دراسات العدد
طرفا عملية التحول الديمقراطى وتأثيراتهما فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
2015/12/30
بقلم د. فيليب شميتر- د. نادين سيكا
0
2530
67
العدد :

هناك دائماً طرفان فى عملية التحول الديمقراطى. فهى من الطرف الأول تثير مجموعة من الأحداث والعمليات والرموز ذات الصبغة العالمية. ومن الطرف الثانى، تتضمن مجموعة أكثر خصوصية من عمليات التكيف أو التعديل «الواقعية» للهياكل والظروف الخاصة بكل دولة فى لحظات معينة من الزمن. وستركز هذه الدراسة على مجموعة من الفرضيات المبنية على الطرف الثانى للتحول الديمقراطى، والذى يبدو (لنا) أنه يصف فروقا مهمة بين الدول العربية التى تمر بعملية «انتقالية»، ودول أخرى سابقة فى جنوب أوروبا، وفى أمريكا اللاتينية، وأوروبا الشرقية، وآسيا، خاصة فيما يتعلق بمحيطها «الخارجى».

وفيما يتعلق بالطرف الأول لعملية التحول، هناك ــ على ما يبدو ــ تشابهات مهمة بين الدول العربية والحالات المتعلقة بجمهوريات ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، وخاصة تلك التى مرت بما يعرف بـ «الثورات الملونة» فى فترة مبكرة من أواسط العقد الأول من القرن الحادى والعشرين.

أما الطرف الثانى لعملية التحول الديمقراطى، فيساهم فى تمكين المواطنين من الحصول على حقوق الإنسان، والحريات المدنية التى لم تكن لديهم قبل ذلك، كما يزداد معه وصول الناس إلى مصادر مختلفة للمعلومات، ويسمح فيه للأحزاب السياسية بأن تتشكل وتنافس بشكل مفتوح مع بعضها بعضا، وتجرى فيه انتخابات تكون نتائجها غير أكيدة، لكن يستمر إجراؤها بشكل منتظم. كما يذهب الناخبون بحرية لصناديق الاقتراع وتحتسب أصواتهم بشكل نزيه، ويعلن عن الفائزين ويشغلون مقاعدهم فى البرلمان أو مواقعهم فى السلطة التنفيذية. والأهم من ذلك، يسمح الخاسرون لهؤلاء بالقيام بتلك الأمور. كما تجرى مراجعة الدساتير أو تعاد صياغتها والتصديق عليها. وإذا كان ذلك التحول فى النظام ناجحا، يؤدىذلك إلى اكتساب الدولة وضعاً جديداً ومحترماً من خلال الترحيب بها فى النادى الدولى لـ «الديمقراطيات الحقيقية القائمة(real-existingdemocraciesREDs).

هناك عادة تعديلات واقعية أو تسويات، عبر التفاوض، موجودة فى تطبيق المجموعة المهمة المذكورة أعلاه من المعايير والأحداث والعمليات والرموز. فالحقوق والحريات التى يكتسبها المواطنون قد تكون متطابقة من الناحية الشكلية، لكن العوائق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تمنع المواطنين من الوصول إليها بشكل فعال، أو على الأقل بشكل متساوٍ. وتتضمن الدساتير عادة ضمانات خاصة للمجموعات المميزة من النخبة، وخاصة أصحاب الأملاك والأراضى، وكذلك وضعية مطمئنة للمؤسسات القوية، وخاصة القوات المسلحة، والمؤسسات الدينية، والخدمات المدنية، والمؤسسات شبه النظامية للدولة، والتى تحميهم من أى نتائج غير متوقعة للانتخابات التشريعية وتداول السلطة التنفيذية.

وقد تبدو الانتخابات تنافسية، لكن أصحاب السلطة القائمة غالبا ما يكون لديهم سيطرة على موارد الدولة، ويتحكمون فى الإعلام الذى يتحيز لما يحققونه من نتائج. والناخبون قد يكونون أحرارا من أى ضغوط للذهاب إلى صناديق الاقتراع، وقد تحتسب أصواتهم بشكل دقيق، لكن تقسيم الدوائر الانتخابية التى تجمعهم قد يعمل فى مصلحة البعض على حساب البعض الآخر.

وقد يسمح للفائزين، وحتى من أعضاء المعارضة، أن يشغلوا مقاعدهم البرلمانية، لكن قد يكون ذلك فى برلمان ليست له قوة فعالة أو يتمتع بقدر ضئيل من تلك القوة، سواء لإصدار تشريع أو تعديل آخر. كما يمكن للأشخاص الذين يشغلون مناصب تنفيذية، سواء من المنتخبين بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر البرلمان، أن يتم تمكينهم ليحكموا من خلال مراسيم أو قرارات خلال «حالة الطوارئ» المفروضة. وأخيرا، تعد المعايير المتعلقة بالانضمام  لذلك النادى الدولى للديمقراطيات الحقيقية القائمة  (والفوائد التى تكون فى صورة مكافآت إقليمية أو دولية، أو مادية أو رمزية) غير واضحة، ويسهل تجاهلها، عندما يكون ذلك فى مصلحة الأعضاء المتواجدين فيه. وقد تمكنت «النظم الهجينة» hybridregimes)1 ) مثل بلغاريا، ورومانيا، من شق طريقها داخلالنادى الإقليمى للديمقراطيات الأكثر انتقاءً من ذلك النادى الدولى، وهو الاتحاد الأوروبى.  

وركزت الكتابات التى صدرت بشأن التحول الديمقراطى الذى ظهر منذ الثمانينيات  بشكل صارم، على تلك الأحداث والعمليات  المتعلقة بما أطلقنا عليه «الطرف الأول» للتحول الديمقراطى، والذى تشترك فيه كل عمليات التحول من النظم الأوتوقراطية فى أمريكا اللاتينية، وجنوب أوروبا، وأوروبا الشرقية إلى حد ما، وذلك على الأقل منذ أواسط السبعينيات. كما افترضت تلك الكتابات أن بغض النظر عن نمط التحول، هناك شيء ما يقترب من الديمقراطيات الحقيقية(REDs) كان هو الهدف الجماعى المقصود، بالرغم من أنها لم تفترض أن ذلك الهدف سوف يتحقق دائما. كما حاد بعض المحللين عن طريقهم- وعادة كان يتقدم هؤلاء المحللون  المتخصصون فى شؤون دولة أو منطقة ما- برفض فكرة أنه بسبب إن هناك خلافاتفى الثقافة والموقع الجغرافى، ونوع النظام السلطوى السابق، ومستوى التقدم، فإن النتائج من المحتم أن تكون مختلفة2.

ولا يمكن لأحد يدرس عملية تغير النظم والانتقال المحتمل أن ينكر أنه كانت هناك العديد من العوامل التى ساهمت فى جعل أى نتيجة ديمقراطية أكثر سهولة، وأكثر احتمالا فى الماضي: مثل اقتصاد أكثر رخاءً وتقدما، ومستوى أعلى من النمو الاقتصادى، وتوزيع أولى أكثر عدلا للدخل والثروة، ومجتمع أكثر تناغما من الناحية العرقية والدينية، واستعمار من قبل قوة أمريكية أو أوروبية أقل شرا، واعتماد أقل على النفط أو الغاز الطبيعى (ناهيك عن موارد محتملة أخرى قابلة للنهب مثل الماس أو الذهب)، وتاريخ لمحاولات سابقة للتحول الديمقراطى، وغياب للحرب الأهلية أو تهديد الجيران، وفترة قصيرة نسبيا للحكم السلطوى السابق- ويمكن لهذه القائمة أن تمتد (وقد امتدت) بشكل لا نهائى تقريبا3

ومن خلال التركيز على مجموعة من الأمور غير المتيقن منها، وعلى جهة تعرف عملية الانتقال والسياسة «غير الطبيعية» المتعلقة بها، تعامل الخبراء المختصون بدراسة العمليات الانتقالية «transitologists» مع هذه المتطلبات المسبقة المزعومة، كمجرد عوامل ميسرة أو مدمرة يمكن التغلب عليها من خلال ما أطلق عليه ميكافيللى «الفضيلة» «Vitu» – أى قدرة فاعل سياسى فردى (أو فى عالم اليوم، مجموعة منظمة من الفاعلين السياسيين، أو حزب أو حركة على سبيل المثال) على تقييم الوضع المتغير بسرعة، وعلى رؤية الفرص لتقديم استجابات إبداعية، وعلى الإتيان بمجموعة من القواعد والممارسات التى تتناسب مع خصائص سلطة معينة – مع الحفاظ على المبادئ العامة الثلاثة للديمقراطية، وهى المساواة السياسية أو المواطنة، والمشاركة فى العمل الجماعى، ومحاسبة من يحكمون4. والمشكلة مع هذا التحليل كانت تتلخص فى أنه يعوِّل كثيرا على «الفضيلة» الخاصة بالقادة وتعاونهم فى تشكيل ديمقراطيةحقيقية قائمة، وهو شيء ثبُت أنه ليس الواقع فى العديد من الصيغ فى دول ما بعد الشيوعية، وفى الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا  حتى الآن. 

فى هذه الدراسة، سنتحول إلى التحليل المتعلق بـ «الطرف الثانى» للتحول الديمقراطى الخاص بالفروق بين العالم العربى ودول أخرى حاولت أن تغير نظمها منذ عام 1974. وستكون مهمتنا المحددة هى فحص خواص مجموعة معينة من الدول التى بدأت تجربتها مع «عمليات الانتقال» هذه بعد فترات طويلة من الحكم السلطوى. وهذه الدول، خاصة تلك التى مرت بانتفاضات شعبية ضخمة مؤخرا، مثل تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا، تعد حالات دراسة جوهرية، حيث نسبة عدم اليقين المرتفعة الخاصة بعملية التحول تعد مهمة جدا فى تسليط الضوء على العوائق المحتملة التى تحول دون تحقيق  ديمقراطية حقيقية قائمة.

عوامل نمطية:

لقد أكدت الأدبيات المتعلقة بالسياسة فى العالم العربى بشكل مستمر على صمود النظم الأوتوقراطية على أسس متعددة. هناك عدد من «العوامل النمطية» والتى لا تزال ينظر إليها من قبل المختصين فى تلك المنطقة على أنها مسئولة عن غياب ليس فقط الديمقراطية فى المنطقة العربية، ولكن أيضا عن غياب، محاولات جادة نحو التحول الديمقراطى أو حتى محاولات فاشلة نحو التحرر. ويمكن تلخيص هذه الفواعل من الناحية المؤسسية، والسياسية، والاقتصادية والجيو- استراتيجية  كما يلى:

1 - حقيقة أن المجتمع المدنى وأحزاب المعارضة السياسية يتسمون بالضعف من الأساس ويجرى التلاعب بهم باستمرار من قبل الدولة.

2 - حقيقة أن العالم العربى موطن لمجموعة قوية، على وجه الخصوص، من المؤسسات القمعية التى كان لها «القدرة والإرادة لقمع المبادرات الديمقراطية التى تنشأ من المجتمع»5.

3 - حقيقة أن وجود الدول الريعية وشبه الريعية فى المنطقة قد أدى إلى الاستقلال المالى للعديد من الأنظمة العربية، وخاصة دول الخليج، عن الضغوط المجتمعية. فالدولة تستطيع أن تطور وتنفذ سياسات مستقلة عن الرأى العام 6.

4 - حقيقة أن كل الدول فى المنطقة ــ واقعيا ــ قد عانت من حروب قومية (أهلية) أو خارجية (دولية). وبالتالى، أصبح لديها اعتماد كبير وغير عادى على جيوشها، وهو ما شجع بدوره على دخولها الممنهج إلى كل من السياسة الداخلية والاقتصادى المحلى.

وبالنسبة لكل المختصين وغير المختصين، يبدو أن كل هذه الافتراضات كان لها بعض المعقولية، وبدا أنها ــ مجتمعة ــ قد بالغت فى تحديد غياب أى جهود متواصلة نحو التحول الديمقراطى. ويبدو أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا  تشكل بالفعل منطقة من العالم متماسكة بشكل غير معتاد مع لغتها ودينها المشتركين، ناهيك عن التقارب الجغرافى  والتجارب الاستعمارية المتشابهة تقريبا. 

ويميل الأكاديميون وصانعو السياسات إلى التعامل مع تلك الدول كما لو كانت وحدة ثقافية-اجتماعية واحدة، وبالتالى، كانوا يتوقعون أن يكون رد فعلها متشابها لنفس المحفزات، وأن تتعلم بسرعة من تجارب بعضها. لكن كلما كان المرء أكثر قربا عند فحص هذه القواسم المشتركة المزعومة، وجد أنها أكثر تفككا إلى تباينات واختلافات.

كما أن الحقيقة البسيطة التى مفادها أن «عمليات الانتقال» العربية بدأت مؤخرا فى عصر العولمة الرأسمالية، وفى فترة مختلفة من دورتها فى مجال الأعمال، وفى موقع جيو-استراتيجى مليء بالنزاعات، يبدو أن لها أهمية معتبرة فيما يتعلق بالنتائج المحتملة الخاصة بعمليات الانتقال تلك. ولنقلها صراحة، هذه العناصر المتعلقة بالتغيير تشير إلى أن الانتقال إلى الديمقراطية سيكون أكثر صعوبة فى تلك المنطقة. وبدلا من ذلك، فإن العملية الحالية لانهيار النظام والتغيير فى هذه المنطقة تبدو أنها تؤدى إما إلى تدمير الدولة، وبالتالى لن يكون هناك نظام من أى نوع، مثلما هو الحال فى سوريا واليمن، أو إلى انتقال نحو نوع آخر من النظام الهجين وليس إلى دولة ديمقراطية، كما هو الحال فى تونس ومصر، على سبيل المثال.

الفرضية الأولى:

اليوم ترتبط الديمقراطية الليبرالية الغربية ارتباطا أقل وثاقة بمرحلة طويلة من الرخاء الاقتصادى، والأمن الوظيفى، والمساواة الاجتماعية، وحماية أكبر من المخاطر. فهؤلاء الذين تم تسليط الضوء عليهم فى الموجة التى بدأت فى عام 1974، والتى منحت أهمية إضافية فى عام 1989، استطاعوا أن يتوقعوا بثقة – بعد أن دفعوا بعض تكاليف التحول- أنهم سوف ينتهى بهم الأمر، ليس فقط وهم أحرار، وإنما وهم  أكثر ثراء. لقد انتهى عصر «الثلاثين المجيدة»، كما يسميه الفرنسيون، وهو يشير إلى الثلاثين عاما التى أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية – وكذلك العقد الاجتماعى الذى أنتج تلك السنوات. ومنذ فترة الثمانينيات، لم تتراجع معدلات النمو فحسب، وإنما ازدادت أيضا ظاهرة عدم المساواة بشكل دراماتيكى فى معظم بلدان  أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. وقد أنهت السياسات النيوليبرالية المتعلقة بعملية الخصخصة، وإلغاء الضوابط التنظيمية، وإلغاء الضرائب، الصلة التى كانت تربط بين الإنتاجية والأجور. فالعمال والموظفون فى الصناعات المحلية والقومية تم تهميشهم، مقابل المنتجين الأقوياء والعابرين للدول، وكذلك الممولين. 

إن حالة الرخاء التى كانت تربط بين الديمقراطية والرأسمالية من خلال النمو الاقتصادى وإعادة توزيع الثروة تجرى حاليا «إعادة التفاوض بشأنها» و«تراجعها»، وانتهى أيضا الوعد بتشغيل كل العاطلين، حتى من قبل الأحزاب اليسارية. وبشكل مثير للحرج، تحولت الصلة الوثيقة بين نوع نظام الحكم والأداء الاقتصادى المتفوق إلى فكرة التكنوقراط المستبدين ورأسمالية الدولة- تعد الصين أبرز مثال لذلك- برغم أنه من الصعب صراحة أن نُقيم مدى الوعى، الذى وصل إليه الرأى العام  فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا،  بهذا التحول الزلزالي7.

كما كان للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية المتداخلة مع الحكم المستبد، رغم ذلك، تداعيات مهمة عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتم التلاعب بالسياسات الخاصة بالتعديل الهيكلى لصالح النخب السياسية والاقتصادية. وقد أصبحت الأسواق أكثر تحررية ورأسمالية منذ عقد التسعينيات، وبرغم ذلك، ظلت تلك الأسواق غير تنافسية فى طبيعتها. هذه السياسات زادت من الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وهمشت وعزلت أبناء الطبقات الوسطى.

 ويعد الحراك الجماهيرى ضد سياسات النيوليبرالية فى تزايد منذ تطبيقها بقوة فى منتصف العقد الأول من القرن الجديد. لقد شهدت غالبية دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا  مظاهرات كبيرة تطالب بحقوق اقتصادية واجتماعية أكبر. ففى مصر، على سبيل المثال، زادت إضرابات العمال فى عام 2006، وخاصة فى مدينة المحلة الصناعية. ومن قلب هذه التحركات، ظهرت حركة احتجاجية جديدة ومهمة، وتحديدا حركة شباب 6 أبريل التى طالبت ليس بحقوق اقتصادية فحسب، وإنما بحقوق سياسية أيضا. وفى تونس، اندلعت تظاهرات فى عام 2008 كانت تركز على رفض عدم المساواة فى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، والتى انطلقت من إحدى شركات التعدين8.  إلا أنه حتى بعد سقوط الطغاة الذين حكموا لفترات طويلة فى مصر وتونس واليمن، لم تتغير العلاقة بين السياسات النيوليبرالية العامة، ونظم الحكم الجديدة، والاقتصاد الرأسمالى المبنى على المحسوبية. وظلت هياكل النظام كما هى، وما تغير فقط هو الأفراد الذين يشغلونها ويحكمونها.

وهذا يعنى أن المطالب الرئيسية التى حركت تلك الاضطرابات الاجتماعية والانتفاضات– والتى كان سببها عدم المساواة المتزايدة، وانعدام الأمن الوظيفى، والبطالة الهائلة بين الشباب – لم يتم التعامل معها من قبل الحكومات «الانتقالية» الأولية. ظلت السياسات كما هى، لكن تغيرت فقط الوجوه التى كانت تطبقها. فقد طالب المتظاهرون بـ«العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية»، لكن وضعهم ازداد سوءا بسبب استمرار الاضطرابات السياسية وحالة عدم اليقين، وتزامن ذلك مع إجراءات صيانة للإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية. وبالمثل فى أنظمة دول ما بعد الاتحاد السوفيتى، وخاصة فى روسيا، وأوكرانيا، ومولدافيا، وأرمينيا، وجورجيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، كانت إجراءات الخصخصة موبوءة بالفساد، مما خلق طبقة رأسمالية جديدة وضعت مصالحها فوق مصلحة الدولة. وتعد روسيا وأوكرانيا من الأمثلة المهمة، حيث استخدمت النخب الاقتصادية فيهما الموارد والعلاقات السياسية لدعم نفوذها السياسى. وقد فازت بعض تلك النخب الاقتصادية بمقاعد فى البرلمان فقط، بهدف التمتع بحصانة من الملاحقة القضائية9. وقد غرس هذان النظامان سياسات اقتصادية لمصالحهما الخاصة، وهو ما شكل دعماً لصالح سلطة الهياكل «المستبدة»، بدلا من التحرر وتحقيق انفتاح فى النظام السياسى.

ففى أوكرانيا، على سبيل المثال، لعب حلفاء الرئيس السابق ليونيد كوتشما، والذين كانوا أباطرة اقتصاديين كباراً، دورا رئيسيا فى تمويل الحركة الاحتجاجية التى سبقت الثورة البرتقالية فى عام 2004. وعندما تولى يوكوشينكو رئيسا بعده، جرى تعزيز المصالح الاقتصادية الخاصة بهؤلاء الأباطرة فى قطاع الاقتصاد10. وقد استخدم حلفاء النظام السابق المحسوبية، والإعلام، وموارد اقتصادية أخرى من أجل تعزيز نفوذهم. ولم تشمل وعودهم الاقتصادية مزيدا من العدالة الاجتماعية لصالح المواطنين المحررين حديثا من بلادهم، ولكنهم ركزوا ــ بدلا من ذلك ــ على تعزيز ثرواتهم الخاصة داخل النظام «الجديد».

الفرضية الثانية:

وقد حدث شيء أيضا خلال هذه الفترة لإحدى أهم المؤسسات لكل الديمقراطيات الحقيقية القائمةمن الناحية التاريخية، كانت الصيغة المتعلقة بالتحول الديمقراطى الناجح هى الحصول على حق تشكيل الأجزاب. فالأحزاب ستظهر تلقائيا مع عقد انتخابات تنافسية ذات مصداقية لاختيار المرشحين، وتضع برامج (انتخابية)، وتنظم حملات، وتملئ مواقع تشريعية وتنفيذية، وتشكل حكومات. وبمجرد أنها حققت ذلك، أصبح متوقعا من الجماهير أن يقبلوا البدائل المحدودة للسياسة التى تقدم لهم، وأن يستقروا بثقة داخل الهويات المقدمة لهم من نفس الأحزاب من انتخابات لأخرى.

وبالفعل، كان المواطنون فى الديمقراطيات الغربية الراسخة ماقبل الثمانينات أقل احتمالا فى أن يصبحوا أعضاءا فى أحزاب أو حتى يرتبطوا بها بشكل منتظم. وبدأت مشاركتهم فى الانتخابات تتراجع، وكذلك تراجعت ثقتهم فى السياسيين الحزبيين. كما كان واضعو قواعد التحول الديمقراطى الأوائل فى جنوب أوروبا وبعض دول أمريكا اللاتينية لهم أحزاب راسخة نسبيا والتى بقيت وكافحت ضد الاستبداد.

وقد استمر هؤلاء فى لعب دور مهم فى عملية الترسيخ هذه، لكن فى أوروبا الشرقية لم تكن الحال كذلك، وكان أفضل ما يمكن للأحزاب أن تفعله هو أن تتبنى شعارات ورموز غربية. وبالتالى، أصبحت النظم الحزبية الناتجة عن ذلك تمثل مصدرا دائما للمشكلات، وليس حلا لها. ما الذى يمكن أن يتوقعه المرء ــ إذاً ــ للأحزاب السياسية فى السياق الحالى للشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، حيث الميراث التاريخى الأقل حالا من ذلك؟ .

 فخلال أغلب مراحل تاريخها الحديث، ظلت أحزاب المعارضة تحت سيطرة صارمة. وواقعيا، كان يتم التسامح معها فقط لتكون عوامل لإعطاء الشرعية، عندما يتعلق الأمر بالعالم الخارجى. فيسمح لها بالمنافسة ما لم تهدد بالفوز. وبالتالى، كانت القاعدة وليس الاستثناء، فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، هى حزب سياسى واحد يفرض سيطرته، ويتحكم فى السلطات التشريعية والتنفيذية، ومعظم مؤسسات المجتمع المدنى، وخاصة النقابات المهنية، والاتحادات العمالية. ويتم التسامح أيضا مع بعض الأحزاب العلمانية الصغيرة بشرط أن تلعب دور «المعارضة الموالية». وقد تنتقد هذه الأحزاب سياسات معينة، لكنها لا يُسمح لها أبدأ بأن تتحدى قيادة النظام أو الوضع المؤسسى القائم. وتشمل الأمثلة على ذلك الجبهة التقدمية الوطنية فى سوريا، وحزب الوفد الجديد فى مصر، وبعض الأحزاب السياسية فى الجزائر11.

كانت هذه الأحزاب بشكل عام بعيدة عن الجماهير، وتعانى من انقسامات داخلية حادة، ولها عدد قليل جدا من الأتباع (وحقيقة ليس لها أعضاء)، وكانت غير ذات صلة (بالسياسة) – ولا تزال كذلك بعد تغيير النظم السابقة. أما الحركات الدينية، أى الإسلامية، من ناحية أخرى، فكان لها جماهير أكبر وأتباع أكثر ولاءً بسبب تواجدهم الكبير فى المجال العام، وخاصة المساجد والمنظمات الخيرية المرتبطة بها. فبعد أن أجريت الانتخابات فى مصر وتونس بعد إسقاط بن على ومبارك، لم يكن من المدهش أن يفز بها الإسلاميون. لقد ظهر العديد من الأحزاب السياسية الجديدة بعد الانتفاضة فى كل من البلدين، لكنها كانت لا تزال أحزابا وليدة من الناحية التنظيمية، وضعيفة من الناحية المالية، ومفككة من الناحية الأيديولوجية، وممزقة بسبب الصراعات الحزبية الداخلية. وبالتالى، فإن المواطنين الذين لديهم مظالم ضد الحكومة لا يسعون وراء أحزاب المعارضة السياسية، وإنما يأخذون احتجاجاتهم مباشرة إلى الشوارع والميادين العامة، ويفعلون ذلك مرارا حتى لو لم يكن ذلك مجديا. ففى مصر، على سبيل المثال، تمكنت حركة «تمرد» من تحريك المصريين ضد الرئيس السابق، محمد مرسى، أول رئيس إسلامى. ولم تكن أحزاب المعارضة، فى المقابل، قادرة على عقد اتفاق سياسى مع مرسى وجماعة الإخوان. وفضلت تلك الأحزاب أن تلتحق بالحركة (وليس أن تقودها) بدلا من أن تقود المواطنين، وتسترد قدرا ضئيلا من النظام السياسى، وتدخل فى نوع من الاتفاقيات المجمع عليها والمطلوبة لضمان ترسيخ شكل من أشكال الديمقراطية الهجين.

كانت منظمات المجتمع المدنى والجهات الفاعلةوالتى كانت بمثابة قنوات هامة لإرساء الديمقراطية فى أى مكان آخر فى العالم، مقيدة بالتدخلات الحكومية خلال العقدين الماضيين فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا . لقد أعاقت القيود السياسية وانعدام الحريات بشكل كبير قدرة المجتمع المدنى على العمل كجهات فاعلة مهمة فى أى من محاولات التحول الديمقراطى فى العالم العربى. وكانت شبه الجزيرة العربية وليبيا فى عهد القذافى هى أكثر الجهات تقييدا للجهات الفاعلة فى المجتمع المدنى. وواجهت ليبيا مشكلة فريدة من نوعها فى هذا الصدد، إذ لم يسمح القذافى خلال حكمه الممتد على مدى 42 عاما بتشكيل منظمات المجتمع المدنى أو الأحزاب السياسية. وفى هذا الإطار يرى ديرك فانديفال أن ليبيا يتعين عليها تطوير هويتها الوطنية ومجتمعها السياسى من البداية تماما بالإضافة إلى ذلك، أهملت المؤسسات الاقتصادية وأسىء استغلالها لفترة طويلة من جانب القذافى. وواجه مجال الأعمال والمشروعات مشاعر إحباط كبيرة، وكان القطاع العام يستحوذ على نحو 90 % من القوى العاملة، ولم يسمح مطلقا للنظم الصحية والتعليمية بتطوير مؤسسات مستقلة12. ولذا، لم يكن من الغريب أن نجد ليبيا تنزلق إلى حرب أهلية بين العديد من الفصائل المتناحرة وحكومتين متنافستين، تدعى كل منهما الشرعية، واحدة فى مدينة البيضاء الشرقية (المعترف بها دوليا) والأخرى فى طرابلس 13.

وكما كان الحال فى جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق، من المرجح أن يؤدى هذا الضعف وتلك التبعية إلى مد حالة عدم اليقين السياسى. فعلى سبيل المثال، أدى ضعف الأحزاب السياسية فى بعض الأنظمة  ــ بعد انهيار الاتحاد السوفيتى ــ مثل أوكرانيا إلى تفاقم الأزمة السياسية والضعف التشريعى. وفى روسيا، على سبيل المثال، فضل الرئيس الروسى الأسبق، بوريس يلتسين، زيادة سلطته الشخصية على تقوية الأحزاب السياسية، مما أضعف مجالات عمل هذه الأحزاب وأضعف تماسكها14.

الفرضية الثالثة:

تتغير التقنيات السياسية بسرعة كبيرة، فلم تعد الاتصالات الشخصية وجها لوجه بنفس الأهمية التى كانت عليها فى الديمقراطيات القائمة بشكل حقيقى، وحل محلها الاعتماد على وسائل الإعلام، الإذاعة فى بادئ الأمر، ثم التليفزيون فى وقت لاحق. وخلال التحولات الأولية من الأنظمة الاستبدادية الرأسمالية التى كانت فيها وسائل الإعلام عبارة عن ملكيات خاصة إلى حد كبير (وغالبا ما تكون مركزة للغاية)، كان الأثر الرئيسى هو منح أفضلية للأحزاب المحافظة، ولكن ليس إلى الحد الذى تتحول فيه إلى أن تصبح مشكلة. وفى الأنظمة الاستبدادية الاشتراكية السابقة، حيث كانت الدولة تحتكر وسائل الإعلام، أصبحت الملكية والتنظيم واحدة من القضايا الأكثر إثارة للجدل خلال الفترة الانتقالية. ويظهر تغيير الأنظمة فى العالم العربى فى سياق إعلامى مختلف تماما: تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الجديدة. يؤكد مارك لينش أن «التحول الذى أدى إلى الانتفاضة العربية بدأ مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة، بما فى ذلك القنوات الفضائية، والإنترنت، والهواتف المحمولة الرخيصة»15.

لقد أدى هذا إلى تقويض أهمية الملكية الخاصة أو تحكم الدولة أو كليهما ليحل محل ذلك شكل من أشكال التواصل السياسى الذى كان من الصعب السيطرة عليه، وكان متاحا بشكل خاص بين الشباب– بتكلفة قليلة أو بدون تكلفة على الإطلاق. ويبدو أن الأثر النهائى كان يتمثل فى تعزيز إمكانية التمرد من خلال القدرة على تجميع أعداد كبيرة من المشاركين فى وقت قصير، والقيام بذلك بطريقة تجعل القمع البوليسى أكثر صعوبة. وكانت المشكلة هى الطبيعة المفتتة لهذه الاستجابات الجماعية، والصعوبة فى تحويلها إلى مؤسسات رسمية قادرة على وضع استراتيجية مشتركة وإلزام أتباعها بتبنيها وكانت النتيجة الواضحة هى ذلك  الحشد المتكرر والمستمر فى الشوارع والميادين. وكانت المظاهرات التى قام بها الشباب والعمال فى مصر وتونس هى القاعدة وليس الاستثناء، بعد الإطاحة بالأنظمة السابقة.

تتطلب الديمقراطية- على الأقل كما عرفناها– التواصل الحقيقى وليس فقط الافتراضى والتنظيم الفعال بين المواطنين- سواء فى الأحزاب السياسية، أو جماعات المصالح، أو الحركات الاجتماعية. والشيء الذى لم تتم تجربته بعد، لكنه بعيد المنال حتى الآن، هو ما إذا كانت التفاعلات المتكررة وتنمية الثقة المتبادلة يمكن أن تحوّل هذه الإجراءات سريعة الزوال إلى أفعال ذات مصداقية لاستحقاق دعم منظم.

الفرضية الرابعة:

على الورق، يبدو العالم العربى ككتلة واحدة، أكثر من أوروبا أو أمريكا اللاتينية. ونحن نعلم أن الديمقراطية تستفيد من «تأثير الجوار». ويبدو أن انتشار الأفكار والنماذج يكون أكثر بين الدول القريبة من بعضها بعضا، والتى يكون لديها نفس الصفات اللغوية والعرقية أو الدينية. والشيء الذى لا يملكه العالم العربى هو منظمات إقليمية قابلة للحياة وجذابة وقادرة على ضمان وجود مجتمع آمن، يفرض شروطه السياسية على أعضائه ويضيف الانسجام إلى سياساته. إن حقيقة الجمع بين حلف شمال الأطلسى (الناتو) والاتحاد الأوروبى قدمت مثل هذه الميزات للديمقراطيات الوليدة فى جنوب أوروبا، ولاحقا فى شرق ووسط أوروبا (ولكن ليس فى معظم جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق)، وهو ما كان له أهمية كبيرة فى تفسير انتقالهم السريع والناجح نسبيا. ومن خلال الإصرار على إلزام جميع المرشحين للعضوية بحل العديد من صراعاتهم المعلقة مع الدول المجاورة واحترام حكومات تلك الدول للديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والالتزام بالتعهدات (ما يسمى معايير كوبنهاجن). من خلال كل ذلك كان هناك توجيه ورصد فعال لمجموعة ما بعد الشيوعية من خلال التحولات الخاصة بها. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا الاندماج لم يكن كافيا لمنع الصراعات العنيفة التى تلت انهيار الاتحاد اليوغوسلافى – وثلاثة من الأنظمة السياسية الجديدة الناتجة عن ذلك فى البوسنة وكوسوفو، ومقدونيا، والتى واجهت مأزقا سياسيا. وفى حالة أمريكا اللاتينية، كانت المنظمات الإقليمية أضعف بكثير (وكان معظمها يقع تحت هيمنة سلطة خارج الإقليم، وهى الولايات المتحدة)، لكنها تدخلت بشكل إيجابى، عندما وقعت الأزمات فى باراجواى، وبيرو، وجواتيمالا، وبشكل أقل فعالية فى هندوراس. إن لدى العالم العربى جامعة الدول العربية (وبشكل أقل صلة، الاتحاد الأفريقي)، لكن لا يملك أى منهما القدرة المادية أو الوحدة السياسية للتدخل من أجل تعزيز أو حماية الديمقراطية16. وعلى عكس حلف شمال الأطلسى، والاتحاد الأوروبى، والمنظمات الإقليمية الأخرى، تهتم جامعة الدول العربية فى الأساس بحماية سيادة الدول الأعضاء فيها17.

ومن شأن إمكانية الحصول على ضغوط الاتحاد الأوروبى أن تعمل على تعزيز المعارضة وتقييد السلطة القائمة فى شرق أوروبا الشرقية فى حين أن غياب إمكانية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى فى العديد من بلدان الاتحاد السوفيتى السابقة مثل روسيا البيضاء وأرمينيا وأوكرانيا يودى إلى تعزيز نظام السلطوية.18

الفرضية الخامسة:

استفادت الديمقراطية فى أمريكا الجنوبية وجنوب أوروبا من وجود مجتمع آمن مسبقا. لم يكن أى شخص فى تلك المناطق لديه سبب للخوف من اندلاع صراع مسلح كبير بينهم أو التعرض لغزو من قبل قوة من خارج المنطقة 19. فى حالة أوروبا الشرقية، لا يمكن الاستهانة بذلك، لكن العضوية فى حلف شمال الأطلسى ــ قبل العضوية فى الاتحاد الأوروبى ــ حلت الكثير من هذه المشكلة. وفى العالم العربى، هناك اختلافان كبيران فى البيئة الأمنية كلاهما ليس مواتيا للديمقراطية. أولا، الولايات المتحدة وإسرائيل لديهما مصالح استراتيجية  فى الإبقاء على أنظمة استبدادية مستقرة فى المنطقة.

أما المعضلة الخارجية الثانية فتتمثل فى دول الخليج الغنية بالنفط التى لديها مصلحة قوية فى الحفاظ على النظم القائمة فى جميع أنحاء المنطقة. هذه الملكيات من خلال اقتصاداتها الريعية قادرة على الحفاظ على عقد اجتماعى فعال لا يعتمد على الحقوق المدنية أو المؤسسات الديمقراطية. على سبيل المثال، وردا على الانتفاضة اليمنية، فضلت المملكة العربية السعودية بشكل واضح الحفاظ على الوضع القائم فى هذا البلد المجاور، وفعلت كل ما فى وسعها لضمان انتقال سلس للسلطة بين على عبد الله صالح ونائبه عبد ربه منصور هادى، من دون تغييرات كبيرة فى المؤسسات. وعندما رفض الحوثيون، وهم حركة تمرد فى شمال اليمن، مشروع الدستور الجديد فى يناير 2015 وسيطروا على مؤسسات الدولة، تدخلت السعودية عسكريا مع حلفاء عرب آخرين، مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر، للعودة إلى الوضع الراهن الذى بدوره أدى إلى حرب أهلية طويلة الأمد20.

وفى جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق، باستثناء أوكرانيا، «لعب الانفتاح الغربى دورا حاسما فى إسقاط الحكومات الاستبدادية (كما فى صربيا وسلوفاكيا) أو حثها على التصرف بشكل ديمقراطى (كما فى رومانيا). ونتيجة لذلك، توقفت نتائج نظام ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتى ــ فى المقام الأول ــ على توازن القوى الداخلى. ولأن القوى المدنية والمعارضة كانتا ضعيفتين عموما، تحولت أنظمة قليلة إلى الديمقراطية” 21.

الفرضية السادسة:

ونتيجة للعديد من الأسباب المذكورة سلفاً، يشعر السكان فى البلدان العربية (ولاسيما جماعات المعارضة السياسية) بالارتياب فى دوافع القوى الغربية (خاصة الولايات المتحدة)، عندما تحاول هذه البلدان الخارجية التدخل فى تحولات الأنظمة. على عكس ذلك فىجنوب أوروبا وأمريكا اللاتينية، كان التدخل الخارجى غير مهم نسبيا، لكن تم السكوت عليه ولم يولد صراعا داخليا كبيرا 22. وفى أوروبا الشرقية وبين جمهوريات البلطيق الثلاث فى الاتحاد السوفيتى السابق، كان هناك ترحيب كبير بهذا التدخل، وأعلنت كافة القوى السياسية تقريبا عن رغبتها فى تقليد الممارسات الديمقراطية الغربية. فى الواقع، عندما يقترن ذلك مع توقع الازدهار الاقتصادى، كانت الرغبة، لدى هذه القوى، فى أن تصبح نظاما أوروبيا «طبيعيا» هى أحد المحددات الرئيسية للدوافع الفاعلة خلال المرحلة الانتقالية. وكانت النتيجة هى غزو وكالات الإغاثة الأوروبية. والأمريكية والمنظمات غير الحكومية الأجنبية، والمنظمات الحكومية الدولية الإقليمية - أولا وقبل كل شيء ــ الاتحاد الأوروبى، وأيضا مجلس أوروبا ولجنة فينيسيا التابعة له. تم نسخ أجزاء كاملة من التشريعات الجديدة بشكل حرفى تقريبا من النصوص الأجنبية؛ وتم تمويل العديد من الجمعيات والحركات بشكل كامل تقريبا من الأموال الأجنبية، كما لعب المستشارون الأجانب دورا رئيسيا فى إدارة الحملات الانتخابية.

هناك عدد قليل للغاية من الجهات السياسية الفاعلة فى العالم العربى التى ترغب، دون قيد أو شرط، فى تقليد الممارسات السياسية الغربية. لكن هذه الجهات تميل إلى عدم الثقة الكبيرة فى تلك الممارسات، ويكون لديها حذر أكبر من الدوافع الخفية لأولئك الذين يعرضون عليها كنماذج. وفى حين قد يبدو هذا مفاجئا ــ إلى حد ما ــ فى حالة الجماعات التى تصف نفسها بأنها «ليبرالية» و«علمانية»، فإنه لم يكن مفاجئا عندما بذل الإسلاميون الذين فازوا فى الانتخابات التأسيسية فى مصر وتونس جهدا قليلا لمحاولة نقل بلدانهم نحو الديمقراطيات بل القائمة بالفعل وعلى العكس من ذلك، لا يبدو أن الدستور الذى اعتمد خلال حكم مرسى، ومشروع الدستور الذى تم صياغته من قبل الحكومة المدعومة من الجيش كان أكثر ديمقراطية من دستور 1971، إذ إنهما ضما رواسب استبدادية واضحة. 23 فقد وضع الدستور الذى يدعمه الإسلاميون مزيدا من القيود على الحريات الفردية، ومنح صلاحيات غير مسبوقة للمؤسسات الدينية، وخاصة شيخ الأزهر والكنيسة القبطية الأرثوذكسية. كما يمنح الدستور الذى صدر عام 2014 صلاحيات غير محدودة للجيش. وعلى الجانب الآخر، غير حزب النهضة مقترحاته الإسلامية واتفق على عقد مناقشات مع المعارضة، أدت إلى تنازلات كبيرة من جانب الإسلاميين للمعارضة (المدنية) اليسارية والليبرالية، لتجنب حالة الجمود التى قوضت توطيد النظام فى مصر. ويبدو أن الاتفاق المشترك على دستور عام 2014، (بالرغم من عدم اكتماله) قد وضع تونس على الطريق نحو المرحلة الانتقالية – على النقيض تماما من مصر.

الفرضية السابعة:

ومن أهم مايميز فترة ما بعد موجة 1974 الديمقراطية هو تكرار ما كان يسمى عمليات الانتقال «المفروضة» بشكل أكبر24. فمن الناحية التاريخية، كانت الصيغ المعتادة لتحقيق تحولات فى النظم تأتى غالبا إما فى إطار عملية «إصلاح» (أى تحركات شعبية سلمية من قبل هؤلاء المستبعدين من السلطة، تعقبها تنازلات من النخبة الحاكمة)، أو «ثورات» (أى إطاحة عنيفة من قبل عصيان جماهيرى شامل). باختصار، كان ذلك واضحا منذ أن بدا أن جهود عام 1974  للتحول الديمقراطى من الأسفل تقدم طريقا لبذل جهود من الأعلى، سواء من داخل النظام المستبد القائم بسبب وجود انقسام داخل النخبة الحاكمة، أو من خلال التفاوض بين الحمائم داخل النظام القديم، والمعتدلين داخل أحزاب المعارضة الديمقراطية. وذلك مع وجود استثناءات قليلة- مثل بيرو فى أمريكا اللاتينية، وكوريا الجنوبية والفلبين فى آسيا، وألمانيا الشرقية، وتشيكوسلوفاكيا فى أوروبا الشرقية، وجنوب أفريقيا فى جنوب الصحراء الكبرى، حيث كان الحراك من الأسفل يميل إلى أن يقع بعد - وليس قبل- بدء عملية الانتقال.

ومع الاعتراف بذلك واقعيا، ليس هناك حالة واحدة كانت تغيب فيها الهتافات الشعبية المطالبة بالديمقراطية، لكنها كانت عادة متقطعة أو ليست ذات تأثير، لكن الانتقال الحقيقى بدأ عندما قررت النخبة – الحكام فى السلطة مع ــ أو بدون ــ من يفرضون التحديات- أن تبدأ ذلك الانتقال، وصراحة، يكون ذلك غالبا فى جو من الخوف من حدوث حراك مستقبلى أكبر من الجماهير.

ويبدو أن التحول فى مثل تلك الصيغ يكون معقولا، إذا نظرنا بشكل عكسى. فمن ناحية ما، أصبح الحكام المستبدون فى السلطة أكثر قدرة على سحق التهديدات الثورية أو حتى تحويل التحديات التى يطلبها الإصلاحيون. وما لا يستطيعون أن يمنعوه هو الانقسام داخل صفوفهم، خاصة فى مواقف تتضمن تغييرا وشيكا فى أعلى منصب فى السلطة التنفيذية. وعادة ما يأخذ حزب ما المبادرة لفرض تغيير (يمكن السيطرة عليه بحرص) فى النظام أو للدخول فى مفاوضات (بحذر وعلى حدة) مع العناصر المعتدلة فى المعارضة.  وما كان يبدو أنه يدعم هذا الحل هو الوعى المتزايد بين المؤيدين المحافظين للنظام الاستبدادى بأن التحول الديمقراطى فى السياق المعاصر لا يشكل تهديدا خطيرا لممتلكاتهم أو مزاياهم أو قدرتهم على المنافسة السياسية كما كانوا يعتقدون سابقا.

ويبدو أن عمليات الانتقال فى العالم العربى قد انقلبت إلى تلك الصيغ السابقة المتعلقة بالتحول. فهى إما تتطلب حراكا شعبيا من قبل هؤلاء المستبعدين من النظام القديم، والذى يستجيب له الحزب الحاكم من خلال الإطاحة بالزعيم السابق وإدخال إصلاحات أساسية مع الاحتفاظ بالمناصب القوية الخاصة بذلك النظام (مثلما فى تونس ومصر)، أو أن ذلك الحراك من الأسفل يقاوم بعنف من قبل النظام القديم، لكن ذلك يثبت أنه غير فعال، ويهزم الحكام السابقين لتحل محلهم نخبة جديدة (مثلما فى ليبيا). وكان الافتراض السائد هو أنه فى ظل الظروف المعاصرة، من غير المحتمل أن تؤدى الصيغة «الإصلاحية» أو «الثورية» إلى ديمقراطية راسخة فى المستقبل القريب. إذ يبدو أنه فى العالم العربى يكون من المحتمل أن يجرى تبنى تلك الرؤية. ففى تونس ومصر، حاول الإسلاميون الذين وصلوا إلى السلطة بعد سقوط حاكمين مستبدين أن يسيطروا على كل مؤسسات الدولة، بما فى ذلك السلطات التنفيذية، والتشريعية والقضائية. وفى تونس، امتدت سلطة الإسلاميين ــ داخل المجلس التأسيسى والحكومة ــ إلى السيطرة على كتابة الدستور، الذى أدى إلى ظهور جدل وانتقادات واسعة، لكنهما أديا إلى تخفيف سلطة الإسلاميين المطلقة  فى تونس.  

وفى مصر، كانت سيطرتهم على السلطة أكثر تداخلا مع جماعة الإخوان المسلمين، فكانوا يسيطرون على جميع السلطات الثلاث للحكم. كما كان الإسلاميون، سواء من ينتمون لجماعة الإخوان أو من المتعاطفين معها، يتمتعون بوضع مسيطر فى لجنة صياغة الدستور، خاصة بعد أن انسحب منها أغلب الأعضاء من غير الإسلاميين. احتجاجا على نفوذهم الواسع. وقد أثبتت جماعات المعارضة وحركات الاحتجاج قدرتها على تحريك الجماهير فى المظاهرات، وفى النهاية على إعادة الجيش إلى الواجهة السياسية. كانت المظاهرات مهمة فى إظهار حجم ومدى التزام المعارضة، لكنها كانت ذات فعالية فقط عندما أدت إلى مكاسب على مائدة  المفاوضات- وقد اعتمد ذلك ليس فقط على قدرتها التحالف كفاعل سياسى موحد مع السلطة القضائية، ولكن أيضا على رغبة الحكومة الإسلامية فى إخفاء ضعفها فيما يتعلق بحشد الجماهير.لكن لم يقع أى من هذين العنصرين فى مكانه الصحيح، وكانت النتيجة النهائية هى تدخل الجيش، بدعم من الجماهير الحضرية.

بالنظر إلى الحالتين المصرية والتونسية فيما يتعلق بالعملية الانتقالية ــ على الأقل فى البداية  فى الحالة الثانية ــ سكون الأمر أكثر استنارة أن نفكر فى الفكرة التى طرحها «مايكل ماكفول» بخصوص عمليات الانتقال فى دول مابعد السوفيتى التى حلل فيها تغيير النظام عن طريق ظهور نماذج «غير متعاونة» فى العملية الانتقالية. ويوضح ماكفول السلطة والأفكار فى قلب ذلك التحليل ويشكك فى الأولوية التى وضعها الخبراء الأوائل فى مجال الانتقال لفكرة التفاوض والحل الوسط وبالتالى يستتبع ذلك مجموعة مختلفة من المسارات السببية من الاستبداد إلى الديمقراطية أو إلى الديكتاتورية. ويرى أنه بعد عشر سنوات من عمليات الانتقال فى دول مابعد الاتحاد السوفيتى الشيوعية ساعد توزيع السريع للسلطة والذى فضل الديمقراطيين فى لحظة التحول على انتاج ديمقراطيات بينما أدى توزيع السلطة الذى فضل الاعتماد على الزعماء والقادة التنفيذيين فى النظام القديم فقط إلى انتقال من شكل الاستبداد إلى شكل آخر وفى المقابل وفقا لماكفول أدى توزيع متوازن للسلطة إلى مسارات أخرى وهى فى الغالب نظم «هجينية» غير مستقرة نسبيا25. ويبو أن الطرح الثانى المبنى على استمرار النظام ينطبق على مصر واليمن بينما الطرح الثالث يتضمن توزيعا نسبيا للسلطة يمكن تمييزه فى تونس.

فى مصر كان للجيش اليد العليا فى عملية الانتقال، بداية من الإطاحة بمبارك وحتى الإطاحة بمرسى وكانت الأحزاب الليبرالية ضعيفة وبعيدة عن التواصل مع الجماهير، وكان يمكنها أن تحرك الجماهير للتظاهر فقط لكن فيما وراء ذلك غير فعالة وليست لديها استراتيجية سياسية أو قدرة على تقديم نفسها كبديل حقيقى. وفى تونس يختلف الأمر قليلا، فالقدرات السياسية لكل من المعارضة السياسية هناك والإسلاميين فى السلطة والأعضاء المتبقيين من النظام القديم مقسمة بالتساوى بشكل أو بآخر أما الجيش فيعد ضعيفا أو هو أبعد من المشهد السياسى، وهذا يفتح الأفق أمام أمرين إما ترسيخ نظام «هجين» وفقا لماكفول أو نتائج ديمقراطية مبنية على الاتفاق وفقا للخبراء الأوائل فى مجال المراحل الانتقالية.

وفى ليبيا تحول السلطة بشكل كبير ونهائى من حكم استبدادى سابق إلى شىء يشبه المعارضة الليبرالية فى هذه المرحلة وقد كانت ضعيفة خاصة فى قدرتها على توفير الأمن وواجهت عقبات رئيسية فى سبيل خلق مؤسسات قوية بسبب وجود قبائل متنافسة وانقسامات إقليمية ومعارضة إسلامية قوية وكما يلاحظ الباحث جوشوا ستاشر ليست هناك سلطة مركزية فى ليبيا فقط ميليشيات يتضاعف عددها، وعنف الفصائل، وعدم توافق سياسى، فالإطاحة بديكتاتور وسقوط الدولة ترك مساحة سيصبح فيها التسلح والعنف هما اللغة السائدة التى من المحتمل أن تدفع الزعيم القادم إلى السلطة26

خاتمة:

لا يزال المختصون فى البلدان والمناطق المختلفة يناقشون لبعض الوقت ما يعرف بـ «العوامل النمطية»،  والتى من المفترض أن تعيق التحول الديمقراطى فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فالأحداث التى بدأت فى تونس وانتشرت فى أرجاء المنطقة ربما أعطت هؤلاء سببا ما للشك فى صلاحية تلك العوامل أو ــ على الأقل ــ شجعتهم على مزيد من الاهتمام بالطريقة التى أصبحت بها تلك الثوابت المزعومة أكثر تقلبا فى العقود الأخيرة. ويستطيع المرء أن يضع نموذجا لتلك الخصائص التخمينية السبع فيما يتعلق بالتوقيت وعدم التوقع، والتى فصلناها سلفا، كمتغيرات تتدخل بين الثوابت الهيكلية والثقافية المشكوك فيها. نحن نتردد فى أن نزعم أنها ستتحول لتصبح أكثر أهمية، ولكننا نؤمن بأنها يجب أن تؤخذ فى الحسبان فى تحليل أكثر شمولية لسياسة الانتقال فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.    

وللأسف، تشير كل هذه الخصائص السبع فى اتجاه نتائج أقل ترحيبا. ونحن، بالتالى، نتفق مع «وجهة النظر الأقل تفاؤلا فى عملية التحول الديمقراطى بتركيزها على الاستمرارية فى التغييرات الظاهرة والاهتمام بفهم ديناميكية وطبيعة الاستبداد العربى المستمر» 24

وبالتالى، هناك دور أكبر للسياسيين فى الإتيان بتسويات حتمية وحلول مختلطة يمكنها أن تحول المبادئ الأساسية لـ «الديمقراطية» إلى تحول ديمقراطى حقيقى  فى وقت ما وفى مكان ما. نحن نتعجل فى التأكيد على المبدأ الأساسى للإمكانية (possibilism): ليس هناك شروط مسبقة للديمقراطية لا يمكن التغلب عليها، ولكن هناك فقط عوامل ميسرة وأخرى معوقة. ويمكن لأى دولة أن تصبح ديمقراطية، لكن بالنسبة للبعض، يحتاج هذا الأمر إلى مزيد من الفضائل، وهو ما لا يراه آخرون متاحاً، حتى الآن على الأقل.

المراجع:

1 SeeforexampleLarryJ. Diamond, “ThinkingAboutHybridRegimes,” JournalofDemocracy13, no. 2 (April2002), pp.21-35; MatthijsBogaards, “Howtoclassifyhybridregimes? Defectivedemocracyandelectoralauthoritarianism,” Democratization  16, no.2 (April2009), p. 399-423.

2 ThisissueemergedinanespeciallypolemicfashionwiththewaveofdemocratizationthatbeganinEasternEuropeandtheformerSovietUnionin1989.  Foradebateonthisissue, seePhilippeSchmitterandTerryKarl, «TheConceptualTravelsofTransitologistsandConsolidologists: HowFarEastShouldTheyAttempttoGoSlavicReview, Vol.53, No. 1, (Spring1994), and«FromanIronCurtainofCoerciontoaPaperCurtainofConcepts: GroundingTransitologistsorConfiningStudentsofPostcommunism?”,SlavicReview, Vol. 54, No.4 (Winter1995), aswellasValerieBunce, “ComparativeDemocratization: BigandBoundedGeneralizations, ComparativePoliticalStudies, Vol. 33, No6-7 (August-September, 2000), 703—34.

3 Whichiswhysomanyscholarsbelievedsincerelythatviableliberaldemocracywasaregimeonlysuitableoraverysmallandprivilegedsubsetofcountriesabouttwentyasof1960 accordingtoRobertDahl. Polyarchy  (NewHaven: YaleUniversityPress, 1960).

4 Inthecontemporarypoliticalscienceliterature, thisisoftenlabeledasleadership,” whichinourviewhasamuchmoreencompassingmeaningandimpliesareciprocalrelationwithfollowership.”  Virtùismorespecificallypolitical(andoccasionallynotdemocraticassuch) andcanbeexercisedwithouttheconsentofothersEvenmoremisleadinghasbeentheconceptofcharismaasatransitionaldevicetosuccessfuldemocratizationThistypeofleaderhasproventobedisastrousfromthepointofviewofcreatingviabledemocraticinstitutionsorpractices.

5 EvaBellin, “ReconsideringtheRobustnessofAuthoritarianismintheMiddleEastLessonsfromtheArabSpringComparartivePolitics, Vol.45, No. 2 (January2012), p. 128.

6 GiacomoLuciani, “OilandPoliticalEconomyintheInternationalrelationsoftheMiddleEast,” ined. LouiseFawcett, InternationalRelationsoftheMiddleEast(OxfordOxfordUniversityPress, 2013), p.   103-126.

7 Forexample, themainslogansofprotestorsinthewaveofArabuprisingwerefood, freedomandsocialjustice.”

8 MarinaOttowayandAmrHamzawy, ProtestMovementsandPoliticalChangeintheArabWorld. CarnegieEndowmentforInternationalPeace, PolicyOutlook(2007). SeealsoLinaKhatibandEllenLusteds. TakingtotheStreetsTheTransformationofArabActivism(BaltimoreJohnsHopkinsUniversityPress, 2014).

http://carnegieendowment.org/publications/?fa=view&id=42394(AccessedMarch4, 2011).

9 ScottRadnitz, “TheColorofMoneyPrivatization, EconomicDispersion, andthePost-SovietRevolutions,” ComparativePolitic, vol. 42, no.2 (January2010), p. 127-146.

10 StevenLevitskyandLucanWay, CompetitiveAuthoritarinism: HybridRegimesAfterthecoldWar(Cambridge: CambridgeUniversityPress, 2013), p. 213-221.

11 HolgerAlbrechtandOliverSchlumberger, “WaitingforGodotRegimeChangewithoutDemocratizationmInternationalPoliticalScienceReview, Vol.24, No. 4 (October2004), p. 371-392, 383.

12 Ibid.

13 WolframLacher, “SupportingStabilizationinLibyaTheChallengesofFinalizingandImplememtingtheSkhiratAgreement,” SWPComments, no. 36 (July2015).  Onlineathttp://www.swp-berlin.org/fileadmin/contents/products/comments/2015C36_lac.pdfRetrievedAugust15, 2015.

14 LevitskyandWay, CompetitiveAuthoritarianismHybridRegimesaftertheColdWarop.cit.

15 MarcLynch, “TheArabUprisings,” ined. MarcLynchTheArabUprising: TheUnfinishedRevolutionsoftheMiddleEast(NewYorkPublicAffairs, 2012), p. 10.

16 ThepresentactiverolethattheArabLeaguehastakenwithregardtotheSyriancrisisisunprecedentedand. sofar, ineffectualInthecaseofLibya, itprovidedsomesymbolicsupportfortheinterventionofanextra-regionalorganization, NATO.

17 Seeforinstance, BahgatKorany, “AlienandBesiegedYetheretoStaytheContradictionsoftheArabTerritorialState,” ined. GhassanSalama, TheFoundationsoftheArabStatevol.1 (LondonCroomHelm, 1987), 47-74.

18 LevitskyandWay, pp. 185.

19 Althoughtherearetheembarrassing(ifrelativelyminor) exceptionsoftheFootballWarbetweenElSalvadorandHondurasandborderskirmishesbetweenEcuadorandPeruTherearealsothemilitaryinterventionsbytheUnitedStatesinGrenadaandPanamathatdonotfitthepatternalthoughtheconstantthreatofaUSinvasionofCubahelpstoexplainwhythiscountryhasbeenexcludedfrommostoftheregionalsecurityeffortsanddemocraticinitiatives.

20 AdamBaron, “EveryoneisLosingYemensWar,” ForeignPolicy(April28, 2015) Onlineathttp://foreignpolicy.com/2015/04/28 everyone-is-lsoing-ymens-war-saudi-arabia-houthisRetrievedAugust18, 2015.

21 LevitskyandWay, p. 233.

22 AnexceptionwastheroleplayedbyforeigncommunistpartiesinthefirstyearofthechaoticPortugueserevolutionwhichwascontroversialwithinitsemergingpartysystemHowever, itwasrelativelymodestandprovedtobeveryephemeralinnatureMuchmoreimportant(andlessvisible) wastheinterventionoftheGermanpartyfoundations: Adenauer, EbertandNaumann.

23 ThisConstitutionwasadoptedinDecember2012, yet, aftertheoustingofMorsifrompowerinJuly2013, theConstitutionwasre-writtenbyanewunelectedConstituentAssemblyItwasratifiedinJanuary2014.

24 PhilippeC. SchmitterandTerryKarl, «ModesofTransitioninLatinAmerica, SouthernandEasternEurope», InternationalSocialScienceJournal, No. 128 (May1991), pp. 269-284.

25 MichaelMcFaul, op.cit., p. 225

26 JoashuaStacher, “Fragmentingstates, newregimesmilitarizedstateviolenceandtransitionintheMiddleEast,” Democratizationvol. 22, no. 2 (2015), p. 266.

27 MortenValbjorn, “UpgradingPost-democratizationstudiesExaminingaRe-politicizedArabWorldinaTransitiontoSomewhere,” MiddleEastCritiquevol. 21, no.1 (2012), p. 25.

1 SeeforexampleLarryJ. Diamond, “ThinkingAboutHybridRegimes,” JournalofDemocracy13, no. 2 (April2002), pp.21-35; MatthijsBogaards, “Howtoclassifyhybridregimes? Defectivedemocracyandelectoralauthoritarianism,” Democratization  16, no.2 (April2009), p. 399-423.

2 ThisissueemergedinanespeciallypolemicfashionwiththewaveofdemocratizationthatbeganinEasternEuropeandtheformerSovietUnionin1989.  Foradebateonthisissue, seePhilippeSchmitterandTerryKarl, «TheConceptualTravelsofTransitologistsandConsolidologists: HowFarEastShouldTheyAttempttoGoSlavicReview, Vol.53, No. 1, (Spring1994), and«FromanIronCurtainofCoerciontoaPaperCurtainofConcepts: GroundingTransitologistsorConfiningStudentsofPostcommunism?”,SlavicReview, Vol. 54, No.4 (Winter1995), aswellasValerieBunce, “ComparativeDemocratization: BigandBoundedGeneralizations, ComparativePoliticalStudies, Vol. 33, No6-7 (August-September, 2000), 703—34.

3 Whichiswhysomanyscholarsbelievedsincerelythatviableliberaldemocracywasaregimeonlysuitableoraverysmallandprivilegedsubsetofcountriesabouttwentyasof1960 accordingtoRobertDahl. Polyarchy  (NewHaven: YaleUniversityPress, 1960).

4 Inthecontemporarypoliticalscienceliterature, thisisoftenlabeledasleadership,” whichinourviewhasamuchmoreencompassingmeaningandimpliesareciprocalrelationwithfollowership.”  Virtùismorespecificallypolitical(andoccasionallynotdemocraticassuch) andcanbeexercisedwithouttheconsentofothersEvenmoremisleadinghasbeentheconceptofcharismaasatransitionaldevicetosuccessfuldemocratizationThistypeofleaderhasproventobedisastrousfromthepointofviewofcreatingviabledemocraticinstitutionsorpractices.

5 EvaBellin, “ReconsideringtheRobustnessofAuthoritarianismintheMiddleEastLessonsfromtheArabSpringComparartivePolitics, Vol.45, No. 2 (January2012), p. 128.

 

6 GiacomoLuciani, “OilandPoliticalEconomyintheInternationalrelationsoftheMiddleEast,” ined. LouiseFawcett, InternationalRelationsoftheMiddleEast(OxfordOxfordUniversityPress, 2013), p.   103-126.

 

7 Forexample, themainslogansofprotestorsinthewaveofArabuprisingwerefood, freedomandsocialjustice.”

8 MarinaOttowayandAmrHamzawy, ProtestMovementsandPoliticalChangeintheArabWorld. CarnegieEndowmentforInternationalPeace, PolicyOutlook(2007). SeealsoLinaKhatibandEllenLusteds. TakingtotheStreetsTheTransformationofArabActivism(BaltimoreJohnsHopkinsUniversityPress, 2014).

http://carnegieendowment.org/publications/?fa=view&id=42394(AccessedMarch4, 2011).

9 ScottRadnitz, “TheColorofMoneyPrivatization, EconomicDispersion, andthePost-SovietRevolutions,” ComparativePolitic, vol. 42, no.2 (January2010), p. 127-146.

10 StevenLevitskyandLucanWay, CompetitiveAuthoritarinism: HybridRegimesAfterthecoldWar(Cambridge: CambridgeUniversityPress, 2013), p. 213-221.

11 HolgerAlbrechtandOliverSchlumberger, “WaitingforGodotRegimeChangewithoutDemocratizationmInternationalPoliticalScienceReview, Vol.24, No. 4 (October2004), p. 371-392, 383.

12 Ibid.

13 WolframLacher, “SupportingStabilizationinLibyaTheChallengesofFinalizingandImplememtingtheSkhiratAgreement,” SWPComments, no. 36 (July2015).  Onlineathttp://www.swp-berlin.org/fileadmin/contents/products/comments/2015C36_lac.pdfRetrievedAugust15, 2015.

14 LevitskyandWay, CompetitiveAuthoritarianismHybridRegimesaftertheColdWarop.cit.

15 MarcLynch, “TheArabUprisings,” ined. MarcLynchTheArabUprising: TheUnfinishedRevolutionsoftheMiddleEast(NewYorkPublicAffairs, 2012), p. 10.

16 ThepresentactiverolethattheArabLeaguehastakenwithregardtotheSyriancrisisisunprecedentedand. sofar, ineffectualInthecaseofLibya, itprovidedsomesymbolicsupportfortheinterventionofanextra-regionalorganization, NATO.

17 Seeforinstance, BahgatKorany, “AlienandBesiegedYetheretoStaytheContradictionsoftheArabTerritorialState,” ined. GhassanSalama, TheFoundationsoftheArabStatevol.1 (LondonCroomHelm, 1987), 47-74.

18 LevitskyandWay, pp. 185.

19 Althoughtherearetheembarrassing(ifrelativelyminor) exceptionsoftheFootballWarbetweenElSalvadorandHondurasandborderskirmishesbetweenEcuadorandPeruTherearealsothemilitaryinterventionsbytheUnitedStatesinGrenadaandPanamathatdonotfitthepatternalthoughtheconstantthreatofaUSinvasionofCubahelpstoexplainwhythiscountryhasbeenexcludedfrommostoftheregionalsecurityeffortsanddemocraticinitiatives.

20 AdamBaron, “EveryoneisLosingYemensWar,” ForeignPolicy(April28, 2015) Onlineathttp://foreignpolicy.com/2015/04/28 everyone-is-lsoing-ymens-war-saudi-arabia-houthisRetrievedAugust18, 2015.

21 LevitskyandWay, p. 233.

22 AnexceptionwastheroleplayedbyforeigncommunistpartiesinthefirstyearofthechaoticPortugueserevolutionwhichwascontroversialwithinitsemergingpartysystemHowever, itwasrelativelymodestandprovedtobeveryephemeralinnatureMuchmoreimportant(andlessvisible) wastheinterventionoftheGermanpartyfoundations: Adenauer, EbertandNaumann.

23 ThisConstitutionwasadoptedinDecember2012, yet, aftertheoustingofMorsifrompowerinJuly2013, theConstitutionwasre-writtenbyanewunelectedConstituentAssemblyItwasratifiedinJanuary2014.

24 PhilippeC. SchmitterandTerryKarl, «ModesofTransitioninLatinAmerica, SouthernandEasternEurope», InternationalSocialScienceJournal, No. 128 (May1991), pp. 269-284.

25 MichaelMcFaul, op.cit., p. 225

26 JoashuaStacher, “Fragmentingstates, newregimesmilitarizedstateviolenceandtransitionintheMiddleEast,” Democratizationvol. 22, no. 2 (2015), p. 266.

27 MortenValbjorn, “UpgradingPost-democratizationstudiesExaminingaRe-politicizedArabWorldinaTransitiontoSomewhere,” MiddleEastCritiquevol. 21, no.1 (2012), p. 25.

 

د. فيليب شميتر

أستاذ متفرغ بقسم العلوم السياسية والاجتماعية-معهد الجامعة الأوروبية

 د. نادين سيكا

أستاذ مساعد العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة -قسم العلوم السياسية

(دراسة عدد يناير 2016 من مجلة الديمقراطية رقم 61)

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق