رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

قضايا مصرية

شهدنا مؤخرًا احتجاجات مهنية وحراكًا نقابيًا واسعًا لم تشهده مصر منذ فترة كبيرة، فقد تحركت فى أوائل شهر فبراير الماضى نقابة الأطباء للدفاع عن الانتهاكات التى تعرض لها الأطباء على يد أمناء الشرطة أثناء ممارستهم لعملهم، فى مستشفى المطرية، كما انتفضت نقابة الصحفيين فى مواجهة اقتحام أفراد من الداخلية لمبنى نقابة الصحفيين، فى أوائل شهر مايو الماضى، للقبض على صحفيين يحتمان بها.

فعليًا، لم تظهر هذه التحركات من الفراغ، بل ظهرت فى سياق سياسى واجتماعى يشهد حراك فئات عديدة سواء، على الصعيد العمالى، حيث المزيد من الاحتجاجات سواء فى وسط عمال وموظفى القطاع الخاص أو العام أو الحكومى، فكان أبرزها احتجاجات موظفى الدولة ضد قانون الخدمة المدنية فى شهر ديسمبر 2015 ويناير 2016، أو على الصعيد السياسى، خاصة مع بروز الاحتجاجات السياسية المعترضة على تنازل مصر عن جزيرتى تيران وصنافير للملكة العربية السعودية فى شهر أبريل المنصرم.

والحقيقة هى أنه بالرجوع إلى بعض الأدوات التحليلية الخاصة بنظرية الحركات الاجتماعية، يمكننا أن ملاحظة تأثير ثلاثة عوامل رئيسية على قدرة تحركات النقابات المهنية – خاصة الحراك الأخير لنقابتى الأطباء والصحفيين - على التفاعل مع محيطها، وعلى زيادة أو تقليل فرص نجاحها فى تحقيق مطالبها.

وتتمثل الأولى فى دور القيادة Leadershipفى إدارة الاختلاف وتحديد سقف مطالب الحركة.

والثانية فى قدرة الحركة على تأطير Framingأو صياغة مطالبها بشكل يزيد من عملية التعاطف معها، وأخيرًا، قدرة الحركة على الحشد والتعبئة، وهو ما يطلق عليه اسم هياكل التعبئةmobilizingstructures.

وفى هذا الإطار، سنركز فى هذا المقال على هذه العوامل الثلاثة سابقة الذكر عند تحليلنا لكل من مجريات ومخرجات تحركات نقابتى الأطباء والصحفيين الأخيرتين.

أولاً – دور القيادة فى إدارة الاختلاف وتحديد سقف المطالب:

إحدى أهم الأدوار التى تلعبها القيادة هى التأثير فى سقف المطالب الذى تطرحه الحركة، وإدارة الاختلاف بشأنه.

فقدرة القيادة على تحقيق نوع من التوازن بين تحقيق مطالب القواعد الوقتية المباشرة، وتلك بعيدة المدى أو الأكثر جذرية يؤثر فى شكل وتوجه الحركة: فأحيانًا ما ينحاز القائد إلى جزء من القواعد لا تهتم سوى بتحقيق بعض المطالب المادية المباشرة، فلا تهتم بحقوقها المهنية والمعنوية فى المدى الأبعد.وعلى العكس، قد تقع القيادة فى فخ التعبير عن مطالب فئة صغيرة مُسيَّسة من قواعدها تبغى التعبير عن توجهاتها السياسية المعارضة للنظام السياسى، عبر تسييس مطالب الحركة أو رفع سقفها.

فالنقابة بعكس الحزب السياسى تتكون من أعضاء يشتركون فى المهنة الواحدة، وبالتالى فى المصالح المهنية (ولو بشكل جزئى)، ولكنهم يختلفون فى التوجه السياسى.

فالمؤيدون المعتدلون للسلطة والموجودون داخل الكيان النقابى يمكن ان يوافقوا على المطالبة بمحاسبة المخطئ من أجهزة الدولة أو من قيادات هذه المؤسسات، ولكنهم لن يوافقوا بالضرورة  على ما هو أكثر من ذلك.

والمعارضون المعتدلون للنظام من المنتمين إلى النقابة سيتفقون معهم فى هذا، ولكنهم سيسعون أيضًا إلى زيادة الضغط لضمان تحقيق هذه المطالب، عبر بعض الوسائل التصعيدية.

والمشكلة الأكبر التى ستواجه الجميع، وعلى رأسهم القيادة، هى كيفية التعامل مع الراديكاليين من كل صف: أصحاب الصوت الأعلى، وليس بالضرورة التأييد الأوفر.

فرفع سقف المطالب بما هو غير معقول، قد يضر، خاصة حين تجبر موازين القوى الحركة أو النقابة على الرجوع عنه.

ومن ناحية أخرى، فإن رضوخ القيادة لأصحاب «الموالاة» يهدر دور الحراك النقابى، باعتباره تحركًا ذا هدف مدافع عن حقوق وكرامة أبناء المهنة الواحدة.

والحقيقة هى أنه يقع على عاتق القيادات النقابية تحقيق هذا التوازن الصعب بين أعضائها المتفقين مهنيًا والمختلفين سياسًيا وربما مطلبيًا أيضًا.

وبالمقارنة بين النتيجة المترتبة على طبيعة مطالب كل من نقابة الأطباء التى تركزت فى مطلب واحد محدد: محاسبة المخطئ فى حق الأطباء، وبين مطالب نقابة الصحفيين التى رفعت السقف إلى حد إقالة وزير الداخلية واعتذار رئيس الجمهورية، يمكن أن نستنتج أنه كلما نجحت القيادة فى الارتكاز فى قراراتها على الأغلبية المعتدلة من الطرفين (المؤيدة والمعارضة للنظام السياسى)، تلك التى تبغى، بالأساس، الدفاع عن حقوق المهنة أو النقابة وكرامتها، زادت فرصة الحركة فى الحفاظ على موازين القوى لصالحها أو على الأقل نجحت فى عدم انقلاب هذه الموازين ضدها.

فتركيز نقابة الأطباء على مطلب واحد محدد يحظى بالشرعية والقبول، ويتواءم مع وجهة نظر الأغلبية المعتدلة المؤيدة له، باعتباره مطلبا مهنيا بالأساس، حتى وإن لم يمكِّن نقابة الأطباء من تغيير موازين القوى لصالحها بالكامل، فمكنها على الأقل من منع انقلاب هذه الموازين ضدها.

وعلى العكس، استجابة القيادة النقابية فى اجتماع الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين لرغبة بعض أعضائها الراديكاليين - الأعلى صوتًا والمعارضين للنظام - فى رفع سقف المطالب بما يفوق توازنات القوى الحقيقية سهل من عملية تحجيم الحراك النقابى للصحفيين.

ثانيًا - تأطير أو صياغة المطالب:

تؤثر الكيفية التى يتم من خلالها تأطير أو صياغة المطالب فى قدرة الحركة على كسب مزيد من التضامن الشعبى وتأييد الرأى العام بما يمكنها من مجابهة محاولات التشويه.

وهو الأمر الذى يبدو أن نقابة الأطباء قد أدركته فى تصعيدها الأخير: فتنظيم إضراب جزئى أو كلى كان من شأنه أن يزيد من قدرة النقابة على الضغط بشكل أكبر من أجل تحقيق مطلبها الخاص بمعاقبة المخطئ من أمناء الشرطة، إلا أنه فى المقابل، كان سيجعلها تخسر تأييد قطاع واسع من الرأى العام الذى من الممكن أن يرى فى مثل هذا السلوك أضرارًا بمصالحه.

فعليًا، اختارت نقابة الأطباء أن تتبنى خطابًا يقف فى صف المواطن والمريض فصرح نقيب الأطباء، الدكتور حسين خيرى بالآتى: 

«قرارات الجمعية العمومية لابد وأن تصوب ضد المخطئ، وليس المريض، وإلا يبقى ظلم».

فبعكس بعض الحركات الثورية، مثلا، التى رفعت- فى بعض الأحيان -شعارات استعلائية أو هدامة، أفقدتها تعاطف عموم الناس، تبنت نقابة الأطباء خطابًا يقف فى صف المواطن والمريض، فكسبت تعاطفًا شعبيًا ملحوظًا.

والأهم من ذلك، سعت قيادات الحركة خلال الحراك النقابى إلى إعطاء علامات تزيد من تضامن المواطن معها.

نذكر على سبيل المثال لا الحصر: ذهاب الدكتور خيرى بنفسه إلى أفراد الشرطة المقيمين على تأمين النقابة، يوم انعقاد الجمعية العمومية الطارئة، وإلقاء السلام عليهم باليد، فى إشارة إلى أن هدفه هو إعمال القانون، عبر محاسبة المخطئ، وليس معاداة الدولة، أو مؤسساتها.

والحقيقة هى أن تأطير مطالب الأطباء بشكل يخدم المريض ولا يؤذيه هو امتداد لحراك حديث لحركة الأطباء ظهرت ملامحه، بالتحديد، بعد ثورة يناير.

فقد سعت نقابة الأطباء على ربط مطالب الأطباء المادية بتحسين الخدمة الصحية التى تقدم للمرضى.

ففى الإضراب الذى نظمه الأطباء ابتداءً من أكتوبر 2013 لم يسع المضربون فقط إلى تحقيق مطالبهم الاقتصادية الخاصة «بالكادر»، ولكنهم أيضا طالبوا الدولة- بشكل غير مباشر- بتغيير سياستها، من خلال رفع ميزانية وزارة الصحة خاصة وأن الإمكانيات المتاحة لا تمكّنهم من القيام بدورهم المهنى على نحو يليق.

وهو الأمر الذى عبرت عنه لافتات الإضراب التى انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى:  «أطباء مصر يعتذرون..

آسفون...هذه الرعاية الصحية لا تليق بك، علشان أقدر أداويك..

لازم ميزانية للصحة تليق بيك».

وفى المقابل، الطريقة التى صاغت أو أطّرت بها الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين مطالبها، رغم أنها مكنتها من الضغط الرمزى على السلطة، من خلال عمل صورة وزير الداخلية “نيجاتيف” فى الصحف، بالإضافة إلى الإصرار على وقف حظر النشر فى هذه القضية، إلا أن رفع سقف المطالب وإعطاء انطباع عام للجمهور الأوسع بتسييس مطالب النقابة وانتقالها من خانة الدفاع عن المهنة إلى خانة المعارضة السياسية حرمها من الحصول على الشرعية الكافية فى أعين قطاع غير قليل من المواطنين، وبالتالى فقدت تضامن قطاع منهم معها.

ومن ثم، تعثرت النقابة إثر ذلك فى الصمود أمام التأطير المضاد counterframingالذى لجأ إليه النظام السياسى لتشويه حراك النقابة وتقليب الرأى العام على الصحافة والصحفيين وتصويرهم بشكل المدافع عن إيواء مجرمين حتى وإن كان المحتمون بالنقابة صحفيين معارضين وليسوا مجرمين.

وهو أمر لا يبدو أن النقابة أو أعضاءها كان لديهم فكرة واضحة أو مسبقة لكيفية التعامل معه بشكل يعدل من موازين القوى لصالحهم حتى ولو نسبيًا.

ثالثًا - القدرة على الحشد والتنظيم:

قدرة الحركة أو النقابة على تنظيم صفوفها وحشدها تؤثر فى قدرتها على التفاعل الجاد، كما تؤثر فى مدى استطاعتها إحداث مزيد من الضغط.

والحقيقة هى أن الحراك الأخير فى كلتا النقابتين أظهر قدرة كبيرة للحركتين أو النقابتين على الحشد، إلا أن المشكلة ظهرت بعد ذلك بحين.

فالقدرة على الحشد توافرت فى كلا الحالتين، أما القدرة على الحفاظ على وحدة الحشد، وبالتالى على استمراريته فقد اختفت فى حالة نقابة الصحفيين، وضعفت فى حالة نقابة الأطباء بمرور الوقت حتى وإن لم تفقد الحركة وحدتها.

لقد دفعت الطريقة التى صاغت نقابة الصحفيين من خلالها مطالبها بعد اجتماع الجمعية العمومية، إلى حدوث انقسام بداخل أعضاء النقابة بين الصحفيين المؤيدين للنظام، خاصة من العاملين بالصحف القومية الذين عبروا عن اعتراضهم على رفع سقف المطالب من جهة، وبين هؤلاء المعارضين للنظام من بعض العاملين بالصحف المستقلة الذين تشبثوا بالمطالب التى رفعتها الجمعية العمومية رغم عدول نقيب الصحفيين الضمنى عنها فى بعض تصريحاته.

ومن ثم، فإن تعثر حراك نقابة الصحفيين فى صياغة مطالبه بشكل يحافظ على وحدة صفوف الحركة لم يسهل فقط من عملية تشويهها ولكنه يسّر أيضًا من عملية قلب موازين القوى فى غير مصلحتها.

وفى المقابل، لم تسهّل فقط الطريقة التى صاغت بها نقابة الأطباء مطالبها من الحصول على تضامن شعبى واسع، بل أيضًا حافظت على وحدة الصف النقابى بين أعضاء النقابة المختلفين، فى الأغلب سياسيًا، ولكنهم متفقون بطبيعة الحال مهنيًا.

ورغم أن نقابة الأطباء مثلها مثل نقابة الصحفيين نجحت فى حشد الجمعية العمومية الأولى بسهولة، لكنها تعثرت ولو بشكل نسبى  فى تحقيق نفس الحشد عند الدعوة إلى الجمعية العمومية الثانية إلا أن نقابة الأطباء، بعكس نقابة الصحفيين، تمكنت بفضل سقف مطالبها وطريقة تأطيرهم فى الحفاظ على موازين القوى وعدم انقلابها ضدها حتى وإن لم تنجح فى قلبها لمصلحتها بالكامل، خاصة وأن محاكمة أمناء الشرطة تسير حتى هذه اللحظة من تأجيل إلى آخر.

ملاحظات ختامية:

تساعد الأدوات التحليلية لنظرية الحركات الاجتماعية فى فهم وتحليل حراك النقابات المهنية الأخير، ومدى قدرته على التأثير فى محيطه، أو سياقه السياسى والاجتماعى، أو ما يحول دون حدوث ذلك.

وفى هذا الصدد، يمكن استخلاص ثلاثة عوامل رئيسية تسهل من عملية تفاعل الحركة أو الحراك مع سياقه، أو تحد من فاعليته وقدرته على الضغط، وذلك على النحو الآتى:

(1) قدرة القيادة على إدارة الاختلاف والتأثير فى سقف مطالب الحركة.

ولعب دور رمانة الميزان فى هذا الصدد يساعد فى الحفاظ على وحدة صف الحركة، كما يحميها على الأقل من إمكانية انقلاب موازين القوى ضدها حتى ولو لم يمكنها من قلب موازين القوى لمصلحتها.

(2)  طريقة تأطير أو صياغة المطالب يؤثر فى مدى قدرة الحراك على كسب تضامن الرأى العام ودعمه، كما أنها تؤثر فى قدرته على مجابهة التأطير المضاد للنظام السياسى، ومحاولات الأخير لتشويهه أو تقليب الرأى العام ضده.

(3) القدرة على الحشد والتنظيم وإعطاء انطباع قوى بأن قيادة الحركة تتحرك بناءً على غطاء وشرعية قواعدها الاجتماعية، وهو أمر غاية فى الأهمية لضمان قدرة الحركة على التأثير، ولكن الأمر الوحيد الذى يضمن لها النجاح فى تحقيق مطالبها هو المثابرة واستمرارية الحشد حتى تحقيق المطالب (أو المطلب).

بشكل عام، وفيما يخص الصورة الأوسع للحراك النقابى فى مصر، يمكن أن نستخلص نقطة أساسية، مفادها أن النجاح فى الضغط لإحداث إصلاحات جزئية لكن مستمرة بفضل قوة منظمة تدعمها أفضل من الاكتفاء باحتجاجات لا يسندها تنظيم اجتماعى، فسريعًا ما يتلاشى أثرها.

فضغط قطاعات مهنية، أو عمالية «أو غيرها» لتحقيق مطالب جزئية خاصة بها من شأنه تحقيق تغيير كلى على المدى الأبعد بشرط القدرة على تأطير المطالب وسقفها بشكل يمكّن من كسب الدعم والتأييد من ناحية، والمثابرة والاستمرارية من ناحية أخرى.

فالمشكلة هى أن الأمر كثيرًا ما يتعلق بفوران للرد على انتهاك جسيم، أو بهبّة طلبًا لرد الاعتبار، ولكن سرعان ما تضعف الإرادة وتثبط الهمم.

فمن يذهب إلى الجمعية العمومية الأولى لن يذهب بالضرورة إلى الثانية، ومن يتحمس ويتحرك أولا لن ينطلق ثانية، ولن يثابر على المطالبة بحقه.

والحقيقة هى أن مثل هذا الوضع يضعف من قدرة أبناء الجماعة المهنية الواحدة على إيجاد آلية لضمان حقهم، فيظل الأمر متعلقا بانفجارات للغضب المتراكم يتحرك فيها الكثير، ويتغير من خلالها القليل.

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة