو شرح سبب عدم موافقتها عليه10.

   ج- مؤتمر التوافق « Consensusconferences»: يتراوح عدده بين 10 إلى30 مواطناً مكلفين بتقييم موضوع مثير للجدل، عبر طرح حزمة من التساؤلات على لجنة خبراء، ومن خلال إجاباتهم يتم تقييم الموضوع وطرحه للنقاش فيما بينهم، ثم طرح ما تم التوافق عليه فى بيان موجه إلى البرلمانيين وصانعى السياسات وكذلك جميع مواطنى الدولة، ويتم خلاله التعبير عن توقعاتهم ومخاوفهم وتوصياتهم فى نهاية المؤتمر، والهدف منه هو التوصل لرؤية توافقية حول قضية ما مثلما هو الحال فى النموذج الدنماركى 11.

3 - الديمقراطية الترابطية  Associativedemocracy

تُعد الديمقراطية الترابطية  Associativedemocracyنموذجا محددا من الديمقراطية التشاركية التى تحقق المشاركة الفردية فى سياق جماعات المصالح، أو الجمعيات ذاتية الحكم، وبالتالى فهى توفر للمجتمع بشكل مباشر وغير مباشر آليات تمثيلية إضافية. كما يُعد التمثيل الإقليمى نوعاً خاصاً من التمثيل الوظيفي؛ حيث يتم التعبير عن مصالح الإقليم، من خلال جماعات الإقليم ذاته، وهو ما دفع “ WolfgangStreeck” لاختزال مفهوم الديمقراطية الترابطية فى جملة واحدة هى أنها تعبر عن “الحكم الذاتى ذات المسئولية الاجتماعية للجماعات الوظيفية”12.  انطلاقاً مما سبق، هناك ثلاث صيغ للديمقراطية الترابطية تستند إلى طرفين أساسيين هما جماعات المصالح، والجمعيات بأنماطها المختلفة (الدينية، الثقافية، والاجتماعية،،..)، لكن يكمن الاختلاف بين الصيغ الثلاث حول كيفية نشأة تلك الجمعيات، وعلاقاتها بالدولة كسبيل لتعزيز مساهمتها فى عملية صنع القرار السياسى، وهو ما يُمكن توضيحه على النحو التالى:

أ - الجمعيات ذات النشأة الطوعية والعفوية:  أكد “ PaulHirst” على النمط العفوى لنشأة الجمعيات وحكمها الذاتى الديمقراطى، فدعا إلى دعم تشكيل الجمعيات بشكل عفوى وتطوعى داخل المجتمع، على أن تمنحها الدولة قدراً من السلطة والنفوذ لضمان بقائها، وبالتالى يؤكد “هيرست” على الطابع اللامركزى لنشأة الجمعيات، مثل المنظمات الدينية، والثقافية، والنقابات..، حلاً لما تواجهه الديمقراطية التمثيلية من تحديات، كما يرى أن تلك الجمعيات تُعزز من دور المؤسسات والديمقراطيات التمثيلية «هيرست» لكونها تخفف من على كاهل تلك المؤسسات العديد من الأعباء، وتسمح لها بالتركيز بشكل أفضل على وظائفها الرئيسية كطرح أطر قانونية، ومحاسبة المسئولين حال تقصيرهم، والحرص الدائم على حماية حقوق ومصالح المواطنين.13

ب -  الجمعيات ذات النشأة المصطنعة: وهو ما عبر عنه طرح كل من « JoshuaCohenandJoelRogers” من منظور قائم على الأفكار الكوربوراتية: حيث يرى المفكران أن الديمقراطية التمثيلية تلعب دوراً وتأثيراً إيجابياً فى تشكيل الجمعيات وجماعات المصالح، كما ترى الأفكار الكوربوراتية أن جماعات المصالح يُمكن أن تكون أدوات لتحسين كفاءة صنع السياسة، وضمان مشاركة المواطنين بها، لاسيما فى ظل عجز الأحزاب السياسية عن بناء قاعدة شعبية.

 ونظراً لحجم التباين بين الجمعيات، يقترح المفكران طرح نظام للحكم “ judgmentsystem” من أجل ضبط التباينات بين الجمعيات لتحقيق هدف محدد، أو بقيام الدولة بتحديد نمط محدد من الجمعيات التى يسمح لها بالوجود والبقاء، وهو المقترح الذى قوُبل بانتقاد نظراً لتقويضه استقلالية الجمعيات، لكن تم الرد عليه بأن الجمعيات ستسعى للحد من دور وتأثير الدولة، من أجل اكتساب التضامن الخارجى، كما أن الدولة ستسهم فى تحديد تعاملات تلك الجمعيات وحجم استجابتها، عبر أدوات تقليدية للسياسة العامة مثل؛ فرض ضرائب، وطرح عقوبات قانونية وغيرهما.14

بالتالى، تأتى رؤية كوهين وروجرز لنشأة تلك الجمعيات من أعلى لأسفل، أى من خلال دعم الدولة لجمعيات أو جماعات مصالح معينة فى المجتمع لتعزيز الارتباطات المعنية باتخاذ القرارات العامة، حيث إن الهدف من نشأة الجمعيات، وفقاً لتلك الرؤية، هو تعزيز سلطة السيادة الشعبية، والمساواة السياسية، تعزيز قدرات الدولة. 

ج - الجمعيات... ساحة سياسية بديلة: المنظور الثالث للجمعيات يطرحه “PhilippeSchmitterالذى يقترح تنظيم الجمعيات فى المجتمع، من خلال آليتين، أولاهما؛ طرح دستور ثابت يُحدد هيكلها المؤسسى الداخلى، وحقوقها الأساسية، وكيفية تواصلها مع الكيانات الأخرى، ويُعد كذلك ضمانة لعدم تدخل السلطات العامة فى عمل الجمعيات، أما الآلية الثانية؛ فتتمثل فى نظام البطاقات “ systemofvouchers” والذى يحصل من خلاله كل مواطن على كمية ثابتة من البطاقات التى يصوت من خلالها للجمعيات، لكن كون الفرد عضوا فى الجمعية لا يعنى بالضرورة التصويت لها، والعكس صحيح.  15

ووفقاً لهذا المنظور، تتدخل الدولة أحياناً فى إنشاء تلك الجمعيات وتمنحها احتكاراً تمثيليا لأحد القطاعات، مقابل السيطرة والتحكم فى عملية اختيار القيادات، وبالتالى صياغة المطالب السياسية؛ حيث تقبل الدولة هنا بمسألة تفويض قدر من السلطة لنقل المطالب السياسية لساحة لا يمكن أن تنال من استقرار الحكومة المركزية، أو الحزب الحاكم، أو الائتلاف الحكومى، وهو ما يصب فى النهاية فى خدمة الدولة، عبر رفع العديد من الأعباء المثقلة عن كاهلها.

4 - الديمقراطية التداولية “ Deliberativedemocracy

يستند هذا المفهوم إلى قاعدة المساواة والشمولية؛ حيث التعبير عن آراء الأفراد، من خلال نقاش شامل ومفتوح، وليس من خلال إجراءات انتخابية، وهو ما يطلق عليه الديمقراطية التداولية “ Deliberativedemocracy”، وهنا يستند المفهوم إلى عنصرين رئيسيين، أولهما؛ التواصل الفعال مع المواطنين، وإجراء حوارات مستمرة بين السلطات والرأى العام، والخبراء العلميين وصناع القرار، ومشاركة المواطنين بها. وثانيهما؛ المجتمع المدنى ودوره فى عملية صنع القرار، حيث ينصب اهتمام هذا المفهوم على العملية المعنية بربط المجتمع المدنى بالعملية التداولية، وكيفية اتخاذ القرار، أما بالنسبة للديمقراطية، الترابطية فهى تهتم بالإطار المؤسسى الذى سيشارك من خلاله المجتمع المدنى فى إجراءات صنع السياسة.16

فعلى سبيل المثال، يعانى النظام السياسى للاتحاد الأوروبى من عجز ديمقراطى، على الرغم من أنه يعد أحد نظم الحكم المتعدد التى تتفاعل فيه العديد من المؤسسات لصنع واتخاذ القرار، فيتوافر فى هذه النظم الإطار المؤسسى الذى يجسد الأداة التمثيلية للديمقراطية (البرلمان الأوروبى)، وكذلك يوجد مؤسسات أخرى تقوم بعملية التمثيل غير المباشر لمواطنى الاتحاد الأوروبى كالمجلس الأوروبى، ولجنة الأقاليم.إلا أن البيروقراطية الأوروبية أصابت النظام السياسى الأوروبى بعجز ديمقراطى انتقده المجتمع المدنى الأوروبى الذى تُعد مشاركته المباشرة فى عملية صنع القرار الأوروبى وسيلة للحد من العجز الديمقراطى للنظام الأساسى للاتحاد.

اقترح الرئيس الفرنسى “إيمانويل ماكرون” فى 7 سبتمبر 2017 ، فى خطابه عن إعادة بناء الاتحاد الأوروبى، وإشراك المواطنين الأوروبيين فى عملية صنع القرار، آلية ديمقراطية جديدة تتمثل فى مبادرة “مشاورات المواطنين الأوروبيين (ECCS)”، ولاقت قبولا من معظم الدول الأعضاء. وبالفعل تسلَّم رؤساء الدول والحكومات مقترحات المواطنين حول آليات تنفيذ المبادرة فى ديسمبر 2018، وتم الاتفاق على المستويات التنفيذية التالية17

    أ- الاتحاد الأوروبى: قامت اللجنة المسئولة بعقد استطلاع للرأى، عبر الإنترنت بلغات الاتحاد المختلفة، يتألف من مجموعة أسئلة صاغها مجموعة من المواطنين المشاركين فى المبادرة. بالتوازى مع ذلك، تقوم المفوضية الأوروبية بزيادة عدد «حوارات المواطنين»، وهى عملية جارية منذ عام 2012.

    ب-حكومات الدول الأعضاء: ستكون مسئولة عن تنظيم الفعاليات الخاصة بالمبادرة فى بلدانها، وإعداد التقارير النهائية حول نتائج الحوارات، وقد يتم إشراك بعض أصحاب المصالح فى تنظيم مشاورات المواطنين، مثل: المجتمعات المحلية، والجمعيات، والمؤسسات، وغرف التجارة والصناعة، والنقابات، والمؤسسات الثقافية، والمدارس والجامعات، فى تنظيم مشاورات المواطنين، بهدف التواصل مع أكبر عدد من المواطنين الأوروبيين.

   ج- مجموعات عمل غير رسمية: تضم ممثلين من كل دولة عضو، بالإضافة إلى المفوضية الأوروبية، والجهات الفاعلة فى المجتمع المدنى، بهدف التنسيق بين أصحاب المصالح المختلفة، إلى جانب تسهيل وتوجيه العملية بشكل غير رسمى، وتجتمع مرة واحدة فى الشهر.

ثم يتم إعداد نتائج الاستطلاع، عبر الإنترنت، والمشاورات الوطنية فى المجلس الأوروبى، لتصبح أحد مدخلات جدول الأعمال الاستراتيجى وخطة الاتحاد الأوروبى فى السنوات الخمس القادمة، والتى ستناقشها المفوضية الأوروبية فى قمة القادة فى مايو المقبل عام2019. ولقد حدد المواطنون المشاركون فى المبادرة ستة موضوعات رئيسية ينبغى التركيز عليها من قبل قادة الاتحاد الأوروبى فى السنوات المقبلة؛ وهى (موضوع الشباب والتعليم، وتعزيز المساواة والعدل والتضامن، وقضية البيئة، صنع القواعد والقرارات، وقضية الهجرة واللاجئين، وأخيرًا قضية الأمن والدفاع).

بالإجمال، من المهم من أجل مواجهة الأزمات التى تواجه النظم الديمقراطية التمثيلية فى المرحلة الراهنة أن تكون عملية ممارسة السلطة، وصناعة القرار الديمقراطى أكثر تعقيداً، وذات أطراف متعددة، حيث لم تُعد الأحزاب السياسية تُمثل المصالح والهويات المتعددة لاسيما فى ظل غلبة الطابع الهرمى على قيادتها السياسية، وهو ما يفرض عليها تطوير هياكلها، وتعظيم استفادتها من حجم تأثير، وفاعلية الحركات الاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدنى، ومواقع التواصل الاجتماعى، إلى جانب ضرورة تطوير آليات ديمقراطية جديدة تسمح بمشاركة مجموعة أكبر من الأطراف، مثل الحركات الاجتماعية، وجماعات المصالح، والجمعيات ذات الأنماط المتعددة (الثقافية، والبيئية، والدينية،....)، وغيرها من الأطراف فى عملية صنع القرار الديمقراطى.

 

  المراجع:

 

1 -LauraBoldvai-Pethes,” THEENDOFREPRESENTATIVEPOLITICSBYSIMONTORMEY”, CORVINUSJOURNALOFSOCIOLOGYANDSOCIALPOLICY,( Budapest:theSociologyDoctoralSchooloftheCorvinusUniversityofBudapest(CUB), VoL.7, 2016),P. 131.

2 - دينا شحاتة،”أزمة الديمقراطيات الغربية.. مقاربات نظرية للفهم”،مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 20 يناير 2019. متاح على الرابط

http://acpss.ahram.org.eg/News/16832.aspx

3 - المرجع السابق.

4 --LauraBoldvai-Pethes,OP.CIT, P.P131 -132.

5 - دينا شحاتة، مرجع سبق ذكره.

6 -المرجع السابق.

7 - E. Best, M. AugustynandF.Lambermont,” DirectandParticipatoryDemocracyatGrassrootsLevel: LeversforforgingEUcitizenshipandidentity?”, EuropeanInstituteofPublicAdministration(EIPA),2011,P.P5-6.  Availableon: https://cor.europa.eu/en/engage/studies/Documents/direct-participatory-democracy.pdf

8 -Idem.

9 -Ibid,P.11.

10 -Idem.

11 -Idem.

12 - PiotrPerczynski,” CitizenshipandAssociativeDemocracy”,( Mannheim:: LeidenUniversity, March1999), P.P6 -7.

13 -Idem.

14 - PiotrPerczynski,OP.CIT,P.8.

15 -Ibid, PP8 -9.

16 - SabineSaurugger,” REPRESENTATIVEVERSUSPARTICIPATORYDEMOCRACY? FRANCE, EUROPEANDCIVILSOCIETY”,( Grenoble: InstitutdEtudesPolitiquesdeGrenoble, April13 -18, 2004),p5.

17 - باسم راشد،” عودة «أثينا»: كيف يجتاز الاتحاد الأوروبى «الثقة المفقودة» مع المواطنين؟»، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة ، 19 فبراير 2019. متاح على الرابط

http://cutt.us/K82Nk

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة