رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

انتخابات

حقق ائتلاف المعارضة الليبرالي المحافظ  في استراليا فوزا كبيرا في الانتخابات العامة التي أجريت في 7 سبتمبر 2013، ودعي لها حوالي 14.7 مليون ناخب، ليطيح بحزب العمال الذي حكم البلاد لولايتين خلال السنوات الست الماضية، حيث  حصل على أدنى نتيجة له في الانتخابات خلال 107 أعوام، بعد أن أنهكت صراعاته الداخلية الناخبين، مع عدم الاستفادة القصوى من صناعة التعدين التي بدأت تتراجع الآن.

ليستحوذ التحالف الذي يهيمن عليه الحزب الليبرالي المحافظ على 89 مقعداً من أصل 150 مقعداً يتألف منهم مجلس النواب، مقارنة مع 56 مقعداً لحزب العمال.

وسيتولى "تونى أبوت" زعيم حزب المحافظين تشكيل حكومة جديدة خلفا للعمالي "كيفن رود"، ويتعين على "أبوت" حاليا التعامل مع المستقلين والأحزاب الصغيرة التي تضمن توازن السلطة في مجلس الشيوخ المؤلف من 76 عضوا.

وتعد استراليا اتحادا فيدراليا، إذ منذ حصلت على استقلالها من بريطانيا ظلت الملكة اليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا العظمى، هى ملكة استراليا حتى يومنا هذا.

وتقوم الملكة بتعيين الحاكم العام ليمثلها، ويتمتع هذا الحاكم العام بسلطات واسعة إلا أن العرف قد جرى أن يعمل بمشورة الوزراء في جميع الأمور.

واحتفظت استراليا بالتقاليد البرلمانية البريطانية، حيث ترتكز الحكومة الاسترالية على البرلمان المنتخب شعبيا، والذي ينقسم إلى مجلسين؛ مجلس النواب الذي يكون للحزب الفائز بأغلبية مقاعده الحق في تشكيل الحكومة، كما يشغل رئيس الحزب الفائز منصب رئيس وزراء استراليا، أما المجلس الثاني فهو مجلس الشيوخ، ويتم انتخاب أعضائه على أساس الولايات، ووفقا للقانون فإن الحزب الحاكم لا يحتاج أن يحظى بالأغلبية في هذا المجلس.

جنـوح نحو التغيير:

يعتبر العامل الاقتصادي أكثر العوامل التي تلعب دورا محورياً في تحديد مسار العملية الانتخابية، واستراليا هي البلد الغربي الوحيد الذي نجا من الانكماش عام 2008 بفضل المواد الأولية التي تضمها أراضيه، والطلب الذي مصدره دول عدة على رأسها الصين والهند.

وقد ساعد حزب العمال على نجاة اقتصاد استراليا بحجمه البالغ 1.4 تريليون دولار أسترالي من الركود مع حدوث طفرة في التعدين، لكن تباطؤ النشاط الاقتصادي في الصين الشريكة التجارية الرئيسية لاستراليا، وانخفاض أسعار المواد الأولية أدى إلى تباطؤ النمو في استراليا منذ أشهر، ولم تتجاوز نسبة النمو في هذا البلد 2.6% في الفصل الثاني من عام 2013، وهي نسبة جيدة، لكنها بعيدة عن تلك التي سجلت في السنوات الأخيرة وتجاوزت 3%.

أما البطالة فتبلغ حاليا نحو 5.5% ويتوقع لها مزيداً من الارتفاع.

ورغمأن حصيلة الحكومة العمالية الاقتصادية ليست سيئة والاقتصاد الأستراليعرف  انتعاشا وسط الأزمة الاقتصادية العالمية، إلا أن هجمات الحملة الانتخابية الشرسة لليبراليين المحافظين جعلترئيس الوزراء المنتهية ولايته "كيفن رود" في موقع دفاع، لاسيما في مسائلالهجرة وغيرها،و حاول” كيفن رود” التقليل من شراسة هجمات المحافظين القوية ما اضطره لاتخاذ إجراءات كطرد قوارب المهاجرين السريين.

ولذا فبالرغم من اختلاف البرنامج الانتخابي للغريمين، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع عجز الميزانية في البلاد، فإنهما اتفقا على التعهد باتخاذ إجراءات مشددة لإنهاء عمليات اللجوء السياسي عبر البحر التي تعانيها البلاد، حيث أعلن حزب العمال عزمه تسفير المهاجرين الذين يدخلون البلاد دون أوراق إلى بابوا غينيا الجديدة لاستكمال إجراءات الهجرة بينما تعهد رئيس المعارضة "أبوت" بتعيين مسئول عسكري للتعامل مع الأزمة.

وفي الحالتين انتقدت المؤسسات الحقوقية خطط الحزبين في التعامل مع أزمة اللاجئين، حيث وصفت خطة "رود" بأنها "مثيرة للمتاعب"، بينما وصفت خطة "أبوت" بـ "الخطة القاسية التي تتناسب مع مظهر أبوت القاسي".

وتبني "أبوت" التأكيد على  السياسة المعتدلة التي ينوى انتهاجها؛ باستعادة الاستقرار السياسي، وخفض الضرائب، والحفاظ على الصحة والتعليم، والتخلص من ضريبة الكربون التي فرضها حزب العمال، البالغة 24.15 دولار استرالي للطن الواحد، وكذلك إلغاء رسوم ضريبية على أرباح مناجم الفحم والحديد تبلغ نسبتها 30%، وسن تشريع يردع المهاجرين غير الشرعيين، وجعل مدة إجازة الأمومة ستة أشهر مع تحقيق وفرة بمليارات الدولارات، ويتطلب كل هذا التوصل لاتفاقات مع أحزاب الأقلية في مجلس الشيوخ، والذي يفتقر ائتلاف "أبوت" إلى 39 مقعدا اللازمة لتمرير مشروعات القوانين عبر المجلس.

ورغم أن واقع كون فترة انتعاش صناعة التعدين تشرف على الانتهاء، مما يتحتم معه على الدولة إعادة توجيه الاقتصاد الاسترالي، قد فرض أولوية خاصة للاقتصاد في البرامج الانتخابية للأحزاب الأسترالية، إلا أنه يلاحظ انخفاض التركيز على تفاصيل الخطط الاقتصادية في الحملات الانتخابية للمرشحين.

فمن ناحية، بدت وجهة نظر "كيفن رود" متشائمة إلى حد ما إزاء المستقبل الاقتصادي للبلاد مرددا شعارات سياسية محفوظة ومكررة حول الرغبة في تحسين معدل الإنتاجية وتعويض انتهاء طفرة التعدين.

بينما حصر الائتلاف الليبرالي نفسه في انتقاده الدائم لحزب العمال الذي يصفه بأنه "حزب المسرفين" الذي يبدد أموال استراليا بصورة عشوائية.

ولم يقدم أي من الجانبين سياسة جادة أو مبتكرة لتحسين أوضاع الاقتصاد، كما لم يركز أي من الزعيمين "رود أو أبوت" على قطاع المرافق الصناعية الذي تقلصت نسبة مساهمته في الاقتصاد الاسترالي على مدى العقد الماضي نتيجة الإهمال.

أيا ما كان، فإنه سيتعين على  الفائز بالانتخابات التعامل مع التباطؤ الذي يعانيه اقتصاد البلاد، وهو ربما ما جعل الناخبين الاستراليين مستعدين لرفض استمرار الحكومة السابقة في مقابل حكومة أصغر حجما ذات توجهات إصلاحية للداخل وخطط لتقليل ديون البلاد.

اللاعبون الجدد وعوامل الحسم:

إلى جانب الاقتصاد، يرى المراقبون أن هناك عوامل أخرى أصبحت تلعب دورا حاسما في مسار العملية الانتخابية في استراليا.

أول هذه العوامل هى استطلاعات الرأي التي انتشرت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة وأصبحت تؤثر كثيرا على آراء الناخبين سواء بالإيجاب أو السلب، مما يحير خبراء السياسة ويجعلهم غير قادرين على التوقع الصحيح.

أيضا الصحافة، خاصة إذا مارس المحررون لعبة الأفضلية، وترجيح مرشح على آخر، والبرامج الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تلعب دورا واضحا في تشكيل المزاج العام وتحديد وجهة الفائز في الانتخابات، خاصة أنها لا تزال جميعها هى المصدر الرئيسي لمعرفة تطورات الأحداث في استراليا.

كما تلعب النقابات دورا هاما في حشد الأصوات لصالح مرشح معين.

أيضا يشكل مديرو الحملات الانتخابية للمرشحين دورا بارزا في ترجيح مرشح على آخر بحسب قدرتهم على الحشد والتنوع التكتيكي، ولعل البعض لا يزال يذكر الدور الذي لعبه "نيل لورنس" في الحملة الإعلانية لكيفن رود عام 2007 عبر الحملة التي اصطلح على تسميتها "Kevin 07".

هناك أيضا الشركات التي تلعب دورا شديد الأهمية في تشكيل ضغوط لصالح أو ضد مرشح بعينه معتمدة على المصالح المشتركة، حيث يحاول كل معسكر اللعب بتلك الورقة.

فمثلا شركات التعدين تحرص على تحقيق أكبر استفادة ممكنة من رئيس الحكومة القادم وعدم إثقالها بضرائب جديدة، وكذلك أندية القمار ويهمها استمرار نشاطها دون عوائق، هذا بالإضافة إلى رجال المال والأعمال الذين يساهمون في تحديد مدى قوة الحملة الانتخابية للمرشحين التي تعتمد على مقدار التبرعات التي يوجهها الأثرياء لتمويلها.

ورغم تمتع حزب العمال بشعبية واسعة بين الناخبين، إلا أن رئيس الائتلاف المعارض تمكن من تقريب الهوة بين حزبه والحزب الحاكم خلال الأسابيع القليلة الماضية ويعرف "أبوت" بأنه سياسي قوي في الحزب الليبرالي لا يخشى أن يجهر برأيه، وأحيانا يرتكب هفوات، وأعاد تلميع صورته وقام بما يعتقد أنه حملة انتخابية منضبطة، وذلك من خلال استخدام دعم إمبراطور الإعلام "روبرت ميردوخ"، الأمر الذي  دفعه لتصدر آخر استطلاعات الرأي.

ولذلك اتهم "كيفن رود"  ميردوخ بالتدخل في مجرى الانتخابات لحماية مصالحه، يذكر أن مؤسسة "نيوز كوربوراشن" التي يملكها ميردوخ هي اللاعب الرئيسي في سوق الأخبار في استراليا، وأن صحف مجموعة مردوخ تمثل 70% من الصحافة المكتوبة في البلاد.

وقال "رود" في مقابلة تلفزيونية له إن ميردوخ قد أظهر أنه "يريد أبوت مكاني"، وأشار إلى أن هذا قد يكون راجعا إلى أن "الشبكة الوطنية للإنترنت" (ان بي ان)، والتي اقترح إنشاءها حزب العمال ربما شكلت تهديدا لعمل "فوكستيل"، وهي قناة تلفزيونية يملكها "ميردوخ" بشكل جزئي، وكان "ميردوخ" قد طرح علامات استفهام حول تمويل الشبكة التي تطمح إلى إيصال الإنترنت إلى كل منزل في استراليا، والتي ستكلف حولي 43 مليار دولار أمريكي.

وأخيراً، وبينما أعلن "أبوت": "الآن أتطلع إلى تشكيل حكومة قادرة وموثوق بها تقوم بتصميم وثبات وطريقة منهجية بتنفيذ التزاماتنا التي قطعناها لكم، وأنه ابتداء من اليوم، فقد باتت استراليا تحت إدارة جديدة وأصبحت مرة أخرى مفتوحة أمام قطاع الأعمال".

بدوره أقر "كيفن رود" بالهزيمة وقال: "لن أتنافس مرة أخرى على زعامة حزب العمال، واعتقد أن الشعب الأسترالي يستحق بداية جديدة لقيادتنا".

 وقاد "رود" حزب العمال إلى الفوز عام 2007 بعد 11 سنة حكمها المحافظون، وبعد ثلاث سنوات أطاح به انقلاب داخل حزبه قادته "جوليا جيلارد" التي أصبحت حينها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ استراليا، وفي يونيو2013 استعاد "رود" مهامه منقلباً بدوره على "جيلارد" التي أكدت استطلاعات حينها تدني شعبيتها، وسبب ذلك مشاعر الإحباط من قيادة حزب العمال ما كلف الحكومة ثمناً غالياً في الانتخابات.

وهو ما عبر عنه  رئيس الوزراء العمالي السابق "بوب هوك" الذي فاز بأربعة انتخابات متتالية في الثمانينيات والتسعينيات قائلاً: "إن المماحكات الشخصية والحرص على المصلحة الخاصة هيمنت أكثر من اللازم على العملية بينما تراجع التركيز على القيم والمبادئ، والنتيجة الواضحة من هذه الانتخابات بالتأكيد هي أن الانقسام يؤدي إلى الموت ونحن لا نتمتع بالانضباط الكافي".

وأضاف: "أعتقد أن هذه انتخابات خسرتها الحكومة أكثر من كون المعارضة ربحتها".

وهو ما يشير إلى أنه في نهاية المطاف يبدوا أن الأستراليين قد اختاروا بين سياستين لا يفرقهما الشيء الكثير، سوى أنها انتخابات امتازت بحملة انتخابية شرسة، أخذت طابعاً استراليا محلياً، نأت بنفسها عن الاهتمام بما وراء البحر.

 

 

 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة