.. ونتيجة لاختلاف ثقافتهم ومذاهبهم وشيعهم داخل نطاق انتمائهم للإسلام ، قد ترك كل من الفاطميين والأمويين والعباسيين والعثمانيين والمماليك، سمات ثقافتهم المذهبية على المساجد التى شيدوها عندما حكموا الدولة المصرية، وقد إتفق جميعهم على فلسفة واحدة ثابتة مستمدة من تعاليم الدين الإسلامى فيما يتعلق بالصلاة وما يرتبط بها من أمور ، وقام بناة المساجد بترجمة هذه الفلسفة التوافقية من خلال الحوائط والمداخل والقباب والممرات والإيوانات والأصحنة والمآذن .. الخ ليس من أجل إقامة الكيان المعمارى للمسجد فحسب إنما من أجل إقامة حالة الانسلاخ من الحياة الدنيا والتهيؤ لوقوف المرء أمام المولى عز وجل ، وقد حضر قلبه لا جسده فقط.
لعب الفنان المزخرف دوراً بالغ الأهمية فى عملية بناء المساجد وزخرفتها .. من خلال الصفات الخاصة للفن الإسلامى الذى سار فى مسارات تجريدية محرماً تصوير الأشخاص الذى بدأ بشخص النبى محمد "صلى الله عليه وسلم "، ثم انسحب لباقى البشر .. ظناً منه أن تصوير الأشخاص يجعل المرء فى تنافسية مع الخالق عز وجل .. فاقتصر بذلك الفن الإسلامى على مجرد الزخرفة التى انقمست بدورها على ثلاثة عناصر هى: العناصر الزخرفية النباتية والهندسية والكتابية، أى استخدام أنماط الخطوط فى كتابة آيات القرآن الكريم، مع الإقصاء الكامل للعنصر الإنسانى فى العمل الفنى الذى هو بالضرورة صورة من صور تعبير الإنسان عن واقعه ومشاعره وأحلامه وآماله فى المستقبل.
إحساس المزخرف بالافتقاد للبعد الإنسانى من ناحية .. ورغبته فى إضفاء نوع من العظمة والقدسية على زخرفة المسجد الذى سمَّاه (بيت الله) من الناحية الأخرى .. جعله يرسم الزخارف بالذهب والفضة، ويغالى فى هذا الأمر الذى أوقعه فى خطيئة المبالغة والغلو الذى يكرهه الإسلام الصحيح منفقاً ملايين الجنيهات حتى يأتى بناء وزخرفة المسجد لائقاً بعظمة الحاكم أو المالك الذى بنى المسجد فى عهده .. وهو يعلم أن كثيراً من المسلمين ينامون فى العراء . كانت المئذنة عنصراً هاماً من عناصر المسجد عندما كان يعتليها المؤذن ليؤذن فى الناس بصوته للصلاة. وعلى الرغم من إنتفاء هذا الدور للمئذنة .. إلا أنها ظلت، بل ازداد طولها .. تعبيراً عن صفة يكرهها الإسلام الصحيح أيضاً. فإذا كان الفهم الصحيح للإسلام هو الذى انعكست ملامحه فى بناء المساجد القديمة وجعلها ذلك لم تفقد قدرتها على التأثير فينا وتزيدنا إحساساً بالدهشة والانبهار لدرجة أننا نقر بكل حيادية أن صلاتنا فى هذه المساجد تعادل صلوات كثيرة فى المسجد المعاصر !!
فما الذى يتحتم على المسجد المعاصر أن يدركه حتى يحقق تأثيره فى الناس .. كل الناس .. حتى غير الذين يدينون بالدين الإسلامى الحنيف، وحتى يستمر هذا التأثير ممتداً لأجيال ستأتى بعدنا إما يوقرون ويبجلون ما صنعناه نحن الآن كما صنع الذين من قبلنا مخلصين القصد ولو كره الكافرون بالحداثة أو يقفون على هدمه وإنكاره.