Error in Function : SelectEsdaratForFooter Error Message : A network-related or instance-specific error occurred while establishing a connection to SQL Server. The server was not found or was not accessible. Verify that the instance name is correct and that SQL Server is configured to allow remote connections. (provider: Named Pipes Provider, error: 40 - Could not open a connection to SQL Server) ‮‬القضاء فى لحظة‮ الانكشاف الثورى - مجلة الديمقراطية
قضايا ديمقراطية
‮‬القضاء فى لحظة‮ الانكشاف الثورى
2012/11/07
بقلم د. شريف‮ ‬يونس‮
0
646
48
العدد :

الثورة‮ ‬هي‮ ‬لحظة الحقيقة‮. ‬فأتت من ضمن ما أتت باستعراض شامل لواقع أنه لا‮ ‬يوجد شيء اسمه‮ "‬استقلال قضاء‮" ‬بالمعنى المطلق عن السياسة،‮ ‬صحيح أنه من المفترض أن القضاة لا‮ ‬يمارسون السياسة‮. ‬ولكن القضاء بصفته سلطة من سلطات الدولة،‮ ‬يكون تحديد سلطاته ومدى استقلاله التقني‮ (‬أي‮ ‬حمايته من تدخلات السلطة التنفيذية‮) ‬مسألة سياسية،‮ ‬بل واحدة من أهم المسائل السياسية في‮ ‬أي‮ ‬بلد كان‮. ‬فقط في‮ ‬ظروف مستقرة،‮ ‬تحسم فيها هذه المسألة،‮ ‬يستطيع القضاء أن‮ ‬يتبدى مستقلا خارج مجال السياسة ككل‮.‬

    كانت المعركة بشأن استقلال القضاء في‮ ‬- 2008 واحدة من تجليات هذه الحقيقة‮. ‬وقد انفجرت الأزمة لتكشف عن تآكل وتفكك نظام‮ ‬يوليو في‮ ‬عهد مبارك الطويل‮. ‬    فعلى مدى هذه الفترة،‮ ‬وخصوصا في‮ ‬السنتين الأوليين منها،‮ ‬استقطبت الأزمة بشأن القضاة جهودا سياسية ومدنية واسعة،‮ ‬حتى استطاع النظام في‮ ‬النهاية استعادة السيطرة على القضاة،‮ ‬ولو بثمن فادح،‮ ‬بالتوصل لانتخاب المستشار الزند رئيسا لنادي‮ ‬القضاة،‮ ‬ممثلا للنظام‮. ‬وفي‮ ‬المعركة الأخيرة بشأن سلطة رئيس الجمهورية التي‮ ‬انتهت في‮ ‬النهاية بعزل المشير طنطاوي‮ ‬ورئيس أركانه،‮ ‬أثبت النظام القديم أنه ما زال‮ ‬يتمتع بتيار له ثقل معتبر داخل القضاء،‮ ‬تجمع من قوى حول المستشار الزند في‮ ‬نادي‮ ‬القضاة،‮ ‬في‮ ‬تحالف فعلي‮ ‬مع دولة‮ ‬يوليو الأمنية‮- ‬العسكرية،‮ ‬لإعاقة أي‮ ‬انتقاص من طبيعتها‮. ‬وبعد الهزيمة،‮ ‬لا نستطيع القول إن هذا التيار المنتفع بالنظام القديم قد انتهى،‮ ‬بل توارى فحسب إلى الظلال بعد سقوط القيادة الحقيقية لهذا التيار،‮ ‬أي‮ ‬سيادة الدولة الأمنية‮.‬

واليوم،‮ ‬يحتل بعض من أبرز قادة حركة استقلال القضاء المناصب الرئيسية المتحكمة في‮ ‬مستقبل القضاء‮. ‬المستشار حسام الغرياني‮ ‬على رأس لجنة الدستور،‮ ‬والمستشاران الأخوان مكي‮ ‬في‮ ‬منصبي‮ ‬نائب رئيس الجمهورية ووزير العدل،‮ ‬ليبدو أن حركة استقلال القضاء قد شارفت على تحقيق أهدافها‮. ‬

من السابق لأوانه الحكم على مدى الاستقلال الذي‮ ‬سيحصل عليه القضاء في‮ ‬نهاية المطاف‮. ‬فالقوى الإسلامية ليست ديمقراطية بالسليقة،‮ ‬بل بحكم واقع معارضتها الطويلة لنظام سلطوي‮ ‬واعتمادها على الحشد الانتخابي‮ ‬والشعبي،‮ ‬لكنها من جهة أخرى،‮ ‬قوى ذات طبيعة منغلقة وحريصة على الإمساك بمفاصل السلطة،‮ ‬لكن هذا المقال،‮ ‬على أية حال،‮ ‬لا‮ ‬يتناول الوضع الراهن وآفاقه وخريطة صراعاته،‮ ‬بل‮ ‬يتناول حركة القضاة في‮ ‬عهد مبارك،‮ ‬ويرمي‮ ‬بالأساس لتقديم تصور عن طبيعة مشكلة استقلال القضاء في‮ ‬إطار طبيعة نظام‮ ‬يوليو‮.‬

(1) ‬معنى استقلال القضاء‮:‬

على سبيل التمهيد للتعرف على طبيعة أزمة القضاء في‮ ‬ظل نظام‮ ‬يوليو،‮ ‬تتناول هذه المقدمة معنى استقلال القضاء‮.‬

بصفة عامة،‮ ‬القضاة لم تكن سلطتهم أبدا مطلقة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬لم‮ ‬يكن استقلالهم مطلقا أيضا‮. ‬القضاء دائما جزء من نظام الحكم،‮ ‬ووظيفته في‮ ‬كل العهود والنظم،‮ ‬القديمة والحديثة،‮ ‬الديمقراطية وغير الديمقراطية،‮ ‬دعم مؤسسات الحكم‮. ‬ومن هنا العبارة الشهيرة‮ "‬العدل أساس الملك‮". ‬حين كان العالم عشائر وقبائل،‮ ‬كانت العلاقات مبنية على صلات الدم،‮ ‬على أعراف وتقاليد،‮ ‬تمارسها الجماعة ككل،‮ ‬لا على قوانين مكتوبة،‮ ‬ويتولى شيوخ القبائل والعشائر الفصل في‮ ‬الخلافات،‮ ‬بالحكمة،‮ ‬فلا قضاء بلا قانون‮. ‬

    ثم نشأت الدول الكبيرة،‮ ‬وأصبح الحاكم‮ ‬يحكم عددا كبيرا من القرى والعشائر والمدن،‮ ‬ولم تعد توجد صلة مباشرة بينه وبين رعاياه،‮ ‬فعين موظفين،‮ ‬واستعان بالعائلات الكبيرة المحلية في‮ ‬أرجاء مملكته،‮ ‬وأصبحت الدولة في‮ ‬حاجة إلى تطبيق قواعد واحدة في‮ ‬جميع أنحائها في‮ ‬الأمور التي‮ ‬تهم هذا النوع الجديد من الحكم المركزي‮. ‬ولكي‮ ‬تثبت السلطة المركزية أقدامها كان عليها أن توكل لبعض هؤلاء الأتباع والموظفين الفصل في‮ ‬نزاعات الأفراد وفقا لقواعد معينة،‮ ‬مستمدة عادة من العرف،‮ ‬مع تعديلها لصالح توطيد سلطة الدولة المركزية وحلفائها‮. ‬وهكذا كان على أعتى الملكيات المستبدة،‮ ‬وحتى الملوك الآلهة،‮ ‬في‮ ‬مصر الفرعونية أو‮ ‬غيرها،‮ ‬أن توجِد نظاما معينا للفصل في‮ ‬نزاعات الأفراد،‮ ‬بقواعد معلومة،‮ ‬بمعنى أن‮ ‬يعرف الناس العقوبة سلفا ليرتدعوا عن الفعل،‮ ‬وأن‮ ‬يكون مطبقو القانون محايدين بقدر الإمكان بين المتقاضين‮. ‬لذلك أصدر الحكام القوانين منذ قديم الزمان،‮ ‬لتمتد سلطتهم إلى ما وراء علاقاتهم الشخصية‮. ‬ولعل أقدم ما وصلنا منها تشريعات حمورابي‮ (‬حوالي‮ ‬عام‮ ‬1700 قبل الميلاد،‮ ‬نسبة لحاكم بابل‮ "‬حمورابى‮"). ‬إذن القانون والقاضي‮ ‬الذي‮ ‬يطبقه ظاهرتان من ظواهر تشكل الدولة‮. ‬ولكن عادة‮ ‬يقتصر دور القاضي‮ ‬على تطبيق بعض القوانين،‮ ‬حيث جرى العرف على أن التنازع على الحكم،‮ ‬وكل ما‮ ‬يمس الحكم بالخطر،‮ ‬ليس من شأن القضاة‮.‬

في‮ ‬العصر الإسلامي‮ ‬كان القضاة‮ ‬ينتمون إلى مذاهب فقهية مختلفة،‮ ‬وكانوا‮ ‬يحكمون وفقا لها في‮ ‬القضايا،‮ ‬ولكنهم لم‮ ‬يكونوا مستقلين تماما،‮ ‬فالأمراء والسلاطين والملوك والخلفاء كانوا‮ ‬يعزلون القضاة ويولونهم مناصبهم،‮ ‬خصوصا المناصب الكبرى‮. ‬كما كانوا‮ ‬يملكون توقيع عقوبات على الناس بغير لجوء إلى القضاء،‮ ‬خاصة في‮ ‬الأمور السياسية التي‮ ‬تمس الدولة،‮ ‬مثل حبس وقتل المعارضين،‮ ‬والقوانين التي‮ ‬تنظم الحكم،‮ ‬فنشأ الازدواج بين القانون والشريعة‮. ‬ومن أمثلة القوانين الموازية للشريعة قانونامة مصر،‮ ‬الذي‮ ‬أصدره إبراهيم باشا،‮ ‬الصدر الأعظم‮ (‬أي‮ ‬رئيس وزراء الدولة العثمانية‮)‬،‮ ‬الذي‮ ‬حدد نظام الحكم في‮ ‬ولاية مصر والمناصب الرئيسية فيها واختصاص كل منصب،‮ ‬ومخصصاته المالية،‮ ‬الخ،‮ ‬وهى كلها أمور لم‮ ‬يكن التنازع بشأنها من اختصاص القضاة،‮ ‬بل من اختصاص السلطان والوالي‮ ‬الذي‮ ‬يمثله،‮ ‬أو تُحسم بالصراع المسلح بين المتنازعين‮. ‬

في‮ ‬الدولة الحديثة‮: ‬يختلف معنى القضاء واستقلاله بشكل ملحوظ مع تشكُّل الدولة الحديثة‮. ‬الدولة الحديثة في‮ ‬كل الأحوال دولة تتدخل في‮ ‬كثير من أمور سكانها،‮ ‬فتصدر لهم بطاقات هوية،‮ ‬وتسجل أسماءهم في‮ ‬عشرات السجلات لأغراض مختلفة،‮ ‬وتجندهم في‮ ‬الجيش،‮ ‬وتشرف على تعليمهم وصحتهم وإسكانهم ومختلف مرافقهم،‮ ‬وقد تتدخل بشدة في‮ ‬النشاط الاقتصادي،‮ ‬بل وتنظم المرور وعشرات الجوانب الأخرى من حياتهم،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فإنها تصدر عشرات اللوائح لتحكم عمل موظفيها المتزايدين،‮ ‬وتدخل في‮ ‬ملايين الخلافات مع رعاياها،‮ ‬فضلا عن الخلافات بين موظفيها،‮ ‬كما أنها تمد سلطانها إلى كل تعاقد وكل جريمة،‮ ‬منتزعة اختصاصات المجالس العرفية والقروية والقبلية والحرفية،‮ ‬وتحتم الكشف الطبي‮ ‬على الموتى،‮ ‬إلخ‮. ‬

هذا كله‮ ‬يعني،‮ ‬في‮ ‬المجتمعات الإسلامية،‮ ‬أن‮ ‬يتدخل القانون في‮ ‬المجال الذي‮ ‬كانت تحكمه الشريعة،‮ ‬فضلا عن الاتساع الهائل لما‮ ‬يخص مجال الحكم،‮ ‬الذي‮ ‬كان منفصلا أصلا عن الشريعة،‮ ‬وأن تصبح القوانين مكتوبة في‮ ‬نصوص مفصلة،‮ ‬لا معتمدة على شروح فقهية‮. ‬هذا كله‮ ‬يجعل السكان‮ ‬يهتمون بشكل متزايد بالقانون،‮ ‬بعد أن أصبح‮ ‬يمس حياتهم بشكل‮ ‬يومي‮. ‬

في‮ ‬مصر نشأت الدولة الحديثة مع والي‮ ‬مصر العثماني‮ ‬محمد علي،‮ ‬الذي‮ ‬حكم من‮ ‬1805 إلى‮ ‬1848 وتوسعت باستمرار منذ ذلك الحين‮. ‬في‮ ‬معظم القرن التاسع عشر كانت الجهات الإدارية هي‮ ‬التي‮ ‬تطبق قانون الدولة،‮ ‬فالشرطة كانت تجرى التحقيقات الأساسية،‮ ‬وترفعها لمجالس إدارية لها اختصاص قضائي،‮ ‬أعلاها مجلس الأحكام،‮ ‬الذي‮ ‬يرفع أحكامه للخديوي‮ ‬ليصدق عليها أو‮ ‬يغيرها‮. ‬استمر الوضع كذلك حتى تشكلت‮ "‬المحاكم الأهلية‮" ‬في‮ ‬1883 ‮ ‬لتنفصل السلطة القضائية الواسعة للدولة لأول مرة عن السلطة المباشرة للحاكم،‮ ‬وينفصل القضاة عن رجال الإدارة‮. ‬

    كانت النخبة الحزبية بعد ثورة‮ ‬1919 أيا كانت مثالبها،‮ ‬تعتبر استقلال القضاء وتدعيم سلطاته جزءا لا‮ ‬يتجزأ من مشروع تدعيم الدولة الحديثة،‮ ‬لأنه‮ ‬يعزز قوة الدولة الحديثة على حساب المجتمع التقليدي‮ ‬وثقافاته العرفية‮ (‬راجع تهكم توفيق الحكيم على تطبيق القانون الحديث في‮ ‬الأرياف في‮ ‬رائعته الشهيرة‮ "‬يوميات نائب في‮ ‬الأرياف‮"). ‬فالقضاء المركزي‮ ‬كان أداة أساسية لجعل تشريعات المجالس النيابية نافذة في‮ ‬البلاد‮. ‬كما أن استقلال القضاء جزء لا‮ ‬يتجزأ من قضية الفصل بين السلطات،‮ ‬التي‮ ‬كانت تعني‮ ‬عمليا الحد من سلطات الملك لصالح البرلمان،‮ ‬بما‮ ‬يوسع المجال السياسي‮ ‬والحزبي‮. ‬وهكذا أخذت القوانين الأساسية تصدر تباعا بعد استقلال مصر بموجب معاهدة‮ ‬1936 ‮ ‬فصدر قانون للسلطة القضائية كفل استقلالها عن السلطة التنفيذية،‮ ‬وصدر القانون المدني‮ ‬وقانون العقوبات وغيرهما‮. ‬كما أنشئ‮ "‬مجلس الدولة‮" ‬لكي‮ ‬يفصل في‮ ‬المنازعات الإدارية بين السكان والحكومة‮. ‬وفى‮ ‬1951 ‮ ‬صدر قانون‮ ‬يقصر سلطة النيابة على توجيه الاتهام،‮ ‬ويجعل التحقيق في‮ ‬يد قاضي‮ ‬تحقيق‮. ‬كانت مصر تقترب إذاً،‮ ‬قبل‮ ‬1952 ‮ ‬من المعايير الدولية لاستقلال القضاء،‮ ‬أي‮ ‬ذلك الاستقلال النسبي‮ ‬الذي‮ ‬يعزز فصل السلطات والدولة الديمقراطية التي‮ ‬تقوم على الصراع بين النخب السائدة من ملاك أرض ومستثمرين ومتعلمين‮. ‬فالسلطة القضائية تدعم سلطة الدولة الحديثة وبرلمانها والقوى المستفيدة من هذا النظام‮ (‬في‮ ‬الدول الديمقراطية‮).‬

وهكذا نلاحظ أن‮ "‬استقلال القضاء‮"‬،‮ ‬مثله مثل‮ "‬الفصل بين السلطات‮" ‬مصطلح‮ ‬يجب ألا‮ ‬يؤخذ بمعناه الحرفي‮. ‬فالقاضي‮ ‬الحديث في‮ ‬العالم كله ليس مستقلا‮. ‬فهو لا‮ ‬يحكم بمجرد ضميره،‮ ‬ولكن وفقا للقانون‮. ‬فمثلا إذا وضع القانون عقوبات معينة لجريمة معينة،‮ ‬لا‮ ‬يجوز له أن‮ ‬يحكم بغيرها على المدانين‮. ‬والقضاة ليس من سلطتهم أن‮ ‬يشرعوا،‮ ‬وليس لهم أن‮ ‬يبدلوا القوانين إذا حكموا بعدم اتفاقها مع الدستور،‮ ‬وإنما تلغى المحاكم الدستورية وما في‮ ‬حكمها قانونا أو مواد معينة من قانون دون أن‮ ‬يحق لها أن تضع لها بديلا‮. ‬وتملك السلطة التشريعية أن تعدل قانونا إذا وجدت أن تطبيقه له آثار سياسية أو اجتماعية‮ ‬غير مرغوب فيها،‮ ‬مثلا بأن تشدد عقوبة أو تخففها،‮ ‬أو تبيح ما كان محظورا أو العكس‮ (‬مثلا أباح البرلمان الهولندي‮ ‬منذ سنوات تجارة وتدخين الحشيش،‮ ‬على أساس أنه أخف ضررا من المخدرات الأخرى‮)‬،‮ ‬أو تغير الإجراءات التي‮ ‬تتبعها المحاكم في‮ ‬نظر القضايا،‮ ‬أو وسائل إثبات المدعي‮ ‬لدعواه،‮ ‬وهكذا‮. ‬

وهكذا‮ ‬يكون معنى استقلال القضاء في‮ ‬المجتمع الديمقراطي‮ ‬الحديث هو عدم قابلية القضاة للعزل،‮ ‬وحظر تدخل أية سلطة في‮ ‬نظامهم الداخلي،‮ ‬بهدف أن‮ ‬يستطيعوا بهذه الضمانات أن‮ ‬يطبقوا إرادة الدولة بالعدل على الأفراد‮. ‬

(2) ‬أزمة استقلال القضاء في‮ ‬ظل نظام‮ ‬يوليو‮:‬

    يكمن أصل أزمة استقلال القضاء فيما أدخله صعود الضباط الأحرار إلى السلطة في‮ ‬1952 من تغييرات جوهرية على وضع السلطة القضائية‮. ‬فقد انتهى الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية،‮ ‬حيث جمع الضباط بينهما لمدة خمس سنوات،‮ ‬حتى انعقاد أول مجلس نيابي‮ ‬في1957 ‮ ‬أعيد فيه تشكيل جانب كبير من البنية القانونية للبلاد‮. ‬وإجمالا،‮ ‬بلغت مدد انعقاد البرلمان حتى مارس1964 ‮ ‬اثنا عشر شهرا،‮ ‬أي‮ ‬سنة واحدة في‮ ‬حوالى‮ ‬12 ‮ ‬سنة‮. ‬ومعنى حيازة الضباط للسلطتين التشريعية والتنفيذية،‮ ‬أن تصبح السلطة القضائية جيبا معزولا‮ ‬يطبق القوانين التي‮ ‬يصدرها نظام الحكم الجديد،‮ ‬بمعزل عن أية سلطة منتخبة‮. ‬وبعد أن استقر انعقاد مجلس نيابي‮ ‬ما منذ‮ ‬1964 ‮ ‬تحكم النظام في‮ ‬تشكيل السلطة التشريعية،‮ ‬سواء بفرض قيود على الترشيح،‮ ‬أو بالتدخل بالتزوير أو ممارسة النفوذ الإداري‮ ‬على الناخبين‮ (‬تذكر الأتوبيسات الحكومية التي‮ ‬جلبت الموظفين من أماكن عملهم للانتخابات الرئاسية في‮ ‬2005 ‮ ‬مثلا‮)‬،‮ ‬أو دعم سلطات الدولة لمرشحي‮ ‬الحزب الحاكم ماديا بتمكينهم من أداء خدمات للسكان كمقابل لأصواتهم‮. ‬

أدى هذا التحكم في‮ ‬تشكيل السلطة التشريعية‮ (‬أو إلغائها أصلا‮) ‬إلى التحكم في‮ ‬إصدار القوانين،‮ ‬ومن بين هذه القوانين تلك المتعلقة بتنظيم السلطة القضائية نفسها‮. ‬وقد أصدر النظام الحاكم بالفعل مجموعة متكاملة من القوانين للسيطرة على القضاء العادي،‮ ‬سواء بالحد من نطاق سلطاته‮ (‬بإقامة محاكم استثنائية‮) ‬أو بإخضاعه هو نفسها لإشراف السلطة التنفيذية ممثلة في‮ ‬وزير العدل،‮ ‬أو بالتحكم في‮ ‬مدخلاته من القضايا‮ (‬بتوسيع سلطة النائب العام وأعوانه،‮ ‬وفصل جهاز النيابة عن القضاء‮) ‬ومخرجاته من الأحكام‮ (‬بالتحكم في‮ ‬تنفيذ الأحكام من عدمه‮)‬،‮ ‬وتدخلات أخرى،‮ ‬بدءا من عيوب التشريعات،‮ ‬وحتى حالة الطوارئ الدائمة‮. ‬هذا كله جعل المحاكم مجرد أداة تستعمل بشكل انتقائي‮ ‬في‮ ‬حدود معينة،‮ ‬بحيث تفسح المجال لهيمنة أدوات الأمن العام والسياسي‮ ‬غير القانونية‮.‬

هذا الوضع جعل القضاء‮ ‬يبدو أمام المواطن‮ ‬غير المتابع للشأن العام جزءا من السلطة‮. ‬فالقضاة لهم هيبة وسطوة ونفوذ،‮ ‬وفى بعض الحالات قد‮ ‬يسيئون استخدامه‮. ‬كما أن الحكومة لا تتدخل بشكل مباشر أبدا في‮ ‬نظر الدعوى في‮ ‬القضاء العادي،‮ ‬المدني‮ ‬والجنائي،‮ ‬وليس لها أن تصدر أوامر للقضاة بما‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون عليه حكمهم،‮ ‬ولم تمنح نفسها حق إلغاء أحكامهم‮. ‬فوق ذلك،‮ ‬القضاة في‮ ‬مصر‮ ‬غير قابلين للعزل،‮ ‬كما أن نظام‮ ‬يوليو وحتى خلع الرئيس المخلوع عمل بالمقابل على استرضاء القضاة،‮ ‬بتوفير استراحات وعلاج وزيادات في‮ ‬الرواتب والنقل على نفقة الدولة،‮ ‬وغير ذلك من المزايا المالية‮. ‬كما عمل النظام باستمرار على حماية المجال القضائي‮ ‬من أي‮ ‬مساس في‮ ‬وسائل الإعلام،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك حالات الفساد المحققة التي‮ ‬أدت لسجن بعض القضاة‮ (‬ولعلنا نتذكر ما حدث لفاروق جويدة،‮ ‬الشاعر والصحفي،‮ ‬من استجواب مهين في‮ ‬2005 ‮ ‬حين تناول في‮ ‬مقال له المحاباة في‮ ‬تعيين أعضاء النيابة العامة،‮ ‬الذين‮ ‬يصبحون،‮ ‬في‮ ‬أغلبهم،‮ ‬قضاة بعد ذلك‮). ‬

بهذه الطريقة كان النظام‮ ‬يأمل في‮ ‬استرضاء القضاة،‮ ‬ليجعلهم حريصين على مرضاته،‮ ‬فلا‮ ‬يستعملون حصانتهم في‮ ‬مواجهة النظام،‮ ‬كما حدث في‮ ‬عامي‮ ‬2005 و. 2006

لكن لماذا اهتم نظام‮ ‬يوليو بإرضائهم أصلا؟ بالطبع لأن موقع القضاء بالذات‮ ‬يتميز بحساسية بالغة‮. ‬فقيام هذه المؤسسة بعملها‮ ‬يتطلب قدرا كبيرا من الاستقلال والحصانة لأعضائها،‮ ‬تجعل من استخدام القمع المباشر ضدهم مستحيلا،‮ ‬لكن القضاة كما رأينا أفصحوا بأنفسهم في‮ ‬السنوات الأخيرة عن شكواهم من عدم استقلال القضاء‮. ‬ولكن،‮ ‬أين‮ ‬يكمن انتقاص استقلال القضاء؟

‮(‬أ‮) ‬المحاكم الاستثنائية‮:‬

لجأ النظام منذ‮ ‬يوليو‮ ‬1952 ‮ ‬إلى إنشاء محاكم خاصة‮ ‬يتولى رجاله الفصل فيها،‮ ‬جالسين على مقاعد القضاة،‮ ‬مثل‮ "‬محكمة الغدر‮" ‬و"محكمة الثورة‮". ‬كما تم توسيع مجال القضاء العسكري،‮ ‬ليتيح محاكمة المدنيين أمامه‮. ‬وأنشئت محاكم خاصة أخرى مثل‮ "‬محكمة أمن الدولة طوارئ‮" ‬و"محكمة القيم‮" ‬و"محكمة الأحزاب‮". ‬والغرض من كل هذه المحاكم الاستثنائية هو جعل القضايا ذات الأهمية السياسية بعيدة عن متناول القضاء العادي‮. ‬وتنقسم هذه المحاكم إلى نوعين‮:‬

محاكم ذات تشكيل مدني‮/ ‬قضائي‮: ‬فمثلا كانت محكمة الأحزاب مكونة من‮ "‬شخصيات عامة‮" ‬وقضاة،‮ ‬وهى تنظر القضايا التي‮ ‬ترفعها الأحزاب‮. ‬أما محكمة القيم فهي‮ ‬محكمة ذات اختصاص واسع،‮ ‬سياسي‮ ‬واقتصادي‮ ‬واجتماعي‮ ‬وديني‮ ‬وأخلاقي،‮ ‬وتملك السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في‮ ‬إحالة قضايا من أنواع كثيرة إليها،‮ ‬وفقا لقانون العيب‮. ‬ويرتبط بها أيضا منصب‮ "‬المدعى العام الاشتراكي‮"‬،‮ ‬الذي‮ ‬أُلغي‮ ‬في‮ ‬2007،‮ ‬ وكان‮ ‬يملك اختصاصات واسعة تشمل حق الاعتراض على المرشحين في‮ ‬جميع المجالس المنتخبة،‮ ‬من الانتخابات النيابية وحتى انتخابات مجالس الأندية الرياضية‮. ‬والمحكمتان خارج النظام القضائي‮ ‬العادي‮ ‬ولا تخضع أحكامهما لرقابة محكمة النقض‮. ‬ويتحكم النظام تماما في‮ ‬اختيار‮ "‬الشخصيات العامة‮" ‬التي‮ ‬تناسبه،‮ ‬والتي‮ ‬تفتقر إلى كل من التدريب القضائي‮ ‬والحياد والاستقلال‮.‬

    وهناك المحاكم ذات التشكيل العسكري‮ ‬الخالص أو المختلط‮. ‬وكان أول ما أنشئ منها محكمة الغدر عام‮ ‬1952 وكانت أغلبيتها من الضباط‮. ‬وقد اختصت بمحاكمة كل من تقلد منصبا عاما،‮ ‬بناء على اتهام‮ ‬يأتي‮ ‬من‮ "‬لجان التطهير‮" (‬شكلها الضباط الأحرار في‮ ‬كل الوزارات والمؤسسات المهمة ورأسوها‮)‬،‮ ‬بأنهم أفسدوا الحياة السياسية أو الاجتماعية أو استغلوا نفوذهم وغير ذلك‮. ‬وكانت توقع عقوبات تمتد من الحرمان من الحقوق السياسية وحتى إسقاط الجنسية‮. ‬أما‮ "‬محكمة الثورة‮"‬،‮ ‬فهي‮ ‬محكمة عسكرية بحتة،‮ ‬أقيمت عام‮ ‬1953 ،‮ ‬وحوكم أمامها الإخوان المسلمون عام‮ ‬1953 ،‮ ‬ثم الطرف المهزوم في‮ ‬الصراع على السلطة عام‮ ‬1971‮ ‬ويصدق على أحكامها رئيس الجمهورية‮. ‬والمحكمتان لا‮ ‬يجوز الطعن على أحكامهما‮.‬

    وهناك إحالة المدنيين للقضاء العسكري،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يمكن بدوره استئناف أحكامه‮. ‬ويعطى القانون لرئيس الجمهورية إحالة أية قضية إليه في‮ ‬ظل إعلان حالة الطوارئ‮. ‬والمحاكم العسكرية مشكلة من ضباط‮ ‬يعينون لمدة محددة قابلة للتمديد،‮ ‬بقرار من وزير الدفاع،‮ ‬فهم تابعون له،‮ ‬ولا تراجع أحكامها محكمة عليا،‮ ‬ولا تحدد مدة للحبس الاحتياطي،‮ ‬كما أنها الوحيدة المختصة بتقرير ما إذا كانت قضية ما داخلة في‮ ‬اختصاصها أم لا،‮ ‬لتخرج بذلك تماما من أية رقابة من القضاء العادي‮. ‬فهي‮ ‬إذاً‮ ‬نتوء بارز من الاستثناء في‮ ‬جسم القضاء‮. ‬وقد زادت إحالة القضايا إليها بعد أن رأت السلطة أن محاكم أمن الدولة،‮ ‬المشكلة من قضاة طبيعيين،‮ ‬تصدر أحيانا أحكاما لا تتفق مع رؤيتها‮. ‬وقد رأينا بعد الثورة استعراضا لسلطة هذه المحاكم وعشوائية‮ "‬أحكامها‮"  ‬وانتهاكها لأبسط معنى من معاني‮ ‬العدالة أو التقاضي،‮ ‬لصالح الزمرة العسكرية الحاكمة الانتقالية‮.‬

‮(‬ب‮) ‬السيطرة على القضاء الطبيعي‮:‬

    يظل القضاء الطبيعي‮ ‬بعد انتزاع اختصاصات منه بالمحاكم الاستثنائية صاحب ولاية على معظم القضايا‮. ‬ومن هنا تأتى إمكانية اصطدام أحكامه برغبات السلطة‮. ‬فمثلا كان من أسباب‮ ‬غضب عبد الناصر على القضاة،‮ ‬التي‮ ‬دفعته لمحاولة إدماجهم في‮ ‬الاتحاد الاشتراكي،‮ ‬أن بعض القضاة أصدروا أحكاما بالبراءة في‮ ‬قضايا فساد،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬جعل إحالة هؤلاء إلى المحكمة،‮ ‬يبدو أمام الجمهور كبحث عن كبش فداء،‮ ‬لا كتحقيق للعدل أو نزاهة الحكم‮. ‬الأمر الذي‮ ‬أحرج النظام‮.

كان رد فعل السلطة وقتها،‮ ‬عام‮ ‬1967 ‮ ‬قبل ما سُمى‮ "‬النكسة‮"‬،‮ ‬وبعدها،‮ ‬السعي‮ ‬لإدماج القضاء في‮ "‬الاتحاد الاشتراكي‮ ‬العربي‮"‬،‮ ‬حزب النظام الحاكم آنذاك،‮ ‬وسلف الحزب الوطني‮ ‬الحاكم قبل الثورة‮. ‬وقال رجال النظام إن دخول القضاة الاتحاد الاشتراكي‮ ‬لا‮ ‬يمس الفصل بين السلطات،‮ ‬ولا‮ ‬يعنى تبعيتهم للسلطة التنفيذية،‮ ‬ولا‮ ‬يعتبر اشتغالا بالسياسة‮ (‬وهو أمر محظور عليهم حفاظا على حياد القضاء‮)‬،‮ ‬لأن الاتحاد الاشتراكي،‮ ‬فيما قالوا،‮ ‬هو تحالف وطني‮ ‬لقوى الشعب العامل وليس حزبا‮. ‬وبالفعل أقام الاتحاد المذكور خلية من الموالين له بين القضاة،‮ ‬وأعد منها ومن أنصارها قائمة لتدخل انتخابات النادي‮ ‬في‮ ‬مواجهة القضاة المستقلين‮.‬

ردا على هذا،‮ ‬أصدر بعض القضاة بيانا،‮ ‬نجحوا في‮ ‬جمع أغلبية القضاة حوله،‮ ‬جاء فيه أن صلابة الجبهة الداخلية في‮ ‬مواجهة الاحتلال الإسرائيلي،‮ ‬بعد هزيمة‮ ‬1967 ‮ ‬تقتضى‮: ‬

‮"‬إزالة كافة المعوقات التي‮ ‬اصطنعتها أوضاع ما قبل النكسة‮ [‬أي‮ ‬الهزيمة‮] ‬أمام حرية المواطنين،‮ ‬وذلك لأن الإنسان الحر‮ ‬– على ما‮ ‬يقول الميثاق‮ [‬الذي‮ ‬تتضمن مطالبة القضاة بدخول الاتحاد الاشتراكي‮ ‬الإيمان به بحذافيره‮] ‬هو أساس المجتمع الحر‮... ‬ولا‮ ‬يكون ذلك إلا بتأكيد مبدأ الشرعية الذي‮ ‬يعنى في‮ ‬الدرجة الأولى كفالة الحريات لكافة المواطنين،‮ ‬وسيادة القانون على الحكام والمحكومين على سواء‮".‬

ومضى البيان مطالبا باستقلال السلطة القضائية،‮ ‬الذي‮ ‬يعد أبرز أصول استقلاله‮ "‬البُعد‮... ‬عن كافة التنظيمات السياسية‮"‬،‮ ‬وكذلك توفير نفس الضمانات والحصانة القضائية لرجال النيابة العامة باعتبارهم من رجال السلطة القضائية‮. ‬

اكتسحت القائمة المعبرة عن هذه الرؤية وتلك المطالب انتخابات مجلس إدارة النادي‮ ‬عام‮ ‬1968‮ ‬فسارع رئيس الجمهورية‮ (‬عبد الناصر آنذاك‮) ‬بإصدار أربعة قرارات جمهورية بقوانين،‮ ‬أي‮ ‬بغير عرض على مجلس الأمة،‮ ‬في‮ ‬يناير‮ ‬1969 ‮ ‬أسفرت عن طرد حوالي‮ ‬190 ‮ ‬قاضيا من مناصبهم،‮ ‬مطيحا بمبدأ عدم قابلية القضاة للعزل‮. ‬وعُرف هذا الحدث لاحقا بمذبحة القضاء‮.‬

(3) ‬طبيعة نظام‮ ‬يوليو كأساس لأزمة القضاء:

قام نظام‮ ‬يوليو على ازدواج أصلى بين نوعين من المنظمات‮: ‬الأولى مؤسسات رسمية معلنة،‮ ‬تتولى وظائف مختلفة،‮ ‬مثل الوزارات والمصالح المتخصصة،‮ ‬والنقابات،‮ ‬والجمعيات الأهلية،‮ ‬والجامعات‮. ‬وهذه المؤسسات تقوم بالضرورة على لوائح وقوانين تحكم عملها‮. ‬ويعتبر القضاء العادي‮ ‬مؤسسة من هذا النوع‮. ‬والثاني‮ ‬هو أجهزة الأمن العليا‮: ‬مباحث أمن الدولة،‮ ‬الأمن القومي،‮ ‬المخابرات العامة،‮ ‬المخابرات العسكرية،‮ ‬وربما‮ ‬غيرها‮. ‬وهذه تقوم ببعض أدوار الأحزاب السياسية الحاكمة في‮ ‬النظام الديمقراطي،‮ ‬حيث تتولى تكييف سياسات وأوضاع المؤسسات الأولى،‮ ‬العلنية،‮ ‬بما‮ ‬يحقق مصالح النظام‮.‬

فبشكل‮ ‬غير معلن،‮ ‬تتولى هذه الأجهزة مسئولية ضبط حركة مؤسسات الدولة والمجتمع ككل،‮ ‬بما‮ ‬يتجاوز بكثير ما هو شائع عنها،‮ ‬أي‮ ‬مجرد مطاردة المعارضين‮. ‬هذا الدور السياسي‮ ‬لأجهزة الأمن العليا لا‮ ‬يمارس بشكل قانوني،‮ ‬وإنما‮ ‬يتحقق إما بالقمع المباشر،‮ ‬أو بإيكال إصدار القرارات إلى المؤسسات المعلنة المعنية،‮ ‬كل في‮ ‬مجالها،‮ ‬من خلال توجيه رؤساء هذه المؤسسات،‮ ‬الذين كان لهم‮ ‬يد في‮ ‬تعيينهم‮. ‬وبهذا تستطيع أن تنسق بين حركة مختلف هذه المؤسسات وفق اعتبارات أمن النظام‮.‬

كانت بنية النظام تقوم إذن بالضرورة على هيمنة ما هو أمنى على ما هو قانوني،‮ ‬وبالتالي‮ ‬أصبح القانون تابعا وخاضعا للنفوذ‮. ‬بل كان مقياس سلطة أي‮ ‬فرد أو مؤسسة‮ ‬يتحدد بالضبط،‮ ‬كما هو معروف،‮ ‬لا بقدر سلطاته أو سلطاتها القانونية،‮ ‬بل بقدر قدرته أو قدرتها على تحدى القانون وخرقه بلا عقاب‮. ‬باختصار،‮ ‬كان النظام بصفة عامة انقلابيا على القانون،‮ ‬ليس فقط من حيث أصله،‮ ‬أي‮ ‬قيامه على انقلاب عسكري،‮ ‬لكن بفعل استمرار اعتماده بالضرورة على الجهاز الأمني‮ ‬بوصفه الجهاز السياسي‮ ‬الحقيقي‮ ‬له‮ (‬لا الاتحاد الاشتراكي‮ ‬ولا الحزب الوطني‮). ‬أي‮ ‬الاحتفاظ بقدرته على القيام بانقلابات مصغرة على شرعيته المعلنة ومؤسساته الرسمية من حين لآخر‮. ‬

بعد إعلان السادات لقيام‮ "‬دولة القانون‮"‬،‮ ‬لم‮ ‬يتغير هذا الوضع من حيث الجوهر،‮ ‬وإن كان قد أُجري‮ ‬تعديل مهم في‮ ‬النظام‮. ‬فبإعطاء مساحة أكبر للمؤسسات القانونية للبلاد،‮ ‬للحد من اعتباطية وتغول وفساد أجهزة الأمن،‮ ‬أصبح الاحتفاظ باليد العليا للدولة الأمنية‮ ‬يتطلب أن‮ ‬يصاغ‮ ‬القانون دائما‮ (‬من خلال ترزية القوانين‮) ‬بحيث‮ ‬يتيح فتح المجال للتدخل الرسمي‮ ‬وغير الرسمي‮ ‬لأجهزة الأمن في‮ ‬عمل مؤسسات الدولة،‮ ‬سواء بالإبقاء على حالة الطوارئ أو السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية أو مختلف الثغرات والتعليمات الإدارية الشفوية والمكتوبة،‮ ‬الرسمية والعرفية‮. ‬فاستمرار النظام تطلب ألا‮ ‬يعيق القانون تدخل أجهزة النظام الأمنية في‮ ‬أنشطة مؤسسات الدولة،‮ ‬ولكن تحت الرقابة اللصيقة للرئيس وكبار معاونيه‮. ‬

يتيح لنا هذا الشرح المبسط لطبيعة علاقة بنية النظام بالقانون والمؤسسات القانونية أن نفهم طبيعة الأزمة الدائمة مع السلطة القضائية في‮ ‬ظل النظام البائد‮. ‬فمحاصرة النظام السلطوي‮ ‬للسلطة القضائية،‮ ‬بالسيطرة على التشريع والتدخلات الأخرى،‮ ‬وإخضاع ما هو قانوني‮ ‬لما هو أمني،‮ ‬أوجد ميلا كامنا عند القضاة لدخول المجال السياسي،‮ ‬من زاوية معينة،‮ ‬وهى استكمال سلطاتهم والخروج من الحصار المفروض حول ممارسة اختصاصهم‮. ‬فالقضية التي‮ ‬يجب أن تثار هنا هي‮ ‬ليست لماذا دخل القضاة المجال السياسي‮ ‬أحيانا في‮ ‬مواجهة مع نظام‮ ‬يوليو في‮ ‬عهدي‮ ‬عبد الناصر ومبارك،‮ ‬بل عن العوامل التي‮ ‬تتيح لهم الفرصة لدخوله دفاعا عن استقلال القضاء في‮ ‬لحظات معينة‮. ‬

يتمثل التفسير الأساسي‮ ‬لمسألة التوقيت في‮ ‬طبيعة النظام نفسه‮. ‬فلما كان النظام‮ ‬يستند في‮ ‬التحليل الأخير على الخوف من مواجهة الأجهزة الأمنية المهيمنة،‮ ‬كان المجال‮ ‬ينفسح بالضبط حين‮ ‬يمر النظام بأزمة عميقة في‮ ‬الشرعية،‮ ‬وفي‮ ‬ثقته بنفسه بحيث‮ ‬يكون عاجزا نسبيا عن الاحتفاظ بسطوته وهيبته الإرهابية،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬يشجع بعض مؤسسات الدولة،‮ ‬ومنها القضاء العادي،‮ ‬على دخول المجال السياسي،‮ ‬بحثا عن استقلالها‮. ‬

    تحرك القضاة إلى المجال السياسي‮ ‬إذاً‮ ‬في‮ ‬اللحظات التي‮ ‬اهتزت فيها‮ "‬الشرعية الأمنية‮" ‬للنظام،‮ ‬خاصة حينما ترافق ذلك مع تكليف القضاء بواجبات جديدة لتعزيز شرعية النظام المهتز،‮ ‬وظهور حركة جماهيرية تبشر بفتح المجال السياسي‮ ‬الذي‮ ‬أغلقه النظام على نفسه‮. ‬حدث ذلك بعد هزيمة‮ ‬1967 ‮ ‬الفادحة،‮ ‬ومظاهرات الاحتجاج على الأحكام التى صدرت على المسئولين عن الهزيمة التي‮ ‬اعتبرها الجمهور مخففة،‮ ‬وصدور بيان‮ ‬30 ‮ ‬مارس1968 الذي‮ ‬وعد بإصلاحات في‮ ‬اتجاه ديمقراطي‮.  ‬فقد طرح هذا كله مجمل البنية السياسية الاستبدادية للتساؤل والمراجعة‮. ‬وليس من قبيل الصدفة أن بيان القضاة الذي‮ ‬صدر آنذاك قد حاول أن‮ ‬يقول،‮ ‬كما رأينا،‮ ‬أن شعارات وأفكار النظام نفسها تقتضى مراجعة الآن‮. ‬وبالمثل شهدت حركة القضاة في‮ ‬ 2008 - 2005 ‮ ‬ما‮ ‬يسود الحركة الوطنية من استناد إلى خطاب إصلاحي‮ ‬ديمقراطي،‮ ‬وفى ضوء المظاهرات العامة‮  ‬التي‮ ‬دشنها اليسار ثم حركة‮ "‬كفاية‮".‬

غير أن القضاء ليس هو المسئول الرئيسي‮ ‬عن‮ "‬تسييسه‮" ‬هذا‮. ‬فقد فتح ذلك النظام بنفسه أبواب تسييس القضاء،‮ ‬ليس فقط بإيكال مهمة سياسية له،‮ ‬هي‮ ‬الإشراف على الانتخابات،‮ ‬بل أيضا بما رافق ذلك من إعلان الرئيس السادات مبدأ‮ "‬الشرعية القانونية‮" ‬بديلا عن الشرعية الثورية،‮ ‬والذي‮ ‬أصبح‮ ‬يعنى في‮ ‬التطبيق العملي‮ ‬لجوء كل من الدولة والمعارضة والنقابات وغيرها إلى تحويل خلافاتها إلى المحاكم للبت فيها،‮ ‬وفقا لقواعد وضعها النظام نفسه‮. ‬ولعل المصطلح الأنسب لإطلاقه على هذه الظاهرة ليس‮ "‬تسييس القضاء‮"‬،‮ ‬لأن الغالبية الكاسحة من القضايا التي‮ ‬تُعرض في‮ ‬المحاكم ليست لها أبعادا سياسية،‮ ‬وإنما‮ ‬يمكن أن نسميه‮ "‬قوننة السياسة‮"‬،‮ ‬أي‮ ‬خوص الكفاح السياسي‮ ‬والفكري‮ ‬بأدوات القانون،‮ ‬ومن خلال المحاكم‮.‬

وقد تزايد الميل لهذه‮ "‬القوننة‮" ‬بسبب ضعف المجال السياسي‮ ‬والأيديولوجي‮ ‬نفسه‮. ‬فالأحزاب والنقابات والجمعيات وغيرها من قوى المجتمع المدني‮ ‬ضعيفة،‮  ‬وبالتالي‮ ‬فإنها لا تستطيع أن تأمل في‮ ‬الحصول على أغلبية برلمانية تحول مطالبها إلى قوانين،‮ ‬لغياب مجال سياسي‮ ‬مفتوح أصلا‮. ‬ولا‮ ‬يكاد‮ ‬يتبقى أمامها سوى اللجوء إلى المحاكم‮. ‬ومن الأمثلة الصارخة لإدارة صراعات سياسية وإيديولوجية من خلال المحاكم قبل ثورة‮ ‬يناير إقامة دعوى من جانب بعض الأحزاب أمام القضاء الإداري‮ ‬لإيقاف قرارات بيع القطاع العام،‮ ‬أو لمنع إجراء انتخابات المحليات بنظام القوائم الحزبية،‮ ‬أو لوقف الاستفتاء على تعديل المادة‮ ‬76 ‮ ‬من الدستور‮. ‬وكان النظام بدوره‮ ‬يلجأ لنفس السلاح،‮ ‬باستفتاء متكرر للمحكمة الدستورية العليا لتفسير نصوص قانونية بعينها متنازع عليها‮. ‬كما درج النظام الحاكم على إحالة قضايا تتعلق بالفساد إلى القضاء من حين لآخر،‮ ‬إلى جانب إجراء تغييرات إدارية أو وزارية،‮ ‬ردا على حملات التشكيك في‮ ‬حمايته للفساد،‮ ‬أو للتخلص من بعض العناصر الفاسدة أو المغضوب عليها،‮ ‬وهكذا‮.‬

أضف إلى ذلك أن معظم الأحزاب القائمة أقيمت خلال عهد مبارك بناء على أحكام قضائية بعد أن رفضتها لجنة الأحزاب،‮ ‬وينطبق نفس الأمر على إصدار الصحف،‮ ‬وكذلك على النزاعات السياسية وغير السياسية التي‮ ‬سادت النقابات المهنية،‮ ‬وكذلك النزاعات داخل الأحزاب،‮ ‬التي‮ ‬أديرت‮ ‬غالبا في‮ ‬صورة قضايا متبادلة مرفوعة أمام القضاء،‮ ‬ففي‮ ‬الحالتين استصدر أطراف الصراع أحكاما كثيرة متضاربة من المحاكم،‮ ‬بل وصل الأمر إلى اللجوء للقضاء للمطالبة بمصادرة كتاب أو تكفير كاتب‮ (‬مثلا دعوى تكفير نصر أبو زيد عن طريق المطالبة بإلغاء زواجه بسبب ادعاء المدعي‮ ‬بردته‮) ‬بما حوَّل المحاكم إلى ساحة للصراع بين التيارات الفكرية أيضا‮.‬

يتضح من هذه الأمثلة،‮ ‬ومن قراءة مجمل المشهد العام قبل ثورة‮ ‬يناير أن الميل الاستبدادي‮ ‬كان شائعا عند معظم أطراف الطيف السياسي‮ ‬المعارض أيضا‮. ‬فبدلا من إقناع جمهور‮ ‬غير مهتم والضغط به،‮ ‬لجأ حتى المتنازعين على مناصب مجالس النقابات،‮ ‬أو قيادة الأحزاب،‮ ‬أو‮ ‬غيرها من منظمات المجتمع المدني،‮ ‬إلى الحصول على حكم‮ ‬ينصرهم على أعدائهم‮. ‬وترافق مع ذلك اهتمام صحفي‮ ‬ودعائي‮ ‬متزايد بالدعاوى المتبادلة،‮ ‬فأفردت لها الصحف والمجلات الصفحات،‮ ‬واستعملت الصحف الحزبية الدعاوى التي‮ ‬تصدر لصالح الحزب في‮ ‬الدعاية السياسية الصرافة،‮ ‬بينما تجاهلت الأحكام التي‮ ‬لا تروقها،‮ ‬ولم تبعد الصحف المسماة‮ "‬قومية‮" ‬عن هذه الممارسة‮.‬

فبسبب انعدام المجال السياسي‮ ‬والفكري‮ ‬الحر في‮ ‬ظل النظام السلطوي،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تراجع أهمية الرأي‮ ‬العام،‮ ‬أصبح الشذوذ،‮ ‬أي‮ ‬إدارة الصراعات الفكرية والسياسية بالقضاء،‮ ‬هو القاعدة المألوفة،‮ ‬وهو سلوك ما زال قائما حتى الآن بسبب ضعف المجال السياسي‮ ‬الناشئ وعدم تبلوره بعد‮. ‬

المفترض في‮ ‬نظام ديمقراطي،‮ ‬أن المجال العام القوي‮ ‬الواسع المتبلور‮ ‬يعزز،‮ ‬على العكس،‮ ‬اللجوء إلى الرأي‮ ‬العام في‮ ‬الخلافات الفكرية والسياسية،‮ ‬نظرا لتوافر المنابر الديمقراطية للخلاف،‮ ‬أي‮ ‬حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات وغيرها،‮ ‬والانتخابات التي‮ ‬تجرى داخلها والمناقشات الحرة في‮ ‬مجال ثقافي‮ ‬وإعلامي‮ ‬مفتوح،‮ ‬مثلما كان الحال في‮ ‬مصر قبل‮ ‬يوليو‮ ‬1952‮ ‬.

(4) ‮ ‬لماذا فشل القضاة في‮ ‬انتفاضتهم قبل الثورة؟

بفعل ميل السلطة القضائية الطبيعي‮ ‬للتمرد على النظام الأمني،‮ ‬نشأت حركة استقلال القضاء في‮ ‬الظروف المواتية في‮ ‬2008 - 2005 . ‮ ‬فكانت أحد روافد الحركة الديمقراطية الوليدة في‮ ‬المجتمع‮. ‬لكنها كانت بطبيعة الحال عاجزة وحدها عن تغيير توازنات السلطة أو قيادة الحركة الديمقراطية‮. ‬فالقضاء هو دائما،‮ ‬من الناحية المؤسسية،‮ ‬جزء من النظام كما قلنا‮. ‬فالقضاة‮ ‬يستمدون شرعية جلوسهم على منصة القضاء من شرعية النظام،‮ ‬ويحكمون بالقوانين التي‮ ‬يصدرها،‮ ‬ويمتثلون بالضرورة للدستور القائم أيا كانت المآخذ عليه‮. ‬وهكذا قيل،‮ ‬حين هدد القضاة في‮ ‬2005 بعدم الإشراف على الانتخابات إذا لم تتحقق مطالبهم،‮ ‬إن إشراف القضاة على الانتخابات واجب دستوري‮ ‬وقانوني،‮ ‬أحرى بهم أن‮ ‬يحترموه بصفتهم رجال قانون،‮ ‬بلا قيد ولا شرط؛ وإن اشتراطهم لتعديلات معينة في‮ ‬القوانين التي‮ ‬تتعلق بعملهم أو قانون مباشرة الحقوق السياسية ليس سوى ابتزاز ودخول في‮ ‬المجال السياسي‮ ‬المحظور عليهم؛ واعتداء على اختصاص السلطة التشريعية‮. ‬

هذا الوضع جعل حركة القضاة في‮ ‬واقع الأمر مطالبة احتجاجية لا تستطيع أن تفعل ما هو أكثر من توجيه الاحتجاج إلى السلطة التنفيذية،‮ ‬المتحكم الوحيد في‮ ‬التشريع عمليا‮. ‬ومن هنا وجدوا أنفسهم مضطرين للتراجع بانتظام عن تحقيق مطلبهم الدستوري‮ ‬الخاص باستقلال القضاء،‮ ‬حتى لا‮ ‬يتخطوا حدودهم الدستورية من حيث الوسائل أو الإجراءات،‮ ‬فهم جزء من سلطات الدولة‮. ‬وقد أوضحت المواجهة أن تحقيق استقلال القضاء‮ ‬يستلزم ما لا‮ ‬يقل عن تغيير توازنات وأسس النظام الحاكم الحالي‮ ‬أو إصلاحها جذريا على الأقل،‮ ‬وهى مسألة تفوق بمراحل قدرات القضاة،‮ ‬فضلا عن أنها مسألة سياسية‮ ‬يقوم بها سياسيون‮ ‬يمثلون تيارات عريضة من المواطنين‮. ‬وبشكل أوضح كانت مطالب القضاة تستند أدبيا إلى الشرعية الديمقراطية العامة بغير أن‮ ‬يمتلكوا أدواتها السياسية،‮ ‬بينما الشرعية الإجرائية البحتة التي‮ ‬تحكم عملهم تساند النظام،‮ ‬وتضع لحركتهم حدودا‮. ‬كان القضاة جزءا قلقا من النظام الأمني،‮ ‬لأن كل ما‮ ‬يحد من سلطتهم إنما فرضته سلطة‮ ‬يقرون بشرعيتها،‮ ‬ويرفضون توزيعها الأساسي‮ ‬للسلطة في‮ ‬نفس الوقت،‮ ‬فاضطروا للتراجع مرة تلو الأخرى‮.‬

ويبين تقرير لجنة تفعيل قرارات الجمعية العامة للنادي‮ ‬المعقودة في‮ ‬13 مايو،‮ ‬والصادر في‮ ‬أغسطس‮ ‬2005 ‮ ‬وطأة هذه المشكلة على القضاة،‮ ‬التي‮ ‬أفضت بهم إلى التراجع باستمرار إلى قبول الإشراف على الانتخابات حتى برغم عدم توافر الضمانات‮.‬

كان القضاة قد اشترطوا تعديلات معينة تكفل نزاهة الانتخابات ليقبلوا الإشراف عليها،‮ ‬لم‮ ‬يتحقق سوى بعضها‮. ‬غير أن التقرير انتهى إلى ضرورة قبول الإشراف برغم عدم توافر الضمانات‮. ‬وبرغم أن الانتخابات الرئاسية مبنية على استفتاء جزموا في‮ ‬تقرير آخر لهم أنه مزور‮. ‬فكيف تم التوصل لهذه النتيجة؟ قال التقرير إن أغلبية اللجنة رفضت الرأي‮ ‬القائل بعدم الإشراف على الانتخابات،‮ ‬على أساس أن واجب القضاة هو تطبيق القوانين ولو كانت جائرة،‮ ‬وأن السبيل لمواجهتها هو السعي‮ ‬لتعديلها‮ (‬وهو أمر‮ ‬يفوق صلاحيات القضاء بحد ذاته‮)‬،‮ ‬بل ذكر التقرير سببا سياسيا صريحا‮ ‬يكشف عن طبيعة المشكلة بما لا مزيد عليه‮: ‬

‮"‬القضاء مجرد حكم بين الشعب والسلطة التنفيذية،‮ ‬ومن هنا نُهى القضاة عن الاشتغال بالسياسة‮. ‬وإذا كان ضعف القوى الشعبية في‮ ‬بلادنا،‮ ‬واستيلاء الحكومات على سلطة التشريع قد فرض على القضاة أن‮ ‬يعبروا عن أماني‮ ‬أمتهم‮... ‬فإن هذا لا‮ ‬يعنى أن‮ ‬يتجاوزوا التعبير بالقول إلى أفعال من شأنها أن تجعل القضاة طرفا في‮ ‬النزاعات الدائرة،‮ ‬فلا‮ ‬يصلحون للفصل فيها،‮ ‬ويدفع بهم إلى حمأة السياسة وتقلباتها‮".‬

ومعنى ذلك أن قضية التوازن الدستوري‮ ‬بين السلطات،‮ ‬أي‮ ‬استقلال القضاء،‮ ‬وقضية نزاهة الانتخابات،‮ ‬رهن بأن‮ ‬يكسب الشعب نفسه أرضا أمام السلطة‮. ‬فالقضاة ليسوا حكما مطلق اليد‮ ‬يحكم وفق مبادئ مجردة للعدالة،‮ ‬والقضاء لا‮ ‬يحكم في‮ ‬قضيته الخاصة بمحض رأيه،‮ ‬مطيحا بالقوانين القمعية باسم مبدأ الفصل بين السلطات،‮ ‬وإنما‮ ‬يحكم وفقا لأوضاع دستورية‮ ‬يقبلها لأنه جزء منها،‮ ‬ووفقا لقوانين‮ ‬يحددها ميزان القوى‮. ‬وهكذا‮ ‬يمكن قراءة هذه الفقرة على أنها تقول فعلا أن‮ "‬ضعف القوى الشعبية‮" ‬أمام النظام الأمني‮ ‬من شأنه وقف مسعى القضاء لتحقيق استقلاله واحترامه لضميره وواجباته في‮ ‬الانتخابات وغير الانتخابات‮.‬

ومع عجز القوى الديمقراطية عن الإطاحة بالنظام آنذاك،‮ ‬بدأت هجمة النظام المرتدة،‮ ‬فتدخل بالمنح والمنع والترغيب والتهديد حتى استطاع أن‮ ‬يزيح مجموعة استقلال القضاء عن رئاسة نادي‮ ‬القضاة،‮ ‬وكان المستشار الزند على رأس أدواته في‮ ‬ذلك‮.‬

لكن أثر النظام الأمني‮ ‬الذي‮ ‬حكم ستين عاما لم‮ ‬يقتصر على قدرته على هزيمة حركة استقلال القضاء،‮ ‬بل طال تصورات القضاة أنفسهم عن طبيعة وأسس استقلالهم المنشود،‮ ‬مثلهم مثل‮ ‬غيرهم من المواطنين والقوى والمنظمات‮. ‬لم‮ ‬يطرح القضاة دفاعهم عن مطالبهم أبدا من المنظور الوحيد الذي‮ ‬يبرر استقلالهم فلسفيا وسياسيا؛ أي‮ ‬انطلاقا من مبدأ احترام حقوق الفرد أو المواطن أو الناخبين،‮ ‬باعتباره الأساس الممكن للمناداة بالفصل الفعلي‮ ‬بين السلطات،‮ ‬بل استند دفاعهم إلى أفكار وطنية‮ (‬من قبيل أهمية استقلال القضاء من أجل العدالة أو من أجل استقرار الحكم،‮ ‬أو من أجل سمعة البلاد والثقة الدولية فيها،‮ ‬إلخ‮)‬،‮ ‬وعلى الصعيد الشخصي‮ ‬دينية أو ضميرية،‮ ‬تخص حرص القضاة على أن‮ ‬يدرأوا عن أنفسهم شبهة المشاركة في‮ ‬التزوير،‮ ‬أو تخص كرامتهم الشخصية التي‮ ‬تمتهن باستخدامهم في‮ ‬التستر عليه أو الاعتداء على اختصاصهم‮. ‬

الخاتمة

برغم أن هذا المقال‮ ‬يستند أساسا إلى تحليل أزمة القضاء في‮ ‬ظل نظام‮ ‬يوليو،‮ ‬فإن إشكالية الديمقراطية كما تتجلى في‮ ‬هذه الأزمة ما زالت فاعلة بعد الثورة،‮ ‬ليس فقط لأن النظام القديم قد استقطب قوى مجتمعية مختلفة،‮ ‬وفي‮ ‬داخل القضاء،‮ ‬استفادت بنظام الامتيازاتم،‮ ‬وما زال جانب من روابطها وتحالفاتها قائما،‮ ‬ولكن بلا قيادة،‮ ‬بل أيضا لأن مفهوم الديمقراطية باعتبارها مبنية على استقلال الفرد وسيادته ليس أمرا محسوما في‮ ‬المجال العام الحالي،‮ ‬والقوى الإسلامية المسيطرة هي‮ ‬أميل إلى تصور‮ "‬مجتمعي‮" ‬عن الحرية،‮ ‬يفترض نوعا من الثوابت المسبقة للأمة،‮ ‬ويعتبر أن السيادة‮ ‬يجب أن تكون لهذه الأمة،‮ ‬بثوابتها المفترضة،‮ ‬إسلامية كانت أم عروبية أم مصرية،‮ ‬لا للشعب بوصفه مجالا عاما مفتوحا للتجديد والإبداع الناجم عن تصور قانوني‮ ‬وسياسي‮ ‬عن تمتع الفرد بحق أصلي‮ ‬في‮ ‬الحرية،‮ ‬بوصفه فردا،‮ ‬لا بوصفه،‮ ‬كما هو شائع،‮ ‬بيدقا من بيادق هوية متخيلة وثابتة ما‮.

عن الكاتب : ‬‮‬أستاذ التاريخ الحديث‮ - ‬جامعة حلوان
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق