رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مكتبة الديمقراطية

المؤلف: د.وحيدعبدالمجيد

الناشر:دارهلا،الطبعةالأولى2013

من يتأمل ثنايا المشهد السياسي المصري الراهن لا يملك سوى أن يقف متسائلاً عن أسباب الأزمة وجذور المشكلة، ببساطة ما الذي أوصلنا إلى النقطة التي نقف عندها الآن، من هنا تأتى أهمية هذا الكتاب - الذي علاوة على كونه شهادة من قلب الحدث يحاول د.

وحيد عبدالمجيد من خلالها التوثيق لمعارك الدستور المصري الجديد، التي كان حاضراً فيها، بل وظل متحدثاً باسم الجمعية التأسيسية، قبل أن ينسحب مع احتدام حدة الخلافات بين التيار المدني وقوى التيار الإسلامي- فإنها تجمع  التحليل السياسي العميق، وعبر فصول الكتاب، يعد المؤلف القارئ أنه سيجد توثيقا حرص على أن يكون دقيقا إلى أقصى مدى ممكن لأهم أحداث «حرب» كتابة الدستور المصري التي مرت بحسب رؤيته عبر أربع معارك رئيسية، يعالجها الكتاب في أربعة فصول هي: معركة الدستور أولا أم الانتخابات أولا، ومعركة الوثائق الدستورية، ومعركة وثيقة «المبادئ الأساسية لدستور الدولة المصرية الحديثة، التى عُرفت باسم «وثيقة السلمى»، ومعركة تشكيل الجمعية التأسيسية، أما المعركة الخامسة الخاصة بكتابة الدستور فآثر تناولها فى جزء ثان للكتاب يصدر لاحقاً.

فمنذ تنحى مبارك في 11/2/2011، وتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة الفعلية، حتى أصبح الدستور الجديد هو القاسم المشترك في أكبر المعارك السياسية والقانونية والميدانية في مصر، والتى صارت مرتبطة بمحتوى هذا الدستور بدءاً بمن يكتبه، ووصولاً إلى ما يتضمنه من نصوص.

دستور في الوقت الخطأ:

في البداية يذهب المؤلف إلى أنه كان طبيعيا أن يتطلع المصريون إلى تغيير جذري يشمل كل شئ، بما في ذلك الدستور الصادر عام 1971، والمعدل مرتين عام 1980، وعام 2007، ولكن ما لم يكن مفهوماً هو أن يتخيل السياسون والمثقفون أن ثمانية عشر يوما في ميدان التحرير، تكفى للشفاء من أمراض مزمنة منتشرة في أوساطهم، فلم يتم بذل أدنى جهد لمعالجة هذه الأمراض وآثارها، وظهر ذلك واضحاً في الإصرار على إصدار دستور جديد في غياب أهم مقوماته.

ويشير المؤلف هنا إلى أن المعارك الأربع التي تناولها الكتاب ربما تساوي في أقل من عامين (2011 -2012) مجموع المعارك الدستورية التي حدثت على مدى أكثر من قرن وربع قرن من الزمن.

ويوضح المؤلف أن بداية هذه المعارك عجلت بظهور الاستقطاب السياسي – الاجتماعي الحاد بعد أن ظل كثير من ظواهره الأكثر حدة محجوزا ومكبوتاً بفعل القوة الأمنية الباطشة على مدى عقود.

فكان نتاج هذا الاستقطاب, طاقة سلبية هائلة تحت السطح، وهكذا تحول المشهد فى مصر من» تضامن وطنى رائع»، انصهرت فيه التيارات السياسية والاجتماعية، والمصريون فى معظمهم، إلى استقطاب حاد بين قوى الإسلام السياسى، التى أضيف إليها رافد جديد عبر خروج السلفيين، والتيارات الليبرالية واليسارية والاتجاهات الإسلامية الوسطية.

وبحسب المؤلف فإن هذا الاستقطاب هو أسوأ ظرف يمكن كتابة دستور جديد فيه.

ويشرح كيف بدا المجلس العسكري مرتبكا بشأن المسألة الدستورية منذ اليوم الأول لتسلمه السلطة، حيث اتجه فى البداية إلى إجراء بضعة تعديلات فى دستور 1971 رغم تعطيل العمل بأحكامه، ثم طريقة تشكيل اللجنة المكلفة بإجراء التعديلات الدستورية، وكيف أن الاستفتاء كان بداية تصاعد الاستقطاب بين قوى الإسلام السياسى والتيارات الليبرالية واليسارية والوسطية.

ويوضح الكاتب أنه رغم أن التيارات الليبرالية واليسارية وقفت ضد تلك التعديلات، لضرورة إصدار دستور جديد، فقد تم افتعال معركة وهمية حول قضية الشريعة التى لم تكن مطروحة أساسا، و هذا يفسر لماذا وافقت أغلبية كبيرة 77% لصالح التعديلات الدستورية، التي لم يحدث حولها أي نقاش جاد.

وثائق مختلفة ومعركة واحدة:

بين المؤلف أنه عندما حسم «المجلس الأعلى» معركة «الانتخابات أولاً» وتبنى جدولاً زمنياً يجعل الدستور تالياً للانتخابات البرلمانية بل يكون مرتبطا بنتائجها، بدأت على الفور معركة دستورية ثانية فجَّرتها مخاوف من هيمنة الأغلبية البرلمانية على عملية وضع مشروع الدستور.

فقد وضع الإعلان الدستوري الذي صدر فى 30/3/2011، دون التزام كامل بما تم الاستفتاء عليه في 19 من الشهر نفسه، هذه العملية بين يدي مجلسي الشعب والشورى عقب انتخابهما، وربطها بالتالي بالأغلبية في هذين المجلسين.

ولذلك سعى القلقون من هذه الآلية إلى وضع مبادئ أساسية تلتزم بها الجمعية التأسيسية المنتخبة «المبادئ فوق الدستورية».

وشهدت الفترة من أبريل إلى يونيو 2011 إصدار أكثر من عشر وثائق حاكمة للدستور.

وكان الاتجاه الغالب هو أن تكون المبادئ المتضمنة فيها ملزمة لواضعي مشروع الدستور، باستثناء وثيقة الأزهر، ووثيقة «التحالف الديمقراطي من أجل مصر» اللتين تضمنتا مبادئ اعتُبرت استرشادية.

معركة وثيقة المبادئ الأساسية للدستور:

يرى المؤلف أن الوثيقة التي سعى د.

على السلمي إلى إصدارها بعد انضمامه إلى حكومة د.عصام شرف، وأثارت إحدى أكبر المعارك الدستورية، لم تكن اختراعاً جاء به أو تحولاً مفاجئاً، بل نتيجة جدل واسع النطاق بدأ منذ تعطيل العمل بدستور 1971.

وقد سعى د.

السلمى إلى إجراء حوار مع مختلف الاتجاهات والتيارات الأساسية فى الساحة السياسية حول هذه الوثيقة، التى اقتنع بضرورتها، وبرأى من طالبوا بأن تكون ملزمة وحاكمة لعملية وضع مشروع الدستور.

وكانت المسودة المطروحة للنقاش تضم 21 بنداً مستمدة مما ورد فى وثائق أُعلنت فى الأشهر السابقة، ولم تتضمن أية إشارة إلى أنها وثيقة ملزمة أو حاكمة للدستور، حيث أُضيفت تلك الإشارة فى مرحلة لاحقة.

وضعت مسودة الوثيقة ثلاثة معايير لتشكيل «التأسيسية» وهى استبعاد نواب البرلمان ومنع أعضائها من شغل مناصب لمدة 3 سنوات بعد وضع الدستور..

وأن تضم كافة أطياف المجتمع..

وأن يكون للرئيس حق الاعتراض على تشكيلها.

معركة تشكيل الجمعية التأسيسية:

تناول المؤلف معركة تشكيل الجمعية التأسيسية فى الفترة من مارس إلى يونيو 2012، والتي رأى أنها كانت أولى ألغام الإعلان الدستورى ومادته الستين.

فقد وضعت هذه المادة دستور مصر الجديد بين يدى جمعية تأسيسية غير محددة المعالم، إذ لم تفصح سوى عن آلية شديدة العمومية لاختيارها، وهى أن يجتمع الأعضاء المنتخبون فى مجلسى الشعب والشورى لانتخاب مائة عضو لها، وأن يتم ذلك خلال ستة أشهر من انتخاب المجلسين، على أن تضع الجمعية مشروعا للدستور خلال ستة أشهر أخرى لطرحه على استفتاء عام.

ويقول المؤلف إن واضعى هذا النص فى الإعلان الدستوري تأثروا بالاتجاه العام فى طريقة تشكيل الجمعية التأسيسية التى وضعت مشروع دستور1971، ولكن مع اختلاف فى التفاصيل، وهو الاعتماد على البرلمان بصفة أساسية، ازدادت هذه المشاكل، وصارت أكثر حدة وخلقت انفجارا سياسيا، عندما استحوزت قوى الإسلام السياسى، من خلال حزبي الحرية والعدالة والنور، على أكثر من ثلثى مقاعد المجلسين.

ويشير المؤلف إلى أنه تبين من هذه التجربة أن من طالبوا بوضع معايير مسبقة لتشكيل الجمعية التأسيسية كانوا على حق، بخلاف من وضعوا خطر الحكم العسكرى فوق خطر هيمنة قوى الإسلام السياسى، وخشوا أن يؤدى تصاعد الصراع على هذه المسألة إلى معركة تضعف فرصة بناء التوافق الوطنى، فقد اشتعلت المعركة بعد انتخاب مجلسى الشعب والشورى، وظهر منذ الاجتماع المشترك الأول لهما أنها معركة حامية الوطيس وشديدة الخطورة.

أخيراً، انطلاقاً من أن التاريخ بالوثائق تصبح له آذان وعيون، تضمن الكتاب مجموعة من الوثائق الهامة التي تعلى من مصداقيته، وتوثق لأوقات من عمر هذا الوطن ربما لن تغادر ذاكرته لحجم تأثيرها وعمق أثرها فيما انبلج عنها من وقائع وأحداث تدعم رؤية  ذاتية لمؤلف الكتاب أهم ما فيها أنها تفتح الباب أمام غيرها من الرؤى والشهادات المتنوعة.

 

 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة