رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

مقدمة:

يُعد مفهوم «التحول الديمقراطي» من أكثر المفاهيم شيوعاً فى الوقت الراهن سواء على المستوى الأكاديمى أو السياسي، وهو يشير إلى عملية الانتقال أو التحول من نمط أو صيغة حكم غير ديمقراطي- مدنى أو عسكري- إلى نمط أو صيغة حكم ديمقراطي.

وقد جرت عملية التحول الديمقراطى منذ انطلاق ما يُعرف بـ«الموجة الثالثة» التى شهدها العالم منذ سبعينيات القرن العشرين، جرت من خلال أساليب وطرق عديدة.

فهناك نمط التحول من أعلى، أى الذى تقوم به وتهندسه النخبة الحاكمة فى النظام غير الديمقراطى أو الجناح الإصلاحى فيها كما هو الحال فى كل من إسبانيا والبرازيل.

وهناك نمط التحول من أسفل، وهو الذى يتم بضغوط واسعة من قبل  قوى المعارضة المدعومة بتأييد شعبى كبير مثلما حدث فى كل من البرتغال، والأرجنتين، ورومانيا.وهناك نمط التحول من  خلال عمليات المساومة والتفاوض بين النخبة الحاكمة والقوى المعارضة لها على نحو ماحدث فى جنوب أفريقيا، والسلفادور، ونيكاراجوا.

وهناك نمط التحول  من  خلال تدخل عسكرى خارجى على غرار ماحدث فى جرينادا، وبنما فى ثمانينيات القرن الماضى والعراق فى عام 2003.

وتؤكد التجارب المقارنة للتحول الديمقراطى على الصعيد العالمى على أن هذه العملية لاتسير فى اتجاه واحد.

ففى بعض الحال إلى أفضى التحول إلى تأسيس نظم ديمقراطية مستقرة جسدت ما يُعرف بـ»عملية ترسيخ الديمقراطية»، وفى حالات أخرى حدثت ردة أو انتكاسة قادت إلى ظهور نظم تسلطية جديدة، وفى حالات ثالثة تمخضت عملية التحولالديمقراطى عن ظهور نظم سياسية هجين تجمع بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة بين بعض سمات النظم الديمقراطية وبعض سمات النظم غير الديمقراطية.

وبصفة عامة، فقد أصبح من المؤكد أن عملية التحول إلى نظم حكم ديمقراطية، وترسيخ هذه النظم هى فى الأغلب الأعم عملية معقدة، تتداخل فى تشكيل مساراتها وتحديد نتائجها جملة من العوامل الداخلية والخارجية التى يتفاوت تأثيرها من حالة إلى أخرى.

كما أكدت خبرات وتجارب التحول الديمقراطيعلى الصعيد العالمى خلال العقود الأربعة الماضية على أن هناك بعض القضايا والإشكاليات الكبرى التى تواجه عمليتى التحول الديمقراطى وترسيخ الديمقراطية، وأن درجة النجاح فى تحقيق هاتين العمليتين تتوقف فى جانب هام منها على مدى الفاعلية فى معالجة هذه القضايا والإشكاليات على النحو الذى ينهى أو يحد من تأثيراتها السلبية عليهما.  والهدف من هذه الدراسة الموجزة هو تسليط الضوء على بعض قضايا وإشكاليات التحول الديمقراطى على الصعيد العالمي، والنظر إلى أهم دلالالتها فى السياق العربي، حيث تشهد دول عربية عديدة إرهاصات ومحاولات للتحول الديمقراطى فى أعقاب موجة الثورات والانتفاضات التى اجتاحت الوطن العربى منذ أواخر عام 2010، والتى أطاحت بنظم تسلطية عتيدة، وأجبرت نظماً أخرى على تقديم تنازلات هامة على صعيد عملية الإصلاح السياسى والتحول الديمقراطي.

وتتمثل أهم القضايا والإشكاليات موضع البحث في: التزامن بين معضلتى إعادة بناء الدولة الوطنية، وتحقيق التحول الديمقراطى ومايقترن بذلك من تحديات فى مقدمتها عملية تسييس الانقسامات الرأسية أو العمودية فى المجتمع، والتى تلقى بتأثيرات سلبية على  فرص التحول الديمقراطي، ودور الجيش فى عملية التحول ومايرتبط بذلك من قضايا جوهرية تتصل بطبيعة العلاقات المدنية - العسكرية خلال  مرحلة التحول ومابعدها، فضلاً عن دور الدين والمؤسسات والتنظيمات الدينية  فى هذه العملية، وإلى أى مدى تُعتبر دافعاً أو معوقاً لها؟.

ومن القضايا والإشكاليات المطروحة أيضاً طبيعة المجتمع المدنى وحدود دوره فى عملية التحولالديمقراطى وترسيخ الديمقراطية، وكذلك طبيعة وحدود تأثير العوامل الخارجية فى هذه العملية.

التزامن بين معضلتى إعادة بناء الدولة الوطنية، وتحقيق التحول الديمقراطى:

تؤكد أدبيات التحول الديمقراطى على أن فرص التحول تكون أيسر واحتمالات نجاحها أكبر فى حالات الدول الأكثر تجانساً، أى التى لا تعانى من انقسامات مجتمعية حادة، وتكون قادرة على احتكار حق ممارسة، الاستخدام المشروع للقوة، وبالتالى فرض سيطرتها على إقليمها، فضلاً عن قدرة أجهزتها ومؤسساتها على تنفيذ السياسات العامة وتوفير الحاجات الأساسية للمواطنين بدرجة مقبولة من الفاعلية والكفاءة.

ولكن فى عديد من الحالات وخاصة فى أعقاب الحروب الأهلية والصرعات الداخلية الحادة تصبح عملية التحول الديمقراطى أكثر صعوبة وأكثر تعقيداً، حيث أن التحرك على طريق تأسيس نظام ديمقراطى يتطلب فى هذه الحالة تحقيق مصالحة وطنية شاملة وحقيقية تشكل أرضية للسلم الأهلى والانتقال الديمقراطي، وإعادة بناء أجهزة الدولة ومؤسساتها - وبخاصة الجيش والشرطة - على أسس جديدة، بل وإعادة تأسيس مفهوم الدولة وشرعيتها فى الوعى الجمعى لمختلف الفئات والتكوينات الاجتماعية التى تعيش على أراضيها، بحيث تستقطب تدريجياً الولاء الأسمى لمواطنيها.

كما تبرز الحاجة إلى بلورة صيغ وأطر ومؤسسات دستورية وقانونية وسياسية ملائمة تحقق أسس ومبادئ تقاسم السلطة والمشاركة السياسية واحترام حقوق الإنسان من ناحية، وتضمن حسن إدارة التعددية المجتمعية من ناحية ثانية، وتوفر أطراً ملائمة لتطور المجتمع المدنى وتحقيق استقلاليته من ناحية ثالثة.

كما أن تقليص التأثيرات السلبية للانتماءات الأولية/العمودية (العرقية والدينية والطائفية والقبلية) على عملية التحول الديمقراطى والمشاركة السياسية إنما يتطلب التحرك بفاعلية على طريق بناء ثقافة للعيش المشترك تستند إلى تكريس أسس ومبادئ المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدنى العابرة للأديان والطوائف والأعراق والمناطق، فضلاً عن وضع وتنفيذ استراتيجيات وخطط لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة.وبالإضافة ذلك، ومن أجل تعزيز عملية التحول الديمقراطى فى مرحلة مابعد الحروب والصراعات الداخلية، فإنه تبرز حاجة ملحة إلى نزع أسلحة القوى والمليشيات التى ارتبطت بفترة المواجهة والحرب، ووضع حد لمظاهر التسلح فى المجتمع.

ونظراً لأن الدول فى مرحلة مابعد الحروب والصراعات تكون منهكة اقتصادياً واجتماعياً، فإن دور المجتمع الدولى مهم فى تقديم الدعم لهذه الدول على النحو الذى يمكنها من خلق ظروف اقتصادية واجتماعية مواتية للتحول الديمقراطي.

ويمثل الطرح السابق إطاراً عاماً يتعين أخذه فى الاعتبار عند النظر إلى فرص وتحديات التحول الديمقراطى فى دول عربية مثل ليبيا، وسوريا، واليمن، وغيرها، فالثورات والانتفاضات فى هذه الدول أنعشت الولاءات الأولية (القبلية والطائفية والعرقية والدينية والجهوية )، وهو أمر له تأثيراته على مفهوم وكيان الدولة الوطنية فى هذه البلدان.

ولذلك فهى تواجه فى مرحلة مابعد الثورة المعضلة المزدوجة التى سبقت الإشارة إليها والمتمثلة فى  إعادة بناء الدولة الوطنية على أسس جديدة، وتأسيس الديمقراطية، حيث إنه لايمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية إلا فى إطار دولة وطنية تحظى بالشرعية، وتستوعب تعدديتها المجتمعية ضمن أطر دستورية وسياسية وقانونية يقبلها الجميع، وتحتكر حق الاستخدام المشروع للقوة.

ويتوقف هذا الأمر فى جانب هام منه على مهارة النخب السياسية التى تتولى إدارة المرحلة الانتقالية ومدى قدرتها على بناء توافق وطنى يشمل مختلف القوى السياسية والتكوينات الاجتماعية بحيث يكون ركيزة للتحول الديمقراطي، فضلاً عن مدى قدرتها على صياغة الأطر الدستورية والقانونية، وهندسة المؤسسات السياسية خلال المرحلة الانتقالية على النحو الذى يعزز من شرعيتها وقدرتها على الاستمرار.

وبالإضافة إلى ماسبق، فإن أجهزة الدولة ومؤسساتها تعانى من الضعف فى الغالبية العظمى من البلدان العربية، مما يجعلها غير قادرة على القيام بوظائفها بفاعلية وكفاءة، خاصة فيما يتعلق بتوفير السلع والخدمات العامة للمواطنين.

ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة فى مقدمتها: الترهل الإداري، وضعف القدرات المؤسسية والتنظيمية، واستشراء الفساد فى الأجهزة والمؤسسات المعنية.

وعلى سبيل المثال، فالدولة المصرية كانت تتسم بالضعف والرخاوة فى عهد مبارك، فأصبحت أكثر ضعفاً وأكثر رخاوة فى مرحلة مابعد مبارك، حيث تراجعت هيبة الدولة إلى حد كبير، وتآكلت سيادة القانون، وهو وضع لايشجع بحال من الأحوال على إنجاز تحول ديمقراطى حقيقي، بل إن المواطن قد يكفر بالديمقراطية إذا استمرت الدولة غير قادرة على توفير الأمن والحماية له، وغير قادرة على إشباع حاجاته الأساسية.

من هنا تأتى أهمية إصلاح أجهزة الدولة ومؤسساتها وفق خطط عملية ومدروسة حتى تظل قادرة على القيام بأدوارها ومسؤولياتها ذات الصلة بعملية التحول الديمقراطى مثل حفظ النظام، وترسيخ سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

الجيش والتحول الديمقراطي:

تُعد المسائل المتعلقة بالدور السياسى للجيش وطبيعة العلاقات المدنية - العسكرية من أعقد إشكاليات عملية التحول الديمقراطي.

فالسيطرة المدنية على الجيش تمثل مكوناً رئيسياً فى بنية النظام الديمقراطى الليبرالى الراسخ، وبالتالى فإن أحد التحديات الكبرى التى تواجه عمليتى التحول الديمقراطي، وترسيخ الديمقراطية يتمثل فى كيفية تحقيق السيطرة المدنية على الجيش ضمن بنية دستورية وقانونية  ديمقراطية بحيث يتم فى نهاية المطاف تكريس دوره كجيش وطنى محترف يقف على الحياد من العملية السياسية وتفاعلاتها، لاسيما وأنه فى حالات عديدة تدخل الجيش، وأطاح بالنظام الديمقراطى الناشئ.

وتطرح الأدبيات المتعلقة بالعلاقات المدنية - العسكرية خلال عملية التحول الديمقراطى ومابعدها العديد من القضايا المتعلقة بهذا الملف منها: طبيعة وحدود ومجالات السيطرة المدنية على الجيش، ووضعية أنشطته الاقتصادية غير العسكرية ضمن ميزانية الدولة، وبنية الاقتصاد الوطني، وحجم ميزانيته وسبل مناقشتها والرقابة عليها من قبل البرلمان المنتخب بما لايتعارض مع هدف ضمان سرية الاستراتيجيات والخطط العسكرية، وآليات إشراك الجيش فى عملية صنع القرارات الاستراتيجية، وفى مناقشة التشريعات ذات الصلة بالشؤون العسكرية، فضلاً عن ضمانات وآليات عدم تسييس الجيش وتحقيق حياده كمؤسسة وطنية مهمتها الدفاع عن حدود الوطن إزاء العملية السياسية وما يتخللها من خلافات وصراعات، وضوابط دوره فى حفظ الأمن الداخلي، وحماية الشرعية الدستورية إذا اقتضى الأمر، وحدود ولاية القضاء العسكري، وعملية دمقرطة الجيش أو التثقيف الديمقراطى داخل الجيش...الخ.

وتقدم تجارب التحول الديمقراطى وترسيخ الديمقراطية خبرات مختلفة ومتفاوتة من حيث مدى النجاح فى إعادة صياغة العلاقات المدنية - العسكرية على النحو الذى يحقق السيطرة المدنية على الجيش، ويقنن حدود موقعه ضمن بنية السلطة والدولة على النحو الذى يعزز من عمليةالتحول الديمقراطي.

وبصفة عامة، لا توجد وصفة جاهزة لمعالجة تعقيدات وإشكاليات العلاقات المدنية - العسكرية خلال عملية التحول الديمقراطي، حيث اختلف الوضع من حالة إلى أخرى، ولكن الخبرات المقارنة لتجارب التحول الديمقراطى تؤكد على أن هناك بعض العوامل التى تساعد على النجاح فى صياغة العلاقات المدنية - العسكرية على أسس سليمة تعزز عمليتى التحول الديمقراطي، وترسيخ الديمقراطية منها: وجود كتلة وطنية ديمقراطية أو على الأقل توافق وطنى حقيقى بين الفاعلين السياسيين الرئيسيين على خارطة طريق واضحة للتحول الديمقراطي، وتقوية مؤسسات النظام الديمقراطى الوليد، وتفعيل أدائها على النحو الذى يدعم من شرعيتها، وتعزيز إجراءات بناء الثقة مع الجيش، والتفاوض بين المدنيين والعسكريين بشكل تدريجي، وبناء  بشأن صياغة وإعادة صياغة العلاقات المدنية - العسكرية وفق ترتيبات دستورية وقانونية ومؤسسية تحفظ للجيش مكانته ودوره وتبعده فى الوقت ذاته عن تفاعلات العملية السياسية، فضلاً عن العمل بفاعلية من أجل ترسيخ قيم وآليات المؤسسية والاحتراف العسكرى لدى الجيش.

وفى ضوء الطرح السابق، يمكن النظر إلى واقع ومستقبل الدور السياسى للجيش، وطبيعة العلاقات المدنية - العسكرية، وانعكاسات ذلك على عملية التحول الديمقراطى فى البلدان العربية التى شهدت ثورات وانتفاضات، لاسيما وأن مواقف الجيوش منها تباينت إلى حد كبير، فالجيش فى كل من تونس ومصر وقف فى نهاية المطاف فى صف الثورة، ولذلك شكل دوره عاملاً حاسماً لنجاحها فى الحالتين.

أما الجيش الليبى فقد انقسم بشكل حاد بين تأييد نظام القذافى ومعارضته استناداً إلى أسس قبلية وجهوية.

وإذا كان الجيش اليمنى قد أعلن تأييده لنظام على عبد الله صالح بصفة عامة إلا أنه شهد انشقاقات بارزة فى صفوفه.

وبالمقابل، فقد وقف الجيش فى كل من البحرين وسوريا فى صف النظام، وإن كان الجيش السورى قد شهد انشقاقات واضحة فى صفوفه.

وهذا التفاوت فى مواقف الجيوش العربية من الثورات والانتفاضات يمكن فهمه فى ضوء عدة عوامل منها: درجة المؤسسية والاحتراف العسكري، والبنية الاجتماعية للجيش، وطبيعة العلاقات المدنية - العسكرية فى مرحلة ماقبل الثورة أو الانتفاضة.

وبالإضافة إلى القضايا والإشكاليات سالفة الذكر بشأن دور الجيوش، وطبيعة العلاقات المدنية - العسكرية خلال عملية التحول الديمقراطي، فإنه يمكن هنا الإشارة إلى قضيتين هامتين فى السياق العربي: أولاهما، أن هناك جيوشاً عربية تحتاج إلى إعادة بناء على أسس جديدة فى مرحلة مابعد الثورة والانتفاضة مثلما هو الحال فى اليمن وليبيا وسوريا.

ويتمثل التحدى الرئيس هنا فى كيفية تأسيس جيش وطنى بعيداً عن الولاءات القبلية والطائفية والعرقية والدينية، لاسيما وأن تجربة تأسيس جيش عراقى جديد فى مرحلة مابعد صدام حسين غير مشجعة على الإطلاق.

وثانيتهما، طبيعة العلاقة بين الجيوش والحكومات الإسلامية التى وصلت إلى السلطة إثر الثورات والانتفاضات كما هو الحال فى مصر وتونس والمغرب.

فهذه هى المرة  الأولى التى تجد فيها الجيوش نفسها ضمن بنية سلطة يتربع عليها إسلاميون وصلوا إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، بل إن رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية هو أحد كوادر جماعة الإخوان المسلمين.

ومن المعروف أن غالبية الجيوش العربية استمرت - بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة - تطهر صفوفها من المنبع من أى عناصر لديها انتماءات سياسية، خاصة إذا كانت عناصر إسلامية باعتبار أن القوى والتيارات الإسلامية شكلت المعارضة الرئيسة لنظم الحكم فى عديد من الدول العربية.

والسؤال/ التحدى هنا هو: كيف ستتعامل الجيوش مع الواقع السياسى الجديد الذى سمح للإسلاميين بالانتقال من مواقع الإقصاء والمعارضة إلى مواقع السلطة والحكم؟، وماهى الضمانات والآليات التى تحول دون تسييس الجيش أو اختراقه من قبل تنظيمات وأحزاب إسلامية؟.

ومهما يكن من أمر، فإن ملف العلاقات المدنية - العسكرية سوف يظل من الملفات الشائكة فى سياق عملية التحول الديمقراطى فى الوطن العربي.

ولقد شكل الجدل الواسع بشأن موقع الجيش فى مشروع الدستور المصرى الجديد مؤشراً على ذلك، ولكن يبقى نجاح النخب والأحزاب والقوى السياسية سواء فى الحكم أو فى المعارضة  فى تأسيس توافق وطنى حقيقي، والتحرك  بفاعلية على طريق التحول الديمقراطي، ووضع وتنفيذ سياسات وخطط جادة من أجل معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الملحة، يبقى يمثل عنصراً حاكماً فى صياغة العلاقات المدنية - العسكرية بصورة تدريجية ومؤسسية على النحو الذى يعزز من فرص التحول الديمقراطي.

وهذا الملف يتعين التعامل معه على قاعدة تعزيز الثقة بين العسكريين والحكومات المدنية المنتخبة.

الدين والتحول الديمقراطي:

يُعد الدين أحد العناصر الهامة ذات الصلة بعملية التحول الديمقراطى خلال الموجة الثالثة، حيث كان لبابا الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية دور هام فى عملية التحول فى كثير من الدول لدرجة أن هناك من راح يصف هذه الموجة بـ «الموجة الكاثوليكية».

وقد طرحت الأدبيات التى تناولت العلاقة بين الدين وعملية الدمقرطة العديد من القضايا والإشكاليات ذات الصلة بهذا الملف، لاسيما وأن المعتقدات الدينية والفاعلين الدينيين فى دول ومناطق مختلفة من العالم كان لهم علاقات متباينة مع النظم الحاكمة، كما لعبوا أدواراً متفاوتة فى عملية التحول الديمقراطي.

وأكثر من هذا فإن الدين يمكن أن يُوظف فى سياقات سياسية وثقافية مختلفة لدعم عملية التحول الديمقراطى أو لتبرير الاستبداد.

وفى ظل الصعود السياسى للإسلاميين فى مرحلة مابعد الثورات والانتفاضات فإن قضية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية باتت مطروحة بقوة أكثر من أى وقت مضى، وبخاصة فى ظل وجود تراث ضخم من الأدبيات السابقة التى قرنت الحركات والتنظيمات الإسلامية، بل والإسلام ذاته بالتسلطية والاستبداد.

وفى هذا السياق فقد دار نقاش واسع حول طبيعة العلاقة بين العلمانية والديمقراطية، والأسباب التى جعلت العلمانية مقرونة بالاستبداد السياسى فى المنطقة العربية.

ورغم أن الإسلاميين لم يطلقوا شرارة الثورات والانتفاضات فى البلدان العربية، وإن كانوا قد شاركوا فيها بعد انطلاقتها إسوة بغيرهم من القوى والتنظيمات السياسية، إلا أنهم كانوا من أكبر المستفيدين منها خاصة فى دول مثل تونس ومصر والمغرب، حيث انتقلت أحزاب إسلامية من خانة التهميش والإقصاء إلى صدارة المشهد السياسي، ومن مواقع المعارضة أو المشاركة المحدودة  فى العملية السياسية إلى مواقع السلطة والحكم.

ومن المفارقات أن أول رئيس مدنى منتخب فى مصر (الدكتور محمد مرسى) جاء من صفوف جماعة الإخوان المسلمين.

وفى جميع الأحوال، فإن الصعود السياسى للإسلاميين وانتقالهم من صفوف المعارضة إلى مواقع الحكم فى بعض الدول العربية يضعهم  أمام اختبار كبير سواء على مستوى الالتزام بقيم وممارسات الديمقراطية أو على مستوى فاعلية الأداء فى معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الحادة والمتزامنة التى تعانى منها المجتمعات العربية من جراء السياسات الفاشلة التى انتهجتها نظم الاستبداد والفساد خلال العقود الماضية.

وتطرح علاقة الإسلاميين بالديمقراطية العديد من القضايا والإشكاليات، منها: مدى القدرة على الفصل بين الدعوى والسياسى فى ممارسات الحركات والأحزاب الإسلامية.

ومدى قبول الإسلاميين بالديمقراطية كاختيار نهائى بما ينطوى عليه ذلك من تسليم بأسس ومبادئ جوهرية مثل مدنية الدولة، والشعب مصدر السلطات، والمواطنة التى جوهرها تحقيق المساواة بين جميع المواطنين فى الحقوق والواجبات بغض النظر عن النوع أو الانتماء الدينى أو العرقى أو الطائفى أو الجهوي، فضلاً عن إيجاد الضمانات التى تحول دون توظيف الدين من أجل تحقيق مكاسب سياسية وانتخابية، وذلك دون نفى حق هذه الأحزاب والجماعات فى أن تتخذ من الإسلام مرجعية لها، لاسيما وأن الجوهر الحقيقى للإسلام لايتعارض مع الديمقراطية، ولا مع الطابع المدنى للدولة.

وتجدر الإشارة إلى موجة الثورات والانتفاضات فتحت الباب أمام صعود التيارات السلفية فى مصر، وغيرها من البلدان العربية.

وقد بات السلفيون  الذين لم يكن لهم سابق عهد بالعمل السياسى قبل ثورة 25 يناير فى مصر، باتوا يشكلون لاعباً مهماً على الساحة السياسية، حيث شكلوا عدة أحزاب سياسية، كما برز حزب النور السلفى كثانى أكبر قوة (بعد حزب الحرية والعدالة الذى يعبر عن جماعة الإخوان المسلمين) انتخابات لمجلسى الشعب والشورى بعد الثورة.

ويطرح حضور التيارات السلفية على الساحة السياسية تحديات كبرى فى وجه عملية التحول الديمقراطي، وذلك  بسبب خطاباتها وأفكارها ومواقفها التى تتعارض مع بعض أسس ومبادئ الديمقراطية والليبرالية بشكل صريح، خاصة فيما يتصل باحترام حقوق المرأة والأقليات، والقبول بالتعددية السياسية والفكرية، واحترام الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين بصفة عامة.

وقد اقترن الصعود السياسى للسلفيين فى جانب هام منه بزيادة حدة الاستقطاب الطائفى والسياسى فى البلاد، وهو ماتجلى بوضوح شديد فى الانقسام الحاد حول مرجعية الدولة المصرية، وهل هى مدنية أم دينية؟، وموقع الشريعة الإسلامية فى الدستور الجارى إعداده.

وبالإضافة إلى ماسبق، فإن طريقة تعامل الإسلاميين مع خصومهم أو منافسيهم  الأيديولوجيين والسياسيين تمثل محكاً هاماً لمدى التزامهم بالديمقراطية، ولكن من المهم هنا التأكيد أيضاً على أهمية التزام القوى والتيارات الأخرى بقواعد الديمقراطية،  فالواضح أن جل القوى والأحزاب السياسية فى البلدان العربية سواء أكانت إسلامية أو ليبرالية أو يسارية تتعامل مع قضية الديمقراطية بشكل ينطوى على قدر من الانتهازية والانتقائية، فهى مع الديمقراطية إذا جاءت بها إلى السلطة، وضدها إذا جاءت بخصومها أو منافسيها.

ولذلك فإن مستقبل الديمقراطية فى البلدان العربية يتوقف فى جانب هام منه على مدى التزام مختلف القوى والأحزاب السياسية بالديمقراطية كاختيار نهائي، ومدى التزامها باحترام قواعد اللعبة السياسية الديمقراطية، بحيث لا يكون فى مقدور أى تيار أو حزب سياسى أن يتجاهلها أو ينقلب عليها.

وخلاصة القول، إن سياسة إقصاء أو تهميش الإسلاميين التى عرفتها دول عربية عديدة قد انتهت، حيث أصبحوا الآن فى موقع الحكم فى بعض الدول، وبالتالى يقع عليهم جانب كبير من المسؤولية فى إنجاح عملية التحول الديمقراطى أخذاً فى الاعتبار أن تعزيز هذه العملية يتوقف فى جانب هام منه على مدى قدرة القوى والأحزاب الأخرى من ليبرالية وقومية ويسارية على أن تطور من خطاباتها السياسية، وتحدث من هياكلها التنظيمية، وتوسع من قواعدها الاجتماعية من خلال ممارسة العمل السياسى بين الجماهير وليس عبر وسائل الإعلام، فضلاً عن التنسيق والتكتل فيما بينها حتى تتمكن من موازنة القوى والتيارات الإسلامية، وتقدم نفسها كبديل لها، فالتوازن النسبى بين القوى السياسية يمثل عنصراً هاماً فى دعم وتعزيز عملية التحول الديمقراطي.

وإذا أخفق الإسلاميون، وغيرهم فى تأسيس نظم ديمقراطية على أنقاض نظم التسلط والفساد، فإن ذلك سوف يفتح الباب للفوضى وعدم الاستقرار، مما يسمح بظهور تسلطية جديدة سواء أكانت عسكرية أو مدنية.

المجتمع المدنى والتحول الديمقراطي:

إن العلاقة بين المجتمع المدنى والديمقراطية هى علاقة تداخل وترابط، فالمجتمع المدنى ينتعش فى إطار نظام ديمقراطي، كما أنه يشكل فى الوقت نفسه ركيزة أساسية لتحقيق التحول الديمقراطي، وترسيخ الديمقراطية على نحو يضمن لها الاستمرارية والاستقرار.

ويمكن فهم هذه العلاقة فى ضوء عدة اعتبارات منها: أن مؤسسات المجتمع المدنى ومنظماته تتوسط العلاقة بين المجتمع والدولة، وتعمل كحلقات وصل مؤسسية وسيطة بينهما, ولذلك فهى تحمى المواطن من تعسف السلطة، وتحمى السلطة من أعمال العنف السياسى التى قد تلجأ إليها بعض القوى والجماعات عندما تعجز عن توصيل مطالبها عبر قنوات مؤسسية وبطريقة سلمية.

كما تقوم مؤسسات المجتمع المدنى بدور هام فى تدريب أعضائها على المشاركة سواء من خلال الانتخابات الداخلية التى تتم فى هذه المؤسسات، أو من خلال أنشطتها الأخرى.

كما تقوم بدور هام فى نشر ثقافة الديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان ضد أى انتهاكات، والمشاركة فى الرقابة على الانتخابات، ومراقبة أداء الحكومة مع المناقشة العلنية لسياساتها وقراراتها.

أضف إلى ذلك, أن مؤسسات المجتمع المدنى تقدم بدائل موضوعية ينخرط فيها أفراد المجتمع بشكل طوعى على أسس تتجاوز حدود الولاءات والانتماءات الأولية، القبلية والعرقية والمذهبية والدينية، مما يحد من التأثيرات السلبية لهذه الانتماءات على عملية التحول الديمقراطي.

وبالإضافة إلى ماسبق، فإن قوى المجتمع المدنى ومؤسساته استطاعت فى عديد من الحالات, خاصة فى شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية أن تقوم بدور هام ومؤثر فى إحداث عملية التحول الديمقراطى خلال الموجة الثالثة.

فهذه القوى مارست ضغوطاً، وقامت باحتجاجات واسعة النطاق، مما أجبر نظماً تسلطية حاكمة على التخلى عن السلطة أو القبول بخيار التحول الديمقراطي.

ولاشك فى أن التحول الديمقراطى الذى يأتى بضغوط من قبل قوى المجتمع المدنى وعبر مفاوضات ومساومات بين النخبة الحاكمة وهذه القوى تكون فرصته فى الاستمرارية والاستقرار أفضل من التحول الذى يتم من أعلى، أى بمبادرة من نخبة حاكمة تهندس عملية التحول وترسم حدودها.

كما أن وجود قوى ومؤسسات حية وفاعلة للمجتمع المدنى يقلص من فرص النخب ، خاصة النخب الاقتصادية من السيطرة على النظام الديمقراطي، حيث تعمل هذه القوى على ضمان تطبيق قواعد اللعبة السياسية الديمقراطية من خلال توفير قنوات للمشاركة والرقابة الشعبية.  وبالنظر إلى الوطن العربي، يُلاحظ إنه قد حدثت زيادة الكبيرة فى عدد منظمات المجتمع المدنى خلال العقدين الأخيرين، إلا أن دورها اتسم فى الأغلب الأعم بالضعف والهشاشة نتيجة لعوامل عديدة منها كثرة القيود القانونية والسياسية والإدارية والأمنية المفروضة عليها من قبل النظم الحاكمة، فضلاً عن المشكلات الذاتية التى عانى - ويعانى - منها الكثير من منظمات المجتمع المدني، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، مثل ضعف حجم العضوية، ونقص التمويل، وغياب أو ضعف الالتزام بالديمقراطية  الداخلية...الخ.

وعلى الرغم من كل السلبيات التى عانى منها المجتمع المدنى فى الأقطار العربية، إلا أن بعض مؤسساته، خاصة تلك المعنية بقضايا حقوق الإنسان لعبت دوراً هاماً فى فضح الممارسات التسلطية لبعض النظم الحاكمة، والترويج لبعض المطالب الإصلاحية.

كما انخرطت بعض قوى المجتمع المدنى ومنظماته فى حركات احتجاجية سلمية ضد النظم الحاكمة فى بعض الدول، خاصة مصر.

وقد أسهم كل ذلك فى تشكيل الأرضية التى انطلقت منها الثورات والانتفاضات، التى راحت ترفع شعارات ومطالب الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان ومحاربة الفساد.

وكل هذه المطالب وغيرها سبق وأن طرحتها قوى ومنظمات مدنية وحقوقية، لكنها لم تستطع حشد وتعبئة ضغوط شعبية حقيقية على النظم الحاكمة من أجل تلبيتها، وهو الأمر الذى فتح الباب أمام التغيير الثوري، الذى أشعل الشباب شرارته.

ولاشك فى أن عمليات التحول الديمقراطى التى تشهدها بعض الدول العربية فى مرحلة مابعد الثورات والانتفاضات سوف تؤدى فى حال استمراها وعدم انتكاستها إلى تعزيز دور منظمات المجتمع المدنى من خلال تعديل القوانين والتشريعات التى تفرض قيوداً متنوعة عليها، مما يزيد  من  استقلاليتها وفاعليتها.

كما أدت موجة الثورات والانتفاضات إلى بروز حركات وقوى اجتماعية جديدة باتت تمثل روافد للمجتمع المدنى فى عديد من الدول العربية، الأمر الذى يعزز من بنيته ودوره فى هذه الدول.

كما أن مؤسسات المجتمع المدنى يمكن أن تنهض بدور هام فى تعزيز فرص التحول الديمقراطى وبناء الدولة الوطنية الحديثة من خلال القيام بأدوار هامة ومؤثرة فى حث المواطنين على المشاركة فى العملية السياسية، ونشر قيم الديمقراطية والسلم الأهلى والعيش المشترك، ومراقبة الانتخابات، والدفاع عن حقوق الإنسان، وكشف الفساد ومكافحته، ولكنها لن تستطيع أن تمارس هذه الأدوار بفاعلية وكفاءة دون أن تتمكن من معالجة المشكلات الذاتية التى تعانى منها مثل محدودية العضوية، وضعف القدرات المؤسسية والتنظيمية، وغلبة الطابع الموسمى على الأنشطة والفعاليات، وضعف التعاون والتنسيق فيما بينها، وغياب أو ضعف الشفافية فى مسألة التمويل الأجنبي، وعدم التزام الكثير من منظمات المجتمع المدنى بالديمقراطية الداخلية.

العوامل الخارجية والتحول الديمقراطي:

منذ سبعينيات القرن العشرين جاءت عمليات التحول الديمقراطي، وترسيخ الديمقراطية فى كثير من دول العالم كمحصلة لعوامل داخلية، وأخرى خارجية.

وبصفة عامة فقد كانت العوامل والتوازنات الداخلية هى الأكثر تأثيراً فى عملية التحول سواء من حيث رسم مساراتها أو تحديد مخرجاتها.

أما العوامل الخارجية فقد تفاوت تأثيرها من حالة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى حسب استراتيجيات الفاعلين الدوليين، وطبيعة الظروف والعوامل الداخلية فى البلدان المستهدفة.

فالاتحاد الأوروبى قام بدور هام فى نشر وتعزيز الديمقراطية فى جنوب وشرق ووسط أوروبا، وقامت الولايات المتحدة الأمريكية بدور مماثل فى أمريكا اللاتينية، كما قام الاتحاد الأفريقى بدور ما فى دعم التحول الديمقراطى فى بعض الدول الأفريقية.

وقد مارست القوى الخارجية سواء أكانت دول أو منظمات دولية حكومية أو غير حكومية تأثيراتها فى دعم عمليات التحول الديمقراطى فى مناطق مختلفة من العالم من خلال مسالك عديدة منها ممارسة الضغوط على النظم التسلطية وفضح ممارساتها، وتقديم مساعدات اقتصادية للحكومات المنتخبة، وتدعيم منظمات المجتمع المدني، وتعزيز القدرات المؤسسية للأحزاب السياسية، ومراقبة العمليات الانتخابية خلال مراحل التحول الديمقراطي.كما أن انتشار قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان على الصعيد العالمي، خاصة فى ظل موجة العولمة وثورة المعلومات والاتصالات التى تجتاح العالم قد أسهم فى خلق بيئة دولية ملائمة لدعم التحول الديمقراطى فى مناطق مختلفة من العالم.

وقد اُستخدمت وسائل الإعلام الاجتماعى مثل «فيس بوك»، و «تويتر» على نطاق واسع خلال موجة الثورات والانتفاضات العربية.

وبالنظر إلى المنطقة العربية، وخلافاً لمناطق أخرى من العالم، يُلاحظ  أن العوامل الخارجية لعبت دوراً هاماً ليس فى دعم التحول الديمقراطى بل فى دعم وترسيخ النظم التسلطية.

فالولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من القوى الغربية قامت بدور كبير فى دعم ومساندة نظم مستبدة على مدى العقود الماضية طالما استمرت هذه النظم تتوافق مع مصالحها، أى أن سياسات هذه القوى تجاه المنطقة العربية قامت فى جانب هام منها على أساس التضحية بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان لحساب المصالح المتمثلة بالأساس فى النفط، وأمن إسرائيل، وضمان استمرار نظم موالية للغرب فى سدة الحكم.

ولذلك فإن جهود واشنطن وغيرها من الدول الغربية من أجل نشر الديمقراطية فى المنطقة فى أعقاب هجمات الحادى عشر من سبتمبر عانت من معضلة «عدم المصداقية»، لاسيما  وأنها سرعان ما تخلت عن هذا النهج عندما بات فى حكم المؤكد أن أية انتخابات تتسم بدرجة يعتد بها من النزاهة فى دولها سوف تأتى بالإسلاميين إلى سدة السلطة أو تعزز مشاركتهم فيها.

وعلى خلفية ذلك، لم تعد قضية الديمقراطية فى المنطقة ضمن أولويات واشنطن خلال معظم سنوات الولاية الثانية للرئيس بوش الابن، واستمر هذا النهج هو الغالب على سياسة إدارة أوباما.

ولقد جاءت موجة الثورات والانتفاضات العربية لتثبت عدم صحة المقولة التى روج لها البعض كثيراً، ومفادها أن  التغيير السياسى فى المنطقة العربية لا يمكن أن يحدث إلا بتدخل خارجى على غرار ماجرى فى العراق عام 2003، وذلك بسبب رسوخ النظم التسلطية، وإحكام قبضتها على مفاصل الدول والمجتمعات بالاعتماد على أدوات ووسائل أمنية واقتصادية وإعلامية من ناحية، وضعف وهشاشة أحزاب وقوى المعارضة السياسية من ناحية أخرى.

لقد أثبتت الشعوب العربية أنها قادرة على إحداث التغيير السياسى دون حاجة لتدخل خارجي، بل إن قوى خارجية غربية حاولت عرقلة هذا التغيير، ففرنسا أعلنت عن دعمها لنظام بن على خلال المراحل الأولى للثورة التونسية، كما أن واشنطن ظلت مترددة فى دعم الثورة فى كل من تونس ومصر، ولم يتغير موقفها هذا إلا بعد أن باتت مسألة سقوط النظامين شبه محسومة.

ناهيك عن المعايير المزدوجة التى اتبعتها قوى غربية عديدة فى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بشأن التعامل مع الثورات والانتفاضات العربية.   ولكن إذا كانت الثورات والانتفاضات فى الوطن العربى قد جاءت بإسلاميين إلى سدة السلطة فى دول مثل مصر وتونس والمغرب فإن هذا التطور يطرح سؤالاً مركزياً يتعلق بمواقف القوى الغربية تجاه الحكومات الإسلامية المنتخبة.

وبغض النظر عن خلفيات علاقة القوى الغربية ومواقفها من الإسلاميين خلال العقود الماضية، فإنه فى ظل المعطيات الجديدة التى تشهدها المنطقة باتت قوى غربية عديدة على قناعة بأن من مصلحتها رسوخ الاستقرار والديمقراطية فى المنطقة ولو حتى على الأجلين المتوسط والطويل.

ويتمثل العامل الحاكم هنا فى مدى قدرة الإسلاميين وغيرهم من القوى والأحزاب السياسية على تأسيس نظم ديمقراطية استناداً إلى توافق وطنى حقيقي.

وفى ظل وضع كهذا يمكن لبعض القوى الغربية أن تسهم بأشكال مختلفة فى دعم عمليات التحول الديمقراطى فى البلدان العربية، لاسيما وأن التجارب المقارنة للتحول الديمقراطى على الصعيد العالمى تؤكد أن العوامل الداخلية هى الحاسمة فى إطلاق عملية التحول ورسم مسارتها المستقبلية، وأن دور الخارج مساعد، بل إنه لا يؤتى تأثيراته إلا إذا كانت هناك عوامل داخلية مساعدة على ذلك، فالديمقراطية لاتُفرض من الخارج، ولكن تنمو وتتطور مرتبطة بالتوازنات والمعطيات السياسية والاقتصادية ،والاجتماعية، والثقافية الداخلية.

خاتمة:

أكدت الموجة الثالثة للتحول الديمقراطى على أن هناك جملة من القضايا والإشكاليات ذات الصلة بعمليتى التحول الديمقراطي، وترسيخ الديمقراطية.

وقد تفاوتت قدرات الدول فى التعامل مع هذه القضايا والإشكاليات استناداً إلى عوامل عديدة منها درجة التطورالاقتصاديوالاجتماعي، ومدى استقرار وكفاءة أجهزة الدولة ومؤسساتها، ودرجة تطور قوى ومنظمات المجتمع المدني، ومهارة الفاعلين السياسيين الرئيسيين فى إدارة عملية التحول الديمقراطى من خلال تحقيق توافق سياسى بشأن الهوية الوطنية  للدولة وقواعد اللعبة السياسية الديمقراطية التى يجب أن تكون محل قبول واحترام .

فضلاً عن هندسة الأطر الدستورية، والقانونية، والمؤسسية على نحو يدعم عملية التحول الديمقراطي.

كما أن البيئة الخارجية (الإقليمية والدولية) المحيطة بالدولة قد تلعب دوراً داعماً أو معوقاً لعملية التحول الديمقراطى سواء من حيث التأثير على نمط التحول أو مخرجاته، وبالرغم من أن موجة الثورات والانتفاضات التى شهدتها المنطقة العربية قد أطاحت نظماً تسلطية عتيدة، وأجبرت نظماً أخرى على تقديم تنازلات سياسية على طريق الإصلاح السياسى والتحول الديمقراطي، إلا أن المعطيات الراهنة التى تشهدها دول عربية عديدة، لاترجح احتمال تأسيس نظام ديمقراطيحقيقى ومستقر فى أى من هذه الدول خلال الأجلين القصير والمتوسط على الأقل، وأن أفضل مايمكن أن يتحقق فى هذا السياق، بافتراض استمرار قوة دفع عملية التحول الديمقراطى وعدم حدوث ردة أو انتكاسة، وهذا احتمال وارد فى بعض الحالات، أقصى مايمكن أن يتحقق هو تأسيس نظم سياسية هجين تقع ضمن ما تصفه أدبيات التحول الديمقراطى بالمنطقة السياسية الرمادية (Gray Political Zone) أو الضبابية (Foggy Zone)، حيث تجمع هذه النظم بين بعض عناصر الديمقراطية، وبعض عناصر التسلطية، أى لا تكون ديمقراطية مستقرة وراسخة، ولا تسلطية مغلقة بالكامل.

ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة منها: رسوخ بنى وهياكل التسلط والاستبداد وصعوبة تفكيكها خلال فترة زمنية وجيزة، وتشرذم القوى السياسية والحزبية، وضعف أجهزة الدولة ومؤسساتها فى عديد من الحالات، وزيادة حدة الاستقطاب الدينيوالطائفى والسياسي، وغياب التوازن السياسى بين الإسلاميين وغيرهم من القوى السياسية فى عديد من الحالات، و سوء إدارة عملية التحول خلال المرحلة الانتقالية، وضعف منظمات المجتمع المدني، وغياب أو ضعف ثقافة الديمقراطية على مستوى المجتمع، بل وعلى مستوى النخب السياسية أيضاً.

وتجدر الإشارة إلى أن  النظم السياسية الهجين موجودة فى مناطق مختلفة من العالم فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهى لم تعد تشكل فى غالبيتها مرحلة للانتقال إلى الديمقراطية المستقرة والراسخة، بل أصبحت تمثل نمطاً من النظم السياسية القائمة، حيث استطاعت التكيف مع بيئتها والحفاظ على قدر من الاستمرارية ، وأصبح يُنظر إليها من قبل قطاعات واسعة من النخب والجماهير على أنها حل مؤسسى لمشكلات السلطة والحكم، ولذلك فإن قدرة هذه النوعية من النظم على الاستمرار لفترات أطول تبدو كبيرة.

وقد ذكرت دراسة نُشرت عام 2002 أن أقل من 20 دولة من بين حوالى 100 دولة شهدت تحولاً ديمقراطياً فى ظل الموجة الثالثة يمكن اعتبارها حالات ناجحة بشأن تأسيس نظم ديمقراطية وظيفية ومستقرة، وهناك دول قليلة شهدت انتكاسة أو ردة أفضت فيها إلى ظهور نظم تسلطية جديدة، فيما جاءت غالبية حالات التحول ضمن المنطقة الرمادية أو الضبابية.

وأكدت هذه النتيجة دراسات أحدث اهتمت بتقييم تجارب التحول الديمقراطى فى بعض مناطق مختلفة من العالم.

وقد طرحت أدبيات التحول الديمقراطى مفاهيم عديدة لتصنيف النظم السياسية الهجين منها على سبيل المثال: الديمقراطية الانتخابية (Electoral Democracy)، والديمقراطية الخاضعة للسيطرة (Domain Democracy)، والديمقراطية غير الليبرالية (Illiberal Democracy)، والديمقراطية الشكلية (Formal Democracy)، وشبه الديمقراطية (Semi-Democracy)...الخ.

إن ماحدث - ويحدث- فى مصر فى أعقاب إطاحة مبارك يؤكد على وجود كثير من العقبات والتحديات التى تكتنف عملية التحول الديمقراطى فى دولة كان يُفترض أن يكون التحول فيها سلسلاً بسبب سرعة وسلمية إحداث التغيير السياسى من ناحية، ووجود بعض المقومات أو العناصر المساعدة على التحول الديمقراطى من ناحية أخرى.

وقد جاء الإعلان الدستورى الذى أصدره الرئيس مرسى فى 21 نوفمبر 2012 ليعمق أزمة الثقة فيما بين الإسلاميين والقوى والأحزاب الموصوفة بـ»المدنية»، ويكرس حالة الانقسام السياسى فى البلاد، وينقل إدارة الخلافات السياسية بين الفاعلين السياسيين من مستوى المؤسسات والحوار والتفاوض والتنافس السلمى والبحث عن قواسم شراكة وطنية حقيقية تؤسس للنظام الديمقراطى الجديد إلى مستوى تجييش الشارع وتنظيم المليونيات، فأصبح كل طرف يستعرض قوته بتعبئة شارعه، مما ينذر باحتمالات اتساع نطاق الانقسامات المجتمعية، وما يمكن أن يترتب عليها من مواجهات عنيفة.

ومما يزيد من خطوة الموقف أن البديل الوحيد الذى طرحته السلطة للخروج من المأزق هو الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد، وهو مشروع  متنازع عليه، ولا يحظى بتوافق وطنى عام.

وفى ظل العوامل  والحسابات التى باتت تشكل ملامح لحظة فاصلة من صراع الإرادات بين الرئيس ومؤيديه من ناحية، ومعارضى الإعلان الدستورى ومسودة الدستور من ناحية أخرى، فإن مستقبل التحول الديمقراطى فى البلاد بات غير مؤكد ومحاط  بكثير من الهواجس والتحديات على الأقل خلال الأجلين القصير والمتوسط، مما يفتح الباب لاحتمال ظهور نظام تسلطى جديد، وربما دخول البلاد فى حالة من عدم الاستقرار.

فالاستفتاء على الدستور فى ظل مناخ استقطاب سياسى حاد لا يسهم فى خلق أرضية ملائمة للتحول الديمقراطي.

وإذاكانت تلك هى حصيلة التجربة المصرية حتى الآن، فما بالك بدول أخرى تبدو الأوضاع فيها أكثر تعقيداً مثل ليبيا واليمن وسوريا.

وفى هذا السياق، يمكن القول إن تعثر أو انتكاسة عملية التحول الديمقراطى فى دول ثورات الربيع العربي، خاصة مصر سوف يكون لها تأثيراتها السلبية على التحول الديمقراطى فى دول عربية أخرى، حيث ستوظف النخب الحاكمة فى هذه الدول هذا الوضع لحساب تعزيز سلطاتها، وتحجيم القوى المطالبة بالديمقراطية.

فهل ستنجح أية دولة من دول ثورات الربيع العربى فى اختبار التحول الديمقراطى بحيث تكون نموذجاً جاذباً لبقية دول المنطقة؟ هذا هو التحدى الكبير.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة