رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مقالات العدد

رأس المال الاجتماعى SocialCapitalهو رصيد المجتمع فى صورة شبكات أو روابط تقوم على الثقة، والاحترام المتبادل، والتضامن.

بالطبع هناك علاقات كثيرة يصدق عليها هذا الوصف، لكنها لا تقدم المعنى الحقيقى للمفهوم.

هناك العشيرة، والقبيلة، والجماعة الدينية التى يرتبط أعضاؤها بوشائج وعلاقات قوية تعظم الترابط فيما بينهم، لكنها لا تسهم فى تقدم المجتمع.

هناك على الجانب الآخر، ما سماه روبرت بوتنام “رأس المال الاجتماعى المظلم”، وهى التشكيلات العصابية.

هؤلاء يرتبطون فيما بينهم أيضا بروابط، وقواعد عمل متفق عليها، ورموز وشفرات محل احترام منهم، لكن بالتأكيد لا يسهم تضامنهم فى تقدم المجتمع، بل يأتى ــ عادة ــ خصما من رفاهية المجتمع بحكم التعريف. 

رأس المال الاجتماعى الذى نتحدث عنه هو الروابط التى تجمع المختلفين فى الثقافة، والانتماء السياسى، والمعتقد الدينى، والنوع، والموقع الجغرافى، يجمعون على قضية واحدة يودون تحقيقها.

يسهم هذا النمط من رأس المال الاجتماعى فى تقدم المجتمع، عبر عدة محاور.

أولا: يلتقى المختلفون على الاحترام المتبادل فيما بينهم.

حالة من الاختبار والفحص المباشر فى العلاقات تنتهى، دوما، بمشاعر فياضة من تقدير الاختلاف.

ثانيا: يلجأ المختلفون إلى آلية «الحوار» لاتخاذ القرارات الخاصة بهم.

ثالثا: يلتقى المختلفون حول قضية واحدة، ينحون اختلافاتهم جانبا فى سبيل تحقيقها.

رابعا: يعمد المختلفون، الذين يتقاسمون الهم المشترك، إلى تبادل الأفكار، والخبرات، والآراء، والمعلومات، مما يجعل هناك حالة من الحراك والتفاعل فيما بينهم.

خامسا: يجمع المختلفون فى علاقاتهم على مبدأ «الثقة»، لا مجال لخيانة الأمانة، أو الإساءة لوعد الكلمة، الكل مجمع على هدف، ويجمع بينهم شعور متبادل بالثقة، مما يخفض من تكاليف التواصل فيما بينهم، فى الزمن والجهد والمال.

سادسا: يجتمع المختلفون حول قضية مما يتيح لهم الإفادة من المزايا النوعية التى يحملها كل منهم فى توزيع المهام والمسئوليات، وتحقيق أفضل نتائج من توظيف الموارد البشرية المتاحة.

سابعا: الاعتماد على التعاون الذى يحترم كل موهبة، ووظيفة، وقدرات، مادام يصب فى النهاية فى خدمة الهدف المشترك.

أولا:  رأس مال الثورة

ثورة 25 يناير 2011، ثانى ثورات الربيع العربى عقب ثورة الياسمين فى تونس، تقدم نموذجا فى بناء رأس المال الاجتماعى بالمعنى التضامنى، المبنى على الثقة والاحترام المتبادل، والقائم على التعاون وتبادل الخبرات والمعرفة، والإفادة القصوى من الموارد البشرية.

اجتمع الشباب، وبعض القوى السياسية، من مختلف المشارب والأطياف، ممن كانوا لا يجتمعون على شيء فى السابق فى “ميدان التحرير”.

اليسارى والليبرالى بجوار الإسلامى فى مزيج فريد غابت عنه المساجلات المعتادة بين الفرق المتناحرة فى السياسة المصرية، والتى كان يقتات عليها نظام حسنى مبارك، فكانت المعارضة تعارض بعضها أكثر مما تعارض النظام الذى سمح لها بالوجود، وحدد لها مقاييس الحركة والتمدد.

ما الذى جمع هؤلاء؟ هو شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”.

صور جميلة بثت من “ميدان التحرير” توضع جميعا تحت لافتة “رأس المال الاجتماعي”، شباب يقبعون فى الخيام، شابات وشبان يعملون معا فى خبرة إنسانية عميقة لم تشهد إساءة للمرأة، بل على العكس احترامًا وتضامنًا معها.

مسلمون يحرسون مسيحيين وهم يصلون فى الميدان، ومسيحيون يحرسون مسلمين وهم يؤدون صلاتهم.

المنصة الواحدة يصطف عليها كل ألوان الطيف السياسى، وحين يغير المغيرون من خارج الميدان ينتبه الكل، ويسعون جميعا للدفاع عن زملائهم.

تضحية، إيثار، من يعد الوجبات، ومن يعمل فى المستشفى الميدانى، ومن يتعاقب على دوريات الحراسة، ومن يقوم بالنظافة، صور جميلة لمجتمع يولد من جديد.

بالفعل ولد رأس مال اجتماعى فى قلب الميدان، بعد أن سقطت الأساطير، والغشاوة عن أعين كثيرة، وبدأ الناس المختلفون يتعرفون عن كثب على بعضهم بعضا، ويطورون علاقات أعمق فيما بينهم.

وبدا، ربما خلاف الحقيقة، أن الوجوه متشابهة، والعقول متجانسة، والفروق بين المختلفين، الذين عاشوا متصارعين، تكاد تكون محدودة.

وبينما كان الشباب فى “ميدان التحرير” يبحث عن تغيير حقيقى، كان هناك لصوص وفاسدون يغيرون على بيوت المصريين فى ظل انفلات أمنى غير مسبوق، مرة أخرى اصطف الشباب، المختلفون أيضا من أهالى المناطق المختلفة، ووفروا الحماية لمناطقهم السكنية، وبينما كانت هناك أحداث عنف طائفى سبقت ثورة 25 يناير، لم يلق حجر واحد على كنيسة، حالة فريدة من رأس المال الاجتماعى الذى قام على الثقة والتضامن، ووفر الأمن والسكينة.

الشعار “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” هز أرجاء المنطقة العربية، بل والعالم بأسره، وسقط رأس نظام مبارك بإعلان تنحيه عن السلطة، وعمت الأفراح ميدان التحرير، ابتهج أصحاب تجربة الثمانية عشر يوما، التى امتدت من 25 يناير إلى 11 فبراير، يوم أن أعلن حسنى مبارك تنحيه عن السلطة، امتدت الأفراح للميادين والشوارع، واستعاد المصريون الأغانى الوطنية إلى مسامعهم، بعد أن كادوا ينسون بعضا منها، وسَرَت روح جديدة فى المجتمع.

الكل يريد أن يفعل شيئا إيجابيا، ولم يكن أبسطه أن نزل الشباب والشابات، حتى فى أكثر المناطق الراقية، ينظفون الشوارع، وينشرون الشعور بالجمال الذى ولد داخل المصريين.

ثانيا:  انفراط العقد

ترك الشباب «ميدان التحرير»، وتبعثر ترابطهم وتضامنهم، والشعور العميق بالثقة الذى ولد فيهم.

دخل كهنة السياسة على الخط فى محاولة للقفز على ثورة هؤلاء الشباب، معلنين ـ ضمنا ـ أن خبرة «ميدان التحرير» انتهت، وجاء وقت توزيع المغانم السياسية.

الكل يتحدث عن «ميدان التحرير» المرجع وقبلة الثورة، ولكنهم بالفعل يتنكرون له، ويعملون خلاف الروح التى أينعت فيه.

تبعثرت قيم التحرير سريعا، سواء بأفعال القوى السياسية التى كانت حاضرة فى الثورة، أو التى تريد القفز على الثورة، أو بقايا النظام الذى سقط رأسه، الكل يريد أن يبحث له عن موطئ قدم على حساب قيم التحرير ذاتها.

بدأت مسيرة الانقسام بتعديل بعض مواد دستور 1971، والتى قام التيار الإسلامى، إخوان وسلفيون ومن شايعهم، بتحويلها إلى معركة طائفية فى الشارع، واستجابت الأطراف القبطية لذلك بحشد مماثل، حول «الانتخابات أولا» أم «الدستور أولا»؟ نجح التيار الإسلامى فى مسعاه، وحصل على الانتخابات أولا، ثم تلا ذلك محاولات فاشلة، داخل الجمعية التأسيسية، خرجت بدستور عام 2012، الذى لم يرض قوى عديدة، وفرض قسرا على إرادة المصريين.

خبرة الشهور التى تلت الثورة جميعها خبرات انقسام، وتبعثر لرأس المال الاجتماعى الذى تكوَّن وأنشئ فى قلب «ميدان التحرير»، الذى جرى تطييفه سياسيا، فلم يعد ذلك الميدان الثورى الجامع المانع، بل تحول إلى كانتونات يرعاها بارونات السياسة: هذه جمعة ثورية، وأخرى جمعة «قندهار»، وبات واضحا أن هناك من يريد مصادرة الثورة لحسابه، حسب المقولة الشهيرة اجتمعنا على إسقاط مبارك، فبعد ما تحقق ذلك، يعود كل واحد إلى أدراجه.

اللافت، أن الذين شكلوا عناوين لرأس مال اجتماعى ثورة 25 يناير، تحولوا إلى ضحايا أساسيين لها.

الأمثلة على ذلك كثيرة.

الشباب جرى تهميشهم بفعل بارونات السياسة، باعتقاد غير معلن أن الثورة يقوم بها شباب، بينما العمل السياسى يحتاج إلى الاحتراف.

لم يكن الشباب يمتلكون موارد تمكنهم من الصمود، فهم، فى رأى أنصار مبارك، «عملاء»، وفى رأى القوى السياسية «غير مرغوب فيهم»، وهكذا علا صوتهم، وانفلتت أعصابهم، وارتكبوا الأخطاء، الواحد تلو الآخر، فلم يتحولوا إلى قوة سياسية منظمة، وظلوا فى مرمى نيران أطراف عديدة، ولم يجيدوا خبرة التعامل مع السلطة التى أجاد كهنة السياسة التواصل معها. 

عرفت ثورة يناير خروجا للشباب القبطى إلى ميادين النضال الديمقراطى.

تشكلت حركة «شباب ماسبيرو» من قلب النضال أمام مبنى ماسبيرو، احتجاجا على ما حدث فى كنيسة «صول» بعد أسابيع من تنحى مبارك.

فقد هدم السكان المحليون مبنى الكنيسة، ولم تفلح الدولة ـ وقتئذ ـ بقيادة المجلس العسكرى فى حل الأزمة إلا بالاستعانة بالمشايخ السلفيين لتهدئة الخواطر الهائجة، مما أعطى انطباعا لدى قطاع من الأقباط بأن قضاياهم تعالج بعد الثورة على أرضية دينية ـ طائفية وليس من خلال المنظور الوطنى المدنى الأرحب الذين توقعوه عقب ثورة 25 يناير.

وجاءت الانتخابات البرلمانية عام 2011، ليجد الأقباط تحديا فى الوصول إلى البرلمان، وسادت الانتهازية كل الأطراف، ولم يتوقف أحد أمام دروس ثورة يناير فى الوحدة، والانفتاح، والحرص على التنوع.

أما المرأة فلم تجد من يدافع عنها أمام فتاوى وآراء هبت على السطح تنال منها، ورغبة عارمة من جانب القوى الإسلامية فى مراجعة بعض المكاسب التى حصلت عليها المرأة فى السابق فى ظل نظام مبارك، ولم تكن مكاسب كبرى، فضلا عن أنها ليست مكاسب تحسب للنظام بل تحسب لنضال المجتمع، ينبغى عدم التراجع عنها بعد أفول النظام.

وفى الانتخابات البرلمانية عام 2011، تخلى عنها تقريبا كل الأطراف، وتعاملت الأحزاب السياسية بانتهازية مع المرأة المصرية، ولم ترشح سوى عدد محدود جدا، يستوى فى هذا الأحزاب المدنية أو الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، والتى تفوقت على مثيلاتها المدنية ليس فقط فى ندرة عدد المرشحات على قوائمها، ولكن نحا أحدها- وهو حزب النور السلفى- بوضع المرشحات النساء فى ذيل القوائم، واستبدال «صورة وردة» بصورهن فى الدعاية الانتخابية.

وهكذا بددت صراعات السياسة روح ثورة 25 يناير، لا اتفاق على برلمان، ولا دستور، ولا حوار سياسى جاد، وسط تقاذف الاتهامات، واستعراض العضلات فى الشارع، وصعد الشعار «الشرعية للبرلمان» فى مواجهة شرعية «ميدان التحرير» الذى يقع على بُعد أمتار من مجلس الشعب وقتئذ، وأختلطت الأمور، وضاعت الثورة، وبدد رأس المال الاجتماعى الذى ولد فى خبرة النضال لإسقاط نظام مبارك.

ثالثا:  دروس السنوات الخمس

عرفت مصر ثورتين: 25 يناير2011، و30 يونيو 2013، وشهدت عدة رئاسات: المجلس العسكرى، محمد مرسى، عدلى منصور، ثم الرئيس الحالى عبد الفتاح السيسى، وعرفت برلمانا حُل بحكم من المحكمة الدستورية، وآخر تشكل مؤخرا، فى كل هذه المنعطفات المهمة، الحبلى بالأحداث والتطورات غير المسبوقة فى تاريخ مصر، لم يعرف المصريون خبرة رأس المال الاجتماعى التى تشكلت فى خضم ثورة 25 يناير، فقط ثمانية عشر يوما، ولم يصمد أى تحالف، أو علاقات بين قوى سياسية، أو مشاعر تضامن إلا وتهاوت، بحيث تحول المشهد إلى كثير من الصخب، وقليل من التفاهم، حتى خبرة جبهة الإنقاذ التى نشأت فى وجه حكم الإخوان المسلمين، كانت تموج بالخلافات، التى لم تلبث أن أودت بها عقب 3 يوليو 2013.

الأسباب التى تكمن وراء هذه الظاهرة كثيرة، منها أن جذور علاقات التعاون بين النخب محدودة، إلى جانب عدم القدرة على بناء توافقات فكرية عميقة تشكل حاضنة للحركة السياسية، بل على العكس، الأهم بالنسبة للفاعلين السياسيين لم يكن الفكر، بل الحركة، والحشد، واستعراض العضلات، وكسب الجماهير.

أيضا، لم تعرف مصر رموزاً ثقافية وسياسية قادرة على التضحية بالمصالح الصغيرة المباشرة من أجل تحقيق الهم الأكبر المشترك، بل كل ما شاهدناه هو معارك صغيرة، وغابت النقاشات والجهود الجادة.

بالفعل، يقول كثيرون: إن ثورة 25 يناير أعادتنا إلى الوراء، وتكاثر منتقدوها بشكل كبير، وعلت أصوات تهينها، وتوصمها بكل ما هو سلبى.

ورغم كل ذلك، تظل خبرة هذه الثورة بالنسبة للباحثين، والدارسين تجربة مهمة لبناء رأس مال اجتماعى يندر أن نجد له مثيلا.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة