انتخابات الأردن.. تعديلات دستورية مهمة
، وإن كانت لا تلبي كل مطالب المعارضة إلا أنها لا شك تمثلا تحولا إيجابيا في طريق الديمقراطية . وفي السطور التالية نتناول أهم ما تضمنته التعديلات الدستورية، ثم تقييم الشارع السياسي الأردني لهذه التعديلات.
مضمون التعديلات الدستورية:
شملت هذه التعديلات جوانب إصلاحية كثيرة، طالت السلطات الثلاث، ومنها أنه لا يجوز حجز أي مواطن في غير الأماكن التي يجيزها القانون، وكل ما يصدر عن أي شخص تحت التعذيب أو الإيذاء أو التهديد لا يعتد به. وبموجب التعديلات أصبحت جميع المراسلات البريدية والبرقية والمخاطبات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال سرية ولا تخضع للمراقبة أو التوقيف أو المصادرة إلا بأمر قضائي. وبخصوص منصب رئيس الوزراء والوزراء فإنه لا يتولى هذا المنصب إلا أردني لا يحمل جنسية دولة أخرى، وهذا ينطبق على المواقع الأخرى التي توازي هذا المنصب. واعتبرت التعديلات أنه عند استقالة رئيس الوزراء أو إقالته أو وفاته يعتبر جميع الوزراء مستقيلين حكما.
وبخصوص طلب الحكومة ثقة مجلس النواب أو قيام مجلس النواب بحجب الثقة عن الحكومة أو أي وزير فيها فقد ساوت التعديلات في الطلبين بحيث أصبح واجب الحصول على أغلبية أعضاء المجلس( النصف + واحد). وتضمنت التعديلات أن أي حكومة يجب أن تتقدم ببيان وزاري لغاية طلب ثقة مجلس النواب، ولا يجوز لها اعتبار خطاب العرش السامي بيانا وزاريا، وأكدت أن أي حكومة يحل مجلس النواب في عهدها فإنه يجب عليها الاستقالة خلال أسبوع من تاريخ الحل ، وعند حل مجلس النواب تجري الانتخابات خلال أربعة أشهر من تاريخ الحل ، كما أصبحت مدة الدورة العادية لمجلس النواب ستة أشهر بدلا من أربعة أشهر. وبخصوص الطعن في صحة عضوية أي نائب فإن ذلك يكون أمام القضاء النظامي، وليس أمام مجلس النواب كما كان معمولا به من قبل. وإذا حل مجلس النواب فإنه لا يحل المجلس الذي يليه لنفس السبب. ومن أبرز التعديلات إنشاء محكمة دستورية بقانون تكون مهمتها النظر في تفسير مواد الدستور ودستورية القوانين. وبخصوص الانتخابات النيابية نصت التعديلات على أن تنشأ هيئة عليا مستقلة تكون مهمتها الإشراف على الانتخابات البرلمانية وإدارتها وأية انتخابات يقرها مجلس الوزراء. ومنعت التعديلات الحكومة من إصدار قوانين مؤقتة إلا في حالة الكوارث العامة والحرب وإعلان حالة الطواريء والحاجة إلى نفقات ضرورية ومستعجلة لا تحتمل التأجيل. ووفق التعديلات ينشأ بقانون مجلس قضائي يتولى جميع الشئون المتعلقة بالقضاة النظاميين ، ويكون له الحق وحده في تعيينهم، وتكون المحاكم مفتوحة للجميع وعلنية، والمتهم بريء حتى يصدر حكم قضائي قطعي بحقه.
التقييم الإيجابي للتعديلات:
أكدت شخصيات سياسية وإعلامية وممثلون عن هيئات حقوقية أردنية أن التعديلات الدستورية هذه تقدم خطوة مهمة على طريق الإصلاح والديمقراطية. وقال متحدثون إن هذه التعديلات تمثل مسألة مهمة على طريق إعادة صياغة العلاقة بين السلطات، وتعد جرعة مهمة من شأنها التقريب نحو طريق الإصلاح السياسي المنشود، وشددوا على أهمية الخطوات المستقبلية في المسيرة الإصلاحية، وعلى رأسها إقرار قانوني الانتخاب والأحزاب اللذين يجب أن يتماشيا مع التعديلات الدستورية، وأهمية إعادة النظر في الدوائر الانتخابية، واعتماد نظام القائمة النسبية، مشيرين إلى أن كل هذه الخطوات ستجعل الطريق واضحا أمام عملية الإصلاح، وأمام تشكيل حكومات برلمانية بحيث تلتقي الإرادة الشعبية مع الإرادة الملكية لاختيار هذه الحكومات. وأكدوا أن الإصلاحات الدستورية هذه تلبي مطالب شريحة واسعة من الأردنيين الذين ينظرون للتعديلات كوسيلة لتحقيق الإصلاح، مشيرين إلى أنه سيكون لها أثر كبير في تطور الحياة السياسية في المملكة.
وأكد أكاديميون وفاعلون في الوسط الإعلامي الأردني أن التعديلات الدستورية تؤسس لأفق أوسع من الحريات الإعلامية بضمانات دستورية ، وأشاروا إلى مواد أضيفت للدستور بما يتناسب مع تطورات العصر، خاصة فيما يتعلق بالحريات العامة والحريات الشخصية والتأكيد على وجوب أن تراعي القوانين زوح ونصوص الدستور.
- رئيس قسم الصحافة بجامعة اليرموك د.حاتم علاونة رأى أن التعديلات التي أدخلت على الدستور تعد عملا تاريخيا ، يشكل منعطفا مهما في التاريخ السياسي الأردني الحديث. فقد عملت التعديلات على تكريس استقلال السلطات، وعملت على الحد من تغول السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية.
- مدير مركز البديل للدراسات والأبحاث الأستاذ جمال الخطيب قال إن التعديلات الدستورية تعد خطوة مهمة على طريق الإصلاح والديمقراطية. فتعديل الدستور – كما يرى - مسألة مهمة على طريق إعادة صياغة العلاقة بين السلطات، وتحقيق التوازن بينها، بما ينعكس في نهاية الأمر على الصالح العام.
واعتبر الدكتور عامر بني عامر مدير مركز الحياة لتنمية المجتمع المدني بالأردن أن ما أقر من تعديلات دستورية يعد في مجمله لبنة متينة يبنى عليها حياة سياسية ديمقراطية تعزز من الإصلاحات التي ينادي بها الشعب. وأضاف بني عامر أن العديد من المواد التي أضيفت تعد خطوة رائدة في طريق الإصلاحات، لعل أبرزها إنشاء هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، وفصل السلطات، خاصة السلطة القضائية التي أضيفت إليها تعديلات من شأنها تكريس استقلاليتها، معتبرا أن ما جرى يعد نقلة نوعية ، حيث إن هذه التعديلات لبت الكثير من توصيات مراكز الدراسات والأبحاث ومؤسسات المجتمع المدني، خاصة خلال العقد المنصرم، حيث تتيح هذه التعديلات إجراء الانتخابات النيابية من خلال هيئة مستقلة، وهو مطلب عملت مؤسسات المجتمع المدني على تحقيقه لفترة طويلة من الزمن، إضافة إلى التعديلات المتعلقة بإنشاء محكمة دستورية وتحجيم قدرة الحكومة على إصدار القوانين المؤقتة، والأهم تمثل في تعزيز صلاحيات المجلس النيابي، والحد من قضية حله، بما يعطي السلطة التشريعية قدرة أكبر على أداء دورها الرقابي والتشريعي. وأضاف بني عامر أن خطوة تعديل الدستور تعتبر عملا متقدما نحو مزيد من الإصلاح وتمهد لخطوات إصلاحية تلبي طموح الشارع الأردني ، منوها بأن هذه الخطوة لا تعبر عن نهاية العملية الإصلاحية، بل هي اللبنة الأساسية للإصلاح الشامل.
- رئيس الوزراء الأردني الأسبق الدكتور عدنان بدران قال إن التعديلات الدستورية خطوة تاريخية مهمة نحو تحقيق الإصلاح المنشود، والذي يحقق الآمال الشعبية، والطموحات السياسية لكافة مكونات أبناء الوطن الأردني. وأشار إلى ما حملته هذه التعديلات الدستورية من صون للحقوق والحريات وضمان حق الاجتماع ، بالإضافة إلى استحداث محكمة دستورية وهيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، معتبرا أنها جميعا خطوات مهمة سيكون لها تأثير واضح في مختلف حياة الأردنيين. وختم بدران بالقول إن النجاح في وضع قانون ملائم للأحزاب، وقانون عصري للانتخابات سيؤدي بعد هذه التعديلات الدستورية إلى جعل الطريق واضحا أمام عملية الإصلاح، وأمام تشكيل حكومات برلمانية بحيث تلتقي الإرادة الشعبية مع الإرادة الملكية لاختيار هذه الحكومات.
- نائب رئيس الوزراء الأردني الأسبق الدكتور جواد العناني اعتبر أن التعديلات الدستورية التي أقرت مؤخرا تقدم خطوة مهمة على طريق الديمقراطية، مضيفا أن هناك مواد مهمة تم تعديلها تسهم في إعادة التوازن بين السلطات الثلاث، إضافة إلى تعديلات إيجابية من بينها مسألة محاكمة الوزراء أمام القضاء.
التقييم السلبي للتعديلات:
مازالت قوى وأحزاب المعارضة الأردنية ترى أن التعديلات الدستورية، غير كافية، كما تطالب بسرعة تفعيل المواد التي تم إدخالها على الدستور.
فقد أكدت أحزاب المعارضة الأردنية على مطالبها التي طرحتها في لقاءاتها مع رئيس الوزراء الأردني الدكتور عون الحصاونة، والمتمثلة في تعديل قانون الانتخابات النيابية في اتجاه اعتماد التمثيل النسبي الشامل، ليشكل أساسا للإقرار بالتعددية السياسية والاجتماعية. وطالبت أحزاب المعارضة في أكثر من بيان لها مؤخرا باستكمال التعديلات الدستورية لتنسجم مع النص الدستوري" الأمة مصدر السلطات"، بحيث يتم تشكيل الحكومات مستقبلا وفق نتائج الانتخابات النيابية، والإسراع في إصدار قانوني المحكمة الدستورية، والهيئة المشرفة على الانتخابات وفقا للمعايير الدولية.
وأكدت أحزاب المعارضة ضرورة معالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية واستعادة دور الدولة في المجتمع، وإعادة النظر في السياسات الضريبية والإسراع في معالجة ملفات الفساد، والتعامل معها بشفافية. وشددت على الدور الكبير للمؤسسات الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني في تطوير الحياة السياسية والتعامل الجاد معها وفق قوانين وتشريعات تضمن استقلالها ودورها في الحياة العامة.
وأكدت أحزاب المعارضة الأردنية حرصها على وحدة الشعب وتحقيق الأمن الاجتماعي وتعزيز الحريات وضمان حق المواطنين في الحراك الشعبي السلمي وتوفير متطلبات السلامة للمشاركين فيها. وتضم لجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة الأردنية حزب جبهة العمل الإسلامي ( الذراع السياسىة لجماعة الإخوان المسلمين)، وحزب الوحدة الشعبية، وحزب الشعب الديمقراطي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الشيوعي، وحزب البعث العربي التقدمي، والحركة القومية للديمقراطية المباشرة.
ومازالت تنطلق في الأردن مسيرات سلمية، خاصة عقب صلاة الجمعة في عدد من محافظات المملكة تدعوإلى تسريع وتيرة الإصلاح ومحاسبة الفاسدين. وطالب المشاركون في هذه المسيرات التي نظمتها قوى سياسية وفعاليات شبابية وشعبية برحيل الحكومة وحل مجلس النواب منتقدين إقرار مجلس النواب للمادة 23 من قانون مكافحة الفساد، ومعتبرين أن التعديلات الدستورية غير كافية.
خاتمة:
وهكذا، فإن الزخم الذي تموج به الحياة السياسية الأردنية لن يتوقف بعد إقرار التعديلات الدستورية، فالمواطن الأردني مازال يأمل ويتطلع إلى المزيد، ولقد كان من ذكاء السلطة السياسية في الأردن أنها تجاوبت بسرعة مع معظم مطالب الحركة الإصلاحية من خلال إقرار هذه التعديلات الدستورية، التي ما كان أحد من المراقبين والمتابعين للشأن السياسي الأردني أن يتنبأ بحدوثها قبل هبوب رياح ثورات الربيع العربي التي غيرت معالم النظم السياسية في عدة بلدان عربية، وفي طريقها إلى تغيير معالم النظم السياسية في بعضها الآخر.
والمتأمل للحالة الأردنية يلاحظ أنها نموذج وسط في التغيير، حيث ما زال الأردنيون غير رافضين للنظام الملكي وإنما كل مطالبهم تثور بعيدا عن شخص رئيس الدولة المتمثل في الملك، والذي من الواضح أن الشعب الأردني يكن له كل تقدير، ومن هنا كان العاهل الأردني حريصا على تقدير مطالب الإصلاح والتجاوب معها.