رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد


بعد مضى نحو ثلاث سنوات على ثورة 25 يناير التي أبهرت العالم بطابعها السلمى والحضاري، فإن أياً من الأهداف التي نادت بها الثورة لم يتحقق بعد، حيث تعثرت مسارات الثورة ولاتزال عبر ثلاث مرحل انتقالية صعبة ومعقدة، اتجهت فيها الأوضاع من سيء إلى أسوأ في كل المجالات تقريباً.

وإذا كان كثيرون يتطلعون إلى أن تكون الموجة الثورية التي جرت في 30 يونيو 2013 وما ترتب عليها من تداعيات بمثابة تصحيح لمسارات ثورة 25 يناير، فإن هذا الأمر لن يتحقق بالأماني والشعارات، بل له شروطه ومتطلباته التي يتعين التعامل معها بجدية والتزام من قبل القائمين على إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية الحالية.
ورغم تعدد أسباب تعثر مسارات ثورة 25 يناير حتى الآن، إلا أن أزمة النخبة السياسية المصرية وما تعانيه من تشوهات فكرية وسياسية وأخلاقية يأتي في مقدمة هذه الأسباب.

فإذا كانت ثورة يناير قد كشفت عن مدى ضعف وهشاشة نظام مبارك، وأكدت على قدرة الشعب المصري على إحداث التغيير السياسي، فإنها كشفت أيضاً عن مدى عمق الأزمة التي تعانيها النخبة السياسية المصرية بمختلف أجنحتها وانتماءاتها، حيث بدت هذه النخبة طوال الوقت متشرذمة وغارقة في دوامة لا تنتهى من الخلافات والانقسامات، الأمر الذى جعلها عاجزة عن بناء توافق وطني حقيقي حول القضايا المصرية والكبرى.

كما أثبتت بجدارة أنها نخبة تسلطية فكراً وممارسةً، ينقصها الالتزام والمصداقية، كما ينقصها وجود كوادر مؤهلة فكرياً وإدارياً وتنظيمياً لممارسة الحكم أو المعارضة بقدر يعتد به من الفاعلية والكفاءة، ناهيك عن أنه ليس لدى أي من فصائلها مشروع وطني جامع يمكن أن يلهم المصريين ويلتفون حوله.
وفى ضوء ماسبق، فإن الحديث عن وجود نخبة سياسية حقيقية في مصر بالمعنى العلمي المتعارف عليه لمفهوم «النخبة السياسية» هو أمر محاط بكثير من المحاذير.

ولذلك سيتم استخدام المفهوم في إطار هذا التحفظ، حيث أن عناصر ما يُعرف بالنخبة الحاكمة كانوا ولازالوا في الأغلب الأعم مجرد موظفين في مناصب سياسية بدرجة رئيس وزراء أو وزير أو محافظ ...إلخ، أو موظفين في مراكز قيادية بالحزب الحاكم الذى تغير من عهد إلى عهد.

وبالمقابل، فإن النخبة السياسية التي مارست المعارضة، خاصة في ظل التعددية السياسية المقيدة التي شهدتها مصر منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، ظلت تضم فئات منغلقة أيديولوجياً وسياسياً، وعناصر من هواة السياسة والمتسلقين والمتربحين من العمل السياسي، ناهيك عن جحافل ما يُسمى بـ«النشطاء السياسيين» الذين تكاثروا بعد ثورة 25 يناير، واحترفوا مهنة ممارسة العمل السياسي من خلال الفضائيات.
والهدف من هذ ا المقال هو تسليط الضوء على أبرز التشوهات التي تعانى منها النخبة السياسية المصرية في الوقت الراهن، والبحث في جذورها وأسبابها، فضلاً عن بلورة بعض القضايا والتساؤلات بشأن المستقبل.       
أولاً: في تشوهات النخبة السياسية المصرية:
تعانى النخبة السياسية المصرية من تشوهات عديدة يمكن إجمال أهم مظاهرها فيما يلى:
• الانقسام والتشرذم: معضلة بناء التوافق الوطني:
يمثل داء الانقسام والتشرذم سمة بارزة للنخبة السياسية المصرية، الأمر الذى يجعلها عاجزة على بناء توافق وطني حقيقي يشكل ركيزة لمعالجة مشكلات الحاضر والانطلاق نحو المستقبل.

وفى هذا السياق، تتوزع النخبة بين معسكرين كبيرين: الإسلاميون بفصائلهم ومجموعاتهم المختلفة من ناحية، وعناصر النخبة الموصوفة بـ»المدنية» من ليبراليين وقوميين ويساريين من ناحية أخرى.

ورغم أن حالة الانقسام والاستقطاب بين هذين المعسكرين سابقة على ثورة 25 يناير، إلا أنها تزايدت بعدها، حيث بدأت مع التعديلات الدستورية والاستفتاء عليها، وما أُثير بخصوص الدستور أولاً أو الانتخابات أولاً، ثم استمرت بشأن طائفة واسعة من القضايا ابتداء من وثيقة المبادئ فوق الدستورية المعروفة بوثيقة «السلمى»، وعملية تشكيل الجمعية التأسيسية الأولى والثانية لوضع الدستور، ودستور 2012 - معطل بشكل مؤقت - الذى تم إقراره والاستفتاء عليه في ظل انقسام واضح حوله، والموقف من الرئيس السابق محمد مرسى، ومن عملية عزله في 3 يوليو 2013.

وفى ظل هذه التطورات تمحورت انقسامات النخبة الفكرية والسياسية عدة ثنائيات مثل: الدولة المدنية والدولة الدينية، والإسلام والعلمانية، والشرعية الثورية والشرعية الديمقراطية، والثورة و الثورة المضادة، وثورة 25 يناير يونيو وثورة 30 يونيو ...إلخ.
وكما أن هناك انقساماً بين المعسكرين سالفي الذكر، فإن هناك انقساماً داخل كل معسكر.

وماحدث - ويحدث - بين الإخوان والسلفيين قبل وبعد عزل الرئيس مرسى ليس بعيداً عن الأذهان.

كما أن الخلافات والانقسامات داخل جبهة الانقاذ التي وقفت موقف المعارضة من الرئيس مرسى شكلت ملمحاً بارزاً لعمل الجبهة، ناهيك عن الخلافات التي وصلت إلى حد حدوث انشقاقات داخل الإخوان، وداخل التيار السلفي، وكذلك على مستوى بعض الأحزاب التي تشكل جبهة الإنقاذ.
ورغم أن الشباب هم الذين أطلقوا شرارة ثورة 25 يناير، إلا أنهم تفرقوا بعد تنحى مبارك عن السلطة إلى عشرات من الحركات والائتلافات والتجمعات الشبابية والثورية.

وقد انشغل كثير من عناصر النخبة الشبابية بالظهور الإعلامي، والانخراط في دوامات من الخلافات والانقسامات، وكل ذلك كان ولايزال على حساب العمل السياسي المنظم الهادف إلى تعزيز دور الشباب في الحياة السياسية، ولذلك لم يكن مفاجئاً أن يتم تهميش الشباب في مرحلة مابعد الثورة.
ونظراً لحالة الانقسام والتشرذم التي تعانى منها النخبة السياسية، فقد أخفقت في التوافق على مشروع وطني حقيقي يؤسس لمرحلة مابعد مبارك.

ولذلك تعثرت البلاد في متاهات مراحل انتقالية بائسة رغم أن عوامل مثل: الطابع السلمى والحضاري لثورة 25 يناير، والطريقة التي خرج بها مبارك من السلطة، والتلاحم الوطني خلال الثورة وغيرها، كانت كفيلة بأن تجعل المرحلة الانتقالية سلسة ومحققة للهدف الرئيسي، وهو وضع البلاد على الطريق الصحيح للتحول الديمقراطي، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وتوفير مقومات وضمانات احترام حقوق الإنسان.

ولكن انقسامات النخبة السياسية، وتخبط ممارساتها حالت دون تحقيق ذلك.

 
• ضعف التكوين الديمقراطي للنخبة: معضلة الإقصاء السياسي المتبادل تعانى النخبة السياسية المصرية بمختلف انتماءاتها من غياب أو ضعف التكوين الديمقراطي، فهي في الأغلب الأعم نخبة تسلطية بلا تقاليد ديمقراطية، حيث لا تؤمن إيماناً حقيقياً بالقيم والمبادئ الديمقراطية، بل تقف على أتم الاستعداد للتضحية بالمبادئ الديمقراطية والمصالح العامة لحساب المصالح الشخصية والحزبية الضيقة.

وفى هذا الإطار، فقد غابت عن ممارسات هذه النخبة قيم وفضائل ثقافة الديمقراطية مثل: القبول بالتعدد والاختلاف في المصالح والرؤى، والتسامح السياسي والفكري، والالتزام بالحوار و التفاوض كآلية لحل الخلافات.

وبالمقابل، فقد حضرت بقوة أفكار وممارسات التكفير الديني والوطني، والإقصاء السياسي، وتجييش الشارع، والانتهازية السياسية بإعلاء مصلحة الشخص أو الجماعة أو الحزب على مصلحة الوطن، والاستقواء بالخارج.
كما لم يتردد كثيرون من المنتمين للنخبة السياسية في ممارسة أشكال متعددة من الاغتيال المعنوي للخصوم السياسيين، وهو ما يتجلى بوضوح شديد في تردى قاموس التعامل السياسي، حيث أصبحت مفردات التخوين والعمالة والانتهازية، وتبادل الشتائم والتجريح الشخصي على الهواء مباشرة، والخوض في الحياة الخاصة والأعراض...إلخ، أصبحت من أبجديات التعامل فيما بين فصائل النخبة.
• ضعف القدرات والمؤهلات:
يُعد غياب أو تواضع القدرات والمؤهلات الفكرية والإدارية والتنظيمية من أبرز سمات النخبة السياسية المصرية، فهي نخبة تجيد رفع الشعارات، والحديث عن إنجازات وهمية، والانشغال بقضايا وصراعات صغيرة، لكنها بالمقابل هي نخبة متعثرة وفاشلة بمعايير المهنية والكفاءة سواء على مستوى ممارسة الحكم أو المعارضة.

فتدنى مستوى أداء النخبة الحاكمة خلال عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك كان العامل الرئيس في تفاقم حدة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، واستشراء الفساد، وانتشار انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع.
أما النخبة التي مارست المعارضة السياسية في ذلك العهد، فقد كان أداؤها بائساً، خاصة فيما يتعلق بالتنسيق والتعاون بين قوى وأحزاب المعارضة المختلفة بهدف طرح بديل قوى ومقنع لنظام مبارك أو حتى تكثيف الضغوط عليه من أجل دفعه للتحرك بجدية على طريق الإصلاح.

ولذلك لم يكن لأى من هذه القوى والأحزاب فضل في إطلاق شرارة ثورة 25 يناير، بل إن جلها لحق بالثورة بعيد انطلاقتها.
وبخصوص انعدام أو ضعف كفاءة نخبة الحكم في مرحلة مابعد ثورة 25 يناير فحدث ولاحرج ابتداء من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، مروراً بالرئيس مرسى، وانتهاء بالقائمين على إدارة شؤون البلاد منذ 3 يوليو 2013.

ففي عهد الرئيس مرسى، على سبيل المثال، كان الرئيس نفسه يفتقر إلى قدرات ومهارات رجل الدولة سواء على مستوى الخطاب أو الممارسة.

كما أن عدداً كبيراً من مستشاريه ومساعديه انسحبوا الواحد تلو الآخر تحت وطأة الشعور بهامشية أدوراهم، خاصة بعد أن أصدر الرئيس إعلانه الدستوري الأشهر في نوفمبر 2012، والذى لم يتشاور بشأنه حتى مع نائبه أو مستشاره للشؤون القانونية.

إضافة إلى ذلك، فإن حكومة الدكتور هشام قنديل كانت نموذجاً للتخبط والفشل مثلها مثل حكومة عصام شرف.

ونتيجة لكل ذلك وغيره، فقد أخفق الرئيس مرسى في أن يحقق إنجازات ملموسة ترسخ شرعية حكمه، لاسيما وأن «شرعية الإنجاز» تكمل «شرعية الصندوق»، وتعزز الاستمرار في السلطة من خلال اكتساب ثقة الناخبين.
وفى معرض الحديث عن تواضع إمكانيات وقدرات النخبة السياسية المصرية تكفى فقط الإشارة إلى الاجتماع الذى استضافته مؤسسة الرئاسة للتداول بشأن مشروع سد النهضة في إثيوبيا في يونيو 2012، حيث شكل هذا الاجتماع فضيحة من العيار الثقيل، ليس فقط لإذاعته على الهواء مباشرة رغم الحساسية البالغة لموضوع الحوار، ولكن أيضاً بسبب الأفكار التي طرحها أغلب المشاركين في الاجتماع من عناصر  النخبة السياسية، والتي كشفت عن فقر معلوماتي وضحالة فكرية ومراهقة سياسية.

 
ولكن بالمقابل، فإن معارضي مرسى والإخوان، وفى مقدمتهم الأحزاب والقوى المدنية المشاركة في جبهة الإنقاذ، لم يكونوا أفضل حالاً من حيث القدرة والكفاءة في ممارسة المعارضة، فقد أخفقوا بشكل واضح في بلورة وطرح بديل سياسي مقنع لحكم الإخوان بسبب كثرة خلافاتهم وانقساماتهم من ناحية، وانشغالهم بممارسة المعارضة من خلال الفضائيات وليس من خلال العمل السياسي والحزبي المنظم الذى يهدف إلى تعزيز الوجود السياسي في الشارع من ناحية أخرى.

ولذلك لم يكن هناك من سبيل لتحدى حكم مرسى سوى التحرك الذى قادته «حركة تمرد»، والذى أفضى إلى نزول ملايين المصريين إلى الشوارع في 30 يونيو في موجة ثورية جديدة هدفت إلى تصحيح مسار ثورة 25 يناير، الأمر الذى مهد الطريق لتدخل القوات المسلحة بشكل حاسم في 3 يوليو 2013.

ورغم إزاحة الإخوان عن السلطة فإن البلاد لاتزال تعانى من حالة فراغ سياسي بسبب عجز معارضيهم عن طرح بديل سياسي مقنع يرتكز على مشروع وطني جامع، وكذلك بسبب عجز السلطة الحالية عن إحداث نقلة نوعية في طريقة إدارة شؤون البلاد بحيث تُحدث الفرق الذى من أجله خرج الناس إلى الشوارع في 30 يونيو .   
• الفجوة بين القول و الفعل: معضلة انعدام أو ضعف المصداقية:
تعانى النخبة السياسية المصرية من غياب أو ضعف المصداقية، حيث تمثل الفجوة بين القول والفعل ملمحاً جوهرياً في أداء هذه النخبة.

فخلال سنوات حكم مبارك، كان  الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي يؤكد ليل نهار على أن مصر تعيش أزهى عصور الحرية والديمقراطية، وأن معدلات النمو الاقتصادي العالية دليل على سلامة الاقتصاد الوطني، وأن الدولة لا تتستر على فساد أو فاسدين، وأن القرار الوطني مستقل...إلخ.

ولكن على صعيد الواقع كانت تجرى عمليات ترسيخ التسلطية من خلال وسائل ديمقراطية شكلية، وكانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لقطاعات واسعة من المصريين تتجه من سيىء إلى أسوأ، ناهيك عن استشراء الفساد وتحوله إلى مؤسسة ضخمة وقوية، بل والأخطر تحوله إلى ثقافة.

كما أن روابط  التبعية للولايات المتحدة الأمريكية كانت تزداد عمقاً ورسوخاً.
ولم يختلف الأمر كثيراً في عهد الرئيس مرسى، ولكن الإضافة الأبرز لهذا العهد هي أن الرئيس نكث بوعود صريحة كان قد قطعها على نفسه على الهواء مباشرة، الأمر الذى أفقده المصداقية،خاصة في ظل ما يمثله هذا الأمر من دلالات دينية.

كما أنه في الوقت الذى راح فيه الرئيس ووزراؤه يتحدثون عن إنجازات وهمية، أصبح غالبية المصريين ينامون ويستيقظون على وقع مشكلات وتحديات حياتية ضخمة من جراء انقطاع الكهرباء، ونقص البنزين والسولار والخبز، والارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، وفوق كل ذلك انعدام الأمن.
ولا تقتصر معضلة المصداقية على نخبة الحكم سواء في عهد مبارك أو مرسى، بل تشمل أيضاً عناصر النخبة التي مارست المعارضة في العهدين، فهم دأبوا على مطالبة السلطة الحاكمة بمزيد من الديمقراطية دون أن يطبقونها داخل أحزابهم، كما احترفوا نقد السياسات الحكومية دون طرح بدائل جدية وحقيقية لها، ورفضوا الإقصاء السياسي وهم في المعارضة، ولكن مارسوه عند الوصول إلى السلطة أو على الأقل أيدوه وحرضوا عليه...إلخ.
• ضعف القواعد الاجتماعية: معضلة غياب المشروع الوطني:
 تتمثل واحدة من أبرز تجليات أزمة النخبة السياسية المصرية في أنها نخبة بلا قواعد اجتماعية، مما يؤكد على عمق الفجوة التي تفصلها عن الجماهير، لاسيما أنه ليس لدى أي من فصائل هذه النخبة مشروع وطني يمكن أن يلتف الشعب حوله، ويلهم وجدانه الوطني.

فغياب المشروع الوطني كان من أهم جوانب العجز في نظام مبارك.
ولم يفلح الإخوان بعد الوصول إلى السلطة في بلورة مشروع وطني جامع، حيث ثبت أن مشروع النهضة هو مجرد وهم كبير، كما جاءت توجهات وممارسات الرئيس مرسى، وحزب الحرية والعدالة، وجماعة الإخوان المسلمين لتصب في خانة تعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية في البلاد.
أما القوى الموصوفة بـ «المدنية» من ليبرالية وقومية ويسارية، فهو مجرد جماعات نخبوية تتمركز في القاهرة وبعض المدن الكبرى، وليس لها وجود حقيقي بين الجماهير.
وبسبب التشوهات التي تعانى منها النخبة السياسية لم تعد موضع ثقة من قطاعات واسعة من المواطنين.

وفى ظل وضع كهذا، فإنه ليس من المستغرب أن ينظر كثير من المصريين إلى رجل المؤسسة العسكرية القوى الفريق أول عبد الفتاح السيسي على أنه المنقذ، حيث يطالبونه بالترشح للرئاسة، بل إن هناك من يجمعون توقيعات لهذا الغرض.
ثانياً: في جذور أزمة النخبة السياسية المصرية:
إن أزمة النخبة السياسية المصرية ليست وليدة عوامل ظرفية مؤقتة، ولكنها نتاج لمجموعة من العوامل والممارسات السياسية والثقافية والاجتماعية السيئة التي تراكمت على مدى عقود.

ويمكن إجمال أبرزها فيما يلى:
• رسوخ التسلطية والاستبداد على المستويين الثقافي والسياسي:
لقد شكل إرث الدولة المركزية والمجتمع النهري جذوراً تاريخية للتسلطية والاستبداد في مصر، وهو ماجسدته عبر التاريخ المصري الظاهرة التي أطلق عليها المفكر الراحل الدكتور جمال حمدان «الفرعونية السياسية».

وعلى خلفية ذلك لم تعرف مصر عبر تاريخها الطويل تجربة ديمقراطية حقيقية، بل عرفت «الحاكم الفرعون»، من مينا إلى محمد مرسى.
وبالنظر إلى مرحلة مابعد ثورة يوليو 1952 يمكن القول إن فكرة التنظيم السياسي الواحد تتناقض مع الديمقراطية التي تستند -إلى جانب مقومات أخرى- على  مبدأ التعددية الفكرية والسياسية.

وحتى عندما تم الانتقال إلى التعددية السياسية المقيدة منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، فقد ظل الطابع الشكلي هو الغالب عليها سواء في عهد السادات أو مبارك، حيث استمر العمل بقانون الطوارئ وسلسلة من القوانين المقيدة للحقوق والحريات، وترسخت ظاهرة عدم التوازن بين الحزب الوطني الديمقراطي (المنحل) وأحزاب المعارضة، وتمدد الدور السياسي للأجهزة والمؤسسات الأمنية، وتعددت صور وأشكال انتهاك حقوق الإنسان...إلخ.

 
وقد ترتب على التوجهات والممارسات سالفة الذكر نتيجتين مهمتين:
أولاهما، استمرار تقليد الحاكم «الفرعون» الذى يُعد محور النظام السياسي، حيث يتمتع بسلطات وصلاحيات شبه مطلقة، ويقبض على مختلف خيوط العملية السياسية، دون أن تقابل  سلطاته الضخمة أية مسؤولية حقيقية.

وفى ظل وضع كهذا، فقد استقر تقليد سياسي مفاده أن عناصر ما يُعرف بـ «النخبة الحاكمة» من شاغلي المناصب السياسية الرئيسية لايعملون إلا بناء على التوجيهات الحكيمة والرشيدة للسيد الرئيس.

وقد عبر عن ذلك الوضع خير تعبير الدكتور يوسف والى، الذى شغل لسنوات طويلة منصب أمين عام الحزب الوطني الديمقراطي، ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة، عندما سأله أحد الإعلاميين عما يُقال بشأن الخلاف بين الحرس القديم والحرس الجديد داخل الحزب الوطني على خلفية الصعود السياسي السريع لجمال مبارك، حيث أجاب» لا يوجد حرس قديم وحرس جديد، كُلنا سكرتارية للرئيس».

وفى هذا السياق، فقد تلاشت ظاهرة رئيس الوزراء السياسي والوزير السياسي لحساب الموظف الذى يحمل درجة رئيس وزراء أو وزير.
وثانيتهما، أنه تم تجريف الحياة السياسية في مصر على حد تعبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، حيث لم تعد هناك حياة سياسية طبيعية تسمح ببروز كوادر سياسية شابة، تجدد دماء النخبة السياسية.

ولذلك أُصيبت هذه النخبة بالتكلس والجمود، خاصة في ظل استمرار وزراء ومسؤولين كبار في مناصبهم لسنوات طويلة، الأمر الذى انعكس على تراجع مستوى أدائهم من ناحية، وأشعرهم بنوع من الحصانة من ناحية أخرى، حيث بات معروفاً أن الضمان للاستمرار في المنصب هو رضا الرئيس أو أحد عناصر الدائرة الضيقة المحيطة به وليس الكفاءة والمهنية.

والمشكلة الأكبر أن ظاهرة التجريف هذه أصابت مختلف المجالات وليس السياسة فقط، الأمر الذى أدى إلى حالة من التدهور العام في البلاد.
ولم يختلف الأمر كثيراً في عهد الرئيس مرسى عما كان سائداً في عهد مبارك من زاوية واقع النخبة السياسية، حيث لم يتردد مرسى في إصدار إعلان دستوري يمنحه سلطات مطلقة، ويحصن قراراته السابقة واللاحقة من أية رقابة قضائية.

والأخطر من ذلك أن الرئيس لم يكن مستقلاً في قراراته، حيث تداخلت الخطوط وتلاشت الفواصل بين مكتب الإرشاد ومؤسسة الرئاسة.

ومن المفارقات أن مرسى ظل متمسكاً بحكومة هشام قنديل رغم وجود رفض شبه عام لها، ورغم أنها تغييرها كان كفيلاً بحلحة أزمة السلطة مع المعارضة.

ومن هذا المنظور فهو لايختلف عن مبارك الذى ظل متمسكاً بحكومة أحمد نظيف رغم اتساع الرفض السياسي والشعبي لها، لأن كليهما ظل حريصاً على وجود سكرتير بدرجة رئيس وزراء وليس رئيس وزراء حقيقي يمارس السلطات والصلاحيات التي خولها له الدستور.

 
• اعتماد الثقة وليس الكفاءة كمعيار للتجنيد للنخبة:
منذ الخمسينيات أصبح التجنيد للنخبة السياسية يعتمد في المقام الأول على «الثقة» وليس «الخبرة»، فالمهم في الأمر هو أن يكون المسؤول مضمون الولاء بغض النظر عن جدارته أو كفاءته لإدارة الوزارة أو القطاع الذى سيتولاه، ويُمهر هذا الولاء بموافقة الأجهزة الأمنية على تعيينه في المنصب.

وقد تكرست هذه الظاهرة خلال عهد مبارك، حيث استمر وزراء ومسؤلون في مواقعهم لسنوات طويلة، وشغل كثيرون مواقع رئيسية في هيكل السلطة والدولة دون أن يكونوا مؤهلين لها، أو لديهم خبرة بطبيعتها، وهو الأمر الذى انعكس على مستوى أدائهم فيها.

وفى سياق دولة يقوم نظامها على المحسوبية والترضيات والمكافآت، فقد أصبح من التقاليد الثابتة تعيين متقاعدين من جنرالات الجيش والشرطة ورجال السلك القضائي في مناصب المحافظين، ونواب المحافظين، وحتى رؤساء مجالس المدن والأحياء.
وعندما تولى الرئيس مرسى السلطة حاول تمكين عناصر من جماعته وحزبه من السيطرة على مفاصل الدولة المصرية.

ولذلك بدأت بعد عزله عملية مضادة تمثلت في استبعاد الرموز الإخوانية التي مكنها من بعض المواقع السياسية في الدولة.

ولاشك في أن عمليات الإقصاء والإقصاء المضاد هذه إنما تمثل في جانب منها أحد أبعاد أزمة النخبة السياسة في مصر.       
• هشاشة التنظيمات الحزبية والمدنية: ظاهرة الدكاكين الحزبية:
من المعروف أن الأحزاب السياسية تمثل أطراً لتنشئة وتدريب الكوادر السياسية، ليس من خلال عمليات التثقيف السياسي فحسب، بل أيضاً من خلال ممارسة العمل السياسي على المستوى الوطني والمحلى، الأمر الذى يمكن هذا الحزب أو ذاك من أن يكون له كوادره القادرة على ممارسة المعارضة السياسية بشكل فعال ومسئول في حال وجوده في المعارضة، أو إدارة شؤون الدولة بفاعلية وكفاءة في حال تسلم السلطة أو المشاركة فيها.

وللأسف فإن الأحزاب السياسية في مصر لم تقم بهذا الدور، فمنذ منتصف السبعينيات لم تكن هناك حياة حزبية حقيقية، ليس فقط بسبب احتكار الحزب الوطني الديمقراطي للحياة السياسية، وفرض قيود قانونية وسياسية وأمنية على أحزاب المعارضة من قبل السلطة، ولكن أيضاً بسبب ضعف القواعد الاجتماعية للأحزاب بما فيها الحزب الوطني الديمقراطي(المنحل)، وعدم تبلور أطرها الفكرية والأيديولوجية، وضعف هياكلها التنظيمية، وعدم التزامها بالديمقراطية الداخلية، وكثرة الانشقاقات داخلها.

وعلى خلفية ذلك، فقد انتشرت ظاهرة «التأبيد في السلطة» على مستوى الحكم وأحزاب المعارضة، الأمر الذى أصاب النخبة بكل أمراض الشيخوخة السياسية، وبذلك غاب الصف الثاني، والصف الثالث في النخبة السياسية بمختلف انتماءاتها.
ومع التكاثر غير الطبيعي للأحزاب السياسية في مرحلة مابعد ثورة 25 يناير، حيث وصل عددها حالياً إلى حوالى 90 حزباً، فقد بات من الواضح أن الغالبية العظمى من الأحزاب سواء القديمة أو الجديدة هي مجرد دكاكين حزبية، تتمركز في العاصمة وبعض المدن الكبرى، يديرها في الأغلب الأعم مجموعات من المنتفعين والمتكسبين من العمل السياسي.

ورغم اتساع القاعدة الاجتماعية  للإخوان المسلمين مقارنة ببقية الأحزاب السياسية، إلا أن مبدأ البيعة على السمع والطاعة الذى تأخذ به الجماعة حال - ويحول- دون بروز كوادر سياسية قادرة على الانفتاح والتعامل مع التيارات الأخرى، وهو ما تجلى بوضوح شديد خلال السنة التي قضاها مرسى في السلطة.      
• تعدد مسالك الفساد والإفساد: الزواج غير الشرعي بين السلطة والمال:
لا يمكن فهم الأزمة البنيوية للنخبة السياسية في مصر بمعزل عن تمدد شبكات الفساد والإفساد، خاصة خلال العقدين الأخيرين من حكم مبارك، حيث تحول الفساد إلى مؤسسة قوية ومتشعبة، الأمر الذى رسخ من «ثقافة الفساد» على مستوى الدولة والمجتمع.
وفى ظل تجذر حالة الزواج غير الشرعي بين السلطة والمال، فقد بات من الصعب الحديث عن نخبة سياسية حقيقية، حيث تعددت صور الإغواء والإفساد من خلال أساليب عديدة، سياسية ومالية وإدارية.

كما تنوعت أساليب السلطة في التضييق على قوى وأحزاب المعارضة ومحاصرتها.

وكل ذلك وغيره عمق من تشوهات النخبة السياسية.
خاتمة: آفاق المستقبل:
على الرغم من أن ثورة 25 يناير تمثل نقطة تحول في تاريخ مصر الحديث، إلا أنه بسبب الأخطاء والخطايا التي ارتكبها من تولوا إدارة شؤون البلاد في مرحلة ما بعد الثورة، فقد انزلقت مصر، الدولة والمجتمع، إلى حالة من السيولة والضبابية لاتزال تعانى منها حتى الآن.

وفى ظل هذا المناح بدأت ملامح النخبة السياسية المصرية في التغير، حيث بدأت تبرز نخب جديدة، شبابية وحزبية ودينية، لاتزال قيد التشكل والتبلور.

وسوف تستغرق هذه العملية على الأرجح فترة زمنية ليست بالقصيرة.

كما أنها تتوقف على جملة من الشروط والمعطيات، منها: التأسيس لحياة سياسية طبيعية في البلاد تقوم على أسس ديمقراطية سليمة وليست مغشوشة أو مزيفة.

وقيام التيارات الفكرية والسياسية المختلفة بمراجعات جادة لأفكارها وبرامجها، فجمود النخبة لعقود أدى إلى انعدام الخيال السياسي، ومن ثم جمود الأفكار والبرامج.
وبالإضافة إلى المراجعات الفكرية والسياسية، فإن هناك حاجة ملحة  لتجديد النخبة من خلال ضخ دماء جديدة في شرايينها، وذلك لن يكون إلا بإفساح مجال أوسع للشباب بحيث تكون هناك قيادات صف ثان، وصف ثالث في كل تيار سياسي، فضلاً عن تجسير الفجوة بين النخبة والجماهير سواء على مستوى الخطاب أو الممارسة.
ولكن كل ذلك وغيره لا يمكن أن يتحقق إلا باستعادة الأمن والاستقرار في البلاد، فلا ديمقراطية أو تنمية بدون أمن.

وفى ظل غياب رؤية واقعية تضع البلاد على الطريق الصحيح لاستعادة الأمن، وتحقيق الديمقراطية، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، فسوف تقترب مصر من حافة الدولة الفاشلة، فيما تظل نخبتها السياسية المزعومة أسيرة لأزمتها العميقة. 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة