التساؤل الأول : ما الليبرالية ؟
هذا اللفظ معرب من اللفظ الأفرنجي liberalism. واللفظ الأفرنجي مشتق من اللفظ اللاتيني liberalis ومعناه ' الإنسان الحر '.
وقيل إن عام 1812 هو بداية تداول هذا المصطلح لتحديد هوية حزب سياسي إسباني . وقيل أيضا إن نشأة الليبرالية ملازمة لنشأة الرأسمالية بدعوي أن الرأسمالية هي الوسيلة إلي تحقيق الغاية من الليبرالية وهي حرية الفرد . وقيل ثالثا : إن حروب الأديان في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا قد انبعثت منها الليبرالية لأن التسامح في صميم تكوينها .
وأيا كان الأمر , فأنا أظن أن القاسم المشترك بين هذه الأقاويل هو أن سلطة الفرد أعلي من سلطة المجتمع . ومن هذه الزاوية يمكن القول بأن الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل 1806-1873 هو الأب الروحي لليبرالية في مقاله الشهير المعنون ' عن الحرية '(1859) حيث يعرض للعلاقة بين الحرية والسلطة , فيضع حدودا لسلطة المجتمع بحيث تكون سلطة الفرد أعلي من سلطة المجتمع .
والسؤال إذن : هل من الممكن أن تكون سلطة الفرد هي الأعلي ؟
جواب ميل أنه من الممكن أن تكون كذلك ولكن بشرط غياب ما يسميه ' طغيان الأغلبية ', لأنه في حالة حضور هذا اللون من الطغيان يفضي بالضرورة إلي تغلغله في المؤسسات الجماهيرية , وعندئذ يتكون رأي عام تكون مهمته الحد من سلطة الفرد .
ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار : كيف يمكن منع حدوث طغيان الأغلبية؟
جوابي مشتق من تاريخ الحضارة الإنسانية , إذ هو مملوء بحالات تسمح باستلهامنا . وأنا أنتقي من هذه الحالات حالة الثورة الفرنسية (1789). إنها إفراز من عقول فردية متنورة . والمتنور هو ذلك الذي يكون سلطان العقل عنده محكوما بعقله وليس بعقل المحرمات الثقافية المانع من التغيير والتقدم . وهذا التعريف للمتنور ينطبق علي ' الفلاسفة ' الذين مهدوا للثورة الفرنسية . وإذا قيل - ردا علي ما أقول _ بأن الطبقة البورجوازية هي صانعة الثورة الفرنسية , فأنا أقول بأن هذه الثورة ما كانت تحدث إلا إذا كانت متنورة . لأن ثمة نوعا آخر من البورجوازية يمكن أن يكون طفيليا ومتداخلا بالتالي مع الأصوليات الدينية فيقفان معا ضد مسار الحضارة الإنسانية كما حدث في مصر في السبعينيات من القرن الماضي عندما بزغت شركات توظيف الأموال ( رأسمالية طفيلية وتشابكت مع الأصولية الدينية وتفرغت لتكفير المتنورين وقتلهم إن لزم الأمر , فشاع مصطلح ' الإرهاب ' حتي أصبح دوليا . وقد اتخذ هذا التشابك وسيلة للقضاء علي الكتلة الشيوعية . وقضي عليها وأصبحنا بعد ذلك نعاني , دوليا , من آثار هذا التشابك , وكانت مصر من المصادر الأساسية في إفراز هذه الآثار .
هذا عن التساؤل الأول , فماذا عن التساؤل الثاني : ما التأسيس؟
لغة : التأسيس من الأساس , والأساس هو قاعدة البناء التي يقام عليها .
والسؤال إذن : ما هو البناء؟ وما هي قاعدته؟
البناء الذي نريد إقامته في مصر في هذا الزمان هو الديمقراطية . فما هي قاعدته؟ وأين الليبرالية في هذا البناء ؟
الديمقراطية لفظ معرب من لفظ يوناني democratia وهو مكون من مقطعين : المقطع الأول demos ويعني الجماهير , والمقطع الثاني kratos ويعني الحكم , واللفظ برمته يعني أن الجماهير هي التي تحكم . ثم ترجم لفظ ديمقراطية بعد ذلك إلي ' الحكم بالشعب , أي أن الشعب هو الذي يدبر أموره . ومن هذه الزاوية قيل إن بدايتها في القرن الخامس قبل الميلاد في أثنيا . ففي كتاب ' تاريخ الحروب البلوبوينزية ' للمؤرخ اليوناني توسيديس (460-400 ق . م ) ثمة عبارة لبركليز حاكم أثينا في ذلك الزمان تقول بأن أثينا نموذج للديمقراطية لأن دستورها لا يحاكي قوانين الدول المجاورة , إنما هو نموذج للآخرين . ثم إن إدارتها تنحاز إلي الأكثرية . ثم استطرد توسيديدس قائلا :' إن بركليز يتصور الديمقراطية علي أنها حكومة يتمتع فيها كل الشعب بالمساواة في ظل القانون , ويتمتع كذلك بحكام منتخبين بسبب تميزهم وليس بسبب انتمائهم إلي طبقة معينة '.
والمفارقة هنا أن أهل أثينا علي الرغم من تقبلهم للديمقراطية إلا أنهم لم يقبلوا التعددية الدينية أو النقد الديني . فمن كان يعلم أن الآلهة كذبت أو يبحث عن بديل عنها فإن مصيره , في الأغلب , مظلم . فقد نفت أثينا ثيمستكليس وجوعت أرستيدس ونفت ميلتيادس , وطردت أنكسانموراس وحكمت علي بروتاجوراس بالسجن وأعدمت سقراط .
وإثر هزيمة أثينا من أسبرطة قال أفلاطون عن الديمقراطية في كتابه ' الجمهورية ' إنها تفضي إلي الطغيان , إذ يبرز من بين دعاة الديمقراطية أشدهم عنفا وأكثرهم دهاء فيستأثر بالسلطة ويقطع رأس كل منافس . وقال عنها أرسطو في كتابه ' السياسة ' إنها حكومة الأغلبية الفقيرة والمتدينة . ومن ثم سميت الديمقراطية , بعد أرسطو , بأنها حكم الغوغاء . وكان لكل من أفلاطون وأرسطو سلطان أفضي إلي اختفاء لفظ ' ديمقراطية . ولا أدل علي ذلك من أن المؤرخ اليوناني بوليبيوس (204-122 ق . م ) قد ارتأي أن الديمقراطية هي حكم العامة التي ترفض إعمال القانون أيا كان .
وفي العصر الهيلليني فإن لفظ ' ديمقراطية ' فقد معناه الأصلي من حيث هو حكم الشعب , وأصبح معناه كل ما ليس فلكيا , واستمر فقدان المعني الأصلي لأكثر من ألفي عام , ثم عاد في القرن السادس عشر , أو بالأدق في عام 1543 م .
كيف؟
كان عام 1543 هو العام الذي أصدر فيه العالم الفلكي البولندي نقولا كوبرنيكس كتابه المعنون ' عن دوران الأفلاك ', وفيه أعلن نظريته عن دوران الأرض حول الشمس . وقيل عن هذه النظرية أنها ثورية , أو بالأدق إنها ثورة كوبرنيكس .
والسؤال إذن : لماذا؟
لأنه إذا كانت الأرض هي التي تدور حول الشمس , فمعني ذلك أن الأرض لم تعد مركزا للكون , وإذا لم تعد الأرض مركزا للكون فمعني ذلك أن الإنسان لم يعد مركزا للكون , وإذا لم يعد الإنسان مركزا للكون فمعني ذلك أن الإنسان لم يعد من حقه القول بأن في إمكانه امتلاك الحقيقة المطلقة , ذلك أن حركته مع حركة الأرض تعني أنه متغير , وما هو متغير فهو نسبي بالضرورة . ومن ثم فإنه يقع في الوهم , إذ ارتأي أنه ليس كذلك . ولا أدل علي ذلك من ثورة السلطة الدينية علي نظرية كوبرنيكس لأن هذه السلطة توهمت أنها مالكة للحقيقة المطلقة , فقرر ديوان الفهرست ( محكمة التفتيش ) في 5 مارس 1616 تحريم كتاب كوبرنيكس ما لم يصحح . ثم جاء جاليليو وأعلن انحيازه لنظرية كوبرنيكس . وفي عام 1632 ذاع كتابه المشهور ' حوار حول أهم نسقين في العالم , الذي يدحض فيه نسق بطليموس , ويدعو إلي نسق كوبرنيكس , فصودر الكتاب , واستدعي جاليليو إلي روما للمثول أمام ديوان التفتيش لمحاكمته فأنكر وأقسم وهو راكع علي ركبتيه , ثم وقع بإمضائه علي صيغة الإنكار والقسم . ومن هنا جاء تعريفي للعلمانية بأنها ' التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق '. وفي تقديري أن هذا التعريف يصلح أن يكون قاعدة نبني عليها العلمانية . واللافت للانتباه أن هذه القاعدة ليست هي الشائعة , إنما القاعدة الشائعة أن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة . وتحفظي علي هذه القاعدة الشائعة مردود إلي سببين :
السبب الأول أن هذه القاعدة تنطوي علي التباس , إذ أنها تثير تساؤلا فيما إذا كان هذا الفصل يعني إبعاد الدين , أم يعني وضع الدين في مجال غير مجال الدولة . هذا بالإضافة إلي أن هذا التساؤل ينطوي علي خداع بصري , إذ هو يبدو أنه يخص الدولة في حين أنه يخص العالم وعلاقتنا بهذا العالم الذي نعيش فيه .
أما السبب الثاني فمترتب علي السبب الأول , إذ يسمح لنا السبب الأول أن نبحث عن طبيعة هذا العالم الذي نعيش فيه . وقد جاء في تعريفي للعلمانية أننا محصورون في مجال ما هو نسبي . ومعني ذلك أن علاقتنا بهذا العالم هي علاقة محصورة ومحكومة بما هو نسبي , وبالتالي تكون العلمانية مسألة خاصة بالعقل وهو يفكر وهو يتعامل مع هذا العالم . إنه يفكر بأسلوب نسبي , وبالتالي ليس من حقه أن يفكر علي خلاف ذلك في الأمور التي تخص حياته علي كوكب الأرض .
وقد حدث بعد تأسيس العلمانية في القرن السادس عشر أن تأسست ' نظرية العقد الاجتماعي ' عند كل من هوبز (1588-1679) ولوك (1632-1704). وموجز النظرية أن المجتمع من صنع الإنسان وليس من صنع الله . ومن العلمانية والعقد الاجتماعي تأسس التنوير . ونوجز معني التنوير في عبارة كانط التي وردت في مقاله الشهير المنشور في عام (1748) وعنوانه ' جواب عن سؤال : ما التنوير؟ ':' كن جريئا في إعمال عقلك '. ومعناها عندي ' لا سلطان علي العقل إلا العقل نفسه '.
وفي القرن التاسع عشر نشأت الليبرالية والأب الروحي لها هو الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت يل (1806-1873), وهي تعني أن سلطان الفرد فوق سلطان المجتمع .
والسؤال إذن : كيف يمكن أن يكون سلطان الفرد هو الأعلي؟
جواب ميل أن هذا ممكن بشرط غياب ' طغيان الأغلبية ' لأن هذا النوع من الطغيان قادر علي التغلغل في جميع المؤسسات الجماهيرية , وبالتالي يكون قادرا علي الحد من سلطان الفرد إلي الحد الذي يلزمه بالخضوع لرأي الأغلبية .
ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار : كيف يمتنع طغيان الأغلبية؟
بالعقل المتنور . قد تبدو هذه الإجابة غريبة , ولكن غرابتها تزول إذا سردنا كيفية تطور الحضارة الإنسانية . وأنا هنا أنتقي الثورة الفرنسية لأدلل علي سلامة الإجابة . وقد قيل رأيان في سبب نشوب هذه الثورة . قيل إنها من إفراز الطبقة البورجوازية , وقيل أيضا إنها من إفراز فلاسفة التنوير في أوروبا بوجه عام , وفي فرنسا بوجه خاص .
وأنا هنا أنحاز إلي الرأي الثاني لأن التنوير هو الذي ألزم البورجوازية بأن تكون مستنيرة . وإذا قيل - ردا علي رأيي - بأن الرأسمالية نشأت في بلدان أخري بلا تنوير فأنا أطلق علي هذا النوع من الرأسمالية بأنه طفيلي ومتداخل عضويا مع الأصولية الدينية التي تقف هي والطفيلية ضد مسار الحضارة الإنسانية الذي يتحرك من الفكر الأسطوري إلي الفكر العقلاني .
وتأسيسا علي ذلك كله يمكن القول بأن الديمقراطية لها أربعة مكونات : العلمانية ونظرية العقد الاجتماعي والتنوير والليبرالية . ومن هنا صككت مصطلح ' رباعية الديمقراطية '.
والسؤال إذن : هل نحن في مصر أسسنا هذه الرباعية؟
الجواب بالنفي , لأن أساس الديمقراطية وهو العلمانية غائب . وهي غائبة لأنها من المحرمات الثقافية . ومن يدعو إليها إما يتهم بالكفر والزندقة والإلحاد , ويقتل إن لزم الأمر . وإذا انتفت العلمانية انتفت الثلاثية المقامة عليها , ومن بينها ' الليبرالية '.
يبقي بعد ذلك التساؤل الثالث : ما الإحياء؟
لغة : نقول ' أحيا القوم , أي أخصبوا ', ونقول السقي يحيي الأرض بعد موت .
والسؤال عندئذ : هل كانت الليبرالية حية ثم ماتت , والمطلوب إحياؤها؟
أظن أن الجواب بالنفي لأنها لم تكن حية حتي تموت فنحييها من جديد . إنها أصلا ليست موجودة علي نحو ما انتهينا إليه في هذا المقال .
إذن المطلوب تأسيس الليبرالية وليس إحياؤها , وتأسيسها مرهون بتأسيس العلمانية في المقام الأول . ومعني ذلك أنه لا ليبرالية بلا علمانية .
أكاديمي ومفكر مصري