رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مقالات العدد

شهدت مصر فى السنوات العشر الأخيرة جدلاً كبيراً حول عودة السياسة إلى المجال العام بعد سنوات طويلة من الركود والعزوف من قبل المواطنين عن المشاركة فى الحياة السياسية.

والجدير بالذكر أن ظاهرة إعادة إحياء مفاهيم المشاركة السياسية فى مصر لم تكن أحد توجهات الدولة، ولا يمكن اعتبارها أحد مخرجات العملية السياسية المؤسسية التى كانت تُقام تحت رعاية النظام السياسى، ولكن يرجع الفضل فى عودتها للمجال العام إلى عدد من العوامل يأتى على رأسها ظهور كيانات سياسية غير مؤسسية استطاعت تغيير نمط العمل العام والمشاركة السياسية الذى ظل سائداً خلال سنوات حكم مبارك، كما كان لوسائل الإعلام المستقلة وتطور تكنولوجيا التواصل الاجتماعى دورًا فى احتلال هذه الكيانات حيزا  أكبر داخل المجال العام.

حراك سياسى سبق الثورة

قد كان هناك بناء تصاعدى ملحوظ خلال السنوات العشر الأخيرة ظهر من خلاله عدد من القوى السياسية التى استطاعت أن تفرض نفسها داخل هذا المجال بالرغم من القيود السياسية والتشريعية والأمنية المفروضة من قبل نظام مبارك فى ذلك الوقت.

وبالرغم من انتشار وجهة النظر التى ترى أن ثورة 25 يناير لم تكن سوى مؤامرة مُمولة من الغرب لضرب الاستقرار الذى كانت تتمتع به مصر تحت حكم مبارك، خاصة فى مرحلة ما بعد 30 يونيو 2013، إلا أن الأمر لا يحتاج إلى كثير من التدقيق والتعمُّق لمعرفة أن ثورة 25 يناير لم تكن سوى نوع من تكليل جهود سنوات من العمل السياسى الذى سعى لتحقيق قيم الديمقراطية.

ومما لا شك فيه أن أهم أبعاد هذا العمل السياسى كان  الخروج من الإطار المؤسسى للعملية السياسية، والسعى وراء التغيير من خلال التنظيم الاجتماعى والسياسى المستقل، فظهر، فى هذا السياق، عدد من الحركات والمبادرات الاجتماعية والسياسية، كالحملة الشعبية لدعم الانتفاضة، وحركة كفاية، والجمعية الوطنية للتغيير،  وحركة 9 مارس، وحركة 6 أبريل، وحركة شباب من أجل العدالة والحرية، والحملة الشعبية لدعم البرادعى، وحركة كلنا خالد سعيد.

جاءت ثورة 25 يناير لتؤكد عددا من الحقائق.

فبخلاف ظهور قوى سياسية جديدة تختلف نوعيًّا ونمطيًّا عن القوى التقليدية التى هيمنت على المجال العام فى مصر لسنوات طويلة، كشفت الثورة عن مدى ضعف وعدم جدوى العملية السياسية المؤسسية فى مصر.

وقد ذهبت العديد من الدراسات التى تم نشرها عن أسباب ثورة 25 يناير بأن حالة الحشد العام التى حدثت لا يمكن فصلها عن فساد هذه العملية السياسية مُمثلة فى انتخابات مجلس الشعب التى أُقيمت فى نهاية عام 2010.

كما كشفت الفترة، من يناير 2011 إلى يوليو 2013، أن مفهوم المشاركة السياسية فى حد ذاته لم يعد مقصوراً على العملية السياسية المؤسسية، بل باتت العملية السياسية المؤسسية وما بها من فعاليات، إجرائية كالانتخابات والاستفتاءات، أحد أبعاد مفهوم المشاركة السياسية، وهى أبعاد لا يمكن فصلها عن أبعاد وآليات أخرى كالعمل الجمعى، واستخدام المساحة العامة، وسقف الحرية المُتاح لمنظمات المجتمع المدنى، والبنية التشريعية المنظمة لحرية التعبير، والتجمع السلمى، والعمل العام.

بمعنى آخر، أكدت التحولات التى طرأت على مشهد المشاركة السياسية فى السنوات العشر الأخيرة بشكل عام، وفى فترة ما بعد 2011 على وجه الخصوص، أن الحياة السياسية لا يمكن اختزالها فى فعاليات إجرائية كالانتخابات، ولكن لابد من توافر مجموعة من العوامل التى تُشكل مع بعضها بعضا هيكلا للمشاركة السياسية تكون العملية السياسية المؤسسية أحد أجزائه.

انحسار المشاركة السياسية

ومثلما انعكست حالة السيولة السياسية، فى مرحلة ما بعد 25 يناير 2011، على المشهد السياسى والمجال العام داخل مصر، انعكست أيضاً على نسب المشاركة فى الفعاليات والاستحقاقات السياسية المختلفة التى عُقدت خلال عامى 2011 و2012.

وقد سجلت الفعاليات السياسية التى أقيمت فى تلك الفترة، كالاستفتاء على التعديلات الدستورية فى مارس 2012، وانتخابات مجلس الشعب 2011، والانتخابات الرئاسية فى 2012، نسب مشاركة مرتفعة لم يشهدها المجتمع المصرى من قبل.

كما شهدت هذه الاستحقاقات عودة فئات من المجتمع للمشاركة السياسية، كفئة الشباب، على سبيل المثال.

فى الواقع، انخرطت فئة الشباب فى عدد من المبادرات كحملات التوعية بالمرشحين، أو الدخول فى تحالفات سياسية، أو انتخابية لدعم قوى سياسية، أو أفراد بجانب المشاركة فى هذه الاستحقاقات السياسية.

ومع الأداء السياسى الهزيل لإدارة محمد مرسى، ودخول جماعة الإخوان المسلمين فى صراع مع كل القوى السياسية، خاصة بعد الإعلان الدستورى الذى أصدره محمد مرسى فى نوفمبر 2012،  تراجعت نسب المشاركة، خاصة بين قطاع الشباب فى الاستفتاء على دستور 2012 فى ديسمبر من نفس العام، حيث لم تتعد نسبة المشاركة فى هذا الاستفتاء 32.9 % من إجمالى الهيئة الناخبة، مقارنة بنسبة مشاركة وصلت إلى 42 % فى استفتاء التعديلات الدستورية فى 2011.

وبالرغم من الإقبال الشديد على المشاركة فى أحداث 30/6 التى أدت إلى إسقاط حكم محمد مرسى، وإنهاء سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على مصر، خاصة من قطاع الشباب، إلا أن نسب المشاركة فى فعاليات العملية السياسية بعد 30/6 لم تكن مرتفعة هى الأخرى، سواء فى الاستفتاء على الدستور الجديد أو فى انتخابات الرئاسة فى 2014، وشهدت هذه الفعاليات تراجعاً واضحاً فى نسب مشاركة قطاع الشباب، على وجه الخصوص.

ففى الاستفتاء على دستور 2014، على سبيل المثال، وصلت نسبة المشاركة إلى 38.6 % من إجمالى الهيئة الناخبة، وهى أيضاً نسبة أقل من تلك التى سُجلت فى استفتاء 2011.

كما تشير بعض الأرقام إلى أن المشاركين أقل من ثلاثين عاماً لم تتعد  نسبة مشاركتهم فى الاستفتاء 16 %، وهو ما يشير إلى حالة واضحة من التراجع فى نسب المشاركة السياسية بشكل عام، وبين قطاع الشباب، على وجه الخصوص، بعد الارتفاع الذى شهدته هذه النسب فى أعقاب ثورة يناير، وهو التراجع الذى استمر وتفاقم خلال انتخابات مجلس النواب الأخيرة التى شهدت معدلات هزيلة من المشاركة، وغياب واضح للقطاع الذى يُشكل أغلبية فئوية فى الهيئة الناخبة، وهو قطاع الشباب.

 ويدل هذا العرض الموجز على وجود ارتباط وثيق بين هامش الحريات المتاح فى المجتمع والمجال العام من جانب، ونسب المشاركة فى الحياة السياسية من جانب آخر، وهو ارتباط قد يكون موجوداً فى عدد كبير من المجتمعات، إلا أن له فى الحالة المصرية نوعاً من الخصوصية، نظراً لتراكم مشكلات متعددة تتعلق بالشباب، لا سيما فيما يخص علاقته بالدولة، وبالأنظمة الحاكمة، وبالعملية السياسية الشرعية التى ترعاها تلك الأنظمة.

فبعد ثورة يناير، كانت هناك مرحلة انتقالية لم تفرز بعد نظاماً سياسياً جديداً، ومن ثم كانت هناك مساحة واسعة للتعبير، كما أن القدرات التعبوية للحركات الاجتماعية والقوى السياسية فى تلك المرحلة كانت فى أعلى مستوياتها، وهو ما يدعونا للربط ـ مرة أخرى ـ بين نسب المشاركة السياسية، بشكل عام، وقطاع الشباب على وجه الخصوص، ومجال مفتوح أمام قوى وكيانات سياسية واجتماعية متنوعة قادرة على جذب الشباب وحثه على المشاركة.

سلسلة القيود التشريعية على الحريات

وفى ظل التراجع المستمر فى نسب المشاركة السياسية، وعزوف بعض الفئات عن المشاركة خاصة الشباب، وخروج قوى سياسية من المشهد، وظهور قوى سياسية جديدة دخلت الحياة السياسية من أعلى كتحالفات انتخابية آنية، وليس من أسفل ككيانات تعبر عن فئات أو نُخب اجتماعية، وأيضا فى ظل تغير بيئة العمل السياسى فى السنتين الأخيرتين بالمقارنة بالفترة التى تلت ثورة 25 يناير وامتدت حتى أحداث 30 يونيو 2013، بات من الضرورى أن نتساءل إلى أين تتجه الحياة السياسية فى مصر؟

من الضرورى قبل الإجابة على هذا التساؤل أن نوضح، كما ذكرنا من قبل، أن السياسة لا تقتصر على العملية السياسية المؤسسية وما تتضمنه من إجراءات أو استحقاقات، فهذه العملية فى حد ذاتها، وعلى الرغم من طابعها المؤسسى، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيئة المواكبة لها، والتى تتم فى سياقها هذه العملية، أو بتعبير أكثر أكاديمية، «هيكل الفرصة» السياسية السائد داخل النظام السياسى، والذى تستطيع من خلاله القوى السياسية والاجتماعية تنظيم صفوفها، وفقاً للفرصة السياسية المتاحة، ومن ثم خلق فرص سياسية جديدة من خلال العمل والتنظيم السياسى.

ودون الخوض فى الأسس النظرية لمفهوم هيكل الفرصة السياسية أو النظرية الأشمل، وهى نظرية العملية السياسية، من الممكن أن نلحظ أن هناك، فى الوقت الحالى، عددا من العوامل التى تؤكد أن السياسة فى مصر بمفهومها القائم على المشاركة، والجدل، والمعارضة، وحرية التنظيم، وعدم الإقصاء أوشكت على الاختفاء، وحل محلها فى السنتين الأخيرتين نزعة مؤسسية لصياغة العمل السياسى داخل عباءة الدولة، ووفقاً لما يراه النظام السياسى من مصالح وأولويات.

لعل أول هذه العوامل ومن أكثرها تأثيراً على مناخ العمل السياسى فى مصر هو الشق المتعلق بالتشريع.

شهدت مصر فى السنتين الأخيرتين صدور عدد من التشريعات، سواء من قبل الرئيس المؤقت، عدلى منصور أو الرئيس الحالى عبد الفتاح السيسى، وقد كان لهذه التشريعات أثر سلبى تراكمى على مناخ العمل السياسى فى مصر.

أبرز هذه التشريعات كان قانون التظاهر الذى صدر فى نوفمبر 2013.

وبالرغم من أن المدافعين عن هذا القانون ـ عادة ـ ما يلجأون لتبرير وجوده كظاهرة عالمية، حيث إن عددا كبيرا من الدول يوجد بها قوانين لتنظيم التظاهر، إلا أن قانون التظاهر المصرى هو فى الحقيقة قانون لمنع التظاهر أكثر من كونه قانونا لتنظيمه.

ولعل خير دليل على ذلك هو عدم وجود سابقة منذ نوفمبر 2013، وحتى الآن لتظاهرة حصل منظموها على تصريح من قبل الجهات المنصوص عليها فى القانون.

كما أن تطبيق القانون ـ فى حد ذاته ـ لا يتسم بالموضوعية أو الحيادية، فهو يطبق على فعاليات ولا يطبق على فعاليات أخرى، بغض النظر عن الحصول على تصريح بالتظاهر من عدمه، فأمناء الشرطة الذين اعتصموا، وتظاهروا، وأضربوا عن العمل لم يكن لديهم تصريح بالتظاهر، وفقاً لبنود القانون، ولكن الجهات المعنية بتطبيق هذا القانون لم تهتم باتخاذ الإجراءات القانونية المنصوص عليها، والتى اتخذتها من قبل مع تظاهرات أخرى.

لا يتوقف الأمر عند قانون التظاهر فحسب، بل امتد ليشمل تشريعات أخرى، مثل قانون الجمعيات الأهلية الذى أعطى الدولة الحق فى تحديد ما إذا كانت هذه الجمعيات تعمل من أجل «الصالح العام»، دون التطرق لأية معايير يمكن القياس عليها بشأن ما يندرج تحت مسمى الصالح العام.

ومن ضمن هذه القوانين أيضا، ما صدر بشأن تعديل قانون تنظيم الجامعات فى يونيو 2014، والذى أتاح لرئيس الدولة مرة أخرى إقالة رؤساء الجامعات وعمداء الكليات وتعيين آخرين بعد أن كان تم تعديل القانون لانتخاب القيادات الأكاديمية والتعليمية، وهو ما يُعد رجوعاً للوراء وتدخلاً سافراً من السلطة التنفيذية فى استقلالية الجامعات.

وكان الهدف من وراء هذا التعديل، وفقاً لما أعلنته الدولة، هو التخلص من بعض القيادات الجامعية المحسوبة على جماعة الإخوان.

ولكن الواقع يقول إن القيادات التى تم تعيينها بموجب هذا التعديل من قبل رئيس الجمهورية، عملت على تقويض حرية الرأى داخل الجامعات، بل وأصدرت تعليماتها بمنع التجمع، والتظاهر السلمى، والعمل السياسى، وهو ما يكفله الدستور كحق لكل مواطن .

هذا بالطبع بخلاف قوانين أخرى، مثل تعديل قانون الأزهر، والذى أعطى الحق لرئيس جامعة الأزهر بفصل أى طالب يسيء لـ «هيبة الأزهر»، دون تحديد لماهية الإساءة أو للمقصود بهيبة الأزهر، وقانون الكيانات الإرهابية الذى يُتيح للجهات الأمنية العديد من السلطات لتوصيف أية جماعة على أنها كيان  إرهابى، دون أى تفصيل أو توضيح لمعايير هذا التوصيف، بالإضافة لقانون الهيئات الرقابية الذى أعطى الحق لرئيس الجمهورية بعزل وتعيين رؤساء الهيئات الرقابية، وهو ما يُعد مخالفة صارخة لمواد الدستور المنظمة لهذا الشأن، بل ودمج لسلطات من غير الممكن أن يستوى أى نظام ديمقراطى إلا بفصلها.

وفى المجمل، يُشير الأداء التشريعى للدولة خلال السنتين الأخيرتين أن الهدف هو إصدار تشريعات تحد من مساحة الحريات المتاحة للعمل العام، ولاستخدام المساحة العامة، ولحرية الرأى والتعبير، والتجمع، والتظاهر السلمى، وهى كلها حقوق كفلها الدستور الصادر فى 2014، وتصدر هذه التشريعات تحت مظلة مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن القومى.

ومما لا شك فيه أن مصر تواجه خطراً داهماً من جماعات إرهابية تعمل على أرضها، ولكن استخدام التشريع كأداة استباقية للحد من الحريات لا يُعد أداة من أدوات المواجهة الفاعلة لنمط الإرهاب الذى تواجهه مصر فى المرحلة الراهنة، كما أنه من غير الممكن الفصل بين هذه التشريعات وأثرها السلبى على مناخ المشاركة السياسية والبيئة التى تعمل القوى السياسية فى سياقها.

وبخلاف التشريع، أثبتت الانتخابات الأخيرة أن هناك سعيا واضحا لإعادة تشكيل النخبة السياسية من خلال العملية المؤسسية.

فظهرت فى الانتخابات الأخيرة مجموعة من القوى السياسية والتحالفات الانتخابية التى لم تكن موجودة من قبل، حتى وإن كانت موجودة، فإنها لم تكن فاعلة أو لم يكن لها أثر ملحوظ، سواء فيما يتعلق بالشعبية والقواعد الجماهيرية، أو الرؤى الاستراتيجية والبرامج الإصلاحية، أو توجه سياسى واضح، وفقاً لمجموعة من الأفكار التى تتسق مع بعضها بعضا وليس بالضرورة أيديولوجيا تكون محددة بمعناها الشامل.

كما أن الفئات التى ينتمى إليها أغلب النواب الذين قادتهم صناديق الاقتراع إلى مقاعدهم بالبرلمان هى فئات لم تكن موجودة خلال السنتين الأخيرتين فى العمل العام، كرجال القوات المسلحة المتقاعدين، أو الإعلاميين، أو رموز العمل السياسى وذويهم خلال فترة حكم مبارك.

هذا بالإضافة إلى أنه من غير المنطقى، بل ومن غير المتعارف عليه، تاريخياً، أن تتفق الغالبية العظمى من القوى السياسية المشاركة فى الانتخابات أو يتفق المرشحون المستقلون على المفاهيم الوطنية، وطبيعة العلاقة مع السلطة التنفيذية، والرؤى السياسية لأولويات الإصلاح والتغيير.

فالهدف من الديمقراطية هو التوصل لإجماع من خلال التنوع والاختلاف، ولكن الإجماع المُعد سلفاً على أسس العمل السياسى لا يمكن أن يمت للصراع التقليدى للقوى السياسية فى سياق أى نظام ديمقراطى، بل هو فى الواقع أقرب إلى عملية هندسية تهدف لإعادة خلق نخبة سياسية مع إقصاء نخبة أخرى، وهى النتيجة التى صاغتها الانتخابات النيابية الأخيرة من خلال آليات متعددة.

لماذا بهتت السياسة بعد يناير؟

وتظل الإجابة على التساؤل حول فرضية موت السياسة فى مصر من عدمها، مرهونة بعدد من الحقائق التى من غير الممكن تجاهلها.

أولاً، ظهور نخبة سياسية خرجت من عباءة الدولة، وانخراط هذه النخبة فى تأييد مطلق للسلطة التنفيذية.

ثانياً، عدم وجود خبرات سابقة لهذه النخبة فى مجال العمل العام، ومن ثم، قامت بإعادة إنتاج نموذج “نائب الخدمات” الذى تسيد الحياة النيابية خلال سنوات حكم مبارك.

ثالثاً، الغالبية العظمى من تصريحات النواب الجدد تُشير إلى التوجه مرة أخرى إلى نموذج الفصل بين الحكومة والرئيس فيما يتعلق بالسلطة التنفيذية، وهو نموذج اعتمد عليه النظام السياسى المصرى منذ السبعينيات الماضية فى سياق مفهومه عن التعددية السياسية.

فالرئيس يعمل ولكن من حوله لا يعملون.

 رابعاً، استمرار منهج الإقصاء فيما يتعلق بالتعامل مع القوى السياسية المعارضة، بغض النظر عن توجهاتها، سواء اعتمد هذا المنهج على آليات أمنية، أو تشريعية، أو إجرائية.

 خامساً، عمل النظام السياسى المصرى خلال السنتين الأخيرتين على ترسيخ فكرة تجاهل قضية الديمقراطية والحريات المدنية، نظراً لما تمر به البلاد من تحديات أمنية، وهو مبدأ قائم على تعارض الديمقراطية مع مكافحة الإرهاب.

ومن الغريب أن هذا هو النهج الذى انتهجه نظام مبارك لسنوات طويلة ولم يأت بأية إيجابيات فى سياق مكافحة الإرهاب أو التعامل مع جذور المشكلة ومُسبباتها وليس مع أعراضها الوقتية.

سادساً، الاستمرار فى استخدام «فزاعة» الإخوان المسلمين وتبريرات نظرية المؤامرة للتهرب من إرساء مبادئ ملموسة لنظام ديمقراطى حقيقى يُتيح التعددية السياسية بمعناها المُتعارف عليه.

وتأسيسا على ذلك، يتضح أن السياسة بمفهومها التنافسى القائم على الإجماع من خلال التنوع والاختلاف لم تعد موجودة فى المجال العام المصرى، بل بات هناك العديد من العوامل التى من شأنها أن تمنع ظهور هذا النمط من التفاعل السياسى مرة أخرى، وهو ما يدعونا للتساؤل عن أولوية قضية الديمقراطية والتعددية السياسية لدى النظام السياسى الذى أفرزته مرحلة ما بعد 3 يوليو 2013. 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة